Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ (١٧) - بَابُ آدَابِ الثَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٤) وقوله: (لَا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) ((لا)) فيه نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها، والمراد من النفي النهي، وهو أبلغ من النهي الصريح؛ إذ هو إخبار بعدم ذات الشيء، بخلاف النهي، فإنه إعدام لحكمه مع وجوده، فتنبه . ويحتمل أن تكون ((لا)) ناهية، والفعل مجزوم، لكن حذفت منه الحركة المقدّرة على قلّة، وعليه حَمَل بعضهم قراءة قنبل: ﴿إِنَُّ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] بإثبات الياء، مع جزم ((يصبر))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٦١٤] (٢٦٣) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِراً، يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَيه أَنْ يُتَمَسَّحَ(٢) بِعَظْمِ، أَوْ بِبَعْرٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء بن حسّان الْقَيْسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٨٦/٩٠. ٣ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيّ، ثقةٌ رُمي بالقدر [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان) ٧/ ١٣٠. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. (١) راجع ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل)) ١/ ٦٧. (٢) وفي نسخة: ((أن نَمْسَحَ)). ٥٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة ٥ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ضًّا، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤، والله تعالى أعلم. وقوله: (نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ أَنْ يُتَمَسَّحَ) (١) وفي نسخة: ((أن نمسح))، أي أن نستنجي. وقوله: (بِعَظْم) تقدّم ضبطه، ومعناه قريباً . وقوله: (أَوْ بِبَعْرٍ) ((أو)) فيه للتنويع، لا للشكّ، و(البعر)) بفتح الموحّدة، وسكون العين المهملة، وفتحها: هو رَجِيع ذوات الخفّ والظُّلْف، واحدتها بهاء، وجمعه أَبْعارٌ، وفعله كمنع، أفاده في ((القاموس))(٢). وفي ((المصباح)): الْبَعَرُ معروف، والسكون لغة، وهو من كلّ ذي ظِلْفٍ وخُفّ، والجمع أَبْعارٌ، مثلُ سَبَبٍ وأَسباب، وبَعَرَ الْحَيَوَانُ بَعْراً، من باب نَفَعَ : ألقَى بَعَرَهَ. انتهى (٣) . والحديث يدلّ على النهي عن الاستنجاء بالعظم، والبَعَر، وقد تقدّم البحث عنه مستوفّى قريباً، فلا تنس نصيبك منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر رضيبه هذا من أفراد المصنّف نَّهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٦١٤/١٧] (٢٦٣)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٣٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٦/٣ و٣٤٣ و٣٨٤)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٥٨٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٠٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) وفي نسخة: ((أن نَّمْسَحَ)). (٣) (المصباح المنير)) ٥٣/١. (٢) ((القاموس المحيط)) ص٣١٨. ٥٢٣ (١٧) - بَابُ آدَابِ الثَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٥) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٦١٥] (٢٦٤) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، (ح) قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَخْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: سَمِعْتَ الزُّهْرِيَّ يَذْكُرُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ: ((إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ(١)، وَلَكِنْ شَرِّقُوا، أَوْ غَرِّبُوا))، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ، قَدْ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَتَنْحَرِفُ عَنْهَا، وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ؟، قَالَ: نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) المذكور في السند الماضي. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هوَ: محمد بن عبد الله بن نُمير المذكور قبل باب. ٣ - (عَطَاءُ بْنُ بَزِيدَ اللَّيْئِيُّ) المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت٥ أو ١٠٧) وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٦. ٤ - (أَبُو أَيُّوبَ) الأنصاريّ خالد بن زيد بن كُليب، من كبار الصحابة مات غازياً بالروم سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٣/٤. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بين اثنين منهما، وأفرد الثالث، وسبب ذلك اتفاق الأولين في صيغة الأداء، حيث قالا: ((حدّثنا سفيان بن عيينة))، بخلاف الثالث، فإنه لم يقل مثل ما قالا، بل قال: قلت لسفيان .. إلخ، وهذا من دقائق علم الإسناد، ومما يشهد للمصنّف تَذَتُهُ بشدّة تحرّيه في كيفية صيغ التحمّل، وإن كان معظمه لا يختلف به المعنى غالباً، فلله درّه، ما أدقّ معرفته بالصناعة الحديثية، والله تعالى أعلم. (١) وفي نسخة: ((ولا بغائط)). ٥٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: زهير، ويحيى، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الزهريّ، عن عطاء. ٥ - (ومنها): أن فيه قوله: ((واللفظ له))، يعني أن اللفظ الذي ساقه لفظ شيخه يحيى بن يحيى، وأما الآخران فروياه بالمعنى، وقد تقدّم البحث عنه غير w مرّة . ٦ - (ومنها): أن صحابيّه من كبار الصحابة ﴿، شهد بدراً، وما بعدها، ونزل عليه النبيّ وَّ أول ما قَدِمَ المدينة نَظ ◌ُبه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قَالَ: ((إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ) قال عبد الغنيّ المقدسيّ تَثْتُ: الغائط الموضع المطمئنّ من الأرض، كانوا ينتابونه للحاجة، فَكَنَوْا به عن نفس الحدث كراهة لذكره بخاصّ اسمه. انتهى. وقال ابن دقيق العيد تَخْذَتُهُ: الغائط في الأصل: المطمئنّ من الأرض، كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة، ثم استُعمل في الخارج، وغَلَب على الحقيقة الوضعيّة، فصار حقيقةً عرفيّة. والحديث يقتضي أن اسم الغائط لا ينطلق على البول؛ لتفرقته بينهما، وقد تكلّموا في أن قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ اٌلْغَابِطِ﴾ الآية [المائدة: ٦] هل يتناول الريح مثلاً، أو البول، أو لا؟ بناءً على أنه يُخصّص لفظ ((الغائط)) لِمَا كانت العادة أن يُقْصَد لأجله، وهو الخارج من الدبر، ولم يكونوا يقصدون الغائط للريح مثلاً، أو يقال: إنه مستعمل فيما كان يقع عند قصدهم الغائط من الخارج من القبل والدبر كيف كان. انتهى(١). (١) ((إحكام الأحكام)) ٢٢٩/١ - ٢٣٠. ٥٢٥ (١٧) - بَابُ آدَابِ الثَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٥) واستظهر الصنعانيّ كَّهُ في ((حاشيته)) عدم تناوله للريح والبول، قال: فإنهم كانوا لا يقصدون الغائط للبول والريح، فإطلاقه على مطلق الخارج كما أفاده الآخر من الترديد غير واضح. نعم، الحكم في الآية عامّ؛ لأدلّة أخرى. انتھی (١) . (فَلَا) ناهية، فلذا جُزم الفعل بعدها (تَسْتَقْبِلُوا) أي تواجهوا بفروجكم (الْقِبْلَةَ) أي الكعبة؛ لأنها المرادة عند الإطلاق (وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا) أي لا تجعلوها خلفكم، والاستدبار خلاف الاستقبال (بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ) متعلّق بالفعل قبله، وقيل: متعلّق بحال محذوف من ضمير ((لا تستقبلوا))، أي لا تستقبلوا القبلة حال كونكم مقترنين ببول، ولا غائط (وَلَكِنْ شَرِّقُوا، أَوْ غَرِّبُوا))) أي توجّهوا إلى جهة المشرق، أو المغرب. وقال البغويّ كَّتُهُ: هذا خطاب لأهل المدينة، ولمن كانت قبلته على ذلك السمت، فأما من كانت قبلته إلى جهة المشرق، أو المغرب، فإنه ينحرف إلى الجنوب أو الشمال(٢). وقال الإمام ابن حبّان ◌َظُّهُ في (صحيحه)): قوله: ((شرّقوا أو غرِّبوا)) لفظة أمر تُستعمل على عمومه في بعض الأعمال، وقد يخُصّه خبر ابن عمر بأن هذا الأمر قُصد به الصحارَى دون الكُنُف، والمواضع المستورة، والتخصيص الثاني الذي هو من الإجماع أن من كانت قبلته في المشرق، أو في المغرب عليه أن لا يستقبلها، ولا يستدبرها بغائط أو بول؛ لأنها قبلته، وإنما أُمر أن يستقبل، أو يستدبر ضدّ القبلة عند الحاجة. انتهى (٣). وقال السنديّ رَّهُ: والمقصود الإرشاد إلى جهة أخرى لا يكون فيها استقبال القبلة، ولا استدبارها، وهذا مختلف بحسب البلاد، فلكلِّ أن يأخذ بهذا الحديث بالنظر إلى المعنى، لا بالنظر إلى اللفظ. انتهى (٤). (١) ((العدّة)) ٢٣٨/١. (٢) راجع ((شرح السنّة)) رقم (١٧٧). (٣) ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٢٦٦/٤. (٤) ((شرح السندي على النسائيّ)) ٢٣/١. ٥٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة ، (فَقَدِمْنَا) بكسر الدال المهملة، يقال: قَدِمَ (قَالَ أَبُو أَيُّوبَ) الأنصاريّ الرجلُ البلدَ يَقْدَمُهُ، من باب تَعِبَ، قُدُوماً، ومَقْدَماً: إذا دخله. (الشَّامَ) منصوب على الظرفيّة، لا على المفعوليّة، و((الشأم)): بهمزة ساكنة، ويجوز تخفيفها، والنسبة: شَأُميّ على الأصل، ويجوز شَآم بالمدّ من غير ياء، مثلُ يَمَنِيّ، ويَمَانٍ. قاله الفيّومِيّ ◌َظَهُ(١). وقال المجد تَظْلَتُهُ: الشّأُمِ: بلاد عن مَشْأمة القبلة، وسُمِّيت لذلك، أو لأن قوماً من بني كنعان تشاءموا إليها: أي تياسروا، أو سُمّي بِسام بن نوح، فإنه بالشين بالسريانيّة، أو لأن أرضها شاماتٌ بيضٌ وحُمْرٌ، وسُودٌ، وعلى هذا لا تُهْمَز، وقد تُذكَّرُ، وهو شاميّ، وشآميّ، وشآم. وأشأمَ: أتاها. انتهى(٢). وحدّه في الطول من الْعَرِيش إلى الفرات، وفي العرض بين الجزيرة والغور إلى الساحل(٣). (فَوَجَدْنَا مَرَاحِیض) بفتح الميم: جمع مِرْحاض - بكسر الميم، وسكون الراء -: وهو البيت المتّخَذ لقضاء حاجة الإنسان: أي للتغوّط؛ قاله النوويّ تَذَتُهُ(٤) . وقال ابن الأثير تَّتُهُ: أراد المواضع التي بُنِيت للغائط، واحدها مِرْحاضٌ: أي مواضع الاغتسال. انتهى (٥) . وقال الفيّومِيّ ◌َُّهُ: رَحَضتُ الثوبَ رَحْضاً، من باب نَفَعَ: غسلته، فهو رَحِيضٌ، والْمِرْحَاضُ - بكسر الميم -: موضع الرَّحْض، ثم كُنِي به عن الْمُسْتَرَاحِ؛ لأنه موضع غسل النَّجْوِ. انتهى (٦). وقال المجد تَظُّ: رَحَضَهُ، كمنعه: غَسَله، كأرحضه، فهو رَحِيضٌ، ومَرْحُوضٌ، والْمِرْحَاضُ - بالكسر -: خَشَبَةٌ يُضْرَب بها الثوب، والْمُغْتَسَلُ، وقد (١) ((المصباح المنير)) ٣٢٨/١. (٢) ((القاموس المحيط)) ص١٠١٤. (٣) راجع ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١/ ٤٥١. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٥٨/٣. (٦) ((المصباح المنير)) ٢٢٢/١. (٥) ((النهاية)) ٢٠٨/٢. ٥٢٧ (١٧) - بَابُ آدَابِ الثَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٥) يُكْنَى به عن مَظْرَحِ الْعَذِرَةِ، وكَمِكْنسة: شيءٌ يُتوضّأ فيه، مثلُ الكنيف. انتھی(١). (قَدْ بُنِيَتْ) بالبناء للمفعول (قِبَلَ الْقِبْلَةِ) أي جهة القبلة، قال ابن الملقّن تَخْتُ: يعني أنها بُنيت في الجاهليّة، وبناؤها نحو الكعبة ليس قصداً لها، ولا لقبلة أهل الشام إذ ذاك، وهي بيت المقدس، وإنما هو مجرّد جهل ومصادفة. انتهى (٢). (فَتَنْحَرِفُ عَنْهَا) بالنونين: معناه: نحرِص على اجتنابها بالميل عنها بحسب قدرتنا (وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ؟) قال الصنعانيّ تَظُّهُ: المراد نستغفره بالذكر القلبيّ، لا اللسانيّ؛ لأنه عند كشف العورة، وفي محلّ قضاء الحاجة؛ لأن الانحراف يُشعر بأنه بعد كشف العورة، والقعود لقضاء الحاجة، والانحراف لا يُخرجه عن تلك الهيئة. انتهى (٣). وقال الإمام ابن دقيق العيد تَّتُهُ: قيل: يراد به: ونستغفر الله لباني الكنف على هذه الصورة الممنوعة عنده، وإنما حملهم على هذا التأويل أنه إذا انحرف عنها لم يفعل ممنوعاً، فلا يحتاج إلى الاستغفار، والأقرب أنه استغفار لنفسه، ولعلّ ذلك لأنه استَقْبَلَ، واستدبر بسبب موافقته لمقتضى النهي غلطاً أو سهواً، فيتذكّر، فينحرف، ويستغفر الله تعالى. [فإن قلت]: فالغالط والساهي لم يفعلا إثماً، فلا حاجة إلى الاستغفار. [قلت]: أهل الورع والمناصب العليّة في التقوى قد يفعلون مثل هذا؛ بناءً على نسبتهم التقصير إلى أنفسهم في عدم التحفّظ ابتداء، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن دقيق العيد دَّثْهُ(٤). وقال غيره: استغفار أبي أيوب؛ لأن مذهبه تحريم الاستقبال في البنيان كما سلف، ولا يتأتى له الانحراف الكامل في قعوده إلا بحسب إمكانه، فاستغفر احتياطاً، ولا يُظنّ به أنه كان يفعل ما يعتقد تحريمه. (١) ((القاموس المحيط)» ص٥٧٨. (٣) ((العدّة حاشية العمدة)) ٢٤٧/١. (٢) ((الإعلام)) ٤٥١/١. (٤) ((إحكام الأحكام)) ١/ ٢٤٧. ٥٢٨ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطهارة ومن قال: إن استغفاره لبانيها ففيه بُعْد لوجهين: [أحدهما]: أن تعقيب الوصف بالفاء، والعطف عليه يشعر بالعلّيّة، فالحكم: المنع من الجلوس إلى القبلة، والوصف: الانحراف المتعقّب بالفاء، والمعطوف عليه: الاستغفار. [ثانيهما]: أن الظاهر أن المراحيض بناء الكفّار في الجاهليّة، فكيف يجوز الاستغفار لهم؟ . ويَحْتَمِل أن استغفاره لمن بناها من المسلمين جاهلاً على اعتقاده؛ قاله ابن الملقّن كَذَفُهُ(١) . وقوله: (قَالَ: نَعَمْ) هو جواب لقول يحيى بن يحيى أوّلاً: قلت لسفيان بن عيينة: سمعتَ الزهريَّ يذكره عن عطاء .. إلخ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي أيوب رطلبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة)) [٦١٥/١٧] (٢٦٤)، و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (١٤٤) و((الصلاة)) (٣٩٥)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٩)، و(الترمذيّ) في ((الطهارة)) (٨)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (٢١)، و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٣١٨)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (٢٥/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٥٠/١) (٣٧٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤١٦/٥ و٤٢١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٥٧)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (١٤١٦ و١٤١٧)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٤/ ٢٣٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩١/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٩٣٦ و ٣٩٣٨ و٣٩٣٩ و٣٩٤٠ و٣٩٤١ و٣٩٤٢ و٣٩٤٣ و٣٩٤٤ و٣٩٤٥ و٣٩٤٦ و ٣٩٤٧ و ٣٩٤٨ و ٣٩٧٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥٠٥ و٥٠٦ و٥٠٧ (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١/ ٤٥٧. ٥٢٩ (١٧) - بَابُ آدَابِ التَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٥) و٥٠٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٠٩)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٧٤)، و(الدار قطنيّ) في ((سننه)) (١/ ٦٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تعظيم جهة القبلة، وتكريمها، والنهي عما يلزم منه عدم ذلك. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ◌َّ من القيام ببيان الأحكام وإيضاحه لأمته. ٣ - (ومنها): ابتداء العالم أصحابه بالعلم، خصوصاً إذا عَلِمَ أن بهم حاجةً إلى العمل به. ٤ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم التنبيه على الوقائع المخالفة للشرع، والرجوع عنها، والاستغفار منها، والتوبة إن كان تلبّس بها متلبّسٌ. ٥ - (ومنها): استحباب الكناية عن المستقذرات بألفاظ غير شنيعة النطق بها . ٦ - (ومنها): أن في قول أبي أيوب رَظُه: ((فقدمنا الشام .. إلخ)) دلالةً على أن للعموم صيغةً عند العرب، وأهل الشرع، على خلاف ما ذهب إليه بعض الأصوليين، والمعنى به استعمال صيغة العموم في بعض أفراده، كما فعله الجمهور في حديث أبي أيوب ته هذا(١). ٧ - (ومنها): أن فيه القراءة على العالم، وأن قوله: نعم يقوم مقام إخباره، قال ابن عبد البرّ كَّتُهُ: وكذلك الإقرار يجري عندنا هذا المجرى، وإن كان غيرنا قد خالفنا فيه، وهو أن يقال للرجل: ألفلان عندك كذا؟ فيقول: نعم، فيلزمه، كما لو قال: لفلان عندي كذا. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١/ ٤٥٢. (٢) ((التمهيد)) ٤٠٢/١. ٥٣٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة (المسألة الرابعة): قال الإمام ابن دقيق العيد نَّهُ: اختلفوا في علّة هذا النهي من حيث المعنى، والظاهر أنه لإظهار الاحترام، والتعظيم للقبلة؛ لأنه معنى مناسبٌ وَرَد الحكم على وفقه، فيكون علّةً له، وأقوى من هذا في الدلالة على هذا التعليل ما رُوي من حديث سَلَمَة بن وَهْرَام، عن سراقة بن مالك، عن رسول الله وسلم: ((إذا أتى أحدكم البراز، فليُكرم قبلة الله رحمك، ولا يستقبل القبلة))، وهذا ظاهر قويّ في التعليل بما ذكرناه. قال الجامع عفا الله عنه: حديث سراقة بن مالك ظه هذا ضعيف جدّاً؛ لأن في سنده مبشّر بن عبيد، وقد تفرّد به، وهو متروك الحديث، كما بيّنه الدار قطنّيّ، وأخرجه الدارقطنيّ في ((سننه))(١)، والبيهقيّ من طريقه، في ((المعرفة)»(٢) من مرسل طاوس، وفي سنده زمعة بن صالح ضعيف، وسلمة بن وهرام، وهو مختلف فيه . والحاصل أن الحديث لا يثبت، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: ومنهم من علّل بأمر آخر، فذكر عيسى بن أبي عيسى قال: قلت للشعبيّ: عجبتُ لقول أبي هريرة، ونافع عن ابن عمر، قال: وما قالا؟ قلتُ: قال أبو هريرة: ((لا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها))، وقال نافع، عن ابن عمر: رأيت النبيّ وَ لّ م ذهب مذهباً مواجه القبلة، قال: أما قول أبي هريرة ففي الصحراء؛ لأن الله خلقاً من عباده يصلّون في الصحراء، فلا تستقبلوهم، ولا تستدبروهم، وأما بيوتكم هذه التي تتخذونها للنتن، فإنه لا قبلة لها . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث أيضاً ضعيف؛ لأن في سنده عيسى بن أبي عيسى الحناط، وضعّفه أحمد، وغيره، بل قال الفلاس، والنسائيّ: متروك(٣). (١) ((سنن الدارقطنيّ)) ٥٦/١ - ٥٨. (٢) ((معرفة السنن والآثار)) ١٩٤/١ - ١٩٥. (٣) راجع ((التعليق المغني على الدارقطني)) ٦١/١. ٥٣١ - (١٧) - بَابُ آدَابِ التَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٥) قال: وينبني على هذا الخلاف في التعليل اختلافهم فيما إذا كان في الصحراء فاستتر بشيء، هل يجوز الاستقبال والاستدبار أم لا؟ فالتعليل باحترام القبلة يقتضي المنع، والتعليل برؤية المصلّين يقتضي الجواز. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن حديث رؤية المصلّين غير صحيح، فلا يصحّ التعليل به، فالأولى التعليل باحترام القبلة، ولا يقال: إن حديث سَلَمة بن وَهْرام أيضاً ضعيف؛ لأنا نقول: لا نحتجّ به، وإنما نحتجّ بظاهر حديث أبي أيوب ظُه الصحيح: ((فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها))، فإن ظاهره يدلّ على أن العلّة هو احترامها، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قوله وَله: ((إذا أتيتم الغائط، فلا تستقبلوا القبلة ... )) الحديث يقتضي - كما قال ابن دقيق العيد كَخَّتُهُ - أمرين؛ أحدهما: ممنوع منه، والثاني علّة لذلك المنع، وقد تقدّم الكلام في علّة المنع في المسألة السابقة، ولنتكلّم هنا على محلّ العلّة، فالحديث دلّ على المنع من استقبال القبلة بغائط أو بول، وهذه الحالة تتضمّن أمرين؛ أحدهما: خروج الخارج المستقذر، والثاني: كشف العورة، فمن الناس من قال: المنع للخارج؛ لمناسبته لتعظيم القبلة، ومنهم من قال: المنع لكشف العورة. وينبني على هذا الخلاف خلافهم في جواز الوطء مستقبل القبلة مع كشف العورة، فمن عَلَّل بالخارج أباحه؛ إذ لا خارج، ومن علّل بكشف العورة منعه (٢). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر هذا البحث ابن دقيق العيد ◌َُّهُ، ولم يرجّح، والذي يظهر لي أن التعليل بالخارج هو الأقرب؛ لظاهر قوله ((بغائط أو بول))، ولم يقل: بالعورة، وأما الوطء مستقبل القبلة، مع كشف العورة، فيحتاج إلى ثبوت النهي عنه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (١) ((إحكام الأحكام)) ٢٣٤/١ - ٢٣٦. (٢) ((إحكام الأحكام)) ٢٣٧/١ - ٢٣٨. ٥٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة [فائدة]: وردت أحاديث في النهي عن الجماع متجرّداً، ولكنها أحاديث ضعيفة، فمنها ما أخرجه النسائيّ، والطبرانيّ عن عبد الله بن سَرْجِس مرفوعاً: ((إذا أتى أحدكم أهله، فليستتر، ولا يتجرّدا تجرّد الْعَيْرَيْن))، وهو حديث ضعيف(١)، وأخرجه ابن ماجه بسند ضعيف، عن عتبة بن عبد السُّلَميّ، قال: قال رسول الله وَل: ((إذا أتى أحدكم أهله فليستتر، ولا يتجرد تجرد الْعَيْرَيْنِ))(٢)، وأخرجه الطبرانيّ من حديث أبي أمامة حظبه، وهو أيضاً ضعيف. والحاصل أن الأحاديث الواردة في هذا غير صحيحة، لكن التستر أفضل؛ لحديث: ((إن الله حَيِيّ سَتِير، يحبّ الحياء والسَّتر ... )) الحديث، أخرجه أبو داود، والنسائيّ بإسناد صحيح، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال الإمام ابن دقيق العيد تَخْلَتُ أيضاً: أُولِعَ بعض أهل العصر، وما يَقرُب منه بأن قالوا: إن صيغة العموم إذا وردت على الذوات مثلاً، أو على الأفعال، كانت عامّةً في ذلك، مطلقةً في الزمان والمكان، والأحوال، والمتعلّقات، ثم يقولون: المطلق يكفي في العمل به صورة واحدة، فلا يكون حجةً فيما عداها، وأكثروا من هذا السؤال فيما لا يُحصى من ألفاظ الكتاب والسنّة، وصار ذلك ديدناً لهم في الجدال. فمثلاً يقولون: قوله تعالى: ﴿الَّنِيَّةُ وَالَِّ فَأَجْلِدُوا﴾ الآية [النور: ٢] قد حصل الامتثال بجلده وَلّ لمن أتى ذلك في عصره، فلا حجة فيه على جلد من أتى هذه الفاحشة بعده، وكذلك ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية [المائدة: ٣٨]، وفي الأحاديث، كحديث أبي أيوب رظُه هذا يقولون مثل ذلك. قال: وهذا عندنا باطلٌ، بل الواجب أن ما دلّ على العموم في الذوات مثلاً يكون دالاً على ثبوت الحكم في كلّ ذات تناولها اللفظ، ولا تخرج عنها (١) ضعيف. راجع ((ضعيف الجامع الصغير)) للشيخ الألبانيّ ◌َّتُهُ رقم (٢٧٨). (٢) حديث ضعيف. أخرجه ابن ماجه برقم (١٩١١). ٥٣٣ (١٧) - بَابُ آدَابِ الثَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٥) ذات إلا بدليل يخصّه، فمن أخرج شيئاً من تلك الذوات، فقد خالف مقتضى العموم. نعم المطلق يكفي العمل به مرّةً كما قالوه، ونحن لا نقول بالعموم في هذه المواضع من حيث الإطلاق، وإنما قلنا به من حيث المحافظة على ما تقتضيه صيغة العموم في كلّ ذات، فإن كان المطلق مما لا يقتضي العملُ به مرّة واحدةً مخالفةً لمقتضى صيغة العموم اكتفينا في العمل به مرّةً واحدةً، وإن كان العمل به مرّةً واحدةً مما يُخالف مقتضى صيغة العموم قلنا بالعموم؛ محافظةً على مقتضى صيغته، لا من حيث إن المطلق يعمّ. مثالُ ذلك إذا قال: من دخل داري، فأعطه درهماً، فمقتضى الصيغة العموم في كلّ ذات صدق عليها أنها داخلة. فإن قال قائلٌ: هو مُطلقٌ في الأزمان، فأعمل به في الذوات الداخلة الدارَ في أول النهار مثلاً، ولا أعمل به في غير ذلك الوقت؛ لأنه مطلقٌ في الزمان، وقد عَمِلتُ به مرّةً، فلا يلزم أن أعمل به مرّةً أخرى؛ لعدم عموم المطلق. قلنا له: لَمّا دلّت الصيغة على العموم في كلّ ذات دخلت الدار، ومن جملتها الذوات الداخلة في آخر النهار، فإذا أخرجت تلك الذوات، فقد أخرجت ما دلّت الصيغة على دخوله، وهي كلُّ ذات. وهذا الحديث أحدُ ما يُستدلّ به على ما قلناه، فإن أبا أيوب من أهل اللسان والشرع، وقد استعمل قوله: ((لا تستقبلوا، ولا تستدبروا)) عامّاً في الأماكن، وهو مطلقٌ فيها، وعلى ما قال هؤلاء المتأخّرون لا يلزم منه العموم، وعلى ما قلناه يعمّ؛ لأنه إذا أُخرج عنه بعض الأماكن خالف صيغة العموم في النهي عن الاستقبال والاستدبار. انتهى كلام ابن دقيق العيد تَظُّهُ ببعض زيادة(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره ابن دقيق العيد بحث نفيسٌ، وحاصله أن العامّ يُحْمَل على عمومه، ولا يُنظر إلى كونه مطلقاً؛ إذ المحافظة (١) ((إحكام الأحكام)) ١/ ٢٤٠ - ٢٤٦ بنسخة الحاشية. ٥٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة على العموم لا تنافي الإطلاق، فالعمل بالعامّ يستلزم العمل بالمطلق، وأقوى دليل على ذلك عمل هذا الصحابيّ الجليل ظُّه بعموم هذا الحديث؛ فإنه عالم بلغة العرب، وعالم بمقاصد الشريعة، وقد حمل العامّ على عمومه. [فإن قلت]: على هذا يلزم ترجيح مذهب من يقول بتحريم الاستقبال والاستدبار في البناء، فكيف رجحتم مذهب من قال بالجواز فيه؟. [قلت]: إنما رجحنا ذلك لدليل آخر، قام بتخصيص عمومه، وهو حديث ابن عمر رضيته، فلولاه لكان مذهب أبي أيوب ظُه هو الراجح، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٦١٦] (٢٦٥) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ زُرَيْع - حَدَّثَنَا رَوٌْ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنَّ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: ((إِذَاَ جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ، فَلَاَ يَسْتَقْبِلِ (١) الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشِ) أبو جعفر البغداديّ، صدوقٌ [١١] (ت٢٤٢) (م ت) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٠/٤٢. ٢ - (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) بن رياح بن عَبِيدة - بفتح أوله - الرياحيّ - بكسر الراء، ثم تحتانيّة - أبو حفص البصريّ، ثقة [١٠]. رَوَى عن إبراهيم بن سعد، وجُويرية بن أسماء، وعامر بن أبي عامر الخزاز، ومعتمر بن سليمان، ويزيد بن زريع، وطائفة . ورَوَى عنه أحمد بن الحسن بن خِرَاش، والعباس بن عبد العظيم العنبريّ، وأحمد بن يوسف السلميّ، وأحمد بن منصور الرَّمَاديّ، وعباس (١) وفي نسخة: ((فلا يستقبلنّ)). ٥٣٥ (١٧) - بَابُ آدَابِ الثَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٦) الدُّوريّ، ومحمد بن رافع، والبخاري في غير ((الجامع))، وحنبل بن إسحاق، وإسحاق بن الحسن الحربيّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقةٌ، مأمونٌ، صدوق، لم يُقْضَ لنا السماع منه، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات في شعبان سنة إحدى وعشرين ومائتين، وفيها أَرّخه غير واحد، وقال أبو داود: مات قبل القعنبيّ بشهرين. تفرّد به المصنّف، له عنده هذا الحديث فقط، والنسائيّ، وله عنده حديث واحد في إعطاء عليّ نَظ ◌ُبه الراية. ٣ - (يَزِيدُ بْنَ زُرَيْعٍ) المذكور في الباب الماضي. ٤ - (رَوْح) بن القاسم التميميّ الْعَنْبريّ، أبو غياث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت١٤١) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧. ٥ - (سُهَيْل) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر بآخره [٦] (ت١٣٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١. ٦ - (الْقَعْقَاعِ) بن حَكِيم الْكِنانيّ المدنيّ، ثقةٌ [٤] (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٤/٢٥. ٧ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ، ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ظُلْه تقدم في (المقدمة)) ٤/٢. وقوله: ((إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ) أي لقضاء حاجته من البول، أو الغائط . وقوله: (فَلَا يَسْتَقْبِلِ) وفي نسخة: ((فلا يستقبلنّ .. إلخ)) بنون التوكيد، وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيله هذا من أفراد المصنّف تَُّ. (المسألة الثانية): في تخريجه: ٥٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٦١٦/١٧] (٢٦٥)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٨)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (٤٠)، و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٣١٢ و٣١٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٤٣١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥٠٩ و٥١٠ و٥١١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦١٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في انتقاد الحفّاظ لإسناد هذا الحديث: قال الحافظ أبو الفضل بن عمّار الشهيد كَّهُ في جزء ((علل الأحاديث)) التي في ((صحيح مسلم)): هذا حديث أخطأ فيه عمر بن عبد الوهّاب الرياحيّ، عن يزيد بن زُريع؛ لأنه حديث يُعرَف بمحمد بن عجلان، عن القعقاع، وليس لسهيل في هذا الإسناد أصل، رواه أمية بن بسطام، عن يزيد بن زريع، على الصواب، عن رَوْح، عن ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ◌َظُه، عن النبيّ وَلّ بطوله(١)، وحديث عمر بن عبد الوهاب (٢) مختصر . وقال الدارقطنيّ ◌َتُهُ في ((التتبّع)) (ص١٧): وهذا غير محفوظ عن سُهيل، وإنما هو حديث ابن عجلان، حدّث به الناس عنه، منهم روح بن القاسم، وكذلك أميّة بن یزید. وقال الحافظ أبو الحجاج المزيّ في ((تحفة الأشراف)) (٤٤١/٩ - ٤٤٢) بعد أن أورد سند المصنّف ما نصّه: كذا قال الرياحيّ - يعني عمر بن عبد الوهّاب - عن يزيد بن زُريع، وهو معدود من أوهامه، وخالفه أميّة بن بسطام، وهو أحد الأثبات في يزيد بن زُريع، فقال: عن يزيد بن زريع، عن (١) الحديث أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، مطوّلاً، من طريق ابن عجلان، قال: أخبرني القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَلـ قال: ((إنما أنا لكم مثل الوالد، أُعَلِّمكم، إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها، ولا يستنج بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، ونهى عن الرَّوْث والرِّمَّة)) . (٢) راجع ما تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ١٤٤/١. ٥٣٧ (١٧) - بَابُ آدَابِ الثَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٦) روح بن القاسم، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، وهو محفوظ من رواية ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، رواه عنه جماعة جمّةٌ، منهم: عبد الله بن المبارك، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطّان، وعبد الله بن رجاء المكيّ، والمغيرة بن عبد الرحمن المخزوميّ. انتهى كلام المزيّ نَُّ . وقال النوويّ كَّلُهُ بعد ذكره نحو ما تقدّم: قلت: ومثل هذا لا يظهر قدحه، فإنه محمول على أن سهيلاً، وابن عجلان سمعاه جميعاً، واشتهرت روايته عن ابن عجلان، وقَلَّتْ عن سهيل، ولم يذكره أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه إلا من جهة ابن عجلان، فرواه أبو داود، عن ابن المبارك، عن ابن عجلان، عن القعقاع، والنسائيّ عن يحيى بن سعيد القطّان، عن ابن عجلان، وابن ماجه عن سفيان بن عيينة، والمغيرة بن عبد الرحمن، وعبد الله بن رجاء المكيّ، ثلاثتهم عن ابن عجلان. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي فيما قاله النوويّ من تصحيح الإسنادين نظر، بل ما قاله هؤلاء النقّاد من الإعلال المذكور هو الحقّ، فالحديث حديث محمد بن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضيُته، لا حديث سُهيل، عن القعقاع .. إلخ، فإنه من أوهام عمر بن عبد الوهاب، كما صرّحوا به. لكن هذا كلّه بالنسبة للإسناد، وأما متن الحديث فصحيح؛ لأنه ثابت من حديث أبي هريرة ◌ُبه من طريق ابن عجلان المذكور، وله شواهد من حديث سلمان، وأبي أيوب، وغيرهما والحاصل أن الحديث صحيح، وإن كان إسناد المصنّف معلولاً، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : (١) ((شرح النوويّ)) ١٥٨/٣. ٥٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة [٦١٧] (٢٦٦) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ يَحْبَى، عَنْ عَمِّهِ، وَاسِعِ بْنِ حَبَّنَ، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلَاتِي، انْصَرَفْتُ إِلَيْهِ مِنْ شِقِّي، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَقُولُ نَاسٌ: إِذَا قَعَدْتَ لِلْحَاجَةِ تَكُونُ لَكَ، فَلَا تَقْعُدْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَلَا بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَلَقَدْ رَقِيتُ عَلَى ظَهْرٍ بَيْتٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَلِ قَاعِداً عَلَى لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الْقَعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ نزيل البصرة، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩]. رَوَى عن أبيه، وأفلح بن حميد، وسلمة بن وَرْدان، ومالك، وشعبة، والليث، وداود بن قيس، وسليمان بن بلال، وزيد بن أسلم، ويزيد بن إبراهيم، وجماعة. ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وأخرج له مسلم أيضاً، والترمذيّ، والنسائيّ بواسطة أحمد بن الحسن الترمذيّ، وعبد بن حميد، وعمرو بن منصور النسائيّ، وموسى بن حِزَام، وهلال بن العلاء، والميمونيّ، ومحمد بن عبد الله بن الحكم، ومحمد بن علي بن ميمون، وأبو مسعود الرازيّ، ومحمد بن سهل بن عسكر، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والذُّهْليّ ويعقوب بن سفيان، ويعقوب بن شيبة، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وآخرون، وحدَّث عنه عبد الله بن داود الْخُرَيبيّ، وهو أكبر منه. وقال أبو الحسن ابن القطان، عن الحسن بن منصور: سمعت عبد الله بن داود الْخُريبي يقول: حدَّثني القعنبيّ عن مالك، وهو - والله عندي - خير من مالك، وقال ابن سعد: كان عابداً فاضلاً قرأ على مالك كتبه، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ رجلٌ صالحٌ، قرأ مالك عليه نصف ((الموطأ))، وقرأ هو على مالك النصف الباقي، وقال أبو زرعة: ما كتبتُ عن أحد أجلّ في عيني منه، وقال ٥٣٩ (١٧) - بَابُ آدَابِ الشَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٧) أبو حاتم: ثقةٌ حجةٌ، وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: القعنبيّ أحبّ إليك في ((الموطأ))، أو ابن أبي أويس؟ قال: القعنبيّ أحبّ إليّ، لم أر أخشع منه، وقال عبد الصمد بن المفضل البلخيّ: ما رأت عيناي مثل أربعة، فذكره فيهم، وقال ابن معين: ما رأيت رجلاً يحدث لله، إلا وكيعاً، والقعنبيّ، وقال الْحُنَينيّ: كنا عند مالك، فقيل: قَدِمَ القعنبيّ، فقال مالك: قوموا بنا إلى خير أهل الأرض، وقال ابن حبان في (الثقات)): كان من الْمُتَقَشِّفة الْخُشْن، وكان لا يحدِّث إلا بالليل، وربما خرج وعليه باريَةٌ اتَّشَحَ بها، وكان من المتقنين في الحديث، وكان يحيى بن معين لا يقدِّم عليه في مالك أحداً، وقال الدارقطنيّ: قال النسائيّ: القعنبيّ فوق عبد الله بن يوسف في ((الموطأ))، وقال الحاكم: سئل ابن المدينيّ عنه؟ فقال: لا أُقَدِّم من رواة ((الموطأ)» أحداً على القعنبيّ، وقال ابن قانع: بصريّ ثقةٌ، وقال عمرو بن عليّ: كان مجاب الدعوة. قال البخاريّ: مات سنة إحدى وعشرين ومائتين، أو سنة (٢٢٠)، وقال أبو داود وغيره: مات في محرم سنة (٢٢١)، زاد غيره: بمكة، هكذا ذكره أبو موسى الزَّمِنُ في ((تاريخه))، وقال مُطَيَّن في ((تاريخه)): مات بطريق مكة، ولكن قال ابن عديّ، وابن حبان: إنه مات بالبصرة. والله أعلم. روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٧٧) حديثاً(١). ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في الإيمان ١٤/ ١٦٠. ٣ - (يحيى بن سعيد) بن قيس بن عمرو الأنصاري القاضي المدني، ثقة ثبت [٥] (ت ١٤٤] (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٩٦. (١) وله في ((صحيح البخاريّ)) (١٣٩) حديثاً، هكذا في برنامج الحديث (صخر)، وقال في ((تهذيب التهذيب)) (٤٣٤/٢) نقلاً عن ((الزهرة)»: رَوَى عنه البخاريّ مائة وثلاثة وعشرين حديثاً، ومسلم سبعين حديثاً. انتهى. والظاهر أن الاختلاف بالتكرار، والله تعالى أعلم. ٥٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْنَى) بن حَبَّان بن مُنقِذ الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٤] (ت١٢١) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٥٠. ٥ - (عَمُّهُ، وَاسِعُ بْنُ حَبَّانَ) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة - ابن مُنقِذ بن عمرو الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، صحابيّ ابن صحابيّ، وقيل: بل هو تابعيّ ثقةٌ [٢]، وهو الصحيح (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٧ / ٥٦٥. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﴿مَا، مات سنة (٧٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّلهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المدنيين، وعبد الله بن مسلمة، وإن كان بصريّاً، إلا أنه مدنيّ الأصل، وسكنها مدّةً. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: يحيى، عن محمد بن يحيى، عن عمّه، وهذا هو الأصحّ، وعلى قول من قال: إن الواسع رؤيةً، ولذا عُدَّ في الصحابة، ففيه رواية صحابيّ عن صحابيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى، وقد تقدّم غير مرّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ يَحْيَى) بن حَبّان (عَنْ عَمِّهِ، وَاسِعِ بْنِ حَبَّنَ) بالفتح، أنه (قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ) أي النبويّ، فـ((أل)) فَيه للعهد (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌ِّ، وهو مبتدأ، خبره قوله: (مُسْنِدٌ) اسم فاعل من أسند رباعيّاً، قال الفيّوميّ كَُّهُ: السَّنَدُ - بفتحتين -: ما استندتَ إليه من حائط وغيره، وسَنَدتُ إلى الشيء سُنُوداً، من باب قَعَدَ، وسَنِدتُ أَسْنَدُ، من باب تَعِبَ لغةٌ، واستندتُ إليه بمعنَى، ويُعدّى بالهمزة، فيقال: أسندته إلى الشيء، فَسَنَد هو. انتهى(١). (١) ((المصباح المنير)) ٢٩١/١.