Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٥)
جَعْفَرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَنَسِ
بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌّ: ((وُقْتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفٍ
الْإِبْطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام
[١٠] (ت٢٢٦) على الأصحّ (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ المذكور في الباب الماضي.
٣ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ،
كان يتشيّع [٨] (ت١٧٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٢/٥٥.
٤ - (أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ) هو: عبد الملك بن حَبِيب الأزديّ، أو الكِنْديّ
البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٤] (ت١٢٨) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٥٥/٨٦.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الخادم
الشهير رح لته مات (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢،
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذُ، وهو (٢٨) من رباعيّات
الكتاب، وله فيه شيخان قرن بينهما .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له
أبو داود، وابن ماجه، وجعفر بن سليمان، فما أخرج له البخاريّ في ((الصحيح)).
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخيه، وقد دخلا البصرة.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه رَالله أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦)
حديثاً، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة، ومن المعمّرين، فقد جاوز
عمره مائة سنة، كما أشرت إليه آنفاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عِمْرَانَ) بكسر العين المهملة (الْجَوْنِيِّ) - بفتح الجيم، وسكون

٤٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
الواو -: نسبة إلى جَوْن: بطنٌّ من الأزد، قاله في ((اللب)) (١). (عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكِ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ) أي ابن مالك نظُه، هكذا نسخ ((صحيح مسلم)) بإعادة
((قال أنس))، وهو صحيحٌ، فيكون فاعل ((قال)) الأول ضمير أبي عمران
الجونيّ، ولفظ أبي عوانة في ((مسنده)) (١٦٢/١): ((عن أنس بن مالك، قال:
وُقّت لنا .. إلخ))، وهو الذي في ((سنن النسائيّ)) (وُقّتَ لَنَا) بالبناء للمفعول، أي
حُدّد لنا، قال الفيّوميّ تَُّهُ: الوقتُ: مقدارٌ من الزمان مفروضٌ لأمرٍ مّا، وكلُّ
شيء قَدَّرتَ له حيناً، فقد وقّتْه توقيتاً، وكذلك ما قدّرت له غايةً، والجمع
أوقاتٌ، قال: وَوَقْتَ الله الصلاةَ توقيتاً، وَوَقَتَها يَقِتُهَا، من باب وَعَدَ: حَدَّد لها
وقتاً، ثم قيل لكلّ شيء محدود: مَوْقُوتٌ، ومُوَقَّتٌ. انتهى(٢).
(فِي قَصِّ الشَّارِبِ) أي أخذه بالْمِقَصّ، وهو الْمِقْرَاضُ، قاله أبو
نعيم ◌َّفُ(٣). (وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ) أي قطع ما طال منها (وَنَتْفِ الْإِبْطِ) أي نزع
الشعر النابت تحت الجناح (وَحَلْقِ الْعَانَةِ) أي إزالة الشعر النابت فوق الفرج
بالموسى (أَنْ) بالفتح مصدريّة، صلتها قوله: (لَا نَتْرُلَكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)
والمصدر المؤوّل من ((أن)) وصِلتها نائب فاعل «وُقِّتَ)).
قال النوويّ رَّتُهُ: معناه لا نترُك تركاً نتجاوز به أربعين، لا أنه وقّت لهم
الترك أربعين، قال: والمختار أن يُضبط بالحاجة والُول، فإذا طال حُلِقٍ.
(٤)
انتھی (٤).
وقال في ((شرح المهذّب)): ينبغي أن يَختلف ذلك باختلاف الأحوال،
والأشخاص، والضابط الحاجة في هذا، وفي جميع الخصال المذكورة.
وقد تعقّب الشوكانيّ قول النوويّ: ((والمختار .. إلخ))، لكن تعقّبه غير
سديد، فراجع ما كتبته في ((شرح النسائيّ))(٥).
وقال القرطبيّ ◌َُّهُ في ((المفهم)): هذا تحديد أكثر المدّة، والمستحبّ
تفقّد ذلك من الجمعة إلى الجمعة، وإلا فلا تحديد فيه للعلماء، إلا أنه إذا كثُر
(١) (لبّ اللباب)) ٢٢٣/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٦٧/٢.
(٣) ((المسند المستخرج)) ٣١٦/١.
(٤) ((شرح مسلم)) ١٤٩/٣.
(٥) راجع ((المجتبى)) شرح الحديث رقم (١٤).

٤٦٣
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٥)
ذلك أزيل. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضيته هذا من أفراد
المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة)) [٦٠٥/١٦] (٢٥٨)، و(أبو داود)
في ((الترجّل)) (٤٢٠٠)، و(الترمذيّ) في ((الاستئذان)) (٢٧٥٨ و٢٧٥٩)،
و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (١٤) وفي ((الكبرى)) (١٦)، و(ابن ماجه) في
((الطهارة)) (٢٩٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٢٢/٣ و٢٠٣ و٢٥٥)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٤٦٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٩٩)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان عناية الشرع في المحافظة على النظافة، حيث حدّد لها
أربعين يوماً .
٢ - (ومنها): أنه يُسمَح للشخص أن يترك ذلك إلى هذه المدّة.
٣ - (ومنها): أنه لا يُشرع مجاوزة أربعين يوماً في هذه النظافة، وليس
معنى هذا أنه إن احتاج قبل الأربعين إلى إزالة شيء مما ذُكر يُمنع من إزالته،
بل إذا احتاج في أيّ وقت فله ذلك، ولا ينتظر تمام الأربعين؛ لأن التحديد به
لمنع مجاوزته، لا للزوم التأخير إليه، بل من المستحبّ التفقد كلّ يوم جمعة؛
لأن المبالغة في التنظف فيه مطلوبة، كما سيأتي في بابه - إن شاء الله تعالى -
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قد تكلّم النقّاد في هذا الحديث، ودونك أقوالهم:
قال العلامة الشوكانيّ رَّتُهُ في قوله: ((وُقّت لنا)) بالبناء للمجهول ما
(١) ((المفهم)) ٥١٥/١.

٤٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
نصّه: وقد وقع خلاف في علم الأصول والاصطلاح، هل هي صيغة رفع أو
لا؟، والأكثرون أنها صيغة رفع إلى النبيّ وَّ إذا قالها الصحابيّ، مثلُ قوله:
(أُمِرنا بكذا))، و(نُهينا عن كذا)).
وإلى هذا أشار السيوطيّ في ((ألفيّة الحديث)) حيث قال:
نَحْوُ ((مِنَ السُّنَّةِ)) مِنْ صَحَابِي
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ
فِي عَهْدِهِ)) أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
كَذَا ((أُمِرْنَا)) وَكَذَا ((كُنَّا نَرَى
تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي
ثَالِثُهَا إِنْ كَانَ لَا يَخْفَى وَفِي
قال: وقد صُرّح في رواية أحمد، وأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ بأن
الموقّت هو النبيّ وَّرَ، فارتفع الاحتمال، لكن في إسنادها صدقة بن موسى،
أبو المغيرة، ويقال: أبو محمد السلميّ البصريّ الدقيقيّ، قال يحيى بن معين:
ليس بشيء، وقال مرّةً: ضعيفٌ، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال الترمذيّ: ليس
بالحافظ، وقال أبو حاتم الرازيّ: ليّن الحدیث، يُکتب حديثه، ولا يُحتجّ به،
ليس بالقويّ، وقال أبو حاتم ابن حبّان: كان شيخاً صالحاً، إلا أن الحديث لم
يكن من صناعته، فكان إذا روى قَلَب الأخبار حتى خرج عن حدّ الاحتجاج
به. انتهى كلام الشوكانيّ ◌َّتُهُ بزيادة(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((لكن في إسنادها صدقة .. إلخ)) رواية
النسائيّ ليس فيها صدقة، فقد أخرجه عن قتيبة، عن جعفر بن سليمان، عن أبي
عمران الْجَونيّ، عن أنس بن مالك، قال: وَقَّت لنا رسول الله عَليه ... الحديث،
فقد زالت العلّة، وثبت صحّة التصريح بأنه وَ ليل هو الموقّت - والحمد لله -.
وقال في ((الفتح)): وأما ما أخرجه مسلم من حديث أنس: ((وُقِّت لنا في
قصّ الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة أن لا يُتْرَك أكثر من
أربعين يوماً))، كذا ((وُقِّت)) فيه على البناء للمجهول، وأخرجه أصحاب السنن
بلفظ: ((وَقَّت لنا رسول الله وَّه))، وأشار العقيليّ إلى أن جعفر بن سليمان
الضبعي تفرد به، وفي حفظه شيء، وصَرَّح ابن عبد البر بذلك، فقال: لم يروه
غيره، ولیس بحجة.
(١) راجع ((نيل الأوطار)) ١٦٩/١.

٤٦٥
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٥)
وتُعُقِّب بأن أبا داود، والترمذيّ أخرجاه من رواية صدقة بن موسى، عن
ثابت، وصدقةُ بن موسى، وإن كان فيه مقال، لكن تبين أن جعفراً، لم ينفرد به.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((عن ثابت)) فيه نظر لا يخفى؛ لأن رواية
صدقة عند أبي داود، والترمذيّ ليست عن ثابت، وإنما هي عن أبي عمران
الْجَوْنيّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: وقد أخرج ابن ماجه نحوه من طريق عليّ بن زيد بن جُدْعَان، عن
أنس، وفي عليّ أيضاً ضعف.
وأخرجه ابن عديّ من وجه ثالث، من جهة عبد الله بن عُمَران، شيخ
مصريّ، عن ثابت، عن أنس، لكن أَتَى فيه بألفاظ مستغربة، قال: ((أن يحلق
الرجل عانته كلَّ أربعين يوماً، وأن يَنتف إبطه كلَّما طَلَعَ، ولا يَدَع شاربيه
يطولان، وأن يُقَلِّم أظفاره من الجمعة إلى الجمعة))، وعبد الله، والراوي عنه
(١)
مجهولان. انتھی(١) .
وقال الحافظ العراقيّ تَغْلَهُ بعد ذكر حديث مسلم هذا ما نصّه: وهكذا
أخرجه ابن ماجه بلفظ: ((وُقِّت لنا)) على البناء للمفعول، وحكمه الرفع على
الصحيح عند أهل الحديث والأصول، وقال أبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ في
هذا الحديث: ((وَقَّتَ لنا رسول الله وَّ))، فَصَرَّح بالفاعل.
وقد تكلّم الْعُقيليّ، وابن عبد البرّ في حديث أنس هذا، فقال الْعُقيليّ في
((الضعفاء)) في ترجمة جعفر بن سُليمان: وليس بحجة؛ لسوء حفظه، وكثرة
غلطه .
قال العراقيّ: تابعه عليه صدقة بن موسى الدَّقِيقيّ، فرواه عن أبي عمران
الْجَوْنيّ، عن أنس، أخرجه كذلك أبو داود، والترمذيّ، ولكن صدقة ضعيفٌ،
ورُوي أيضاً من رواية عبد الله بن عمران، شيخ مصريّ، عن أبي عمران.
وله طريق آخر رواه أبو الحسن عليّ بن إبراهيم بن سلمة القطّان في
زياداته على سنن ابن ماجه من رواية عليّ بن زيد بن جُدعان، عن أنس، وابن
جُدعان أيضاً ضعّفه الجمهور.
(١) ((الفتح)) ٣٥٨/١٠.

٤٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
قال: وقد ورد حديث أنس من وجه لا يثبت، ثم ذكر ما تقدّم من رواية
ابن عديّ، ثم قال: قال صاحب ((الميزان)): هو حديث منكر(١)، قال: وأصحّ
طرقه طريق مسلم على ما فيها من الكلام، وليس فيها تأقيتٌ لما هو أولى، بل
ذكر أنه لا يزيد على أربعين. انتهى كلام العراقيّ تَذَتُهُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن من مجموع ما قالوا أن حديث الباب
صحيح، أما المرفوع فلأن جعفر بن سليمان لم ينفرّد به، بل تابعه عليه
صدقة بن موسى الدقيقيّ، وهو وإن كان الأكثرون على تضعيفه، إلا أنه يصلح
للاعتبار، كما يفيده كلام الأئمة.
وأما الموقوف فهو رواية المصنّف تَخْتُ، وحكمه أنه مرفوع؛ لأن قول
أنس ظُله: ((وُقّت لنا .. إلخ))، كقول الصحابيّ: ((أُمرنا بكذا، ونهينا عن
كذا)، كما سبق بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٦٠٦] (٢٥٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا بَحْيَى - يَعْنِي ابْنَ
سَعِيدٍ - (ح) وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعاً عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ رِ قَالَ: ((أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ، المعروف
بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فَرّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة
الناقد البصير، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٥.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن
(١) راجع ((ميزان الاعتدال)) ٣٣/١.
(٢) راجع ((طرح التثريب)) ٢٤٧/١ - ٢٤٨.

٤٦٧
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٦)
الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٤ - (أَبُوهُ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ،
من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في (المقدمة)) ٥/٢.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عُمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب
العدويّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت سنة بضع و١٤٠) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٦ - (نَافِعِ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور
[٣] (ت١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٧ - (ابْنُ عُمَرَ) هو عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ الصحابيّ ابن
الصحابيّ الشهير رضًّا، مات سنة (٧٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١، والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَحْدُهُ .
٢ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، وملتقى
الإسنادين هو عُبيد الله بن عمر، فكلّ من يحيى بن سعيد، وعبد الله بن نمير
یرویان عنه.
٣ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٤ - (ومنها): أن شيخه الأول أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم
الأئمة الستّة بلا واسطة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبيد الله عن نافع.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة،
والمشهورين بالفتوى، وشدّة اتّباع الآثار، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ◌َهَا (عَنِ النَّبِيِّ نَِّ) أنه (قَالَ: ((أَحْفُوا) بقطع
الهمزة، من الإحفاء، كذا للأكثر، وحكى ابن دُريد: حَفَى الرجل شاربه يحفوه
حَفْواً: إذا استأصل أخذ شعره، فعلى هذا تكون همزته همزة وصل.

٤٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وقال الحافظ تَخَّتُ: الإحفاء بالحاء المهملة، والفاء: الاستقصاء، ومنه:
((حتى أَحْفَوه بالمسألة))، وقد ورد بلفظ: ((أَنْهِكُوا الشوارب))، وبلفظ: ((جُزّوا
الشوارب))، وكلُّ هذه الألفاظ تدلّ على أن المطلوب المبالغة في الإزالة؛ لأن الجزّ
قصّ الشعر والصوف إلى أن يبلُغ الجلد، والنهك: المبالغة في الإزالة، ومنه قوله وَل
للخافضة: ((أَشِمِّي، ولا تُنْهِكِي)): أي لا تُبالغي في ختان المرأة. انتهى(١).
(الشَّوَارِبَ) منصوب على المفعوليّة، وهو: جمع شارب، وهو الشعر
الذي يسيل على الفم، قال أبو حاتم: ولا يكاد يُثنّى، وقال أبو عبيدة: قال
الكلابيّون: شاربان باعتبار الطرفين؛ قاله الفيّوميّ(٢).
وقال الجيّانيّ: وقع في كلامهم: إنه لعظيم الشوارب، وهو من الواحد
الذي فرق، وسُمّي كلّ جزء منه باسمه، فقالوا لكلّ جانب منه: شارباً، ثم
جُمع شوارب، وحَكَى ابن سِيده عن بعضهم: من قال: الشاربان أخطأ، وإنما
الشاربان ما طال من ناحية السَّبَلَة، قال: وبعضهم يُسمّي السَّبَلَةِ(٣) كلّها شارباً،
ويؤيّده أثر عمر ◌ُّه الذي أخرجه مالك أنه كان إذا غضب فَتَلَ شاربه، والذي
يمكن فَتْله من شعر الشارب السِّبَال، وقد سمّاه شارباً؛ قاله في ((الفتح)).
وقال أيضاً: وأما الشارب فهو الشعر النابت على الشفة العليا، واختُلِفَ
في جانبيه، وهما السبالان، فقيل: هما من الشارب، ويُشرَع قصّهما معه،
وقيل: هما من جملة شعر اللحية. انتهى (٤).
(وَأَعْفُوا اللِّحَى) بقطع الهمزة، ووصلها: أي وفّروها، قال ابن
الأثير تَخْذُ: إعفاء اللحية: أن يوفّر شعرها، ولا يُقَصّ كالشوارب، مِن عَفَى
الشيءُ: إذا كثُر، وزاد، يقال: أعفيته، وعَفَيته. انتهى(٥).
(١) راجع ((شرح النوويّ)) ١٥١/٣، و((الفتح)) ٣٦٢/١٠.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٠٨/١.
(٣) ((السَّبَلَة)) محرّكةً: الدائرة في وسط الشفة العليا، أو ما على الشارب من الشعر، أو
طرفه، أو مُجتَمَع الشاربين، أو ما على الذقن إلى طرف اللحية كلّها، أو مقدّمها
خاصّةً، جمعه: سِبَالٌ؛ قاله في ((القاموس)) ص٩١١.
(٤) ١٠/ ٣٦٢.
(٥) ((النهاية)) ١١٨/٣.

٤٦٩
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٦)
وقال الفيّوميّ تَخْلُهُ: عفا الشيءُ: كثُر، وفي التنزيل: ﴿حَّى عَفَواْ﴾ أي
كثُروا، وعَفَوته: كثّرته، يتعدّى، ولا يتعدّى، ويُعدّى بالهمزة، فيقال: أعفيته،
وقال السَّرَقُسْطَيّ: عَفَوتُ الشعرَ أعفوه عَفْواً، وعفيته أَعفيه عَنْياً: تركته حتى
يكثُر، ويطول، ومنه: ((أحفوا الشوارب، وأعفوا اللِّحَى))، يجوز استعماله
ثلاثيّاً، ورباعيّاً. انتهى(١).
وقال النوويّ في ((شرحه)): قوله وَلَى: ((أحفوا الشوارب، وأعفوا اللحى))،
وفي الرواية الأخرى: ((وأوفوا اللحى))، هو بقطع الهمزة في ((أحفوا، وأعفوا،
وأوفوا))، وقال ابن دريد: يقال أيضاً: حَفَا الرجل شاربه يَحفوه حَفْواً: إذا
استأصل أخذ شعره، فعلى هذا تكون همزة ((أحفوا)) همزة وصل، وقال غيره:
عفوت الشعر، وأعفيته لغتان، قال: وأما ((أوفوا)) فهو بمعنى ((أعفوا)): أي
اتركوها وافيةً كاملةً لا تقُصّوها، قال: وأما قوله: ((وأرخوا)) فهو أيضاً: بقطع
الهمزة، وبالخاء المعجمة، ومعناه: اتركوها، ولا تتعرضوا لها بتغيير، وذكر
القاضي عياض أنه وقع في رواية الأكثرين كما ذكرنا، وأنه وقع عند ابن ماهان
((أرجوا)) بالجيم، قيل: هو بمعنى الأول، وأصله أرجؤا بالهمز، فحذفت الهمزة
تخفيفاً، أي فهو كقوله تعالى: ﴿تُرْجِى مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١](٢)، ومعناه:
أَخِّروها، واتركوها، وجاء في رواية البخاريّ: ((وَفِّروا اللُّحَى))، فحصل خمس
روايات: ((أعفوا))، و((أوفوا))، و((أرخوا))، و((أرجوا))، و((وفروا))، ومعناها كلها:
تركها على حالها. هذا هو الظاهر من الحديث الذي تقتضيه ألفاظه، وهو الذي
قاله جماعة من أصحابنا وغيرهم من العلماء. انتهى (٣).
وقال في ((الفتح)): ((اللِّحَى)) - بكسر اللام، وحُكِي ضمّها، والكسر
أفصح، وبالقصر والمدّ ــ: جمع لِحية بالكسر فقط، وهو اسم لِمَا نبت على
الخدّين والذَّقَن. انتهى (٤).
وقال في ((اللسان)): ((اللِّحْيَةُ)): اسمٌ يَجمع ما نبت على الخدّين والذّقَن،
(١) ((المصباح المنير)) ٤١٩/٢.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٥١/٣.
(٢) راجع ((طرح التثريب)) ٢٤٨/١.
(٤) ((شرح النوويّ) ١٥١/٣، و((الفتح)) ٣٦٢/١٠.

٤٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
والجع لِحَى - أي بالكسر -، ولُحَى - أي بالضمّ - مثلُ ذُرْوَةٍ(١) وذُرَّى. انتهى،
ونحوه في ((القاموس)) (٢).
وفي ((المصباح)): ((اللحية)): الشعر النازل على الذقَن، والجمع لِحَّى،
مثلُ سِدْرَةٍ وسِدَر، وتُضمّ اللام أيضاً، مثلُ حِلْية وحُلَّى. انتهى(٣).
وقال ابن دقيق العيد كَّتُهُ: تفسير الإعفاء بالتكثير من إقامة السبب مقام
المسبّب؛ لأن حقيقة الإعفاء: الترك، وترك التعرّض للحية يستلزم تكثيرها،
وأغرب ابن السِّيد، فقال: حَمَل بعضهم قوله: ((أعفوا اللِّحَى)) على الأخذ منها
بإصلاح ما شذّ منها طولاً وعرضاً، واستشهد بقول زُهير [من الوافر]:
عَلَى آثَارٍ مَنْ ذَهَبَ الْعَفَاءُ
وذهب الأكثر إلى أنه بمعنى وَفِّرُوا، أو أكثِرُوا، وهو الصواب.
قال ابن دقيق العيد: لا أعلم أحداً فَهِمَ من الأمر في قوله: ((وأعفوا
اللحَى)) تجويز معالجتها بما يُغَزِّرها، كما يفعله بعض الناس، قال: وكأن
الصارف عن ذلك قرينة السياق في قوله في بقيّة الخبر: ((وأحفوا الشوارب)).
انتھی .
قال الحافظ: ويمكن أن يؤخذ من بقيّة ألفاظ الحديث الدالّة على مجرّد
الترك. انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من تفسير صاحب ((اللسان))،
و((القاموس))، و((الفتح)) اللحية بأنه اسم للشعر الذي نبت على الخدّين والذّقَن
أنه لا يجوز التعرّض لشيء من ذلك بحلق، ولا تقصير، فما يفعله بعض الناس
من حلق ما ينبت على الخدين بدعوى أنه ليس من اللحية خطأ بيّن، نشأ من
الجهل باللغة، فليُتفطّن.
وقال أبو شامة رَثمّتُهُ: وقد حَدَث قوم يحلقون لحاهم، وهو أشدّ مما نُقِل
عن المجوس أنهم كانوا يَقُصّونها .
(١) ((الذروة)) بالكسر والضمّ: أعلى الشيء.
(٢) ((لسان العرب)) ٢٤٣/١٥، و((القاموس المحيط)) ص ١١٩٧.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٥١/٢.
(٤) ((الفتح)) ١٠/ ٣٦٣ - ٣٦٤.

٤٧١
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٦)
[تنبيه]: قال النوويّ كَخَّتُهُ: يُستثنَى من الأمر بإعفاء اللحى، ما لو نبتت
للمرأة لحية، فإنه يُستحب لها حلقها، وكذا لو نبت لها شارب، أو عَنْفَقَة،
قال: هذا مذهبنا، وقال محمد بن جرير: لا يجوز حلق شيء من ذلك، ولا
تغيير شيء من خِلقتها بزيادة، ولا نقص. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: لم أر لمدّعي الاستحباب، ولا لمدّعي عدم
الجواز دليلاً صريحاً، فالأولى أن يقال بالإباحة حتى يوجد نصّ صريح
لأحدهما، والله تعالى أعلم بالصواب.
[فائدة]: في قوله: ((أعفوا))، و((أحفوا)) ثلاثة أنواع من البديع: الجِنَاسُ،
والمطابقة، والموازنة، قاله في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ◌ًّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٦٠٦/١٦ و٦٠٧ و٦٠٨] (٢٥٩)،
و(البخاريّ) في ((اللباس)) (٥٨٩٢ و٥٨٩٣)، و(أبو داود) في ((الترجّل))
(٤١٩٩)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٧٦٤)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (١٥)
و(الزينة)) (٥٢٢٦) و((الكبرى)) (١٣)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٩٤٧/٢)، و(ابن
أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٦٤/٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦/٢ و٥٢
و١٥٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٤٧٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١/
١٤٩ و١٥٠ و١٥١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣١٩٣ و٣١٩٤)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٤٦٥ و٤٦٦ و٤٦٧ و٤٦٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(٦٠٠ و٦٠١ و٦٠٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في إعفاء اللحية:
قال النوويّ ◌َُّهُ بعد ذكر اختلاف الروايات في ((أعفوا اللُّحَى) ما نصّه:
(١) راجع ((شرح مسلم)) ١٤٩/٣.
(٢) ٣٦٤/١٠.

٤٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
فحصل خمس روايات: ((أعفوا))، و((أوفوا))، و((أَرْخُوا))، و((أَرْجُوا))، و((وفِّروا))،
ومعناها كلِّها تركُها على حالها، هذا هو الظاهر من الحديث الذي تقتضيه
ألفاظه، وهو الذي قاله جماعة من أصحابنا وغيرهم من العلماء، وقال القاضي
عياض رَّتُهُ: يكره حَلْقها، وقصُها، وتحذيفها(١) وأما الأخذ من طولها
وعرضها فحسنٌ، وتكره الشهرة في تعظيمها، كما تكره في قصِّها وجزِّها،
قال: وقد اختَلَف السلف هل لذلك حدٌّ، فمنهم من لم يُحَدِّد شيئاً في ذلك،
إلا أنه لا يتركها لحدّ الشهرة، ويأخذ منها، وكَرِه مالك طولها جدّاً، ومنهم من
حدَّد بما زاد على القبضة، فيُزال، ومنهم من كَرِهِ الأخذ منها إلا في حجّ أو
عمرة.
قال: وأما الشارب فذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه، بظاهر
قوله وَ له: ((أحفُوا))، و((أَنْهِكوا))، وهو قول الكوفيين.
وذهب كثير منهم إلى منع الحلق والاستئصال، وقاله مالك، وكان يرى
حلقه مُثْلَةً، ويأمر بأدب فاعله، وكان يكره أن يؤخذ من أعلاه، ويَذْهَب هؤلاء
إلى أن الإحفاء، والْجَزَّ، والقَصّ بمعنى واحد، وهو الأخذ منه حتى يبدو
طرف الشفة.
وذهب بعض العلماء إلى التخيير بين الأمرين. انتهى كلام القاضي.
قال النوويّ: والمختار ترك اللحية على حالها، وأن لا يُتَعَرَّض لها
بتقصير شي أصلاً، والمختار في الشارب ترك الاستئصال، والاقتصار على ما
يبدو به طرف الشفة. انتهى (٢).
وأخرج الإمام البخاريّ تَظُّْ، في (صحيحه))، من طريق عُمر بن محمد بن
زيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ بََّ قال: ((خالفوا المشركين، وفّرُوا
اللِّحَى، وأَحْفُوا الشوارب))، وكان ابن عمر إذا حجّ، أو اعتمر قَبَضَ على
(١) أي تقصير بعضها، قال في ((المصباح)): حذَفَ من شعره: إذا قصّر منه، وحذّف
بالتثقيل مبالغة، وكلُّ شيء أخذت من نواحيه حتى سوّيته، فقد حذّفته تحذيفاً.
انتھی.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٥١/٣.

٤٧٣
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٦)
لحیته، فما فَضَل(١) أخذه. انتهى.
قال في ((الفتح)): قوله: ((وكان ابن عمر .. إلخ)) هو موصول بالسند
المذكور إلى نافع، وقد أخرجه مالك في ((الموطأ))، عن نافع بلفظ: ((كان ابن
عمر إذا حَلَق رأسه في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه))، قال: وفي حديث
الباب مقدار المأخوذ.
وقال الكرمانيّ: لعل ابن عمر أراد الجمع بين الحلق والتقصير في
النسك، فحَلَق رأسه كلّه، وقصر من لحيته؛ ليدخل في عموم قوله تعالى:
﴿ يُحِلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ الآية [الفتح: ٢٧]، وخَصَّ ذلك من عموم قوله:
((وفِّرُوا اللِّحَى))، فحمله على حالة النسك.
قال الحافظ: الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخُصّ هذا التخصيص
بالنسك، بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تَتَشَوَّه فيها الصورة
بإفراط طول شعر اللحية، أو عرضه، فقد قال الطبريّ: ذهب قوم إلى ظاهر
الحديث، فكرهوا تناول شيء من اللحية، من طولها ومن عرضها، وقال قوم:
إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد، ثم ساق بسنده إلى ابن عمر أنه فَعَل ذلك،
وإلى عمر أنه فَعَل ذلك برجل، ومن طريق أبي هريرة أنه فعله.
وأخرج أبو داود من حديث جابر ظله بسند حسن قال: ((كنا نُعَفِّي
السِّبَال، إلا في حجّ أو عمرة))، وقوله: ((نُعَفِّي)) - بضم أوله، وتشديد الفاء -:
أي نتركه وافراً، وهذا يؤيد ما نُقِل عن ابن عمر، فإن السَِّال ـ بكسر المهملة،
وتخفيف الموحدة - جمع سَبَلَة - بفتحتين - وهي ما طال من شعر اللحية،
فأشار جابر إلى أنهم يُقَصِّرون منها في النسك.
ثم حكى الطبري اختلافاً فيما يؤخذ من اللحية، هل له حدّ أم لا؟ فأسند
عن جماعة الاقتصار على أخذ الذي يزيد منها على قدر الكفّ، وعن الحسن
البصريّ أنه يؤخذ من طولها وعرضها، ما لم يَفْحُش، وعن عطاء نحوه، قال:
وحمل هؤلاء النهي على منع ما كانت الأعاجم تفعله من قصّها وتخفيفها .
(١) قوله: ((فما فَضَلَ)) بفتح الفاء والضاد المعجمة، ويجوز كسر الضاد، كعِلم،
والأشهر الفتح، ذكره في ((الفتح)) ١٠/ ٣٦٢.

٤٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
قال وكره آخرون التعرُّض لها إلا في حجّ أو عمرة، وأسنده عن جماعة،
واختار قول عطاء، وقال: إن الرجل لو ترك لحيته، لا يتعرض لها حتى أفحش
طولها وعرضها، لَعَرَّض نفسه لمن يَسْخَر به، واستَدَلَّ بحديث عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبيّ ◌َ 18ّ ((كان يأخذ من لحيته من عرضها
وطولها))، وهذا أخرجه الترمذيّ، ونَقَل عن البخاريّ أنه قال في رواية عُمَر بن
هارون: لا أعلم له حديثاً منكراً إلا هذا. انتهى.
وقد ضَعَّف عُمر بن هارون مطلقاً جماعة.
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن حلق اللحية حرام، وهو الذي نصّ
عليه الإمام الشافعيّ في ((الأمّ)) كما قال ابن الرفعة، وقال الأذرعيّ:
الصواب تحريم حلقها جملة لغير علّة بها. انتهى. وأما الأخذ من طولها إذا
فحش فلا بأس به؛ كما ثبت ترخيص ذلك عن بعض السلف - رحمهم الله
تعالى -.
والحاصل أن ترك اللحية على حالها، وعدم التعرّض لها هو الصواب؛
لظواهر النصوص، كقوله بَّالر: ((أعفوا))، و((أوفوا))، و((وفّروا))، وإن ترخّص
أحد في أخذ ما زاد على القبضة اتّباعاً لما ثبت عن بعض السلف، كابن عمر
وغيره، فلا بأس به؛ لأن ابن عمر ◌ُّ، مع شدّة اتّباعه للسنّة، وهو الذي
رَوَى حديث ((أعفوا اللحى)) كان يأخذ من لحيته ما زاد على القبضة، فلولا
أن عنده حجةً على هذا لَمَا فعله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
[فائدة]: نقل النوويّ عن الغزاليّ، وهو في ذلك تابع لأبي طالب المكيّ
في ((القوت)) قال: يكره في اللحية عشر خصال: خَضْبها بالسواد لغير الجهاد،
وبغير السواد؛ إيهاماً للصلاح، لا لقصد الاتّباع، وتبييضها؛ استعجالاً
للشيخوخة؛ لقصد التعاظم على الأقران، ونتفها؛ إبقاء للمرودة، وكذا
تحذيفها، ونتف الشيب، ورجّح النوويّ تحريمه؛ لثبوت الزجر عنه، وتصفيفها
طاقةٌ طاقةً تصنعاً ومخيلةً، وكذا ترجيلها، والتعرض لها طولاً وعرضاً على ما
فيه من الاختلاف، وتركها شَعِثَةً؛ إيهاماً للزهد، والنظرُ إليها إعجاباً، وزاد
النوويّ: وعقدُها؛ لحديث رُوَيفع رفعه: ((مَن عَقَد لحيته، فإن محمداً ◌َلِّ منه

٤٧٥
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٦)
بريء ... )) الحديث(١)، أخرجه أبو داود(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أطلق الكراهة في هذه الأشياء، وفي
بعضها نظر لا يخفى؛ لأن أدلّة التحريم واضحة عليه، كعقد اللحية، فتأمل،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في ذكر بعض شُبَهِ من يُخادعون أنفسهم بحلق
لحیتهم، ودحضها :
(منها): قول بعضهم: إن رسول الله ◌َ﴿ إنما أعفى لحيته، وأمر به لأن
قومه العرب كانوا يُعَفّون لحاهم، فاتّبع ◌َّ ما راج في بيئته، ولم يُخالفهم، بل
بعض الضلّال يزيد على هذا، فيقول: لو كان النبيّ وَّ في هذا العصر الحلق
لحیته - والعياذ بالله -.
وهذا كله من دعاوي الجاهليّة، أوحاها إليهم الشيطان، لمجادلة أهل
الحقّ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآبِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ
إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١].
فالله ◌ُعَلَ أمر نبيّه ◌َ ﴿ل باتّباع ملّة إبراهيم حنيفاً، وكذا أمر أمته بذلك،
فالخصال التي كانت باقيةً في بني إسماعيل علَّ وهم العرب من أبيهم
إبراهيم علّل أخذها النبيّ ◌َل ، وعمل بها؛ لأنها من ملّة إبراهيم، لا لأجل
اتّباع عادات العرب المجرّدة، وإلا فكم من عادات العرب كانت سائدة حينما
بُعث النبيّ وََّ، فأبطلها، ولن يتّبعهم عليها، كالوشم، ووصل الشعر، وكقتل
الأولاد، ووأد البنات، وعدم التستّر عند البول والغائط حتى عابه بعضهم،
فقال: إنه يبول كما تبول المرأة، وكالربا، والنسيء في أشهر الحرم، وكالجناية
على الوالد بجناية ولده، وبالعكس، والطواف عرياناً، والرجوع من مزدلفة في
الحجّ، والمشي عرياناً، وبيع الملامسة، والمنابذة، وغير ذلك مما يُحصى من
عادات العرب، جاء ◌َ﴿ بإبطالها، ولم يقلّدهم فيها، بل إنما فعل - مما كانت
(١) راجع ((الفتح)) ٣٦٣/١٠.
(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١٦٥٤٧)، وأبو داود برقم (٣٦)، والنسائيّ
(٥٠٦٧)، بإسناد صحيح.

٤٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
عليه - ما كان موروثاً عن دين إبراهيم ظلّل فقط، ومن جملته إعفاء اللحية،
فظهر بهذا ما موّهوا به من هذه الشبهة الباطلة، والله تعالى الهادي إلى سواء
السبيل.
(ومنها): قول الآخرين: إن إعفاء اللحية كان واجباً لمخالفة المجوس
والمشركين، واليوم نرى اليهود يُعفون لحاهم، فوجب أن نخالفهم بحلق اللحية.
وهذه حجة داحضة، لا يقولها إلا أحمق جاهل، فإن إعفاء اللحية
وحلقها كانا موجودين في زمنه ◌َ*، فاختار ◌ّ﴿ ما كان موافقاً لملّة
إبراهيم لعلَّل، وهو الإعفاء، وأمر به، وردّ ما كان مخالفاً ذلك، وهو الحلق،
وأنكره بألفاظ، وأساليب مختلفة، فكذلك في هذا العصر يوجد من يُعفي
لحيته، ومن يحلقها، ونحن مأمورون بمخالفة الحالقين، لا المعفين.
قال بعض المحقّقين: لو كانت القاعدة أن ما يفعله اليهود هو الواجب
التحرّز لوجب علينا ترك الاختتان؛ لأن اليهود يختتنون.
وبالجملة فليست هذه الشبهة صادرة إلا من ذي هوى النفس، لا ممن له
صلة بالدين، وغيرة عليه، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العزيز الحكيم.
(ومنها): أن بعضهم يقول: إن أصحاب اللحى يَخدعون الناس بلحاهم،
فجعلوا اللحى حبائل ووسائل لتحصيل متاع الدنيا؛ ليغترّ عامّة الناس بهم،
ويظنّوا بهم أنهم أهل صلاح وخير، وهذا نوع من النفاق المنهيّ عنه في
الإسلام.
قلنا: المكر والخديعة لا يختصّ بأصحاب اللحى، بل كثير ممن يخدعون
الناس يتظاهرون بمظاهر الإسلام، ككثرة الصلاة، والذكر، ونحو ذلك؛
للغرض المذكور، فهل هذا يبرر لنا أن نترك أفعال الخير كلّها من أجل أن
بعض الأشرار يخدعون بها الناس؟ فهذا هو الانسلاخ من الدين بالكليّة.
وبالجملة فليس تظاهر بعض الناس المخادعين ببعض خصال الإسلام
مبرّراً لتركها، فلو كان فيهم من أعفى لحيته ليغترّ بها الناس، فلا يحلّ لنا أن
نحلق لحانا، ونترك ما أمرنا به نبيّنا وَ# لأجل هؤلاء المجرمين، بل يجب علينا
أن نمتثل بأمره وَّر، ونقوم بإصلاح حالنا، وننصح المخادعين، لعل الله يهديهم
على أيدينا، اللهم اهدنا فيمن هديت.

٤٧٧
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٦)
(ومنها): قول بعضهم: إني أحلق مقلّداً لبعض العلماء.
نقول: هذا الذي يحلق لحيته دون ضرورة ليس من أهل العلم المهديين،
بل هو من علماء السوء الضالّين المضلّين، ومما يجب التنبّه له أن الإنسان إذا
مات مات شرّه معه غالباً إلا علماء السوء، فإنهم إذا ماتوا لم تمت سنتهم
السيئة، بل يبقى في الأمة شرّها، وينتشر في الأرض شررها، وقد قال وَلي:
((من سنّ في الإسلام سنة حسنة، فعُمِل بها بعده، كُتب له مثل أجر من عمل
بها، ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة، فعمل بها
بعده كُتب عليه مثل وزر من عَمِل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء))، رواه
مسلم.
فهذا العالم السوء الذي يسنّ للناس المنكرات يلحقه بعد موته إثم كلّ من
عَمِل بما سنّه لهم من هذه السنّة السيّئة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
(ومنها): أن بعضهم يقول: إن إعفاء اللحية سنّة، وليس بواجب.
نقول: كونه سنةً حقّ لا يُنكر؛ لأنه وَّرَ شرعه، وأمر به، فهو سنّته، وأما
دعوى عدم الوجوب فباطلٌ، فقد تقدّم أن الحقّ أنه واجب، وأن حلقها حرام،
فكيف يدّعي عدم الوجوب من يسمع قوله وَّر: ((خالفوا المشركين، وَفِّرُوا
اللِّحَى، وأَخْفُوا الشوارب))، متّفق عليه، وأمره وَّ ر للوجوب، فمخالفة
المشركين، وتوفير اللحية، وإحفاء الشوارب واجبة.
وبالجملة فقد كان النبيّ وَّ يوفّر لحيته، ويأمر بها، والغريب أن من
ادّعى السنّة يعلم أن النبيّ وَل﴿ إنما سنّها لنعمل بها، لا لنتركها.
وأغرب من ذلك أن الذين يحلقون لحاهم يدّعون أنهم يُحبّون
الرسول وَله، بل يزعمون أنه أحبّ إليهم من أهلهم وأموالهم، ثم لا يُحبّون
صورته وَيه التي يعلمون أنه كان ملتحياً، ويُحبّون صورة أعدائه الكفرة الحالقين
لحاهم، ومن المعلوم لدى العامّ والخاصّ أن المحبّ يُحبّ كلّ ما كان منسوباً
إلى محبوبه، من الصورة، والسيرة، واللباس، والهيئة، حتى يحب داره وجداره
وکساءه ورداءه، وكلّ ما يُنسب إليه.
فالذي يؤمن بالله وال ورسوله ول﴾ يكون الله ورسوله وَ﴾ أحبّ إليه مما
سواهما، وهذه المحبّة لا محالة تضطرّ صاحبها إلى اتّباع الرسول وَّ في

٤٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
شؤونه كلّها، كما قال تعالى: ﴿قُلٌ إِن كُنتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل
عمران: ٣١]، فإن لم تدع المحبّة صاحبها إلى الاتّباع فهي مجرّد دعوى لا حقيقة
لها، ولا بيّنة عليها .
والدَّعَاوِي مَا لَمْ تُقِيمُوا عَلَيْهَا بَيِّنَاتٍ أَبْنَاؤُهَا أَدْعِيَاءُ
ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال:
تَعْصِي الإِلَهَ وَأَنْتُ تُظْهِرُ حُبَّهُ هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقاً لِأَطَعْتَهُ إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ
(ومنها): قول بعضهم: إن إصلاح القلب وتزكية النفس، وتزكية الباطن
هو الأصل في الدين، فإذا صفا قلبك، وطهُر باطنك فلا حاجة إلى إعفاء
اللحية، والتقيّد بزيّ من الأزياء.
قلنا: هذا أيضاً من أبطل الشُّبَه، يناقض بعضه بعضاً، فإن القلب إذا
صلح صلح الجسد معه، والباطن إذا زكا زكا الظاهر معه، كما شهد بذلك
الحديث الصحيح: ((ألا إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله،
وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب))، متّفق عليه.
ففساد الباطن يدعو إلى فساد الظاهر، فمن صلح قلبه، وزكى باطنه لا
محالة يضطرّ إلى السلوك وفق سنّة النبيّ وَ#، ولا يمكن ادّعاء صفاء الباطن،
وصلاح القلب مع هذا الإجرام، والإصرار عليه.
فأنصف من نفسك أيها الأخ المسلم، ولا تخدعها بما لا ينفعها يوم
الحساب، من مثل هذه الشُّبه الباطلة، والحجج العاطلة، وهل تتوهّم أن تنجو
يوم لقاء ربّك بمثل هذه الحيل؟ كلا ثم كلا.
(ومنها): أن بعضهم يقول: إن الإسلام ليس بمنحصر في اللحية، ولا
يكفّر الرجل بحلق لحيته، فلماذا هذا التشدّد؟.
قلنا: حلق اللحية والإصرار عليه عناداً من الذنوب التي لا يختلف فيها
أهل العلم، فهو كسائر المعاصي التي لا يخرج الإنسان بها من الإيمان إلا إذا
استحلّها، كما هو شأن سائر المعاصي، إلا أننا نسألكم لو كان الإيمان وحده
كافياً لكون الرجل مقبولاً عند الله تعالى لَمَا كانت الحاجة ماسّةً إلى بيان
الأوامر والنواهي، ولَمَا كان الكتاب والسنّة مملوءين من الترغيب في الخير،

٤٧٩
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٦)
والترهيب من الشرّ، ولَمَا أوعد الله تعالى أهل المعاصي بعذاب القبر، وعذاب
جهنّم .
ثم إن العلماء لا يهتمّون بإبلاغ أمره ◌َله بإعفاء اللحى فقط، بل إنهم
يبلّغون جميع الأحكام الشرعيّة، أوامرها ونواهيها ليلاً ونهاراً، غير أن حالقي
اللحى لمّا لم يخضعوا لأمره وَل#، بل يتّبعون أهواءهم، ويطيعون شياطينهم،
ويقلّدون أعداءهم، ويستهزئون بما أمر به النبيّ وَّ، كان الاهتمام بإرشادهم
أشدّ من هذه الناحية، لا من حيث كونه أشدّ المعاصي، فتنبّه.
وقال الشيخ التهانويّ تَخْلَتُهُ: من أصرّ على حلق اللحية، واستحسنه، وظنّ
أن إعفاء اللحية عارٌ ومذلّةٌ، وسَخِرَ بأصحاب اللحى، أو استهزأ بهم - أي مع
أنه يعلم أن النبيّ ◌َ ﴿ أمر بإعفائها، وأنه كانت له لحية كثّة - فلا يمكن أن
يكون إيمانه سالِماً، بل يجب عليه قطعاً أن يتوب إلى الله تعالى، ويُجدّد
الإيمان، وعليه أن يُحبّ صورة نبيّهِ وَلّه، ويختارها لنفسه ولجميع المسلمين.
انتھی .
وقال أيضاً: لو كان إعفاء اللحية سبباً للعار عند بعض الحمقى، فإنه لا
يجوز للمسلم أن يترك ما وجب عليه لأجل أهل الحماقة والسفاهة، ولو ذهبنا
نتأثّر بما يقول الناس لا نكاد نستقيم على إيماننا، فإن الكفّار والمشركين يعُدّون
الإسلام والإيمان عاراً، أفنترك الإيمان والإسلام - والعياذ بالله - لإجل إرضاء
الكفرة؟ كلّا.
فلما آمنا واعتصمنا بدين الإسلام، ورضيناه ديناً في كلّ حال، ولو كره
الكافرون، كذلك يجب علينا أن نرضى بهيئة الإسلام، ونتأسّى بنبيّنا نبيّ
الرحمة و#، رغم أنوف الفاسقين الذين يختارون لأنفسهم صور الكافرين
والمشركين، فإن الاهتمام بإرضاء الأعداء تلبيس من الشيطان، وقد قال الله
تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الَْهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتَّى تَّعَ مِلَتُهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ
الْمُدَى﴾
[البقرة: ١٢٠].
وقال أيضاً: ويشتدّ الأسف عندما نرى طلبة العلوم الدينيّة مبتلين بهذه
المعصية، فمثلهم ﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وجريمتهم هذه
أشدّ من جريمة غيرهم؛ لأنهم يعلمون ما في الكتاب والسنّة، ثم يختارون

٤٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
العمل السيّئ المعارض لكتاب الله تعالى، وسنّة نبيّه وَلّ لأنفسهم، فيستحقّون
بذلك الوعيد الذي ورد في علماء السوء الذي لا يعملون بعلومهم، وجريمتهم
تتعدّى إلى غيرهم؛ لأن الجهّال يقتدون بهم، فهم يتسبّبون في إشاعة هذا
المنكر.
قال: ويجب على القائمين بأمور المدارس الإسلاميّة أن يُخرجوا من
المدرسة من ارتكب هذه المعصية، واختار لنفسه هيئة غير إسلاميّة، إلا أن
يتوب إلى الله ، وذلك لأنه إذا تخرّج يقتدي به الناس، فيكون مهلكة للأمة.
انتھی بتصرّف(١).
(ومنها): أن بعضهم يقول: إن النظافة مما أمر به الإسلام، وأنا أحلق
لحيتي للنظافة.
قلنا: هذه أيضاً كلمة صدرت من سفاهة وحماقة؛ إذ فيها استهزاء بأمر
النبيّ وَّه، وسخريّةٌ بفعله، فإنه كان كثّ اللحية، وكان أنظف الناس، فهذا
القائل اتّبع أعداء الإسلام، فحلق لحيته، ثم جاء بحجة باطلة، فلا حول ولا
قوّة إلا بالله العزيز الحكيم.
وخلاصة القول أن الواجب على المسلم أن يكون همّه كلّه الآخرةَ، ولا
يغترّ بأهل الدنيا، وزُخرُفها، بل يكون ديدنه دائماً طلب رضا الله ريك، لا طلب
رضا أحد سواه، فقد أخرج الترمذيّ عن عائشة ﴿ ◌ّا أنها قالت: سمعت
رسول الله وهو يقول: ((من التمس رضا الله بسخط الناس، كفاه الله مُؤنة
الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، وَكَلَّهُ الله إلى الناس)).
ورضا الله تعالى محصور في اتّباع حبيبه محمد وَّ﴿، كما قال رَمَل: ﴿قُلْ
إِن كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١].
وليحذر كلّ الحذر من أن يصيبه الوعيد الشديد الذي بيّنه الله تعالى في
قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَهُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِمُ﴾
[النور: ٦٣].
وبالجملة فمسألة اللحية مما ينبغي الاهتمام به؛ لأنه مما انتشر مخالفته
(١) ((رسالة وجوب إعفاء اللحية)) (ص٧٦ - ٧٨).