Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ (٤) - بَابُ فَضْلِ إِحَسَانِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ - حديث رقم (٥٥٠) كبيرة، فإن كانت لا يُغْفَر شيءٌ من الصغائر، فإن هذا، وإن كان محتملاً، فسياق الأحاديث يأباه، قال القاضي عياض تَظُّهُ: هذا المذكور في الحديث من غفران الذنوب ما لم تؤت كبيرة، هو مذهب أهل السنة، وأن الكبائر إنما تُكَفِّرها التوبة، أو رحمة الله تعالى وفضله، والله أعلم. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عثمان ظ به هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٥٤٩/٤] (٢٢٨)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٥٤٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٠٤٤)، وفوائد الحديث تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٥٠] (٢٢٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، قَالًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَهُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ زَيْدٍ بْنٍ أَسْلَمَ، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاساً يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّ أَحَادِيثَ، لَا أَدْرِي مَا هِيَ، إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَكَانَتْ صَلَانُهُ، وَمَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ نَافِلَةً))، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدَةَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ، فَتَوَضَّأَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، رُمي بالنصب [١٠] (ت٢٤٥) (م٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٣/١. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد بن عُبيد، أبو (١) ((شرح النوويّ)) ١١٢/٣. ١٤٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة محمد الْجُهنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كُتُب غيره، فيُخطئ [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. ٣ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو أسامة المدنيّ، ثقة فقيه، يرسل [٣] (١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦. والباقون تقدّموا قريباً، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الاسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أحمد، فما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخيه، فالأول بَغْلانيّ، من قرى بَلْخ، والثاني بصريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ) أنه (قَالَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّنَ بِوَضُوءٍ) بفتح الواو: أي بماء يَتوضّأ به (فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ) عثمان ◌َظُبه (إِنَّ نَاساً) أصله أُناس بضم الهمزة، فحُذفت الهمزة تخفيفاً، وحذفها كاللام مع لام التعريف، فلا يكاد يقال: الأناس، وهو من أسماء الجموع (يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَله أَحَادِيثَ، لَا أَدْرِي مَا هِيَ) أي ما حقيقتها، ومدى صحّتها، قال بعضهم: يؤخذ من قول عثمان به هذا أدب السلف الصالح، وموقفهم من روايات الحديث المختلفة، وعدم تكذيب بعضهم بعضاً باقتصارهم على نفي العلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله هذا البعض من عدم تكذيب بعضهم بعضاً، ليس على إطلاقه، بل من أدبهم أنهم إذا سمعوا ما يُخالف ما عندهم مما صحّ عن النبيّ ◌َّ﴿ قاموا بإنكاره، والردّ على من أتى به إلا أن يجيء بحجة تُثبت ما رواه مخالفاً، فمن تتبّع مواقف الصحابة والتابعين في ذلك يتبيّن له الحقّ. وأما قول عثمان رظُّه هذا فالظاهر أنه من باب الإنكار عليهم، ويحتمل ١٤٣ (٤) - بَابُ فَضْلِ إِحَسَانِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ - حديث رقم (٥٥٠) أن يكون قال ذلك فيما لم يتبيّن له ثبوته عن النبيّ وَلّ وعدمه، والله تعالى أعلم. (إِلَّا أَنِّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا) تقدّم الكلام في هذا قريباً (ثُمَّ قَالَ) ﴿ِ (مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا، غُفِرَ) بالبناء للمفعول (لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ، وَمَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ نَافِلَةً) أصل النافلة ما يُفعَل مما لم يَجِب، والمقصود هنا أن صلاته، ومشيه إلى المسجد لهما ثواب زائدٌ على غفران الذنوب. قال الأبيّ تَخْتُ: لَمّا كفّر الوضوء السيّئات بقي ثواب الصلاة زيادة له يُرفع له به في الآخرة درجات، أو يُكفَّر به ما بعده، قال: وليس من شرط المزيد أن يكون من نوع المزيد عليه، فصحّ كون رفع الدرجات زيادة على التكفير . قال: وهذا وحديث أبي هريرة ◌ُّه الآتي كلٌّ يقتضي استقلال الوضوء بالتكفير، والأول يقتضي أنه لا يستقلّ، بل تنضاف إليه الصلاة، فيُجمع بين الحديثين بأن يُرَدّ المطلق إلى المقيّد، أو أنه يختلف بحسب المصلّين، فربّ متوضئ يحضره من الخشوع ما يستقلّ وضوؤه بالتكفير. انتهى(١). وقال القرطبيّ كَّلهُ: قوله: ((وكانت صلاته، ومشيه إلى المسجد نافلة)) يعني أن الوضوء لم يُبْقِ عليه ذنباً، فلَمّا فَعَلَ بعده الصلاةَ كان ثوابها زيادةً له على المغفرة المتقدّمة، و((النفلُ)): الزيادة، ومنه نفل الغنيمة، وهو ما يُعطيه الإمام من الخمس بعد القسمة. قال: وهذا الحديث يقتضي أن الوضوء بانفراده يستقلّ بالتكفير، وكذلك حديث أبي هريرة ظُبه، فإنه قال فيه: ((إذا توضّأ العبد المسلم، فغسل وجهه خرج من وجهه كلُّ خطيئة نظر إليها بعينه))، وهكذا إلى أن قال: ((حتى يخرُج نقيّاً من الذنوب))، وهذا بخلاف أحاديث عثمان المتقدّمة؛ إذ مضمونها أن التكفير إنما يحصل بالوضوء إذا صلّى به صلاةً مكتوبةً، يُتمّ ركوعها وخشوعها، والتوفيق يكون من وجهين: (١) ((شرح الأبيّ)) ١٥/٢. ١٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة [أحدهما]: أن يُردّ مطلق الأحاديث إلى مقيَّدها. [والثاني]: أن نقول: إن ذلك يختلف بحسب اختلاف أحوال الأشخاص، فلا بُعد في أن يكون بعض المتوضّئين يحصل له من الحضور، ومراعاة الآداب المكمّلة ما يستقلّ بسببها وضوؤه بالتكفير، وربّ متوضّئ لا يحصل له مثل ذلك، فيُكفَّ عنه بمجموع الوضوء والصلاة، ولا يُعتَرَض على هذا بقوله وَلجر: ((من أتمّ الوضوء كما أمره الله، فالصلوات المكتوبة كفّارات لما بينهنّ))؛ لأنا نقول: من اقتصر على واجبات الوضوء، فقد توضّأ كما أمره الله تعالى، كما قال النبيّ وَ ﴿ للأعرابيّ: ((توضّأ كما أمرك الله))، فأحاله على آية الوضوء على ما قدّمناه، وكذلك ذكر النسائيّ تَّتُهُ من حديث رفاعة بن رافع ظُه، فقال النبيّ وَّ: ((إنها لا تتمّ صلاة أحدكم حتى يُسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى، فيغسل وجهه، ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه، ورجليه إلى الكعبين))، ونحن إنما أردنا المحافظة على الآداب المكمِّلة التي لا يُراعيها إلا من نَوّر الله تعالى باطنه بالعلم والمراقبة، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ◌َذُ(١). وقال النوويّ نَخْتُهُ: وقد يقال: إذا كَفَّر الوضوء، فماذا تكفر الصلاة؟ وإذا كَفَّرت الصلاة فماذا تكفر الجمعات ورمضان؟ وكذلك صوم يوم عرفة كفارة سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تقدم من ذنبه. والجواب: ما أجاب به العلماء أن كُلَّ واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وَجَد ما يُكَفِّره من الصغائر كفّره، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة، كُتبت به حسنات، ورُفِعت به درجات، وإن صادف كبيرة أو كبائر، ولم يصادف صغيرةً رَجَونا أن يُخَفّف من الكبائر، والله تعالى أعلم. انتهى(٢). وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدَةً) أي أحمد بن عبدة الضبيّ، شيخه الثاني (أَتَيْتُ عُثْمَانَ، فَتَوَضَّأَ) يعني أنه لم يذكر لفظة (بِوَضوء))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) ((المفهم)) ١ / ٤٩١ - ٤٩٢. (٢) (شرح مسلم)) ١١٣/٣. ١٤٥ (٤) - بَابُ فَضْلِ إِحَسَانِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ - حديث رقم (٥٥١) مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عثمان ظه هذا من هذا الوجه من أفراد المصنّف رَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٥٥٠/٤] (٢٢٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦٠٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٤٤)، وفوائد الحديث تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٥١] (٢٣٠) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ وَأَبِي بَكْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي أَنَسٍ، أَنَّ عُثْمَانَ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ، فَقَالَ: أَا أُرِيكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ وَّةِ؟ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلَاثاً ثَلَاثاً، وَزَادَ قُتَيْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ أَبُو النَّضْرِ، عَنْ أَبِي أَنَسٍ، قَالَ: وَعِنْدَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ لَّه). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت، من كبار [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٢ - (أَبُو النَّضْرِ) هو: سالم بن أبي أميّة القُرشيّ التيميّ المدنيّ، مولى عمر بن عُبيد الله التيميّ، وكاتبه، ثقة ثبت، يرسل [٥]. رَوَى عن أنس، والسائب بن يزيد، وعوف بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى كتابةً، وسعيد بن المسيب، وعامر بن سعد، وبشر بن سعيد، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن أبي رافع، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه إبراهيم المعروف بِبَرَدَان بن أبي النضر، والسفيانان، ومالك، وعمرو بن الحارث، وموسى بن عقبة، وابن جريج، وعبيد الله بن عمر، وفليح بن سليمان، والليث، وابن إسحاق، وغيرهم. ١٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة قال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: سالم أبو النضر عندك فوق سُمَيّ؟ قال: نعم. وقال أحمد، وابن معين، والعجلي، والنسائي: ثقة، زاد العجلي: رجل صالح، وكذا قال أبو حاتم، وزاد: حسن الحديث. وقال ابن سعد: ثقة، كثير الحديث، مات في خلافة مروان بن محمد. وقال خليفة: مات سنة تسع وعشرين ومائة. وقال الْجَنَديّ: سئل ابن عيينة عن سالم أبي النضر؟ فقال: كان ثقة، وكان يصفه بالفضل والعقل والعبادة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال أحمد بن صالح: له شأن، ما أكاد أُقَدِّم عليه كبير أحد، سمع أنساً. وقال ابن أبي حاتم في ((المراسيل)): سمعت أبي يقول: أبو النظر عن عثمان بن أبي العاص مرسل. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت. وقال ابن خلفون: وثقه ابن المديني، وابن نمير. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٣) حديثاً . ٣ - (أَبُو أَنَسٍ) هو: مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، جدّ الإمام مالك، ووالد أبي سُهيل، عمّ مالك، ثقةٌ [٢] (ت٧٤) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٩/٢. والباقون تقدّموا قريباً . وقوله: (الْمَقَاعِدِ) - بفتح الميم، وبالقاف - قيل: هي دكاكين عند دار عثمان بن عفان ظته، وقيل: دَرَجٌ، وقيل: موضع بقرب المسجد، اتَّخَذْه للقعود فيه لقضاء حوائج الناس، والوضوءٍ ونحو ذلك. وقوله: (ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلَاثاً ثَلَاثاً) قال النوويّ كَذَتُهُ: هذا أصل عظيم في أن السنة في الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، وقد قدّمنا أنه مجمع على أنه سنة، وأن الواجب مرةً واحدةً، وفيه دلالة للشافعي ومن وافقه في أن المستحب في الرأس أن يمسح ثلاثاً كباقي الأعضاء. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: استدلال النوويّ على استحباب تثليث مسح الرأس مما لا يخفى على بصير، فقد سبق أن في بعض روايات حديث عثمان رظته، وكذا حديث عبد الله بن زيد في (الصحيحين)) وغيرهما التصريح بأنه مسح رأسه مرّة واحدة، فالحقّ حمل هذا الْمُجمَل على المفصّل، وأما ما ورد من التثليث، فهي رواية شاذّة، لا تقاوم الأحاديث الصحيحة، فلا ينبغي الالتفات إليها . ١٤٧ (٤) - بَابُ فَضْلِ إِحَسَانِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ - حديث رقم (٥٥١) والحاصل أن تثليث مسح الرأس غير مستحبّ؛ لما ذكرناه، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (وَعِنْدَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وَ لاَ) معناه أن عثمان رَضْنَهُ قال ما قاله، والرجال عنده، فلم يخالفوه، وقد أخرج هذه الرواية الحافظ أبو نعيم تَُّهُ في ((المسند المستخرج)) (٢٩٣/١)، فقال: (٥٤٣) حدثناه سليمان بن أحمد إملاءً، ثنا معاذ بن المثنى، ثنا علي بن المديني، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثني أبي، ثنا وكيع (ح) وحدثنا عبد الله بن محمد، ومحمد بن إبراهيم قالا: ثنا أبو يعلى، ثنا زهير، ثنا وكيع (ح) وحدثنا الطَّلْحي، ثنا عُبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي النضر، عن أبي أنس، أن عثمان توضأ بالمقاعد ثلاثاً ثلاثاً، وعنده رجال من أصحاب النبيّ وَّ قال: ((أليس هكذا رأيتم رسول الله وَليه يتوضأ؟ قالوا: نعم)). انتهى. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عثمان رضيه هذا من هذا الوجه من أفراد المصنّف نَّثُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة)) [٥٥١/٤] (٢٣٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٧/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٧/١)، و(أبو نعيم) في ((المستخرج)) (٥٤٣)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٨٥/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٨/١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): هذا الإسناد من جملة ما استدركه الحافظ أبو الحسن الدارقطنيّ وغيره، قال أبو عليّ الْغَسّانيّ الجيانيّ: يُذكَرُ أن وكيع بن الجرّاح وَهِمَ في إسناد هذا الحديث في قوله: ((عن أبي أنس))، وإنما يرويه أبو النضر، عن بُشْر بن سعيد، عن عثمان بن عفان، رَوَينا هذا عن أحمد بن حنبل وغيره، قال: وهكذا قال الدارقطنيّ: هذا مما وَهِمَ فيه وكيع على الثوريّ، وخالفه أصحاب الثوريّ الحفاظ، منهم الأشجعيّ، عُبيد الله، وعبد الله بن الوليد، ١٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة ويزيد بن أبي حكيم الْعَدَنيّان، والْفِرْيابيّ، ومعاوية بن هشام، وأبو حذيفة، وغيرهم، رووه عن الثوريّ، عن أبي النضر، عن بُسْر بن سعيد، أن عثمان، وهو الصواب. انتهى كلام أبي عليّ الغسّانيّ ◌َّهُ(١). وقال الدارقطني تَّتُهُ في ((سننه)) (٨٥/١): (١٠) حدثنا أحمد بن محمد بن زياد، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، نا ابن الأشجعيّ (٢)، نا أبي، عن سفيان، عن سالم أبي النضر، عن بُسر بن سعيد، قال: أَتَّى عثمان المقاعد، فدعا بوَضوء، فمضمض، واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه ثلاثاً ثلاثاً، ورجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم قال: رأيت رسول الله -* هكذا يتوضأ، يا هؤلاء أكذلك؟ قالوا: نعم، لنفرٍ من أصحاب رسول الله مَ له عنده. قال الدارقطنيّ: صحيح إلا التأخير في مسح الرأس، فإنه غير محفوظ، تفرّد به ابن الأشجعيّ، عن أبيه، عن سفيان بهذا الإسناد، وهذا اللفظِ، ورواه الْعَدَنيّانِ: عبدُ الله بن الوليد، ويزيدُ بن أبي حكيم، والفريابيّ، وأبو أحمد، وأبو حذيفة، عن الثوريّ بهذا الإسناد، وقالوا كلهم: إن عثمان توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وقال: هكذا رأيت رسول الله وملم يتوضأ، ولم يزيدوا على هذا. وخالفهم وكيع، رواه عن الثوريّ، عن أبي النضر، عن أبي أنس، عن عثمان، أن النبيّ وَ توضأ ثلاثاً ثلاثاً، كذا قال وكيع، وأبو أحمد، عن الثوريّ، عن أبي النضر، عن أبي أنس، وهو مالك بن أبي عامر، والمشهور عن الثوريّ، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن عثمان. (١١) حدثنا إبراهيم بن حماد، نا العباس بن يزيد، ثنا وكيع، نا سفيان، عن أبي النضر، عن أبي أنس، أن عثمان توضأ بالمقاعد، وعنده رجال من أصحاب النبيّ وَّة، فتوضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: أليس هكذا رأيتم رسول الله وَل يتوضأ؟ قالوا: نعم. وتابعه أبو أحمد الزبيريّ، عن الثوريّ، والصواب عن (١) ((تقييد المهمل)) ٧٨٤/٣ - ٧٨٥. (٢) هو: أبو عبيدة بن عُبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعيّ، يقال: اسمه عبّاد، مقبول من التاسعة، قاله في ((التقريب)) ص٤١٦. ١٤٩ (٤) - بَابُ فَضْلِ إِحَسَانِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ - حديث رقم (٥٥١) الثوريّ، عن أبي النضر، عن بسر، عن عثمان. انتهى كلام الدارقطنيّ تَخَّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أعلّ الإمام أحمد، والدارقطنيّ، وغيرهم هذا الحديث، إلا أن الإمام مسلماً يرى صحّته، وقد وافقه عليه الإمامان الحافظان: أبو زرعة، وأبو حاتم، فقد ذكر ابن أبي حاتم في ((علله))، حيث قال: سئل أبو زرعة عن حديث رواه الفريابيّ، عن سفيان، عن سالم أبي النضر، عن بُسر بن سعيد، أن عثمان توضّأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال لأصحاب رسول الله وَه: هكذا رأيتم رسول الله وَ ل﴿ه يتوضّأ؟ قالوا: نعم. ورواه وكيع عن سفيان، عن أبي النضر، عن أبي أنس، أن عثمان توضّأ بالمقاعد، فقال: ألا أُريكم وضوء رسول الله وَله؟ قال: ثم توضّأ ثلاثاً ثلاثاً، قال أبو زرعة: وَهِمَ فيه الفريابيّ، والصواب ما قال وكيع، سألت أبي عن هذا الحديث، فقال: حديث وكيع أصحّ، وأبو أنس جدّ مالك بن أنس، وأبو أنس عن عثمان متّصلٌ، وبُسر بن سعيد عن عثمان مرسلٌ. انتهى كلام ابن أبي حاتم(٢). قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما تقدّم أن الأولين أعلّوا الحديث بمخالفة وكيع للجماعة الذين رووه عن الثوريّ، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن عثمان رظه، والذي يظهر لي أن تصحيح رواية وكيع هو الأولى؛ لأن وكيعاً إمام حافظ مُعْتَمَدٌ على حفظه، ولا سيّما وقد تابعه أبو أحمد الزبيريّ. على أنه يمكن تصحيح الطريقين معاً بحمله على أن الحديث عند الثوريّ بالطريقين، فلا داعي لتوهيم أحدهما . والحاصل أن المصنّف، وأبا زرعة، وأبا حاتم قد صحّحوا رواية وكيع هذه، وقولهم هو الأظهر عندي؛ لأن زيادة الثقة في مثل هذا مقبولة؛ حيث كان من زادها حافظاً مُعتَمَداً، وهو وكيعٌ، وهو المقدّم في سفيان على جميع هؤلاء الذين خالفوه في هذا الحديث، فإنهم لم يوصفوا بحفظ أحاديث الثوريّ (١) ((سنن الدار قطنيّ)) ١/ ٨٥. (٢) ((علل الحديث)) لابن أبي حاتم ١ / ٥٥ - ٥٦. ١٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة مثله، بل قدّمه الأئمة، كأحمد وابن معين في سفيان على حفّاظ أصحاب الثوريّ، كعبد الرحمن بن مهديّ ويحيى القطان، وأبي نعيم، وغيرهم. قال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: عبد الرحمن أحبّ إليك في سفيان أو وكيع؟ قال: وكيع، قلت: فأبو نعيم؟ قال: وكيع، وقال المرّوذيّ: قلت لأحمد: مَن أصحاب سفيان؟ قال: وكيع، ويحيى، وعبد الرحمن، وأبو نعيم، قلت: قدّمت وكيعاً؟ قال: وكيع شيخٌ. وراجع لمزيد الاستبصار ترجمة وكيع في ((تهذيب الكمال))، و(تهذيب التهذيب))(١)، يتّضح لك ما قلته تمام الاتّضاح. وقد عرفتَ أنه لم ينفرد بهذا الطريق، بل تابعه عليه أبو أحمد الزبيريّ، كما سبق آنفاً . وخلاصة القول أن تصحيح المصنّف، وأبي زرعة، وأبي حاتم لرواية وكيع هذه هو الأرجح، فتأمّله بإنصاف. ومن الغريب أن النوويّ كَّتُهُ مع شدّة شغفه بمعارضة استدراك الدارقطنيّ وغيره على المصنّف، وغالب ما يحتجّ به دعوى زيادة الثقة، إلا أنه هنا نقل الاستدراك، وسكت عليه، وهذا منه عجيب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٥٢] (٢٣١) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ وَكِيعِ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، أَبِي صَخْرَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانٍ، قَالَ: كُنْتُ أَضَعُ لِعُثْمَانَ طَهُورَهُ، فَمَا أَتَى عَلَيْهِ يَوْمٌ، إِلَّ وَهُوَ يُفِيضُ عَلَيْهِ نُطْفَةً، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ عِنْدَ انْصِرَافِنَا مِنْ صَلَاتِنَا هَذِهِ - قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهَا الْعَصْرَ - فَقَالَ: ((مَا أَدْرِي أُحَدِّثُكُمْ بِشَيْءٍ، أَوْ أَسْكُتُ))، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ كَانَ خَيْراً فَحَدَّثْنَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَالهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَطَهَّرُ، فَيُتِمُّ (١) راجع (تهذيب الكمال)) ٤٦٢/٣٠ - ٤٨٤، و((تهذيب التهذيب)) ٣١١/٤. ١٥١ (٤) - بَابُ فَضْلِ إِحَسَانِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ - حديث رقم (٥٥٢) الطُّهُورَ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ (١)، فَيُصَلِّ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَاتٍ لِمَا بَيْنَهَا(٢))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مِسْعَر) بن كِدَام بن ظُهَير الْهِلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت٣ أو ١٥٥) تقدم في ((المقدمة ٣١/٥. ٢ - (جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ، أَبُو صَخْرَةَ الْمُحاربيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت٧ أو ١٢٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦. والباقون تقدّموا قريباً، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْلُهُ، وله فيه شيخان، قرن بينهما . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه إسحاق، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كُريب أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، كما مرّ غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين إلى جامع، غير إسحاق، فمروزيّ، والباقيان مدنيّان. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: جامع، عن حُمران، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، أَبِي صَخْرَةَ) وفي رواية أبي نعيم من طريق شعبة، عن جامع بن شدّاد، سمعت حمران يُحدّث أبا بردة، وأنا قائم في إِمْرَة بشر بن مروان(٣)، وفي رواية أبي عوانة: سمعت حمران بن أبان يُحدّث أبا بردة في (١) وفي نسخة: ((كُتِبَ عليه)). (٢) وفي نسخة: ((إلا كانت له كفّارات لما بينهنّ)). (٣) ((مستخرج أبي عوانة)) ٢٩٥/١. ١٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة مسجد البصرة، وأنا قائم أنه سمع عثمان (١) (قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ) تقدّم الخلاف في صرف أبان وعدمه، والمختار صرفه (قَالَ: كُنْتُ أَضَعُ لِعُثْمَانَ طَهُورَهُ) بفتح الطاء: أي الماء الذي يتطهّر به (فَمَا) نافية (أَتَى عَلَيْهِ يَوْمٌ، إِلَّا وَهُوَ يُفِيضُ عَلَيْهِ نُطْفَةً) - بضمّ النون، وسكون الطاء المهملة -: أي قليلاً من الماء، ومراده أنه لم يكن يمرّ على عثمان ظُه يوم إلا اغتسل فيه، وكانت ملازمته للاغتسال محافظةً على تكثير الطهر، وتحصيل ما فيه من عظيم الأجر الذي ذكره في حديثه، والله تعالى أعلم. (وَقَالَ عُثْمَانُ) ◌َبُهُ (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ وَلـ عِنْدَ انْصِرَافِنَا مِنْ صَلَاتِنَا هَذِهِ - قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهَا) بضم الهمزة (الْعَصْرَ -) أي أظنّ تلك الصلاة صلاة العصر (فَقَالَ) وَِّ ((مَا) نافية (أَدْرِي أُحَدِّئُكُمْ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي أأُحدّثكم (بِشَيْءٍ) مما فيه بيان لثواب بعض الطاعات (أَوْ أَسْكُتُ))) وفي نسخة: ((أم أسكت؟))؛ أي أترك تحديثكم؛ لئلا تغترّوا، وتتكلوا على عملكم، قال النوويّ كَُّ: يَحْتَمِل أن يكون معناه: ما أدري هل ذكري لكم هذا الحديثَ في هذا الزمن مصلحة أم لا؟ ثم ظهرت مصلحته في الحال عنده وَّ، فحدثهم به؛ لما فيه من ترغيبهم في الطهارة، وسائر أنواع الطاعات، وسبب توقفه أوّلاً أنه خاف مفسدة اتّكالهم، ثم رأى المصلحة في التحدیث به. انتھی(٢). (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ كَانَ) ذلك الحديث (خَيْراً فَحَدِّثْنَا) حتى نغتنمه، ونُسَرّ به (وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) أي فالأمر إلى الله تعالى ورسوله ◌َ﴿، قال النوويّ تَُّ: يَحْتَمِل أن يكون معناه إن كان بِشارةً لنا، وسبباً لنشاطنا، وترغيبنا في الأعمال، أو تحذيراً وتنفيراً من المعاصي والمخالفات، فحدِّثنا به؛ لنَحْرِص على عمل الخير، والإعراض عن الشرّ، وإن كان حديثاً لا يتعلق بالأعمال، ولا ترغيب فيه، ولا ترهيب، فالله ورسوله أعلم، ومعناه فَرَ فيه رَأْيَكَ، والله تعالى أعلم. انتهى(٣). (قَالَ) وَرِ ((مَا مِنْ مُسْلِم يَتَطَهَّرُ) وفي نسخة: ((يَطّهّر)) بتشديد الطاء، (١) ((مسند أبي عوانة)) ١٩٣/١ - ١٩٤. (٣) المصدر السابق. (٢) ((شرح النوويّ)) ١١٥/٣. ١٥٣ (٤) - بَابُ فَضْلِ إِحَسَانِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ - حديث رقم (٥٥٣) والهاء، وأصله (يتطهّر))، فأدغمت التاء في الطاء بعد قلبها إليها (فَيُتِمُّ الطَّهُورَ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ) قال النوويّ تَخْلُهُ: هذه الرواية فيها فائدة نفيسة، وهي قوله وَّل: ((الطَّهُور الذي كتب الله عليه))، فإنه دالّ على أن من اقتصر في وُضوئه على طهارة الأعضاء الواجبة، وتَرَكَ السنن والمستحبات، كانت هذه الفضيلة حاصلةً له، وإن كان مَن أتى بالسنن أكملَ، وأشدّ تكفيراً. انتهى(١). (فَيُصَلِّ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ) بالنصب بدلاً من ((الصلوات)) (إِلَّا كَانَتْ) أي الصلوات التي صُلِّيت بالظهور المذكور (كَفَّارَاتٍ لِمَا بَيْنَهَا))) أي بين الصلوات الخمس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عثمان ظه هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف نَّثُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٥٥٢/٤] (٢٣١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٧/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦١٢ و٦١٣ و٦١٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٤٦ و٥٤٧ و٥٤٨)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أُولَ الكتاب قال: [٥٥٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانٍ، يُحَدِّثُ أَبَا بُرْدَةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، فِي إِمَارَةِ بِشْرٍ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى، فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ). هَذَا حَدِيثُ ابْنِ (١) ((شرح النوويّ)) ١١٦/٣. ١٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطهارة مُعَاذٍ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ غُنْدَرٍ: فِي إِمَارَةٍ بِشْرٍ، وَلَا ذِكْرُ الْمَكْتُوبَاتِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٢ - (أَبُوهُ) هو: معاذ بن معاذ الْعَنْبَريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ٧. والباقون تقدّموا قريباً، فمَن قبل جامع تقدّموا قبل باب، ومنه تقدّموا في السند الماضي، ومحمد بن جعفر هو المعروف بغندر. وقوله: (يُحَدِّثُ أَبَا بُرْدَةَ) هو ابن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقة، من الطبقة الثالثة، توفّي سنة (١٠٤). تقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١. وقوله (فِي هَذَا الْمَسْجِدِ) أي مسجد البصرة، كما بيّنته رواية أبي عوانة، ولفظه: ((قال: سمعت حُمران بن أبان يُحدّث أبا بُرْدة في مسجد البصرة، وأنا قائم معه ... ))(١). وقوله: (فِي إِمَارَةٍ بِشْرٍ) ((الإمارة)) - بكسر الهمزة، كالإِمْرة -: الولاية، يقال: أَمَرَ على القومِ يَأْمُرُ، من باب نصر، فهو أمير، والجمع أمراء، ويُعدَّى بالتضعيف، فيقال: أَمَّرتُهُ تأميراً(٢). و((بشر)) - بكسر، فسكون -: هو ابن مروان، كما بيّنته رواية أبي نعيم، ولفظه: ((عن جامع بن شدّاد، سمعتُ حُمران بن أبان يُحدّث أبا بُردة، وأنا قائم في إمرة بشر بن مروان ... )) (٣). قال الإمام الذهبيّ تَّتُ في (السير)): بشر بن مروان بن الْحَكَم الأمويّ، أحد الأجواد، وَلِيَ العراقين لأخيه عند مَقْتل مُصْعَب، وداره بدمشق عند عقبة الكتان، رَوَى ابن جُدْعان عن (١) ((مسند أبي عوانة)) ١٩٣/١ - ١٩٤ رقم (٦١٤). (٢) (المصباح المنير)) ٢٢/١. (٣) ((المسند المستخرج)) ٢٩٥/١ رقم (٥٤٧). ١٥٥ (٤) - بَابُ فَضْلِ إِحَسَانِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ - حديث رقم (٥٥٣) الحسن، قال: قَدِمَ علينا بشر البصرة، وهو أبيض بِضُّ، أخو خليفة، وابن خليفة، فأتيته، فقال الحاجب: من أنت؟ قال: حسن البصريّ، قال: ادْخُل، وإياك أن تُطيل، ولا تُمِلّه، فأَدخُلُ، فإذا هو على سرير عليه فُرَش، قد كاد أن يغوص فيها، ورجل بالسيف واقف على رأسه، فقال: من أنت؟ قلت: الحسن البصريّ الفقيه، فأجلسني، ثم قال: ما تقول في زكاة أموالنا، ندفعها إلى السلطان، أم إلى الفقراء؟ قلت: أيهما فعلتَ أجزأ عنك، فتبسم، وقال: لشيء ما يسود مَن يسود، ثم عدت إليه من العشيّ، وإذا هو انحدَر من سريره يَتَمَلْمَلُ، وحوله الأطباء، ثم عدت من الغد، والناعية تنعاه، ودوابه قد جُزَّت نواصيها، ووقف الفرزدق على قبره، ورثاه بأبيات، فما بَقِي أحد إلا بَكَى. قال الخليفة: مات بالبصرة سنة خمس وسبعين، وله نيف وأربعون سنة. وقيل: إنه كتب إلى أخيه: إنك شَغَلْتَ إحدى يديّ بالعراق، وبقيت الأخرى فارغةً، فكتب إليه بولاية الحرمين واليمن، فما جاءه الكتاب إلا وقد وقعت الْقُرْحة في يمينه، فقيل: اقطعها من الْمَفْصِل، فَجَزِع، فبلغت المرفق، ثم أصبح وقد بلغت الكتف ومات، فجَزِعَ عليه عبد الملك، وأمر الشعراء فَرَثَوْهُ. انتهى (١). وقوله: (مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى) أي أمر إيجاب، لما في الرواية السابقة: ((ما من مسلم يتطهّر، فيُتمّ الطُّهُور الذي كتب الله عليه ... )). وقوله: (فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ) أي لما عُمِل من الذنوب، والجملة جواب ((من))، أو خبرها بتقدير رابط؛ أي له، أو ((أل)) في ((الصلوات)) بدل من الضمير الرابط؛ أي صلواته المكتوبات كفارات؛ أي ماحيات لما اقترفه من الذنوب. وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ غُنْدَرٍ: فِي إِمَارَةِ بِشْرٍ، وَلَا ذِكْرُ الْمَكْتُوبَاتِ) رواية غندر أخرجها الحافظ أبو نعيم في ((المسند المستخرج)) (٢٩٥/١) فقال: (٥٤٨) وحدثنا أبو علي بن الصّوّاف، ثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، ثنا محمد بن جعفر غندر، ثنا شعبة، عن جامع بن شداد، سمعت (١) ((سير أعلام النبلاء)) ١٤٥/٤ - ١٤٦. ١٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة حمران بن أبان، يحدث أبا بردة، عن عثمان بن عفان، أن رسول الله وعليه قال: ((مَن أتم الوضوء كما أمره الله، فالصلوات الخمس كفارة لما بينهنّ))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عثمان رظراته هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف تَخْذَاللهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٥٥٣/٤] (٢٣١)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (١٤٥)، و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٤٥٩)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده))، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٧/١) (٧٥)، و(أحمد) في (مسنده) (٦٦/١ ٦٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٠٤٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦١٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٤٨)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٥٤)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الکتاب قال: [٥٥٤] (٢٣٢) - (حَدَّثَنَا (١) هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي(٢) مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُمْرَانَ، مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَّ: تَوَضَّأَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّنَ يَوْماً وُضُوءاً حَسَناً، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِوَّةِ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ، لَا يَنْهَزُهُ إِلَّ الصَّلَاةُ، غُفِرَ لَهُ مَا خَلَا مِنْ ذَنْبِهِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) - بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة - السّعْديّ (١) وفي نسخة: ((وحدثنا)). (٢) وفي نسخة: ((وأخبرنا)). ١٥٧ (٤) - بَابُ فَضْلِ إِحَسَانِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ - حديث رقم (٥٥٤) مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) عن (٨٣) سنة (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله الفقيه المصريّ، ثقة حافظ [٩] (ت١٩٧) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٣ - (مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ) بن عبد الله بن الأشجّ القرشيّ، مولى بني مخزوم، أبو الْمِسْوَر المخزوميّ المدنيّ، صدوقٌ، [٧]. رَوَى عن أبيه، وعامر بن عبد الله بن الزبير. ورَوَى عنه مالك، وابن لهيعة، وابن المبارك، وابن وهب، ومَعْن بن عيسى، والواقديّ، والقعنبيّ، وغيرهم. قال زيد بن بشر عن ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: حدَّثني مخرمة بن بكير، وكان رجلاً صالحاً، وقال أبو حاتم: سألت إسماعيل بن أبي أويس، قلت: هذا الذي يقول مالك بن أنس: حدثني الثقة، من هو؟ قال: مخرمة بن بكير بن الأشجّ، وقال الميمونيّ، عن أحمد: أخذ مالك كتاب مَخْرَمة فنظر، فيه فكل شيء يقول فيه: بلغني عن سليمان بن يسار، فهو من كتاب مخرمة، يعني عن أبيه، عن سليمان، وقال أبو طالب: سألت أحمد عنه، فقال: ثقةٌ، ولم يسمع من أبيه شيئاً، إنما يروي من كتاب أبيه، وقال ابن أبي خيثمة: قلت لابن معين: مخرمة بن بكير؟ فقال: وقع إليه كتاب أبيه، ولم يسمعه، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ضعيفٌ، وحديثه عن أبيه كتابٌ، ولم يسمعه منه، وقال أبو داود: لم يسمع من أبيه إلا حديثاً واحداً، وهو حديث الوتر، وقال سعيد بن أبي مريم عن خاله، موسى بن سَلَمة: أتيت مخرمة، فقلت: حدَّثك أبوك؟ فقال: لم أُدرك أبي، هذه كتبه، وقال الدُّولابيّ: حدثنا أحمد بن يعقوب، حدثنا علي بن المديني، سمعت مَعْنَ بن عيسى يقول: مخرمة سمع من أبيه، وعَرَض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن يسار، قال عليّ: ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان، لعله سمع الشيء اليسير، ولم أجد أحداً بالمدينة يخبرني عن مخرمة أنه كان يقول في شيء من حديثه: سمعت أبي، قال: وسمعت عليّاً، وقيل له: أيما أحب إليك: يحيى بن سعيد، أو مخرمة بن بكير؟ فقال: يحيى في معنىً، ومخرمة في معنىً، وجميعاً ثقتان، ١٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة ويحيى أشدّ، ومخرمة أكثرُ حديثاً، ومخرمة ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: صالح الحديث، قال: وقال ابن أبي أويس: وجدت في ظهر كتاب مالك: سألت مخرمةَ عما يُحدّث به عن أبيه، سمعها من أبيه، فحَلَف لي: ورب هذه الْبَنِيَّة سمعت من أبي، وقال غيره: قيل لأحمد بن صالح: كان مخرمة من ثقات الناس؟ قال: نعم، وقال ابن عديّ: وعند ابن وهب، ومَعْن، وغيرهما عن مخرمة أحاديث حسانٌ مستقيمةٌ، وأرجو أنه لا بأس به، وقال الساجيّ: صدوقٌ، وکان یدلس. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات سنة تسع وخمسين ومائة في آخر ولاية المهديّ، يُحْتَجّ بحديثه من غير روايته عن أبيه؛ لأنه لم يَسمع من أبيه، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، مات في أول ولاية المهديّ. انتهى، قيل: إن هذا هو الصواب، وقد أَرّخ ابن قانع وفاة مخرمة سنة ثمان وخمسين . أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثاً. ٤ - (أَبُوهُ) هو: بُكير بن عبد الله بن الأشجّ القرشيّ مولاهم، ويقال: مولى أشجع، أبو عبد الله، ويقال: أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن محمود بن لبيد، وأبي أمامة بن سهل، وبُسْر بن سعيد، وأبي صالح السمّان، وسعيد بن المسيِّب، وسليمان بن يسار، وحمران مولى عثمان، وأبي عبد الله الأغرّ، وعِراك بن مالك، وكُريب، ونافع مولى ابن عمر، ويزيد بن أبي عُبيد، ومات قبله، وأبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ، وخلق كثير. ورَوَى عنه بَكْر بن عَمْرو المعافريّ، والليث، وابن إسحاق، وعبيد الله بن أبي جعفر، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وجعفر بن ربيعة، وابن عجلان، وابنه مخرمة بن بكير، ويحيى بن أيوب المصريّ، ويزيد بن أبي حبيب، وجماعة . قال أحمد بن صالح المصريّ: سمعت ابن وهب يقول: ما ذَكَر مالك بكير بن الأشجّ إلا قال: كان من العلماء، وقال ابن الطباع: سمعت مَعْنَ بن عيسى يقول: ما ينبغي لأحد أن يَفْضُل، أو يفوق بكير بن الأشجّ في الحديث، ١٥٩ (٤) - بَابُ فَضْلِ إِحَسَانِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ - حديث رقم (٥٥٤) وقال حرب عن أحمد: ثقةٌ صالحٌ، وقال الدُّوريّ، عن يحيى بن معين، وأبو حاتم: ثقة، وقال ابن البراء، عن ابن المدينيّ: لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم من ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، ويُكير بن عبد الله بن الأشجّ، وقال العجليّ: مدنيّ ثقةٌ، لم يسمع منه مالك شيئاً، خرج قديماً إلى مصر، فنزل بها، وقد رَوَى مالك في ((الموطأ)) عن الثقة عنده، عن بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، وقال النسائيّ: ثقةٌ ثبتٌ مأمونٌ، وقال أحمد بن صالح المصريّ: إذا رأيت بكير بن عبد الله رَوَى عن رجل، فلا تسأل عنه، فهو الثقة الذي لا شك فيه، وقال البخاريّ في ((التاريخ الكبير)): كان من صلحاء الناس، وهَلَك في زمن هشام، وقال ابن البراء، عن عليّ بن المدينيّ: أدركه مالك، ولم يَسمع منه، وكان بكير سيء الرأي في ربيعة، فأظنه تركه من أجل ربيعة، وإنما عَرَف مالك بكيراً بنظره في كتاب مخرمة، وقال الواقديّ: كان يكون كثيراً بالثَّغْرِ، وقَلَّ مَن يروي عنه من أهل المدينة، وقال بشر بن عمر الزهرانيّ: قلت لمالك: سمعت من بكير؟ فقال: لا، وقال يحيى بن بُكير: بنو عبد الله بن الأشجّ ثلاثة لا أدري أيُّهم أفضل، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) في أتباع التابعين من صلحاء الناس، وقال: كان من خيار أهل المدينة، وقال الحاكم: لم يثبت سماعه من عبد الله بن الحارث بن جَزْء، وإنما روايته عن التابعين. وقال ابن نُمير: تُوُفّي سنة (١١٧) وقال الترمذيّ: مات سنة (١٢٠)، وقال عمرو بن عليّ: سنة (٢٢)، وقال الواقديّ: سنة (٢٧). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٥) حديثاً. والباقيان تقدّما قبله. وقوله: (لَا يَنْهَزُهُ إِلَّ الصَّلَاةُ) - بفتح الياء والهاء، وإسكان النون بينهما - ومعناه: لا يَدْفَعه، ويُنْهِضه، ويُحَرِّكه إلا الصلاة، قال أهل اللغة: نَهَزْتُ الرجلَ أَنْهَزُه: إذا دفعته، ونَهَزَ رأسَهُ: أي حَرَّكه، قال صاحب ((المطالع)): وضبطه بعضهم: يُنْهِزه بضم الياء، وهو خطأ، ثم قال: وقيل: هي لغة. انتهى(١). (١) ((شرح النوويّ)) ١١٦/٣. ١٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة وقال الفيّوميّ: نَهَزَ نَهْزاً، من باب نَفَعَ: نَهَضَ ليتناول الشيءَ، قال الأزهريّ: وأصل النّهْز: الدفع، وانتهز الْفُرْصَة: انتَهَضَ إليها مُبادراً. (١) انتهى(١). وفي هذا الحديث الحثُّ على الإخلاص في الطاعات، وأن تكون مُتَمَخِّضةً لله تعالى. (غُفِرَ لَهُ مَا خَلَا مِنْ ذَنْبِهِ) أي الذي مضى، وسبق من معاصيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عثمان ظه هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف رَخَذْتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٥٥٤/٤] (٢٣٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٣٧)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٥٤٩)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٥٥] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ الْحُكَيْمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْقُرَشِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَاهُ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ عَبْدٍ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُمَا، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَصَلََّهَا مَعَ النَّاسِ، أَوْ مَعَ الْجَمَاعَةِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، غَفَرَ اللهُ لَهُ ذُنُوبَهُ))). (١) ((المصباح المنير)) ٦٢٨/٢.