Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٣)
[تنبيه]: التعبير في بعض روايات الحديث بالسنة بدل الفطرة يراد بها
الطريقة، لا التي تقابل الواجب، وقد جَزَم بذلك الشيخ أبو حامد،
والماورديّ، وغيرهما، وقالوا: هو كالحديث الآخر: ((عليكم بسنتي، وسنة
الخلفاء الراشدين)).
وأغرب القاضي أبو بكر ابن العربيّ، فقال: عندي أن الخصال الخمس
المذكورة في هذا الحديث كلها واجبةٌ، فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على
صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين! كذا قال في ((شرح الموطأ)).
وتعقّبه أبو شامة بأن الأشياء التي مقصودها مطلوب لتحسين الخلق، وهي
النظافة لا تحتاج إلى ورود أمر إيجاب للشارع فيها؛ اكتفاءً بدواعي الأنفس،
فمجرد الندب إليها كافٍ.
ونقل ابن دقيق العيد عن بعض العلماء أنه قال: دَلّ الخبر على أن الفطرة
بمعنى الدين، والأصل فيما أُضيف إلى الشيء أنه منه أن يكون من أركانه، لا
من زوائده، حتى يقوم دليل على خلافه، وقد وَرَدَ الأمر باتباعِ إبراهيم ◌َّلاَ،
وثبت أن هذه الخصال أُمر بها إبراهيم ظلِّ، وكلُّ شيء أَمر الله باتباعه فهو
على الوجوب لمن أمر به.
وتُعُقِّب بأن وجوب الاتّباع لا يقتضي وجوب كل متبوع فيه، بل يتم
الاتّباع بالامتثال، فإن كان واجباً على المتبوع كان واجباً على التابع، أو ندباً
فندب، فيتوقف ثبوت وجوب هذه الخصال على الأمة على ثبوت كونها كانت
واجبة على الخليل عليّ، ذكر هذا كلّه في ((الفتح)) (١).
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق ما هو الواجب من هذه الخصال،
وما هو غير الواجب منها، عند تفصيل كلّ خصلة في المسائل الآتية - إن
شاء الله تعالى -.
[تنبيه آخر]: اختُلِف في النكتة في الإتيان بهذه الصيغة - أعني ((خمس من
الفطرة)) - فقيل: لرفع الدلالة، وأن مفهوم العدد ليس بحجة، وقيل: بل كان
أُغْلِم أوّلاً بالخمس، ثم أُعلِم بالزيادة، وقيل: بل الاختلاف في ذلك بحسب
(١) ٣٥٢/١٠.

٤٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
المقام، فذكر في كل موضع اللائق بالمخاطبين، وقيل: أريد بالحصر المبالغة
لتأكيد أمر الخمس المذكورة، كما حُمل عليه قوله: ((الدين النصيحة))، و((الحج
عرفة))، ونحو ذلك، ويدلّ على التأكيد ما أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ من
حديث زيد بن أرقم مرفوعاً: ((من لم يؤخذ شاربه فليس منا))، وسنده قويّ،
وأخرج أحمد من طريق يزيد بن عمرو الْمَعَافريّ نحوه، وزاد فيه: ((حلق
العانة، وتقليم الأظافر))، قاله في (الفتح)(١).
وقوله: (الْخِتَانُ) بدل، أو عطف بيان لـ((خمس))، أو خبر لمحذوف، أي
أجدها، أو مفعول لفعل مقدّر، أي أعني، وهو - بكسر الخاء المعجمة -: قطع
الْقُلْفَةِ (٢) التي تُغطّي الْحَشَفَة من الرجل، وقطع بعض الجِلْدة التي في فم فرج
المرأة، ويُسمّى خِتان الرجل إِعْذَاراً - بالعين المهملة، والذال المعجمة، والراء
- وخِتان المرأة خَفْضاً - بالخاء المعجمة، والفاء، والضاد المعجمة(٣) - قاله
العراقيّ ◌َُّهُ .
وقال المجد تَخْذَتُهُ: خَتَنَ الولدَ يَخْتِنُهُ - من باب ضرب - ويَخْتُهُ - من باب
نصر - فهو خَتِين، ومَختون: قَطَعَ غُرْلَتَهُ، والاسم ككِتَاب، وكِتَابَةٍ. والْخِتَانَةُ:
صِنَاعته، والْخِتَانُ موضع من الذكر. انتهى(٤).
وقال في ((الفتح)): الْخِتَان - بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف المثنّاة -
مصدر خَتَنَ: أي قَطَعَ، والْخَتْنُ - بفتح، فسكون -: قطعُ بعض مخصوص من
عضو مخصوص، والْخِتَان اسم لفعل الخاتن، ولموضع الْخَْن أيضاً، كما في
حديث عائشة رضيها: ((إذا التقى الختانان)).
وقال أيضاً: قال أبو عُبيد: عَذَرتُ الجارية والغلام، وأعذرتهما:
(١) ((الفتح)) ٣٤٩/١٠.
(٢) ((الْقُلْفة)): الجِددة التي تُقطع في الختان، وجمعها قُلَفٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف، والْقَلَفَة
مثلها، والجمع قَلَفٌ، وقَلَفَاتٌ، مثلُ قَصَبَة وقَصَبٍ وقَصَبَات؛ قاله في ((المصباح))
٠٥١٤/٢
(٣) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٧٥/٢.
(٤) ((القاموس المحيط)) ص ١٠٧٥.

٤٢٣
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٣)
ختنتهما، وأختنتهما وزناً ومعنىّ، قال الجوهريّ: والأكثرون: خَفَضتُ
الجارية، قال: وتزعم العرب أن الغلام إذا وُلِد في القمر فُسِخت قُلْفَته، أي
اتّسعت، فصار كالمختون. انتهى بتصرّف (١)، وسيأتي تمام البحث فيه في
المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -.
(وَالِسْتِحْدَادُ) بالحاء، والدال المهملتين: هو حلق العانة بالحديد، سُمّي
استحداداً؛ لاستعمال الحديدة فيه، وهي الموسَى؛ قاله النوويّ(٢).
وقال في ((الفتح)): ((الاستحداد)) - بالحاء المهملة - استفعال من الحديد،
والمراد به استعمال الموسى في حلق الشعر من مكان مخصوص من الجسد،
قيل: بهذه اللفظة مشروعية الكناية عما يُسْتَحْيَى منه، إذا حصل الإفهام بها،
وأغنى عن التصريح، والذي يظهر - قال الحافظ - أن ذلك من تصرّف الرواة،
فقد وقع في حديثي أنس، وعائشة ﴿ًّا الآتيين قريباً بلفظ: ((وحلق العانة))،
وكذا وقع في رواية النسائيّ(٣) في حديث أبي هريرة تظله هذا أيضاً بلفظ:
((وحلق العانة))، فتنبّه.
وقال الإمام ابن دقيق العيد نَّتُهُ: الاستحداد: استفعال من الحديد، وهو
إزالة شعر العانة بالحديد، فأما إزالته بغير ذلك، كالنتف، وبالنُّورة، فهو
مُحصِّلٌ للمقصود، لكن السنّة والأَولى الأوّل الذي دلّ عليه لفظ الحديث، فإن
الاستحداد استفعال من الحديد. انتهى (٤)، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة
الثامنة - إن شاء الله تعالى -.
(وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ) هو تفعيل من القلم، وهو القطع، والمراد: تقطيع ما
طال منها، وهو مبالغة الْقَلْم، يقال: قَلَمته قَلْماً، من باب ضَرَبَ: إذا قطعته،
وقَلَمتُ الظُّفر: أخذتُ ما طال منه، وقَلَّمتُ بالتشديد مبالغة، وتكثير؛ أفاده
الفيّومِيّ ◌َُّهُ(٥).
(١) ((الفتح)) ٣٥٢/١٠.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٨/٣.
(٣) راجع النسائيّ ١٥/١ رقم (١١).
(٤) ((إحكام الأحكام)) ٣٤٢/١ - ٣٤٥ بنسخة ((الحاشية)).
(٥) ((المصباح المنير)) ٥١٥/٢.

٤٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
ووقع في حديث ابن عمر ظها بلفظ: ((قَصّ الأظفار))، وفي حديث عائشة
وأنس ظنًّا بلفظ: (قَصّ الأظفار))، والتقليم أعمّ.
و((الأَظفار)) - بفتح الهمزة -: جمع ◌ُفُر - بضم الظاء والفاء، وبسكونها -
وحَكَى أبو زيد كسر أوله، وأنكره ابن سِيدَهْ، وقد قيل: إنها قراءة الحسن،
وعن أبي السمّاك أنه قرأ بكسر أوله وثانيه؛ قاله في ((الفتح)) (١).
وقال الفيّوميّ كَّتُهُ: ((الظفر)) للإنسان مذكّر، وفيه لغات:
[أفصحها]: بضمّتين، وبها قرأ السبعة في قوله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى
ظُفْرٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٦].
[والثانية]: الإسكان؛ للتخفيف، وقرأ بها الحسن البصريّ، والجمع
أَظفار، وربّما جُمِع على أُظْفُر، مثلُ رُكْن وأَرْكُن.
[والثالثة]: بكسر الظاء، وزانُ حِمْل.
[والرابعة]: بكسرتين؛ للإتباع، وقُرىء بهما في الشاذّ.
[والخامسة]: أُظْفُور، والجمع أظافير، مثلُ أُسبوع وأسابيع، قال الشاعر
[من البسيط]:
مَا بَيْنَ لُقْمَتِهِ الأُولَى إِذَا انْحَدَرَتْ
وَبَيْنَ أُخْرَى تَلِيهَا قِيدُ أُظْفُورِ
انتهى المقصود من كلام الفيّوميّ ◌َّهُ(٢).
والمراد بتقليمها إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الإِصْبَع من الظفر؛
لأن الوسخ يجتمع فيه، فيُستَقذَر، وقد ينتهي إلى حدٍّ يَمنَعُ من وصول الماء إلى
ما يجب غسله في الطهارة، وفيه خلاف سيأتي تحقيقه في المسألة الحادية
عشرة - إن شاء الله تعالى -.
(وَنَتْفُ الْإِبْطِ) أي نَزْعُ شعرها، يقال: نَتَفتُ الشعرَ نَتْفاً، من باب ضرب:
إذا نزعته(٣).
و((الإِبْطُ)): بكسر، فسكون: ما تحت الْجَناح، يذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو
(١) ((الفتح)) ١٠/ ٣٥٧.
(٣) ((المصباح)) ٥٩٢/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٨٥/٢.

٤٢٥
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٣)
الإبط، وهي الإبطُ، والجمع آباٌ، مثلُ حِمْلٍ وأَحْمالٍ، ويزعم بعض
المتأخّرين أن كسر الباء لغة، وهو غير ثابت؛ قاله الفيّوميّ ◌َذُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((يزعم .. إلخ)) وهذا هو الذي أثبته
صاحب ((القاموس))، ودونك عبارته: ((الإِبْطُ)): باطن المنكب، وتُكسَر الباء،
وقد يؤنّثُ، جمعه: آباظٌ. انتهى(٢)، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثانية
عشرة - إن شاء الله تعالى -.
(وَقَصُّ الشَّارِبِ))) أي قطع الشعر النابت على الشفة العليا، يقال: قَصَصتُه
قَصّاً، من باب قتل: إذا قطعته، وقَصّيته بالتثقيل مبالغة، والأصل قَصّصته،
فاجتمع ثلاثة أمثال، فأبدل من إحداها ياء للتخفيف، وقيل: قَصّيتُ الظفرَ
ونحوه، وهو الْقَلْمُ؛ قاله الفيّوميّ(٣) .
و((الشارب)): هو الشعر الذي يَسيل على الفم، قال أبو حاتم: ولا يكاد
يُثَنّى، وقال أبو عُبيدة: قال الكلابيّون: شاربان باعتبار الطرفين، والجمع
شوارب؛ قاله الفيّوميّ أيضاً (٤).
وقال في ((القاموس))، و(شرحه)): الشوارب: ما سال على الفم من
الشعر، قال اللحيانيّ: وقالوا: إنه لعظيم الشوارب، قال: وهو من الواحد،
فُرِّقَ، فجُعِل كلُّ جزء منه شارباً، ثمّ جُمع على هذا، وقد طَرّ شارب الغلام،
وهما شاربان. انتهى.
وقيل: إنما هو الشارب، والتثنية خطأٌ، وقال أبو عليّ الفارسيّ: لا يكاد
الشارب يُثَّى، ومثله قال أبو حاتم. قال أبو عبيدة: قال الكلابيّون: شاربان
باعتبار الطرفين، والجمع شوارب. انتهى(٥) .
وسيأتي تمام البحث في قصّ الشارب في المسألة الثالثة عشرة - إن
شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((المصباح المنير)) ١/١ - ٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٥٩٢.
(٣) ((المصباح)) ٢/ ٥٠٥.
(٤) ((المصباح المنير)) ٣٠٨/١.
(٥) راجع (تاج العروس من جواهر القاموس)) في مادّة ((شرب)).

٤٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطهارة
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٦٠٣/١٦ و٦٠٤] (٢٥٧)،
و(مالك) في ((الموطأ)) (٩٢١/٢) موقوفاً، و(البخاريّ) في ((اللباس)) (٥٨٨٩
و٥٨٩١) و((الاستئذان)) (٦٢٩٧) وفي ((الأدب المفرد)) (١٢٥٧)، و(أبو داود)
في ((الترجّل)) (٤١٩٨)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٧٥٦)، و(النسائيّ) في
(الطهارة)) (٩ و١٠ و١١) وفي ((الزينة)) (٥٠٤٣ و٥٠٤٤ و٥٢٣٥)، و(ابن ماجه)
في ((الطهارة)) (٢٩٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٩/٢ و٢٣٩ و٢٨٣ و٤١٠
و٤٨٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٤٧٩ و٥٤٨٠ و٥٤٨١)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٤٧٠ و٤٧١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٩٧ و٥٩٨)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٩/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣١٩٥)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان خصال الفطرة، وهي السنّة على ما يأتي من بيان
اختلاف العلماء فيها في ((المسألة التالية)) - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): ما قيل: إنه يُستفاد منه أن مفهوم العدد ليس بحجة؛ لأنه
اقتصر في حديث أبي هريرة رظه على خمس، وفي حديث ابن عمر رضيًّا على
ثلاث، وفي حديث عائشة رضيُّا على عشر، مع ورود غيرها، فأفاد ذلك أن
العدد لا يقتضي نفي الزيادة عليه، وهو قول أكثر الأصوليين.
وأجاب من قال بحجّته بما تقدّم من أن الله تعالى أعلم النبيّ وَّ بالزيادة
في خصال الفطرة بعد أن لم يكن أعلمه حين حدّث ببعضها؛ قاله الحافظ
العراقيّ كَذَفُ(١) .
٣ - (ومنها): بيان عناية الشرع في أمور النظافة، فقد شرع الله رشبت هذه
الخصال لمراعاة النظافة .
(١) ((طرح التثريب)) ٢٣٧/١ - ٢٣٨.

٤٢٧
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٣)
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخْذّلهُ: هذه الخصال مجتمعة في أنها
محافظة على حسن الهيئة والنظافة، وكلاهما يحصل به البقاء على أصل كمال
الْخِلْقة التي خُلِق الإنسان عليها، وبقاء هذه الأمور، وترك إزالتها يُشوِّه
الإنسان، ويُقبِّحه بحيث يُستقذَرُ، ويُجتنَبُ، فيخرج عما تقتضيه الفطرة الأولى،
فسُمّيت هذه الخصال فِطرةً لهذا المعنى، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
٥ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): ويتعلَّق بهذه الخصال مصالحُ دينية
ودنيوية، تُدرَك بالتتبع، منها تحسين الهيئة، وتنظيف البدن جملةً وتفصيلاً،
والاحتياط للطهارتين، والإحسان إلى المخالط والمقارن بكف ما يَتَأَذَّى به، من
رائحة كريهة، ومخالفةُ شعار الكفّار، من المجوس، واليهود، والنصارى،
وعبّاد الأوثان، وامتثال أمر الشارع، والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى:
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]؛ لما في المحافظة على هذه الخصال
من مناسبة ذلك، وكأنه قيل: قد حَسَّنتُ صوركم، فلا تُشَوِّهوها بما يُقَبِّحها، أو
حافظوا على ما يَستَمِرّ به حسنها، وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة،
وعلى التآلف المطلوب؛ لأن الإنسان إذا بدا في الهيئة الجميلة، كان أَدْعَى
الانبساط النفس إليه، فيُقْبَل قوله، ويُحمَد رأيه، والعكس بالعكس. انتهى(٢).
٦ - (ومنها): ما قاله ابن عبّاس ميًّا أن هذه الخصال هي التي ابتلى الله
تعالى بها إبراهيم؛ فأتمّهنّ، فجعله الله تعالى إماماً.
أخرج عبد الرزاق في ((تفسيره))، والطبريّ بسند صحيح، عن طاوس، عن
ابن عبّاس ◌ًَّا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَبْتَلَىَ إِبْرَهِعَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَتَّمَّهُنَّ﴾ الآية [البقرة:
١٢٤] قال: ابتلاه الله تعالى بالطهارة، خمس في الرأس، وخمس في
الجسد ... الحديث(٣).
وفي ((تفسير ابن كثير)) تَخُّْهُ: وقد اختلف في تعيين الكلمات التي اختبر الله
بها إبراهيم الخليل؛، فُرُوي عن ابن عبّاس ◌َّ في ذلك روايات، فُرُوي عنه:
ابتلاه الله بالمناسك، ورُوي عنه: ابتلاه بالطهارة، خمس في الرأس، وخمس
(١) ((المفهم)) ٥١١/١ - ٥١٢.
(٣) راجع ((الفتح)) ٣٥٠/١٠.
(٢) ((الفتح)) ٣٥١/١٠.

٤٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
في الجسد، في الرأس: قصّ الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك،
وفرق الرأس، وفي الجسد: تقليم الأظافير، وحلق العانة، والختان، ونتف
الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء. رواه الطبريّ، والحاكم، وقال:
صحيحٌ على شرط الشيخين، ووافقه الذهبيّ(١).
وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عبّاس أنه كان يقول في تفسير هذه الآية
قال: عشر، ستّ في الإنسان، وأربع في المشاعر، فأما التي في الإنسان،
فحلق العانة، ونتف الإبط، والختان، وكان ابن هُبيرة يقول: هؤلاء الثلاثة
واحدة، وتقليم الأظفار، وقصّ الشارب، والسواك، وغسل يوم الجمعة،
والأربعة التي في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي
الجمار، والإفاضة(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت خصال الفطرة المذكورة في هذا
الحديث وغيره، فقلت:
عَلَيْكَ إِدْمَانُ خِصَالِ الْفِظْرَةِ
يَا أَيُّهَا الظَّالِبُ حُسْنَ السِّيرَةِ
فَإِنَّهَا تَصُونُ حُسْنَ الصُّورَةِ
فَاخْتَتِنَنْ وَاسْتَكْ وَقَلِّمْ وَاقْرُقِ
وَمَضْمِضَنْ وَاسْتَنْثِرَنْ وَانْتَضِحَا
وَاسْتَنْجِ وَاحْلِقْ عَانَةً وَاغْتَسِلٍ
فَتِلْكَ عَشْرٌ مَعَ خَمْسٍ وَرَدَا
وَبَعْضُهَا بِهَا الْخَلِيلُ قَدْ بُلِي
وَنَحْنُ مَأُمُورُونَ بِاتِّبَاعِهِ
وَتَحْفَظُ الْوُدَّ مَعَ الْعَشِيرَةِ
وَاغْسِلْ بَرَاجِمَكَ ثُمَّ اسْتَنْشِقٍ
وَقُصَّ شَارِبَكَ وَفِّرِ اللِّحَى
لِجُمْعَةٍ بِنَتْفِ إِبْطِ أَكْمِلِ
فِيمَا مِنَ الأَخْبَارِ نَقْلُهُ بَدَا
فَفَازَ أَنْ كَانَ إِمَامَ الْكُمَّلِ
يَا فَوْزَ مَنْ نَالَ سُلُوكَ شَرْعِهِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى الفطرة:
قال الخطابيّ تَخْتُهُ: ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد بالفطرة هنا السنة،
(١) رواه ابن جرير الطبريّ (١٩١٠)، و((الحاكم)) في ((المستدرك)) ٢٦٦/٢.
(٢) قال العلامة أحمد شاكر نَخّْتُ في ((مختصر تفسير ابن كثير)) ٢٣١/١ - ٢٣٢: إسناد
ابن أبي حاتم في هذا إلى ابن عباس إسناد صحيح.

٤٢٩
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٣)
وكذا قاله غيره، قالوا: والمعنى أنها من سنن الأنبياء.
وقالت طائفة: المعني بالفطرة الدين، وبه جزم أبو نعيم في ((المستخرج))،
وقال النووي في ((شرح المهذّب)): جزم أبو إسحاق بأن المراد بالفطرة في هذا
الحدیث الدین.
واستَشْكَل ابن الصلاح ما ذكره الخطابيّ، وقال: معنى الفطرة بعيدٌ من
معنى السنة، لكن لعل المراد أنه على حذف مضاف، أي سنة الفطرة.
وتعقّبه النوويّ بأن الذي نقله الخطابي هو الصواب، فإن في ((صحيح
البخاري)) عن ابن عمر ظه، عن النبيّ ◌َ ﴿ قال: ((من السنة قَصُّ الشارب،
ونتف الإبط، وتقليم الأظفار))، قال: وأصح ما فُسِّر الحديث بما جاء في رواية
أخرى، لا سيّما في البخاري. انتهى.
قال الحافظ: وقد تبعه شيخنا ابن الملَقِّن على هذا، ولم أَرَ الذي قاله في
شيء من نسخ البخاريّ، بل الذي فيه من حديث ابن عمر بلفظ: ((الفطرة))،
وكذا من حديث أبي هريرة. نعم، وقع التعبير بالسنة موضع الفطرة في حديث
عائشة عند أبي عوانة في رواية، وفي أخرى بلفظ: ((الفطرة))، كما في رواية
مسلم، والنسائيّ، وغيرهما .
وقال الراغب: أصل الفَطْر - بفتح الفاء - الشّقّ طُولاً، ويُطلَق على
الوهي، وعلى الاختراع، وعلى الإيجاد، والفِطْرة: الإيجاد على غير مثال.
وقال أبو شامة: أصل الفطرة الْخِلْقة المبتدَأَة، ومنه فاطر السماوات
والأرض، أي المبتدىء خَلْقَهُنّ، وقوله وَّ: ((كلُّ مولود يولد على الفطرة))،
أي على ما ابتدأ الله خلقه عليه، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ
فَطَرَ النَّاسَ عَلَهًا﴾ [الروم: ٣٠]، والمعنى أن كلَّ أحد لو تُرِك من وقت ولادته،
وما يؤديه إليه نظره، لأدّاه إلى الدين الحقّ، وهو التوحيد، ويؤيده قوله تعالى
قبلها: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] وإليه يشير في بقية
الحديث، حيث عَقّبه بقوله: ((فأبواه يهوِّدانه، وينصِّرانه)).
والمراد بالفطرة في حديث الباب أن هذه الأشياء إذا فُعِلت اتَّصَفَ فاعلُها
بالفطرة التي فَطَر الله العباد عليها، وحَثَّهم عليها، واستحبها لهم؛ ليكونوا على
أكمل الصفات، وأشرفها صورة. انتهى.

٤٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وقد ردّ القاضي البيضاويّ الفطرةَ في حديث الباب إلى مجموع ما وَرَدَ
في معناها، وهو الاختراع، والسنة، فقال: هي السنة القديمة التي اختارها
الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، وكأنها أَمْرٌ جِبِلِّيّ، فُطِروا عليها. انتهى (١).
وقال العلامة أبو عبد الله القرطبي المفسّر تَّتُهُ: واختَلَف العلماء في
معنى الفطرة المذكورة في الكتاب والسنة على أقوال متعددة، منها :
الإسلام، قاله أبو هريرة، وابن شهاب، وغيرهما، قالوا: وهو المعروف
عند عامة السلف، من أهل التأويل.
واحتجوا بالآية، وحديث أبي هريرة رَُّه، وعَضَدُوا ذلك بحديث
عياض بن حمار المجاشعيّ نَظُبه أن رسول الله وَله قال للناس يوماً: ((ألا
أحدّثكم بما حدّثني الله في كتابه؟ إن الله خلق آدم وبنيه حنفاء، مسلمين،
وأعطاهم المال حلالاً، لا حرام فيه، فجَعَلوا مما أعطاهم الله حلالاً
وحراماً ... )) الحديث(٢)، وبقوله وَّى: ((خمس من الفطرة))، فذكر منها قصّ
الشارب، وهو من سنن الإسلام، وعلى هذا التأويل، فيكون معنى الحديث أن
الطفل خُلِقٍ سليماً من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم، حين
أخرجهم من صلبه، وأنهم إذا ماتوا قبل أن يُدركوا في الجنة، أولاد مسلمين
کانوا، أو أولاد كفار.
وقال آخرون: الفطرة هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها، أي على ما فَطَر الله
عليه خلقه، من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء، وإلى ما يصيرون
إليه عند البلوغ، قالوا: والفطرة في كلام العرب البداءة، والفاطر المبتدئ.
واحتجُّوا بما رُوي عن ابن عباس ظًّا أنه قال: لم أكن أدري ما فاطر
السماوات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا
فطرتها، أي ابتدأتها، قال المروزيّ: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا
القول، ثم تركه.
(١) راجع ((الفتح)) ٣٥١/١٠ - ٣٥٢ (كتاب اللباس)) رقم (٥٨٨٩).
(٢) حديث عياض بن حمار ظُه أخرجه مسلم مطوّلاً في ((كتاب الجنة، وصفة
نعیمها)»، برقم (٢٨٦٥).

٤٣١
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٣)
قال أبو عمر في كتاب ((التمهيد)) له: ما رَسَمَه مالك في ((موطئه)) وذَكَر في
(باب القدر)) فيه من الآثار يدلّ على أن مذهبه في ذلك نحوُ هذا، والله أعلم.
ومما احتجُّوا به ما رُوِيَ عن كعب القرظيّ في قول الله تعالى: ﴿فَرِيقًا
هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ﴾ الآية [الأعراف: ٣٠] قال: من ابتدأ الله خلقه
للضلالة صَيَّره إلى الضلالة، وإن عَمِل بأعمال الهدى، ومَن ابتدأ الله خلقه على
الهدى صيّره إلى الهدى، وإن عَمِل بأعمال الضلالة، ابتَدَأ الله خلق إبليس على
الضلالة، وعَمِل بأعمال السعادة مع الملائكة، ثم ردّه الله إلى ما ابتدأ عليه
خلقه، قال: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
قال القرطبيّ: وجاء معنى قول كعب هذا مرفوعاً من حديث عائشة غيرنا
قالت: دُعِي رسول الله وَّ إلى جنازة غلام من الأنصار، فقلت: يا رسول الله
طوبى لهذا، عُصفُور من عصافير الجنة، لم يَعمَل السوء، ولم يدركه، قال:
((أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب
آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم)»، أخرجه ابن
ماجه في ((السنن)). وخرّج أبو عيسى الترمذيّ، عن عبد الله بن عمرو، قال:
خرج علينا رسول الله وقليل، وفي يده كتابان، فقال: ((أتدرون ما هذان
الكتابان؟»، فقلنا: لا، يا رسول الله، إلا أن تخبرنا، فقال للذي في يده
اليمنى: ((هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم
وقبائلهم، ثم أُجمِل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا يُنقَص منهم أبدا))، ثم
قال للذي في شماله: ((هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار،
وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجمِل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص
منهم أبداً ... ))، وذكر الحديث، وقال فيه: حديث حسن.
وقالت فرقة: ليس المراد بقوله تعالى: ﴿فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]،
ولا قوله مَّ: ((كلُّ مولود يولد على الفطرة)) العموم، وإنما المراد بالناس
المؤمنون؛ إذ لو فَطَر الجميع على الإسلام، لَمَا كَفَرَ أحدٌ، وقد ثبت أنه خَلَق
أقواماً للنار، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وأخرج
الذرية من صلب آدم سوداء وبيضاء، وقال في الغلام الذي قتله الخضر: ((طُبع
يومَ طُبع كافراً)).

٤٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
ورَوَى أبو سعيد الخدريّ ◌َظُه قال: صَلَّى بنا رسول اللهِ وَّ العصر
بنهار، وفيه: وكان فيما حَفِظنا أن قال: ألا إن بني آدم خُلقوا طبقات شتّى،
فمنهم من يولد مؤمناً، ويحيا مؤمناً، ويموت مؤمناً، ومنهم من يولد كافراً،
ويحيا كافراً، ويموت كافراً، ومنهم من يولد مؤمناً، ويحيا مؤمناً، ويموت
كافراً، ومنهم من يولد كافراً، ويحيا كافراً، ويموت مؤمناً، ومنهم حَسَنُ
القضاء، حسَنُ الطلب))، أخرجه الترمذيّ(١).
قالوا: والعموم بمعنى الخصوص كثير في لسان العرب، ألا ترى إلى
قوله ◌َّ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٥]، ولم تُدَمِّر السماوات
والأرض، وقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ الآية [الأنعام: ٤٤]، ولم
تفتح عليهم أبواب الرحمة.
وقال إسحاق بن راهويه الحنظليّ: تَمّ الكلام عند قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ
◌ِلدِّينِ حَنِيفًا﴾، ثم قال: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ أي فَطَر الله الخلق فطرة، إما بجنة أو
نار، وإليه أشار النبيّ وَّرَ في قوله: ((كلُّ مولود يولد على الفطرة))، ولهذا قال:
لا تبديل لخلق الله.
قال شيخنا أبو العباس: من قال: هي سابقة السعادة والشقاوة، فهذا إنما
يليق بالفطرة المذكورة في القرآن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾،
وأما في الحديث فلا؛ لأنه قد أخبر في بقية الحديث بأنها تُبَدَّل وتغير.
وقالت طائفة من أهل الفقه والنظر: الفطرة هي الخلقة التي خُلِق عليها المولود
في المعرفة بربه، فكأنه قال: ((كلُّ مولود يولد على خلقةٍ، يَعْرِف بها ربه إذا بلغ
مبلغ المعرفة))، يريد: خلقةً مخالفةً لخلقة البهائم التي لا تَصِل بخلقتها إلى معرفته.
واحتجُّوا على أن الفطرة الخلقةُ، والفاطر الخالق؛ لقول الله رغمت: ﴿الْحَمْدُ
لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]، يعني خالقهنّ، وبقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرٍ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]، يعني خالقهنّ، وبقوله: ﴿وَمَا لِىَ لَآَ أَعْبُدُ الَّذِى
فَطَرَبِ﴾ [يس: ٢٢]، يعني خلقني، وبقوله: ﴿الَّذِى فَطَرَهُرَ﴾، يعني خلقهنّ،
(١) حديث ضعيف، أخرجه الترمذيّ، في ((الجامع)) برقم (٤٨٣/٤) وفي سنده علي بن
زيد بن جدعان، وهو ضعيف.

٤٣٣
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٣)
قالوا: فالفطرة الخلقة، والفاطر الخالق، وأنكروا أن يكون المولود يُفْطَر على
كفر أو إيمان، أو معرفة أو إنكار، قالوا: وإنما المولود على السلامة في
الأغلب خلقةً، وطبعاً، وبنيةً، ليس معها إيمان ولا كفر، ولا إنكار ولا معرفة،
ثم يعتقدون الكفر والإيمان بعد البلوغ إذا ميزوا.
واحتجُوا بقوله في الحديث: ((كما تُنْتَج البهيمة بهيمةً جمعاء - يعني
سالمة - هل تحسون فيها من جدعاء؟))، يعني مقطوعة الأذن، فَمَثَّل قلوب بني
آدم بالبهائم؛ لأنها تولد كاملة الخلق، ليس فيها نقصان، ثم تقطع آذانها بعدُ،
وأنوفها، فيقال: هذه بَحائر، وهذه سوائب، يقول: فكذلك قلوب الأطفال في
حين ولادتهم، ليس لهم كفر ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار، كالبهائم
السائمة، فلما بَلَغُوا استهوتهم الشياطين، فكفر أكثرهم، وعصم الله أقلَّهم،
قالوا: ولو كان الأطفال قد فُطِروا على شيء من الكفر والإيمان في أولية
أمورهم، ما انتقلوا عنه أبداً، وقد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون، قالوا: ويستحيل
في المعقول أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل كفراً أو إيماناً؛ لأن الله
أخرجهم في حال لا يفقهون معها شيئاً، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ
بُطُونِ أُمَهَنِتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ الآية [النحل: ٧٨]، فمن لا يعلم شيئاً استحال
منه كفر أو إيمان، أو معرفة أو إنكار.
قال أبو عمر بن عبد البر تَخّتُهُ: هذا أصحّ ما قيل في معنى الفطرة التي
يولد الناس عليها .
ومن الحجة أيضاً في هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُّجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[الطور: ١٦]، و﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةُ (﴾﴾ [المدثر: ٣٨]، ومن لم يبلغ وقت
العمل لم يُرْتَهَن بشيء، وقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]،
ولَمّا أجمعوا على دفع القَوَد والقصاص، والحدود، والآثام عنهم في دار
الدنيا، كانت الآخرة أولى بذلك، والله تعالى أعلم.
ويستحيل أن تكون الفطرة المذكورة الإسلامَ، كما قال ابن شهاب؛ لأن
الإسلام والإيمان قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، وهذا
معدوم من الطفل، لا يجهل ذلك ذو عقل.

٤٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطهارة
وأما قول الأوزاعيّ: سألت الزهريّ عن رجل عليه رقبة، أيجزي عنه
الصبيّ أن يُعْتِقه وهو رضيع؟ قال: نعم؛ لأنه وُلِد على الفطرة، يعني الإسلام،
فإنما أجزأ عتقه عند من أجازه؛ لأن حكمه حكم أبويه، وخالفهم آخرون،
فقالوا: لا يجزي في الرقاب الواجبة إلا من صام وصلى.
وليس في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةُ (٣٨)﴾ [الأعراف: ٢٩]، ولا
في أن يَختم الله للعبد بما قضاه له، وقدَّره عليه دليل على أن الطفل يولد حين
يولد مؤمناً أو كافراً؛ لِمَا شَهِدت له العقول أنه في ذلك الوقت ليس ممن يَعقِل
إيماناً ولا كفراً.
والحديث الذي جاء فيه أن الناس خُلِقوا على طبقات ليس من الأحاديث
التي لا مطعن فيها؛ لأنه انفرد به عليّ بن زيد بن جُدْعان، وقد كان شعبة
يتكلم فيه، على أنه يَحْتَمِل قوله: ((يولد مؤمناً))، أي يولد ليكون مؤمناً، ويولد
ليكون كافراً على سابق علم الله فيه، وليس في قوله في الحديث: ((خَلَقتُ
هؤلاء للجنة، وخلقت هؤلاء للنار)) أكثر من مراعاة ما يُختَم به لهم، لا أنهم
في حين طفولتهم ممن يَستحقّ جنةً أو ناراً، أو يعقل كفراً أو إيماناً.
قال القرطبيّ كَّتُهُ: وإلى ما اختاره أبو عمر، واحتجّ له ذهب غير واحد
من المحققين، منهم ابن عطية في ((تفسيره)) في معنى الفطرة، وشيخنا أبو
العباس(١). قال ابن عطية: والذي يُعْتَمَد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها
الخلقة، والهيئة التي في نفس الطفل التي هي مُعَدَّةٌ، ومُهَيََّةٌ لأن يُمَيِّز بها
مصنوعات الله تعالى، ويستدلّ بها على ربه، ويعرف شرائعه، ويؤمن به، فكأنه
تعالى قال: أقم وجهك للدين الذي هو الحنيف، وهو فطرة الله الذي على
الإعداد له فَطَرَ البشر، لكن تَعرِضهم العوارض، ومنه قول النبيّ وَلّ: ((كلُّ
مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه))، فذكر الأبوين إنما هو
مثال للعوارض التي هي كثيرة.
وقال شيخنا (٢) في عبارته: إن الله تعالى خَلَق قلوب بني آدم مُؤَهَّلَةً لقبول
(١) هو صاحب ((المفهم)).
(٢) يعني به أبا العباس القرطبيّ، صاحب ((المفهم)) تَخْذُّهُ.

٤٣٥
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٣)
الحق، كما خَلَق أعينهم وأسماعهم قابلةً للمرئيات والمسموعات، فما دامت
باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الأهلية أدركت الحقّ، ودين الإسلام، وهو
الدين الحقُّ، وقد دلّ على صحة هذا المعنى قوله: ((كما تُنْتَجُ البهيمة بهيمة
جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء))، يعني أن البهيمة تَلِد ولدها كامل
الخلقة، سليماً من الآفات، فلو تُرِك على أصل تلك الخلقة لبقي كاملاً بريئاً
من العيوب، لكن يُتَصَرَّف فيه، فيُجْدَع أذنه، ويوسم وجهه، فتطرأ عليه
الآفات، والنقائص، فيخرج عن الأصل، وكذلك الإنسان، وهو تشبيه واقعٌ،
وجهه واضح.
قال القرطبيّ: وهذا القول مع القول الأول، موافق له في المعنى، وأن
ذلك بعد الإدراك حين عقلوا أمر الدنيا، وتأكدت حجة الله عليهم، بما نَصَب
من الآيات الظاهرة، من خلق السماوات والأرض، والشمس والقمر، والبر
والبحر، واختلاف الليل والنهار، فلما عَمِلَت أهواؤهم فيهم أتتهم الشياطين،
فدعتهم إلى اليهودية والنصرانية، فذهبت بأهوائهم يميناً وشمالاً، وأنهم إن
ماتوا صغاراً فهم في الجنة، أعني جميع الأطفال؛ لأن الله تعالى لَمّا أخرج
ذرية آدم من صلبه في صورة الذّرّ أقروا له بالربوبية، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ
رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيََّهُمْ وَأَشْهَلَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَُّ
شَهِدْنً﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]، ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقروا له
بالربوبية، وأنه الله لا إله غيره، ثم يُكْتَب العبد في بطن أمه شقيّاً أو سعيداً على
الكتاب الأول، فمن كان في الكتاب الأول شقيّاً، عُمِّر حتى يجري عليه القلم،
فينقض الميثاق الذي أُخِذ عليه في صلب آدم بالشرك، ومن كان في الكتاب
الأول سعيداً عُمِّر حتى يجري عليه القلم، فيصير سعيداً، ومن مات صغيراً من
أولاد المسلمين قَبْلَ أن يجري عليه القلم، فهم مع آبائهم في الجنة، ومن كان
من أولاد المشركين، فمات قبل أن يجري عليه القلم، فليس يكونون مع
آبائهم؛ لأنهم ماتوا على الميثاق الأول، الذي أُخِذ عليهم في صلب آدم، ولم
ينقضوا الميثاق.
وقد ذهب إلى هذا جماعة من أهل التأويل، وهو يجمع بين الأحاديث،
ويكون معنى قوله ﴿ ﴿ لَمّا سئل عن أولاد المشركين، فقال: ((الله أعلم بما

٤٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
كانوا عاملين)) يعني لو بلغوا، ودَلّ على هذا التأويل أيضاً حديث البخاريّ عن
سمرة بن جندب ظه، عن النبيّ وَلّر الحديث الطويل حديث الرؤيا، وفيه
قوله وسلم: (وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإبراهيم ظلّه، وأما الولدان
حوله، فكل مولود يولد على الفطرة))، قال: فقيل يا رسول الله: وأولاد
المشركين؟ فقال رسول الله وَله: ((وأولاد المشركين))، وهذا نَصّ، يرفع
الخلاف، وهو أصحّ شيء رُوي في هذا الباب، وغيرُهُ من الأحاديث فيها
عِلَلٌ، وليست من أحاديث الأئمة الفقهاء، قاله أبو عمر بن عبد البر تَخَّتُهُ .
وقد رُوِي من حديث أنس ◌َوُه قال: سئل رسول الله و الله عن أولاد
المشركين، فقال: ((لم تكن لهم حسنات، فيُجْزَوا بها فيكونوا من ملوك الجنة،
ولم تكن لهم سيئات، فيعاقبوا عليها فيكونوا من أهل النار، فهم خَدَم لأهل
الجنة))، ذكره يحيى بن سلام في ((التفسير)) له. انتهى كلام القرطبيّ دَّثُ.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أنس تظ له الذي فيه أن أولاد المشركين
خَدَم أهل الجنّة قال الحافظ في ((الفتح)): حديث ضعيف، أخرجه أبو داود
الطيالسيّ، وأبو يعلى، قال: وللطبرانيّ، والبزّار من حديث سمُرة
مصرعه
مرفوعاً: ((أولاد المشركين خَدَمُ أهل الجنّة))، وإسناده ضعيف. انتهى(١).
وهذا الذي قاله في ((الفتح)) من تضعيف هذا الحديث هو الذي يظهر لي،
وأما محاولة الشيخ الألبانيّ تَُّ في ((السلسلة الصحيحة))(٢) في تصحيحه
بمجموع طرقه، فعندي فيه نظر، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
قال الجامع: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة أن القول بكون أولاد المشركين
في الجنّة هو المذهب الصحيح المختار الذي عليه المحقّقون - كما قال
النوويّ رَّتُهُ ۔۔
وقد ذكروا في هذه المسألة نحو عشرة أقوال، وليس هذا محلّ استيفائها،
وإنما ذكرت هذا القدر بسبب تفسير الفطرة الواردة في القرآن الكريم،
والأحاديث الصحيحة، وسأستوفي هذا البحث في ((كتاب القدر)) حيث يذكر
(١) راجع ((الفتح)) ٢٩٠/٣.
(٢) راجع ((السلسلة الصحيحة)) (٤٥٢/٣ - ٤٥٣) رقم (١٤٦٨).

٤٣٧
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٣)
المصنّف تَخْتُ حديث: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة))(١) - إن شاء الله
تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في الكلام على قوله وَّطاهر: ((الفطرة خمس))، أو
((خمس من الفطرة)):
كذا وقع عند الشيخين، وأبي داود، والنسائيّ بالشك، من طريق سفيان بن
عيينة، ووقع في رواية أحمد: ((خمس من الفطرة))، ولم يشكّ، وكذا في رواية
معمر، عن الزهري عند الترمذيّ، والنسائيّ، ووقع في رواية يونس بن يزيد
التالية بلفظ: ((الفطرة خمس))، وهي محمولة على الأولى.
قال الإمام ابن دقيق العيد تخّتُهُ: قوله في هذه الرواية: ((الفطرة خمس))،
وقد ورد في رواية أخرى: ((خمسٌ من الفطرة))، وبين اللفظين تفاوتٌ ظاهرٌ،
فإن الأول ظاهره الحصر، كما يقال: العالم في البلد زيدٌ، إلا أن الحصر في
مثل هذا تارةً يكون حقيقيّاً، وتارة يكون مجازيّاً، والحقيقيّ مثاله ما ذكرناه من
قولنا: ((العالم في البلد زيد)) إذا لم يكن فيها غيره، ومن المجاز: ((الدين
النصيحة))، كأنه بولغ في النصيحة إلى أن جُعل الدين إياها، وإن كان في الدين
خصالٌ أخرى غيرها .
قال الجامع عفا الله عنه: تمثيله للمجازيّ بحديث ((الدين النصيحة)) فيه
نظرٌ لا يخفى؛ لأنه لا يخرج منه شيء من أمور الدين، حيث استوعب جميع
شعبه فيه بقوله: (لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامّتهم))، فأي
شيء من أمور الدين خرج عن هذا؟، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى
سواء السبيل.
قال: وإذا ثبت في الرواية الأخرى عدم الحصر - أعني قوله اتَّ: ((خمس
من الفطرة)) - وجب صرف هذه الرواية عن ظاهرها المقتضي للحصر، وقد ورد
في بعض الروايات الصحيحة أيضاً - يعني رواية مسلم الآتية -: ((عشر من
الفطرة)»، وذلك أصرح في عدم الحصر، وأنصّ على ذلك. انتهى كلام ابن
(١) سيأتي - إن شاء الله تعالى - في ((كتاب القدر)) برقم (٢٦٥٨) برقم محمد فؤد
عبد الباقي تَخْشُهُ .

٤٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
دقيق العيد تَظْذَتْهُ(١).
وذكر ابن العربي أن خصال الفطرة تبلغ ثلاثين خصلةً، قال الحافظ: فإن
أراد خصوص ما ورد بلفظ الفطرة، فليس كذلك، وإن أراد أعمّ من ذلك، فلا
تنحصر في الثلاثين، بل تزيد كثيراً، وأقلُّ ما ورد في خصال الفطرة حديث ابن
عمر نظُّه: ((من الفطرة حلقُ العانة، وتقليم الأظفار، وقصّ الشارب))، رواه
البخاريّ.
وأخرج الإسماعيليّ في رواية له بلفظ: ((ثلاثٌ من الفطرة))، وأخرجه في
رواية أخرى، بلفظ: ((من الفطرة))، فذكر الثلاث، وزاد الختان.
ويأتي للمصنّف حديثُ عائشة ◌َّا بلفظ: ((عشرٌ من الفطرة ... ))، فذكر
الخمسة التي في حديث أبي هريرة، إلا الختان، وزاد إعفاء اللحية، والسواك،
والمضمضة، والاستنشاق، وغسل البراجم، والاستنجاء، أخرجه من رواية
مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير، عنها، لكن قال
في آخره: إن الراوي نسي العاشرة، إلا أن تكون المضمضة.
وقد أخرجه أبو عوانة في ((مستخرجه)) بلفظ: ((عشرةٌ من السنة))، وذكر
الاستنثار بدل الاستنشاق.
وأخرج النسائي من طريق سليمان التيميّ، قال: سمعت طلق بن حبيب
يذكر ((عشرة من الفطرة))، فذكر مثله، إلا أنه قال: ((وشككت في المضمضة))،
وأخرجه أيضاً من طريق أبي بشر، عن طلق، قال: ((من السنة عشر))، فذكر
مثله، إلا أنه ذكر الختان بدل غسل البراجم.
ورجّح النسائي الرواية المقطوعة على الموصولة المرفوعة، قال الحافظ :
والذي يظهر لي أنها ليست بعلة قادحة، فإن راويها مصعب بن شيبة وثقه ابن
معين، والعجليّ، وغيرهما، وليّنه أحمد، وأبو حاتم، وغيرهما، فحديثه
حسنٌ، وله شواهد في حديث أبي هريرة وغيره، فالحكم بصحته من هذه
الحيثية سائغٌ، وقول سليمان التيميّ: سمعت طلق بن حبيب يذكر عشراً من
الفطرة، يحتمل أن يريد أنه سمعه يذكرها من قبل نفسه على ظاهر ما فهمه
(١) ((إحكام الأحكام)) ٣٤٠/١ - ٣٤٢ بنسخة ((الحاشية)).

٤٣٩
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٣)
النسائيّ، ويحتمل أن يريد أنه سمعه يذكرُها وسندَها، فحذف سليمان السند.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ في ترجيح الرواية
الموصولة المرفوعة حسنٌ، والله تعالى أعلم.
وقد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، من حديث عمار بن ياسر
مرفوعاً، نحو حديث عائشة، قال: ((من الفطرة: المضمضة، والاستنشاق،
والسواك، وغسل البراجم، والانتضاح))، وذكر الخمس التي في حديث أبي
هريرة، ساقه ابن ماجه، وأما أبو داود، فأحال به على حديث عائشة، ثم قال:
ورُوي نحوه عن ابن عباس، وقال: ((خمس في الرأس))، وذكر منها الفَرْقَ،
ولم يذكر إعفاء اللحية.
قال الحافظ: كأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق في ((تفسيره))، والطبريّ
من طريقه بسند صحيح، عن طاوس، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَبْتَّ
إِرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ١٢٤]، قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمس
في الرأس، وخمس في الجسد، فذكر مثل حديث عائشة، كما في الرواية التي
تقدمت عن أبي عوانة، سواءً، ولم يشكّ في المضمضة، وذكر أيضاً الفرق،
بدل إعفاء اللحية.
وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن ابن عباس، فذَكَر غسل
الجمعة، بدل الاستنجاء، فصار مجموع الخصال التي وردت في هذه الأحاديث
خمس عشرة خصلةً، اقتصر أبو شامة في ((كتاب السواك، وما أشبه ذلك)) منها
على اثني عشر، وزاد النووي واحدة في ((شرح مسلم))، ذكره في ((الفتح))(١).
[تنبيه]: أخرج الإمام الترمذيّ تَخْتُهُ من حديث أبي أيوب ◌َتُه، رفعه:
((أربع من سنن المرسلين: الحياء، والتعطير، والسواك، والنكاح))، حديث
ضعيف(٢).
واختُلِف في ضبط ((الحياء))، فقيل: بفتح المهملة، والتحتانية الخفيفة،
(١) راجع ((الفتح)) ١٠/ ٣٤٩ - ٣٥٢.
(٢) حديث ضعيف؛ لأن في سنده سفيان بن وكيع، وحجاج بن أرطاة، ضعيفان، وأبو
الشمال مجهول.

٤٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وقد ثبت في ((الصحيحين)) أن الحياء من الإيمان، وقيل: هي بكسر المهملة،
وتشديد النون، فعلى الأول خصلة معنوية، تتعلق بتحسين الْخُلُق، وعلى الثاني
هي خصلة حِسّية، تتعلق بتحسين البدن.
وأخرج البزار، والبغويّ، في ((معجم الصحابة))، والحكيم الترمذيّ في
((نوادر الأصول)) من طريق فُليح بن عبد الله الخطميّ، عن أبيه، عن جدّه،
رفعه: ((خمس من سنن المرسلين ... ))، فذكر الأربعة المذكورة إلا النكاح،
وزاد الحلم، والحجامة، والحلم بكسر المهملة، وسكون اللام، وهو أيضاً
حديث ضعيف(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الختان:
قال الحافظ العراقيّ تَّتُهُ: اختَلَف العلماء، هل هو واجبٌ؟ فذهب أكثر
العلماء إلى أنه سنّة، وليس بواجب، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وبعض
أصحاب الشافعيّ.
وذهب الشافعيّ إلى وجوبه، وهو مقتضى قول سحنون من المالكيّة.
وذهب بعض أصحاب الشافعيّ إلى أنه واجب في حقّ الرجال، سنّة في
حقّ النساء.
واحتجّ من قال: إنه سنّة بحديث أبي المليح بن أسامة، عن أبيه ◌ُبه،
أن النبيّ وَلّ قال: ((الختان سنّة للرجال، مكرمة للنساء))، رواه أحمد في
((مسنده))، والبيهقيّ، ورواه البيهقيّ من رواية أبي أيوب، وابن عبّاس، قال ابن
عبد البرّ: إنه يدور على الحجاج بن أرطاة، وليس ممن يُحتجّ به.
وأشار العراقيّ إلى تعقّبه، فقال: قد رواه الطبرانيّ في ((مسند الشاميين))
من غير طريق الحجاج، من رواية سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن
زید، عن ابن عبّاس.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التعقّب فيه نظرٌ؛ لأن هذا الطريق أيضاً
ضعيف؛ لأن سعيد بن بشير الأزديّ الشاميّ، ضعيفٌ(٢).
(١) حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع)) للشيخ الألبانيّ رَّتُ رقم (٢٨٥٨).
(٢) راجع ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ٩/٢، و((التقريب)) ص١٢٠.