Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
(٢٠) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّخَلِّي فِي الطُّرُقِ وَالظَّلَالِ - حديث رقم (٦٢٤)
وقال القاضي عياضٌ تَخْتُ: قوله: ((اتّقوا اللعّانين)) وفي غير مسلم: ((اتّقوا
الملاعن))، فذكر هاتين، وزاد: ((موارد الماء))، وسُمّيت ملاعن؛ لجلبها اللعن؛
لأنها أماكن راحة الناس، فإذا وجدوا ذلك فيها، قالوا: لعن الله من فعله، وقد
يكون اللاعنان بمعنى الملعونين؛ لأن الحالتين ملعونتان، أي فاعلهما، كـ﴿عِيشَةٍ
رََّضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]: أي مرضيّة.
قال الأبّيّ تَخْتُهُ: والمعنى على الأول: اتّقوا صاحبتي اللعن، أي اللتين
يقع اللعن عند وجودهما، واتّقاؤهما من نوع ما تقدّم من النهي عن استقبال
القبلة، واستدبارها، والاستنجاء باليمين؛ لكون ذلك من آداب الأحداث.
انتهى(١).
وقال الطيبيّ ◌َخَّتُهُ في تفسير قوله: ((اتّقوا الملاعن الثلاث)) هي مَلْعَنة،
وهي الفعلة التي تَلْعَن فاعلها، كأنها مظنّة اللعن، ومَعْلَمةٌ له، كما يقال: ((الولدُ
مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ))(٢)، وأرضٌ مأسدة. انتهى.
(قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون مجلسه وَّ حينما تكلّم بهذا الحديث (وَمَا
اللَّغَانَانِ) أي الأمران الجالبان للعن (يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: ((الَّذِي يَتَخَلَّى) قال
الطيبيّ ◌َّتُهُ: هو على حذف مضاف، أي تخلّي الذي يتخلَّى، أو عبّر عن الفعل
بفاعله. انتهى. (يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ) أي يتغوّط في موضعٍ يَمُرّ به الناس (أَوْ
فِي ظِلَّهِمْ) قال الخطابيّ وغيره من العلماء: المراد بالظلّ هنا مُسْتَظَلُّ الناس الذي
اتخذوه مَقِيلاً ومُنَاخاً ينزلونه، ويقعدون فيه، وليس كلُّ ظلّ يحرم القعود تحته،
فقد قَعَد النبيّ بَّ تحت حائش النخل لحاجته، وله ظلّ بلا شكّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((فقد قَعَد النبيّ ◌َّ إلخ)) أشار به إلى ما
أخرجه المصنّف تَخْذَلُهُ من حديث عبد الله بن جعفر ﴿هَا، قال: ((وكان أحبَّ ما
استتربه رسول الله ◌َ ﴿ لحاجته هَدَفٌ، أو حائشُ نخل))، يعني حائط نخل(٣)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((شرح الأبيّ)) ٤٥/٢.
(٢) حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه برقم (٣٦٥٦).
(٣) سيأتي للمصنّف في ((كتاب الحيض)) برقم (٣٤٢).

٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف تَخَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٦٢٤/٢٠] (٢٦٩)، و(أبو داود)
في ((الطهارة)) (٢٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧٢/٢)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (٦٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٤١٥)، و(ابن الجارود) في
(المنتقى)) (٣٣)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١٨٥/١ - ١٨٦)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٤٨٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٢٠)، والله أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن التخلّي وقضاء الحاجة من البول والغائط في
طريق الناس.
٢ - (ومنها): بيان النهي عن التخلّي في ظلّ ينتفع به الناس.
٣ - (ومنها): أن سبب النهي عن التخلّي فيما ذُكر؛ لما فيه من إيذاء
المسلمين بتنجيس من يَمُرّ به، ونتنه، واستقذاره.
٤ - (ومنها): بيان شدّة حرص الشريعة على إبعاد الفرد والمجتمع عما
يُلحق الأذى بهم، مما يوجب لعن بعضهم لبعض، وشتمهم.
٥ - (ومنها): الحثّ على ما يجلب المحبّة بين الناس، ودعاء بعضهم
لبعض من إدخال السرور في قلوبهم، وإزالة الضرر عنهم، ولذا صار إماطة
الأذى عن طريق المسلمين من شعب الإيمان فقد أخرج المصنّف: عن أبي
هريرة نظمته قال: قال رسول الله وَله: ((الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون
شعبةً، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء
شعبة من الإيمان))(١) .
وأخرج البخاريّ ◌َُّ في ((صحيحه)) من حديث عبد الله بن عمرو
قال: قال رسول الله وَ له: ((أربعون خَصْلَةً، أعلاهن مَنِيحة الْعَنْز، ما من عامل
(١) تقدّم في ((كتاب الإيمان)) برقم (٣٥).

٢٣
(٢٠) - بَابُ النَّهْي عَنِ التَّخَلِّي فِي الطُّرُقِ وَالظَّلَالِ - حديث رقم (٦٢٤)
يعمل بخصلة منها، رجاء ثوابها، وتصديق موعودها، إلا أدخله الله بها الجنة)).
قال حسان - أحد رواته -: فعددنا ما دون منيحة الْعَنْز، من ردّ السلام،
وتشميت العاطس، وإماطة الأذى عن الطريق، ونحوه، فما استطعنا أن نبلغ
خمس عشرة خصلة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في الأماكن التي منع قضاء الحاجة فيها:
قال الموفّق ابن قدامة كَُّهُ: لا يجوز أن يبول في طريق الناس، ولا
مَوْرد ماء، ولا ظلِّ ينتفع به الناس؛ لحديث معاذ رَُّه مرفوعاً: ((اتقوا الملاعن
الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل))، حديث حسنٌ رواه أبو
داود(١)، والْمَوْرِد: الطريق.
ولا يبول تحت شجرة مثمرة، في حال كون الثمرة عليها؛ لئلا تسقط عليه
الثمرة، فتتنجس به، فأما في غير حال الثمرة فلا بأس، فإن النبيّ وَّل (كان
أحبّ ما استتر به لحاجته هَدَفٌ، أو حائش نخل))، رواه مسلم.
ولا يبول في الماء الدائم؛ لأن النبيّ وَّ نَهَى عن البول في الماء
الراكد، متفق عليه، ولأن الماء إن كان قليلاً تنجس به، وإن كان كثيراً، فربما
تغير بتكرار البول فيه، فأما الجاري فلا يجوز التغوط فيه؛ لأنه يؤذي مَن يمر
به، وإن بال فيه وهو كثير لا يؤثر فيه البول، فلا بأس؛ لأن تخصيص النبيّ وَل
الراكد بالنهي عن البول فيه دليل على أن الجاري بخلافه.
ولا يبول على ما نُهِي عن الاستجمار به؛ لأن هذا أبلغ من الاستجمار
به، فالنهي ثَمَّ تنبيةٌ علی تحریم البول علیه.
ويكره أن يبول في شِقٌّ، أو ثُقْب؛ رَوَى عبد الله بن سَرْجِس ◌َلُه أن
النبيّ وَّ نَهَى أَن يُبَال في الْجُحْر، حديث صحيحٌ رواه أبو داود، ولأنه لا
يَأْمَن أن يكون فيه حيوان يَلْسَعه، أو يكون مسكناً للجنّ، فيتأذى بهم، فقد
حُكِي أن سعد بن عبادة رَظُّه بال في جُحْر بالشام، ثم استلقى ميتاً، فسُمِعَتِ
الجنُّ تقول [من مجزوّ الرمل]:
(١) حديث حسنٌ، رواه أبو داود في ((سننه)) رقم (٧).

٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
رَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ
نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْ
وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْ نِ فَلَمْ تُخْطِىءْ فُؤَادَهْ(١)
ولا يبول في مُسْتَحَمِّه - أي محلّ اغتساله ـ لأن عبد الله بن المغفل
قال: قال رسول الله وَليقول: ((لا يبولنّ أحدكم في مُسْتَحَمِّه، فإن عامة الوسواس
منه))، حديث صحيحٌ، رواه أبو داود، وابن ماجه (٢)، وقال ابن ماجه: سمعت
علي بن محمد الطنافسي يقول: إنما هذا في الْحَفِيرة، فأما اليوم فمُغْتسلاتهم
الْجَصّ والصاروج(٣)، والْقِير، فإذا بال، وأرسل عليه الماء فلا بأس به.
قال: وقد قيل: إن البصاق على البول يورث الوسواس، وإن البول على
النار يورث السّقَم، وتوقي ذلك كله أولى، ويكره أن يتوضأ على موضع بوله،
أو يستنجي عليه؛ لئلا يتنجس به. انتهى كلام ابن قدامة دخّتُهُ(٤)، وهو بحث
مفيدٌ، إلا أن قوله: ((إن البصاق)) إلى قوله: ((يورث السقم)) يحتاج إلى دليل
صحيح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٢١) - (بَابُ الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٦٢٥] (٢٧٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ
(١) كذا ذكره الحافظ ابن عبد البرّ لَّتُ في ((الاستيعاب)) في ترجمة سعد بن
عبادة رَظُه، وقال: ولم يختلفوا أنه وُجد ميتاً في مغتَسَله، وقد اخضرّ جسده، ولم
يشعروا بموته حتى سمعوا قائلاً يقول، ولا يرون أحداً، ثم ذكر البيتين المذكورين،
وقال الشيخ الألبانيّ كَّلُهُ بعد ذكر كلام ابن عبد البرّ ◌َُّ المذكور: ولكن لم
أجد له إسناداً صحيحاً على طريقة المحدّثين. انتهى ((إرواء الغليل)) ١/ ٩٤.
(٢) حديث صحيح، رواه أبو داود برقم (٢٧)، وابن ماجه برقم (٣٠٠).
(٣) الصاروج: النورة، وأخلاطها التي تصرج بها الحياض والحمامات.
(٤) ((المغني)) ١٥٦/١ - ١٥٧.

٢٥
(٢١) - بَابُ الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ - حديث رقم (٦٢٥)
خَالِدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ دَخَلَ
خَائِطاً، وَتَبِعَهُ غُلَامٌ مَعَهُ مِيضَأَةٌ(١)، هُوَ أَصْغَرُنَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ سِدْرَةٍ، فَقَضَى
رَسُولُ اللهِ نَّهِ حَاجَتَهُ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، وَقَدِ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ الحافظ المذكور قبل باب.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطّحّان الواسطيّ المزنيّ
مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في (الإيمان)) ٧٨/ ٤٠٧.
٣ - (خَالِد) بن مِهْرَان، أبو الْمُنَازل - بفتح الميم، وضمّها - الْحَذّاء
البصريّ، ثقةٌ، يرسل [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٤٤.
٤ - (عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ) اسم أبيه منيع، أبو معاذ البصريّ، مولى
أنس، ويقال: مولى عمران بن حصين، ثقةٌ، رُمي بالقدر [٤].
رَوَى عن أنس، وعمران، وجابر بن سَمُرة، وأبي بُردة بن أبي موسى،
والحسن، ووهب بن عمير، وأبي رافع الصائغ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن.
ورَوَى عنه ابناه: إبراهيم، ورَوْح، وخالد الحذاء، وشعبة، وعبد الله بن
بكر بن عبد الله المزنيّ، ورَوْح بن القاسم، وحماد بن سلمة، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالحٌ، لا
يُحتَجّ بحديثه، وكان قدريّاً، وقال ابن عديّ: يُكنى أبا معاذ، وفي أحاديثه
بعض ما يُنگر علیه.
قال البخاريّ: قال يحيى القطان: مات بعد الطاعون بالبصرة، سنة إحدى
وثلاثين ومائة، وهو قول ابن سعد، وابن حبان في ((الثقات)) في ترجمته، ووثقه
يعقوب بن سفيان، وقال البزار: بصريّ مشهور، وقال حماد بن زيد،
والبخاريّ، وابن سعد، والْجُوزَجانيّ: كان يرى القدر، وأنكر الذهبي قول
الْجُوزَجانيّ: إنه كان رأساً في القدر، فقال: بل هو قدريّ صغير.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله
(١) وفي نسخة: ((ومعه ميضأة)) بالواو.

٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٢٧٠) و(٢٧١) وأعاده بعده،
و(٥٧٨) و(٢١٤١).
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الصحابيّ الشهير ◌ُبه، مات سنة (٢
أو ٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظُّهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه، وغير عطاء، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من خالد الحذاء.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: خالد، عن عطاء.
٥ - (ومنها): أن أنساً ظ له أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من
الصحابة بالبصرة، ومن المعمّرين، فقد جاوز عمره مائة سنة، والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَّهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ دَخَلَ حَائِطاً) أي بستاناً،
قال الفيّوميّ تَخْشُهُ: حاطه يحوطه حَوْطاً: إذا رعاه، وحوّط عليه تحويطاً: إذا
أدار عليه نحو التراب حتى جعله محيطاً به، وأحاط القوم بالبلد إحاطةً:
استداروا بجوانبه، وحاطوا به، من باب قال، لغةٌ في الرباعيّ، ومنه قيل
للبناء: حائطٌ، اسم فاعل من الثلاثيّ، والجمع حِيطان، والحائط البستان،
وجمعه حوائط، انتهى(١).
(وَتَبِعَهُ) بكسر الموحّدة، من باب تَعِبَ (غُلَامٌ) هو المترعرع، قاله أبو
عُبيد، وقال في ((المحكم)): من لدن الفطام إلى سبع سنين، وحكى الزمخشريّ
في ((أساس البلاغة)) أن الغلام هو الصغير إلى حدّ الالتحاء، فإن قيل له بعد
الالتحاء: غلامٌ، فهو مجاز، ذكره في ((الفتح)(٢).
(١) (المصباح المنير)) ١٥٦/١ - ١٥٧.
(٢) ((الفتح)) ٣٠٢/١.

٢٧
(٢١) - بَابُ الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ - حديث رقم (٦٢٥)
وقال في ((العمدة)): الغلام: هو الذي طرّ شاربه، وقيل: من حين يولد
إلى أن يشيب(١)، وزعم الزمخشريّ أن الغلام هو الصغير إلى حدّ الالتحاء،
فإن أُجري بعدما صار ملتحياً اسم الغلام فهو مجازٌ، ويُروى عن عليّ بن أبي
طالب ربه في بعض أراجيزه:
أَنَا الْغُلَامُ الْهَاشِمِيُّ الْمَكِّي
وقالت ليلى الأخيليّة في الحجّاج [من الطويل]:
غُلَامٌ إِذَا هَزَّ الْقَنَاةَ تَبَاهِيَا
قال: وقال بعضهم: يستحقّ هذا الاسم إذا ترعرع، وبلغ حدّ الاحتلام
بشهوة النكاح، كأنه يشتهي النكاح ذلك الوقت، ويُسمّى قبل ذلك تفاؤلاً، وبعد
ذلك مجازاً، وفي ((المخصّص)): هو غلام من لدن فطامه إلى سبع سنين، وعن
أبي عبيدة: هو المترعرع المتحرّك، والجمع أغلمة، وغِلْمة، وغلمان، والأنثى
(٢)
غلامة، انتهى (٢) .
[تنبيه]: قيل: الغلام المذكور يحتمل أن يكون ابن مسعود څبه، وقوّاه
الحافظ في ((الفتح))، لكن يُبعده قول أنس ◌َُّه عند البخاريّ: ((منّا))، وعند
الإسماعيليّ: ((من الأنصار))، وما أجاب به الحافظ تكلّف ظاهر.
ويحتمل أن يكون أبا هريرة رضيه؛ لما في رواية أبي داود، من حديث
أبي هريرة وبه قال: ((كان النبيّ وَ ل* إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ركوة،
فاستنجى))، ونحوه للبخاريّ في ((ذكر الجنّ))، وفيه ما في الذي قبله.
ويحتمل أن يكون جابراً بعضالله؛ لما في حديث جابر نظرته الطويل عند
مسلم أن النبيّ وَ ﴿ انطلق لحاجته، فاتّبعه جابر بإداوة، ولا سيّما، وهو
أنصاريّ، وفيه ما سبق.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر هذه الاحتمالات في ((الفتح))،
وعندي أنه لا داعي إلى هذه التكلّفات التي لا يقبلها الذوق السليم، وأيُّ مانع
(١) قد نظمت أبياتاً، بيّنت فيها أطوار المولود من حين كونه جنيناً في بطن أمه، إلى
آخر شيخوخته، تقدّمت في ((شرح المقدّمة»، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(٢) ((عمدة القاري)) ٤٣٩/٢ - ٤٤٠.

٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
من أن نقول: إنه غلام أنصاريّ من أقران أنس به، من المراهقين، وما الذي
اضطرّنا إلى معرفة عينه، حتى نتكلّف هذه التكلّفات الباردة؟.
ومما يوهن هذه الاحتمالات قول أنس مع به هنا: ((هو أصغرنا)»، فهل
ابن مسعود، أو أبو هريرة، أو جابر أصغر من أنس؟ سبحان الله !! ، إن هذا
لشيء عجيب !!! ، والله تعالى المستعان.
وقوله: (مَعَهُ) بفتح العين المهملة، وتُسكّن، قال في ((المحكم)): (مع))
اسم معناه الصحبة، متحرّكة، وساكنة، غير أن المتحرّكة العين تكون اسماً
وحرفاً، والساكنة العين تكون حرفاً لا غير، ويجوز هنا تسكين العين، وعند
اجتماعها بالألف واللام تُفتح العين، وتكسر، فيقال: معَ القوم، فتحاً وكسراً،
وقال الجوهريّ: ((مع)) للمصاحبة، وقد تسكّن، وتنوّن، فيقال: جاؤوا معاً.
انتهى(١). وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك تَخُّْ في ((الخلاصة)) حيث قال:
وَ((مَعَ)) ((مَعْ)) فِيهَا قَلِيلٌ وَنُقِلْ فَتْحٌ وَكَسْرٌ لِسُكُونٍ يَتَّصِلْ
(مِيضَأَةٌ) وفي نسخة: ((ومعه ميضأة))، والجملة في محلّ رفع صفة
لـ((غلام)).
و ((الْمِيضأة)) : - بكسر الميم، وبهمزة، بعد الضاد المعجمة، ويمدّ،
ويُقصَر -: هي الإناء الذي يُتوضّأ به كالركوة، والإبريق، وشبههما(٢).
وأصله: مِوْضأة - بكسر الميم، وسكون الواو -؛ لأنه من وَضُؤَ، فَقُلبت
الواو ياء؛ لوقوعها ساكنة بعد كسرة.
(هُوَ أَصْغَرُنَا) هذا يردّ قول مَن قال: إن الغلام هو ابن مسعود، أو أبو
هريرة، أو جابر، كما مرّ آنفاً (فَوَضَعَهَا) أي الميضأة (عِنْدَ سِدْرَةٍ) بكسر،
فسكون: شجرة النَّبِقِ، والجمع سِدَرٌ، ثم يُجمع على سِدَرَات، فهو جمع
الجمع، وتُجمع السِّدْرة أيضاً على سِدْرَان بالسكون؛ حملاً على لفظ الواحد،
قال ابن السّرّاج: وقد يقولون: سِدْرٌ، ويُريدون الأقلّ؛ لقلّة استعمالهم التاء في
هذا الباب، وإذا أُطلق السِّدْر في الغسل، فالمراد الْوَرَقُ المطحون، والسِّدْر
(١) راجع ((عمدة القاري)) ٤٤٠/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٣/٣، و((المصباح المنير)) ٦٦٣/٢.

٢٩
(٢١) - بَابُ الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ - حديث رقم (٦٢٥)
نوعان: أحدهما: ينْبُتُ فِي الأَرْيَاف، فيُنتفَعُ بوَرَقه في الغسل، وثمرته طيِّبٌ،
والآخر ينبُتُ في البرّ، ولا يُنتفع بوَرَقه في الغسل، وثمرته عَفِصَةٌ(١)، أفاده
الفيّوميّ تَّهُ(٢) .
(فَقَضَى رَسُولُ اللهِ وَلِ حَاجَتَهُ) أراد بها هنا الغائط، أو البول (فَخَرَجَ
عَلَيْنَا) أي على أنس، وعلى الصحابة الذين معه، وقوله: (وَقَدِ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ)
جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، وهو من قول أنس، وليس
مدرجاً كما زعمه بعضهم. قاله في ((الفتح)) بعد ذكر اختلاف الروايات ما نصّه:
وقد بان بهذه الروايات أن حكاية الاستنجاء من قول أنس، راوي الحديث،
ففيه الردّ على الأصيليّ حيث تعقب على البخاريّ استدلاله بهذا الحديث على
الاستنجاء بالماء، قال: لأن قوله: ((يستنجي به)) ليس هو من قول أنس، إنما
هو من قول أبي الوليد، أي أحد الرواة عن شعبة، قال: وقد رواه سليمان بن
حرب، عن شعبة، فلم يذكرها، قال: فيحتمل أن يكون الماء لوضوئه. انتهى.
وقد انتفى هذا الاحتمال بالروايات التي ذكرناها، وكذا فيه الردّ على من زعم
أن قوله: ((يستنجي بالماء)) مدرج من قول عطاء الراوي عن أنس، فيكون
مرسلاً، فلا حجة فيه، كما حكاه ابن التين، عن أبي عبد الملك البونيّ، فإن
رواية خالد التي ذكرناها - يعني رواية مسلم هذه - تدل على أنه قول أنس،
حیث قال: ((فخرَجَ علینا)).
ووقع هنا في ((نُكَت البدر الزركشيّ)) تصحيف، فإنه نسب التعقب المذكور
إلى الإسماعيليّ، وإنما هو للأصيليّ، وأقرّه، فكأنه ارتضاه، وليس بمرضيّ كما
أوضحناه، وكذا نسبه الكرمانيّ إلى ابن بطال، وأقرّه عليه، وابن بطال إنما
أخذه عن الأصيليّ. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك تظ له هذا متّفقٌ عليه.
:
(١) في ((ق)): العُفُوصة: المرارة، والقبض. اهـ.
(٢) راجع ((المصباح المنير)) ٢٧١/١.
(٣) ((الفتح)) ٣٠٢/١.

٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٦٢٥/٢١] (٢٧٠) و[٦٢٦/٢١
و٦٢٧] (٢٧١)، و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (١٥٠ و١٥١ و١٥٢ و٢١٧
و٥٠٠)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٤٣)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (٤٥)
و(«الكبرى» (٣٧)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٤٨/١)، و(ابن أبي
شيبة) في (مصنّفه)) (١٥٢/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٠٣/٣ و٢٥٩ و٢٨٤
و١١٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٨٤ و٨٥ و٨٦ و٨٧)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (١٤٤٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥٩٥ و٥٩٦ و٥٩٧)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٢١ و٦٢٢ و٦٢٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١/
١٠٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٩٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الاستنجاء بالماء، بل هو المستحبّ،
والمرجّح على الاقتصار على الحجر، وقد ترجم عليه الإمام البخاريّ ◌َظُّ في
(صحيحه))، فقال: ((باب الاستنجاء بالماء))، وفيه ردّ على من منع ذلك،
وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): خدمة الصالحين، وأهل الفضل، والتبرّك بذلك، وتفقّد
حاجاتهم، خصوصاً المتعلّقة بالطهارة.
٣ - (ومنها): جواز استخدام الرجل الفاضل بعض أتباعه الأحرار؛
ليتمرّنوا على التواضع، وحسن الخلق، خصوصاً إذا أُرصدوا لذلك، مثل
أنسِ رُه، فقد أخرج الشيخان عن أنس ظُه قال: قدم رسول الله وَل
المدينةَ، ليس له خادم، فأخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله وَّه،
فقال: يا رسول الله إنّ أنساً غلام كَيِّس، فليخدُمك، قال: فخدمته في السفر
والحضر، ما قال لي لشيء صنعته: لم صنعت هذا هكذا؟، ولا لشيء لم
أصنعه: لمَ لم تصنع هذا هكذا؟)).
٤ - (ومنها): مشروعيّة التباعد لقضاء الحاجة عن الناس، والاستتار عن
أعين الناظرين، وقد اشتهر هذا من فعله وَالات .
٥ - (ومنها): جواز الاستعانة في أسباب الوضوء.

٣١
(٢١) - بَابُ الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ - حديث رقم (٦٢٥)
٦ - (ومنها): استحباب اتّخاذ آنية الوضوء، كالإداوة، ونحوها.
٧ - (ومنها): استحباب حمل الماء معه إلى الكنيف.
٨ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ كَّتُهُ استدلّ بهذا الحديث على غسل
البول.
٩ - (ومنها): أن فيه حجةً على ابن حبيب من المالكيّة حيث منع
الاستنجاء بالماء؛ لأنه مطعوم؛ لأن ماء المدينة كان عذباً.
١٠ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على استحباب التوضؤ من الأواني
دون الأنهار والْبِرَك، وتعقّبه في ((الفتح)) بأنه لا يستقيم إلا لو كان النبيّ
وجد الأنهار والبِرَك، فَعَدَلَ عنها إلى الأواني. انتهى(١).
قال النوويّ كَّتُهُ في ((شرحه)): وقد استدل بعض العلماء بهذه الأحاديث
على أن المستحب أن يتوضأ من الأواني، دون المشارع، والْبِرَك، ونحوها؛ إذ
لم يُنْقَل ذلك عن النبيّ وَّر، وهذا الذي قاله غير مقبول، ولم يوافقه عليه أحدٌ
فيما نعلم، قال القاضي عياض ◌َخْشُهُ: هذا الذي قاله هذا القائل لا أصل له،
ولم يُنْقَل أن النبيّ وَّه وجدها، فَعَدَل عنها إلى الأواني. انتهى (٢)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الاستنجاء بالماء:
قال النوويّ تَُّهُ: قد اختَلَف الناس في هذه المسألة، فالذي عليه
الجماهير، من السلف والخلف، وأجمع عليه أهل الفتوى، من أئمة الأمصار،
أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، فيستعمل الحجر أوّلاً؛ لِتَخِفّ
النجاسة، وتَقِلّ مباشرتها بيده، ثم يستعمل الماء، فإن أراد الاقتصار على
أحدهما جاز الاقتصار على أيهما شاء، سواء وَجَد الآخر، أو لم يجده،
فيجوز الاقتصار على الحجر مع وجود الماء، ويجوز عكسه، فإن اقتصر على
أحدهما فالماء أفضل من الحجر؛ لأن الماء يُطَهِّر المحل طهارة حقيقيةً، وأما
الحجر فلا يطهره، وإنما يُخَفِّف النجاسة، ويبيح الصلاة مع النجاسة المعفوّ
عنها .
(١) ((الفتح)) ٣٠٤/١.
(٢) راجع ((شرح النوويّ)) ١٦٣/٣.

٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وبعض السلف ذهبوا إلى أن الأفضل هو الحجر، وربما أوهم كلام
بعضهم أن الماء لا يُجزي.
وقال ابن حبيب المالكيّ: لا يجزئ الحجر إلا لمن عَدِمَ الماء، وهذا
خلاف ما عليه العلماء، من السلف والخلف، وخلاف ظواهر السنن
المتظاهرة. انتهى كلام النوويّ(١).
وقال في ((الفتح)) عند البخاريّ كَّتُهُ: ((باب الاستنجاء بالماء)»: أراد بهذه
الترجمة الردّ على مَن كرهه، وعلى مَن نَفَى وقوعه من النبيّ وَِّ، وقد رَوَى ابنُ
أبي شيبة بأسانيد صحيحة، عن حذيفة بن اليمان ظًا أنه سئل عن الاستنجاء
بالماء، فقال: إذاً لا يزال في يدي نَتْنٌّ، وعن نافع أن ابن عمر كان لا يستنجي
بالماء، وعن ابن الزبير قال: ما كنا نفعله، ونقل ابن التين عن مالك أنه أنكر
أن يكون النبيّ وَّوَ استَنْجَى بالماء، وعن ابن حبيب من المالكية أنه مَنَع
الاستنجاء بالماء؛ لأنه مطعوم. انتهى (٢).
وقد تقدّم أن ابن المنذر حَكَى عن سعد بن أبي وقّاص، وحُذيفة، وابن
الزبير ﴿ أنهم كانوا لا يرون الاستنجاء بالماء، وعن سعيد بن المسيّب،
قال: ما يفعل ذلك إلا النساء، وقال عطاء: غسل الدبر مُحدَث. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: كلّ هذه الأقوال يردّها ما ثبت عن النبيّ وَّر من
الأحاديث الكثيرة الصحيحة، فالاستنجاء بالماء سنّة ثابتةٌ، قد وردت به أحاديث
كثيرة :
(فمنها): حديث أنس ظُّه المذكور في الباب.
(ومنها): حديث عائشة ◌َّا أنها قالت لنسوة: ((مُرْنَ أزواجكنّ أن
يستنجوا بالماء، فإني أستحييهم منه، إن رسول الله (وَلقر كان يفعله))، وهو
حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ.
(ومنها): حديث أبي هريرة ◌ُه: ((كان النبيّ وَلّ إذا أتى الخلاء أتيته بماء
في ركوة، فاستنجى، ثم مسح يده على الأرض، ثم أتيته بإناء آخر، فتوضّأ))،
وهو حديث حسنٌّ، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وغير ذلك.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦٣/٣.
(٢) ((الفتح)) ٣٠٢/١.

٣٣
(٢١) - بَابُ الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ - حديث رقم (٦٢٦)
قال الخطابيّ ◌َّتُهُ: وزعم بعض المتأخرين أن الماء مطعوم، فلهذا كره
الاستنجاء به سعيد، وموافقوه، وهذا قول باطلٌ، منابذٌ للأحاديث الصحيحة.
انتھی.
والحاصل أن الاستنجاء بالماء سنّة ثابتةٌ، لا يمكن إنكارها، إلا لمن لم
تبلغه هذه الأحاديث الصحيحة، وبهذا يُعتذر عن الصحابة والتابعين الذين
أنكروه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٦٢٦] (٢٧١) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَغُنْدَرٌ،
عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، يَقُولُ: ((كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي، إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ، وَعَنَزَةً،
فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم
قريباً .
٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح المذكور قبل بابين.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى) أبو موسى الْعَنَزِيّ الزَّمِنُ، تقدّم قريباً.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، غُنْدَرٌ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب
[٩] (ت٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج المذكور قبل باب.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله.
وقوله: (يَدْخُلُ الْخَلَاءَ) بالفتح، والمدّ: المحلّ الذي يُتبرّز فيه، وهو
بمعنى قوله في الرواية الماضية: ((دخل حائطاً))؛ إذ الحائط هو البستان، وجملة

٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
((يدخل الخلاء)) في محلّ نصب خبر ((كان))، وانتصاب ((الخلاء)) بنزع الخافض،
من قبيل: دخلتُ الدار(١).
وقوله: (فَأَحْمِلُ أَنَا) أتى بـ((أنا)) توكيداً وفصلاً؛ ليحسن عطف
((وغلامٌ)) على الضمير المتّصل، على حدّ قوله رَ: ﴿أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ
اُلْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، قال في ((الخلاصة)):
عَطَفْتَ فَاقْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ
أَوْ فَاصِلِ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ فِي النَّظْمُ فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
وقوله: (وَغُلَامٌ نَحْوِي) أي في قدر سنّي.
وقوله: (إِدَاوَةً) - بكسر الهمزة -: إناء صغير من جلد، تُتّخذ للماء، وهي
الْمِظْهَرة، وجمعها أداوى، بفتح الواو.
وقوله: (مِنْ مَاءٍ) ((من)) فيه للبيان؛ أي مملوءة من ماء.
وقوله: (وَعَنَزَةً) - بفتح العين، والزاي - وهي عصاً طويلة، في أسفلها زُجّ،
ويقال: رُمْحُ قصيرٌ، وإنما كان يَستصحبها النبيّ وَّر؛ لأنه كان إذا توضأ صلى،
فيحتاج إلى نصبها بين يديه؛ لتكون حائلاً يصلى إليه؛ قاله النوويّ تَظُّهُ(٢).
وقال في ((الفتح)): ((الْعَنَزَة)) - بفتح النون -: عصاً أقصر من الرمح، لها
سِنَانٌ، وقيل: هي الحربة القصيرة، وفي رواية كريمة عند البخاريّ: الْعَنَزة
عصاً، عليها زُجّ، بزاي مضمومة، ثم جيم مشدّدة: أي سنان، وفي ((الطبقات))
لابن سعد: أن النجاشيّ كان أهداها للنبيّ ◌َ ﴿، وهذا يؤيّد كونها كانت على
صفة الحربة؛ لأنها من آلات الحبشة. انتهى(٣).
وقال في ((العمدة)): العنَزَة - بفتح العين المهملة، وفتح النون -: أطول
من العصا، وأقصر من الرمح، وفي طرفها زُجّ كزُجّ الرمح، والزُّجّ: الحديدة
التي في أسفل الرمح، يعني السنان.
وفي ((التلويح)): العنزة: عصاً في طرفها زُجّ يتوكّأ عليها الشيخ.
وفي ((مفاتيح العلوم)) لأبي عبد الله محمد بن أحمد الخوارزميّ: هذه
(١) راجع ((عمدة القاري)) ٤٤٥/٣.
(٣) ((الفتح)) ٣٠٤/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٣/٣.

٣٥
(٢١) - بَابُ الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ - حديث رقم (٦٢٦)
الحربة، وتُسمّى الْعَنزَة، كان النجاشيّ أهداها للنبيّ ◌َّر، فكانت تقام بين يديه
إذا خرج إلى المصلّى، وتوارثها من بعده الخلفاء
.
وفي ((الطبقات)) أهدى النجاشيّ إلى النبيّ وَّ ثلاث عَنَزَات، فأمسك
واحدة لنفسه، وأعطى عليّاً واحدة، وأعطى عمر واحدة(١).
وأخرج البخاريّ كَُّ في ((كتاب المغازي)) من ((صحيحه)) عن هشام بن
عروة، عن أبيه، قال: قال الزبير: لقيت يوم بدر عُبيدة بن سعيد بن العاص،
وهو مُدَجِّج، لا يُرَى منه إلا عيناه، وهو يُكنَى أبو ذات الكَرِش، فقال: أنا أبو
ذات الكَرِش، فحَمَلت عليه بالْعَنَزة، فطعنته في عينه فمات، قال هشام:
فَأُخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه، ثم تمطأت، فكان الجهد أن
نزعتها، وقد انثنى طرفاها، قال عروة: فسأله إياها رسول الله وَله، فأعطاه،
فلما قُبض رسول الله وَّر أخذها، ثم طلبها أبو بكر، فأعطاه، فلما قُبض أبو
بكر سألها إياه عمر، فأعطاه إياها، فلما قُبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان
منه، فأعطاه إياها، فلما قُتل عثمان وقعت عند آل عليّ، فطلبها عبد الله بن
الزبير، فكانت عنده
حتى قتل. انتهى.
[تنبيه]: الحكمة في حمل العنزة كثيرة:
(منها): ليصلّي إليها في الفضاء.
(ومنها): ليتّقي بها كيد المنافقين واليهود، فإنهم كانوا يرومون قتله،
واغتياله بكلّ حالة، ومن أجل هذا اتّخذ الأمراء المشي أمامهم بها .
(ومنها): اتقاء السبع، والمؤذيات من الحيوانات.
(ومنها): نبش الأرض الصلبة عند قضاء الحاجة خشيةَ الرشاش.
(ومنها): تعليق الأمتعة.
(ومنها): التوكؤ عليها .
(ومنها): ما قاله بعضهم: إنها تُحمل ليستتر بها عند قضاء الحاجة، قال
العينيّ: وهذا بعيد؛ لأن ضابط السترة في هذا ما يستر الأسافل، والعنزة ليست
(٢)
كذلك. انتهى(٢).
(١) ((عمدة القاري)) ٤٤٤/٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ٤٤٥/٢.

٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
قال الجامع عفا الله عنه: في تعقّب العينيّ نظرٌ؛ لأن المراد بكونها سترة
هنا أن تُركَز، ويعلّق عليها إزارٌ أو داءٌ، أو نحو ذلك مما يستر أسافله، فلا
وجه لاعتراضه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٦٢٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرِ -
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ(١) - يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ - حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي
مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ يَتَبَرَّزُ لِحَاجَتِهِ، فَآتِيِهِ بِالْمَاءِ،
فَيَتَغَسَّلُ بِهِ) (٢).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريباً .
٢ - (وَأَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريباً أيضاً.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنَ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسم، وعُليّة
أمه، وكان يَكره النسبة إليها، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبت فاضل [٨] (١٩٣)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٤ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ) التميميّ الْعَنبريّ البصريّ الحافظ، تقدّم قريباً.
والباقيان تقدّما قبل حديث، وكذا شرح الحديث، ومسائله.
وقوله: (يَتَبَرَّزُ لِحَاجَتِهِ) أي يأتي الْبَرَاز - بفتح الباء - وهو المكان الواسع
الظاهر من الأرض؛ ليخلو لحاجته، ويستتر، ويَبْعُد عن أعين الناظرين.
وقوله: (فَيَتَغَسَّلُ بِهِ) أي يستنجي بذلك الماء، ويغسل محل الاستنجاء،
وفي نسخة: ((فيغتسل به))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) وفي نسخة: ((قالا: حدّثنا إسماعيل)). (٢) وفي نسخة: ((فيغتسل به)).

٣٧
(٢٢) - بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُقَّيْنِ - حديث رقم (٦٢٨)
(٢٢) - (بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَيْنِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٢٨] (٢٧٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، وَاللَّفْظُ لِيَحْتَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،
عَنْ هَمَّام، قَالَ: بَالَ جَرِيرٌ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقِيلَ: تَفْعَلُ هَذَا؟(١)، فَقَالَ:
نَعَمْ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. قَالَ الْأَعْمَشُ: قَالَ
إِبْرَاهِيمُ: كَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الْحنظليّ، أبو محمد ابن راهويه المروزيّ، ثم
النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتُ حافظٌ إمام [١٠] (٢٣٨) (خ م « ت س) تقدم في
((المقدمة)) ٢٨/٥.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس
لحديث الأعمش، من كبار [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ، أبو محمد الكوفيّ،
ثقةٌ ثبتٌ حافظ يدلّس [٥] (ت١٤٧) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧.
٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ،
ثقةٌ فقيهٌ، يرسل كثيراً [٥] (ت٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢.
٥ - (هَمَّام) بن الحارث بن قيس بن عمرو النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٢]
(ت٦٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٨/٤٧.
٦ - (جَرِير) بن عبد الله بن جابر البجليّ الصحابي الشهير بَُه، مات
سنة (٥١) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٧/٢٥.
(١) وفي نسخة: ((أتفعل هذا؟)).

٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَّتُهُ، وله فيه أربعة من الشيوخ،
قرن بين ثلاثة منهم.
٢ - (ومنها): أنه إنما أفرد شيخه أبا بكر عن الثلاثة الأولين؛ لكونه روى
عن شيخين: أبي معاوية، ووكيع، بخلافهم، فإنهم إنما رووا عن أبي معاوية
فقط، فلو جمعه معهم لتوهّم أن وكيعاً شيخ لهم أيضاً.
٣ - (ومنها): أن فيه قوله: ((واللفظ ليحيى .. إلخ)) معناه: أن هذا اللفظ
الذي ساقه هنا لفظ شيخه يحيى بن يحيى التميميّ، وهو أخذه عن أبي معاوية
قراءةً، ولهذا قال: أخبرنا أبو معاوية، وأما أبو بكر فقال: حدّثنا أبو معاوية؛
إشارةً إلى أنه سمعه من لفظه، وأما الآخران فلم يصرّحا بصيغة الأخذ.
٤ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه: يحيى،
وإسحاق، وأبي بكر، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وإسحاق ما
أخرج له ابن ماجه، وأبو بكر ما أخرج له الترمذيّ.
٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه: يحيى، وإسحاق،
فنيسابوريّان.
٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين الكوفيين، يروي بعضهم عن
بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن همّام بن الحارث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّامٍ) بن الحارث النخعيّ، أنه (قَالَ: بَالَ جَرِيرٌ) أي ابن عبد الله
البجليّ ◌َُّه (ثُمَّ تَوَضَّأ) وفي رواية أبي نعيم في ((مستخرجه))(١): ((ثم توضّأ من
مطهرة المسجد التي يتوضّأ فيه العامّة)) (وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقِيلَ) أي قال له
قائلٌ منكراً مسحه على خفّيه.
[تنبيه]: هذا القائل هو همام بن الحارث الراوي عن جرير، فقد جاء مُبَيَّناً
(١) ((المستخرج على صحيح مسلم)) ٣٢٦/١ رقم (٦٢٤).

٣٩
(٢٢) - بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ - حديث رقم (٦٢٨)
عند الطبرانيّ من طريق جعفر بن الحارث، عن الأعمش، وعند الترمذيّ من
رواية شهر بن حوشب، أنه الذي قال له ذلك، فيحتمل أن يكون كلّ منهما قال
له، والله تعالى أعلم. (تَفْعَلُ هَذَا؟) بتقدير همزة الاستفهام، وفي نسخة:
((أتفعل هذا؟)) بإثباتها، ولفظ النسائيّ: ((أتمسح؟))، وفي رواية أبي عوانة:
((أتفعل، وأنت صاحب رسول الله وَ ر؟ فقال: وما يمنعني، وقد رأيت
رسول الله وَ﴿ يمسح على الخفّين؟))، وفي رواية الطبرانيّ من طريق زائدة، عن
الأعمش: ((فعاب عليه ذلك رجلٌ من القوم))(١).
وإنما أنكر ذلك عليه؛ لاعتقاده أن المسح على الخفّين منسوخٌ بآية
المائدة (فَقَالَ) جرير ◌َظُله ردّاً على المنكر، ومبيّاً له مستنده في ذلك (نَعَمْ) أي
أمسح عليهما، وقوله: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهَ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ)
جملة تعليليّة؛ أي إنما فعلت ذلك لأني رأيته وَ ل﴿ يفعله (قَالَ الْأَعْمَشُ: قَالَ
إِبْرَاهِيمُ) النخعيّ (كَانَ يُعْجِبُهُمْ) الضمير لأصحاب عبد الله بن مسعود پبه،
ففي الرواية التالية: ((فكان أصحاب عبد الله يُعجبهم .. إلخ)) (هَذَا الْحَدِيثُ) أي
حديث جرير رَُّه في ((المسح))، وفي رواية النسائيّ: ((يُعجبهم قول جرير)) (لِأَنَّ
إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ) أي في رمضان من السنة العاشرة، وكان
نزولها في غزوة بني المصطلق سنة أربع، أو خمس من الهجرة.
وفي رواية النسائيّ: ((وكان إسلام جرير قبل موت النبيّ وَُّ بيسير))، وعند
الطبرانيّ من رواية محمد بن سيرين، عن جرير: ((إن ذلك كان في حجة
الوداع».
وفي رواية أبي داود: أن جريراً بال، ثم توضّأ، فمسح على الخفين،
وقال: رأيت رسول الله وَ﴿ يمسح، قالوا: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة،
قال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة(٢).
وفي رواية الترمذيّ من رواية شهر بن حوشب، قال: رأيت جرير بن
عبد الله توضّأ، ومسح على خفيه، فقلت له في ذلك؟ فقال: رأيت النبيّ وَل
(١) راجع ((الفتح)) ١/ ٥٩٠، و((عمدة القاري)) ١٧٨/٤.
(٢) ((سنن أبي داود)) ١١٨/١.

٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
توضّأ، ومسح على خفّيه، فقلت له: أقبل المائدة، أم بعد المائدة؟ فقال: ما
أسلمتُ إلا بعد المائدة.
قال الترمذيّ ◌َُّهُ: هذا حديث مفسّر؛ لأن بعض من أنكر المسح على
الخفّين تأوّل أن مسح النبيّ وَّر على الخفّين قبل نزول المائدة، وذَكَر جرير في
حديثه أنه رأى النبيّ وَّ مسح على الخفّين بعد نزول المائدة. انتهى كلام
الترمذيّ ◌َذْتُهُ(١).
وقال النوويّ نَّتُهُ: قوله: ((كان يعجبهم هذا الحديث .. إلخ)): معناه:
أن الله تعالى قال في سورة المائدة: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ
وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [٦]، فلو كان إسلام جرير متقدماً على نزول
المائدة، لاحْتَمَلَ كون حديثه في مسح الخفّ منسوخاً بآية المائدة، فلما كان
إسلامه متأخراً علمنا أن حديثه يُعْمَل به، وهو مُبَيِّن أن المراد بآية المائدة غير
صاحب الخفّ، فتكون السنة مُخَصِّصةً للآية.
قال: ورَوَينا في ((سنن البيهقيّ)) عن إبراهيم بن أدهم، قال: ما سمعت
في المسح على الخفين أحسن من حديث جرير نظره. انتهى كلام
النوويّ رَُّهُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما ذُكِرَ في قصّة جرير ◌َظ له هذه: أن
الذين أنكروا على جرير ظُه مسحه على خفّيه قالوا: إنما المسح عليهما كان
قبل نزول المائدة التي ذُكر فيها الوضوء، وأرادوا بهذا القول أن المسح على
الخفّين كان رُخصةً، ثم نُسخ بهذه الآية، فقال جرير ظُه ردّاً عليهم: ما
أسلمت إلا بعد نزول آية المائدة، وليس المراد جميع سورة المائدة؛ لأن منها
ما تأخّر نزوله عن إسلامه، كآية ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [٣]، فإنها نزلت يوم
عرفة في حجة الوداع، وإسلام جرير كان في رمضان سنة عشر من الهجرة،
وأما آية الوضوء التي هي قوله تعالى: ﴿يََّّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الضََّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى
اُلْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فنزلت في غزوة بني المصطلق، وكانت سنة خمس، أو
(١) ((جامع الترمذيّ)) ١/ ٨٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٤/٣ - ١٦٥.