Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
لأجزأ المسح باليد بغير ماء، فكأنه قال: وامسحوا برؤوسكم الماء، فهو على
القلب، والتقدير: امسحوا رؤوسكم بالماء. انتهى.
والمسح لغة: إمرار اليد على الشيء، يقال: مسحتُ الشيءَ بالماء
مَسْحاً: أمررتُ اليدَ عليه، قال أبو زيد: المسح في كلام العرب يكون مسحاً،
وهو إصابة الماء، ويكون غسلاً، يقال: مسحتُ يدي بالماء: إذا غسلتها،
وتمسّحتُ بالماء: إذا اغتسلتَ، فالمسح مشتركٌ بين معنيين. انتهى(١).
ثم إن ظاهر الحديث يدلّ على أنه مسح جميع الرأس؛ لأن اسم الرأس
حقيقةٌ في العضو كلّه. وسيأتي تحقيق المسألة في المسائل الآتية - إن شاء الله
تعالى -.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): وليس في شيء من طرق الحديث في
((الصحيحين)) ذكر عدد للمسح، وبه قال أكثر العلماء، وقال الشافعيّ تَخْتُهُ:
يستحب التثليث في المسح، كما في الغسل، واستُدِلّ له بظاهر رواية لمسلم:
((أن النبيّ وَ ◌ّ توضأ ثلاثاً ثلاثاً)).
وأُجيب بأنه مُجْمَل تَبَيَّن في الروايات الصحيحة أن المسح لم يَتَكَرَّر،
فَيُحْمَل على الغالب، أو يَختصّ بالمغسول، قال أبو داود تَخْتُهُ في ((سننه)):
أحاديث عثمان الصحاح كلَّها تدل على أن مسح الرأس مرةً واحدةً، وكذا قال
ابن المنذر أن الثابت عن النبيّ ◌َّ﴿ في المسح مرةً واحدةً، وبأن المسح مَبْنِيّ
على التخفيف، فلا يقاس على الغسلِ المرادِ منه المبالغة في الإسباغ، وبأن
العدد لو اغْتُبِر في المسح لصار في صورة الغسل؛ إذ حقيقة الغسل جَرَيَان
الماء، والدلكُ ليس بِمُشْتَرَط على الصحيح عند أكثر العلماء، وبالغ أبو عبيد،
فقال: لا نعلم أحداً من السلف استَحَبَّ تثليث مسح الرأس إلا إبراهيم التيميّ،
وفيما قال نظرٌ، فقد نقله ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أنس، وعطاء،
وغيرهما، وقد رَوَى أبو داود من وجهين، صَحّحَ أحدهما ابن خزيمة وغيره،
في حديث عثمان تثليث مسح الرأس، والزيادة من الثقة مقبولة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في ((الفتح)) في هذا الموضع أن هذه
(١) راجع ((المصباح)) ٥٧١/٢.
(٢) ((الفتح)) ٣١٢/١ - ٣١٣.

٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
الزيادة مقبولة، وليس كما قال، بل هي رواية شاذّة، لا تُقبل. وسيأتي تحقيق
القول في ذلك قريباً - إن شاء الله تعالى -.
(ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) قال الإمام ابن دقيق
العيد كَّلُهُ: هذا يدلّ على استحباب التكرار في غسل الرجل ثلاثاً، وبعض
الفقهاء لا يرى هذا العدد في الرِّجل كما في غيرها من الأعضاء، وقد ورد في
الروايات: ((فغسل رجليه حتى أنقاهما))، ولم يذكر عدداً، فاستُدِلّ به لهذا
المذهب، وأُكّد من جهة المعنى بأن الرجل لقربها من الأرض في المشي عليها
تكثُر فيها الأوساخ والأَدْرَانُ، فيُحال الأمر فيه على مجرّد الإنقاء من غير اعتبار
العدد، والرواية التي فيها ذكر العدد زائدةٌ على الرواية التي لم يُذكَر فيها،
فالأخذ بها متعيِّنٌ، والمعنى المذكور لا يُنافي اعتبار العدد، فليُعْمَل بما دلّ
عليه لفظ الحديث. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد تَخْتُهُ أخيراً هو
الحقّ، وحاصله أنه يُستحبّ تثليث غسل الرجلين، كسائر الأعضاء، كما صرّح
به في هذا الحديث، وأما القول بعدم استحباب التثليث، وتعليله بما ذكروه من
كثر الأوساخ والأدران فيها يقتضي عدم اعتباره، فتعليل عقليّ في مقابلة النصّ،
فلا اعتداد به، ولنعم ما قيل [من الوافر]:
يَوْماً تُجَارِي فِي مَیَادِنِ الْكِفَاحِ
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى) وفي نسخة: ((ثم غسل رجله اليسرى)) (مِثْلَ ذَلِكَ) أي
ثلاث مرّات (ثُمَّ قَالَ) عثمان رَّهِ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ تَوَضَّأَ) جملة حاليّة من
المفعول؛ لأن ((رأى)) هنا بصريّة، تتعدّى لمفعول واحد (نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا) أي
مثله في الكيفيّات المذكورة (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ تَوَضَّأَ) ((من)) شرطيّة،
ويحتمل كونها موصولةً (نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا) قال النوويّ: إنما قال: ((نحو
وضوئي))، ولم يقل: ((مثل))؛ لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره.
(١) ((إحكام الأحكام)) ١٨٣/١ - ١٨٤.

٨٣
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
وتعقّبه العينيّ بأنه جاء في رواية البخاريّ في ((الرقاق)): ((من توضّأ مثل
هذا الوضوء))، وجاء في رواية مسلم أيضاً: ((من توضّأ مثل وضوئي هذا))،
وكلُّ واحد من لفظ ((نحو)) و((مثل)) من أدوات التشبيه، والتشبيه لا عموم له،
سواء قال: ((نحو وضوئي هذا))، أو ((مثل وضوئي))، فلا يلزم ما ذكره.
(١)
انتهى(١).
وقال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر الروايات التي فيها ((مثل)): وعلى هذا
فالتعبير بـ ((نحو)) من تصرّف الرواة؛ لأنها تُطلق على المثليّة مجازاً، ولأن
((مثل))، وإن كانت تقتضي المساواة ظاهراً، لكنها تُطلق على الغالب، فبهذا
تلتئم الروايتان، ويكون المتروك بحيث لا يُخلّ بالمقصود. انتهى (٢).
وقال ابن الملقّن: اعلم أن لفظ ((نحو)) لا يطابق لفظ ((مثل))، فإن المثل
تقتضي المساواة من كلّ وجه إلا من الوجه الذي يقع به الامتياز بين الحقيقتين
بحيث يُخرجهما عن الوحدة، ولفظة ((نحو)) لا تُعطي ذلك، وإن استُعملت
كذلك لغةً، لا اصطلاحاً عرفيّاً، فيكون استعمالها فيها مجازاً، ولهذا فرّق
المحدّثون بين ((نحو)) و((مثل))، فقالوا فيما كان مثل الإسناد، أو المتن من كلّ
وجه: ((مثله))، كما استعمله مسلم في ((صحيحه)) في غير موضع، وقالوا:
((نحوه)) فيما قارب الإسناد أو المتن، حتى استدلّوا على الذين قالوا بالفرق
بينهما، وألزموهم بمنعهم الرواية بالمعنى، ولعلّ واصف وضوء رسول الله وَله
وراويه عنه بلفظ: ((نحو وضوئي هذا)) لحظ الفرق بينهما من حيث إن مثليّة
وضوئه ◌َ﴿ لا تتأتّى لأحد إلا من حيث امتثال الأمر، وحصول الثواب
المناسب للمتوضئ على قدر تبعيّته فيه؛ لأنه قد يكون في وضوئه # أشياء لم
يُكلّف بها، فتكون ملغاة بالنسبة إلينا، فيكون ذلك بياناً للفعل الذي يحصل
الثواب الموعود به، وعليه فلا بدّ أن يكون الوضوء المفعول موصوفاً لأجل
الغرض المطلوب، فلهذا استعمل ((نحو)) في حقيقتها العرفيّة مع فوات
المقصود، لا بمعنى ((مثل))، أو يكون ترك ما عُلِم قطعاً أنه لا يُخلّ بالمقصود،
مع أن لفظة ((مثل)) ثابتة عنه وَل في رواية البخاريّ وغيره، وهذه الرواية لم
(١) ((عمدة القاري)) ١٠/٣.
(٢) ((الفتح)) ٣١٣/١.

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
يَطَّلِع عليها ابن دقيق العيد، بل قال: يمكن أن يقال: إن الثواب يترتّب على
مقاربة ذلك الفعل؛ تسهيلاً وتوسيعاً على المخاطبين من غير تضييق وتقييد بما
ذكرناه، إلا أن الأول أقرب إلى مقصود البيان. انتهى.
وقال الفاكهيّ: لا بدّ من ذلك؛ لتعذّر الإتيان بمثل وضوئه بَّارِ، وذلك ما
تقتضيه الشريعة السمحة، من التوسعة، وعدم التضييق على المكلّف. انتهى
كلام ابن الملقّن باختصار، وبعض تصرّف(١).
(ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ) أي صلّى، فهو من إطلاق الجزء على الكلّ، من باب
المجاز المرسل (رَكْعَتَيْنٍ) فيه استحباب صلاة ركعتين عقب الوضوء، ولا
خلاف في استحبابهما (لَا) نافية، ولذا رُفع قوله: (يُحَدِّثُ) بالبناء للفاعل
(فِيهِمَا نَفْسَهُ) منصوب على المفعوليّة، وجملة ((لا يُحدّث إلخ)) في محلّ نصب
صفة لـ((ركعتين))، والمراد به أن لا يُحدّثها بشيء من أمور الدنيا، لما في بعض
الروايات: ((لا يُحدّث نفسه بشيء من الدنيا))(٢).
قال النوويّ تَخُّْهُ: المراد أنه لا يُحَدِّث بشيء من أمور الدنيا، وما لا
يتعلق بالصلاة، ولو عَرَض له حديثٌ، فأعرض عنه بمجرد عروضه عُفِيَ عن
ذلك، وحصلت له هذه الفضيلة - إن شاء الله تعالى - لأن هذا ليس من فعله،
وقد عُفِي لهذه الأمة عن الخواطر التي تَعْرِض ولا تستقرّ. وقد تقدم بيان هذه
القاعدة في ((كتاب الإيمان))، والله تعالى أعلم.
وقد قال معنى ما ذكرته المازريّ، وتابعه عليه القاضي عياض، فقال:
يريد بحديث النفس الحديث الْمُجتَلَبِ والْمُكْتَسَب، وأما ما يقع في الخواطر
غالباً، فليس هو المراد. قال: وقوله: ((يُحَدِّث نفسه)) فيه إشارة إلى أن ذلك
الحديث مما يُكْتَسب؛ لإضافته إليه، قال القاضي عياض: وقال بعضهم: هذا
الذي يكون بغير قصد يُرجَى أن تُقْبَل معه الصلاة، ويكون دون صلاة مَن لم
يُحَدِّث نفسه بشيء لأن النبيّ وَّ إنما ضَمِنَ الغفران لمراعي ذلك؛ لأنه قَلَّ مَن
تسلم صلاته من حديث النفس، وإنما حصلت له هذه المرتبة؛ لمجاهدة نفسه
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٤٦/١ - ٣٤٨.
(٢) ذكره في ((الفتح))، وعزاه للترمذيّ الحكيم، راجع ((الفتح)) ٣١٣/١.

٨٥
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
من خطرات الشيطان، ونفيها عنه، ومحافظته عليها، حتى لم يشتغل عنها طرفة
عين، وسَلِمَ من الشيطان باجتهاده، وتفريغه قلبه. انتهى كلام القاضي (١). قال
النوويّ: والصواب ما قدمته، والله أعلم. انتهى(٢).
وقال الإمام ابن دقيق العيد رَّتُهُ: قوله: ((لا يحدث فيهما نفسه)) إشارة
إلى الخواطر والوساوس الواردة على النفس، وهي على قسمين:
[أحدهما]: ما يَهْجُمُ هَجْماً يَتَعَذّر دفعه عن النفس.
[والثاني]: ما تسترسل معه النفس، ويُمكن قطعه ودفعه، فيُمكن أن يُحْمَلَ
هذا الحديث على هذا النوع الثاني، فيَخرُج عنه النوع الأول؛ لعسر اعتباره،
ويشهد لذلك لفظة ((يُحدّث نفسه))، فإنه يقتضي تكسُّباً منه، وتفعُّلاً لهذا
الحديث، ويمكن أن يُحمَل على النوعين معاً، إلا أن العسر إنما يجب دفعه
عما يتعلّق بالتكاليف، والحديث إنما يقتضي ترتّب ثواب مخصوص على عمل
مخصوص، فمن حصل له ذلك العمل، حصل له ذلك الثواب، ومن لا فلا،
وليس ذلك من باب التكاليف حتى يلزم دفع العسر عنه.
نعم لا بدّ وأن تكون تلك الحالة ممكنة الحصول - أعني الوصف المرتّب
عليه الثواب المخصوص - والأمر كذلك، فإن المتجرّدين عن شواغل الدنيا
الذين غلب ذكرُ الله رَ على قلوبهم، وغَمَرَها تحصُل لهم تلك الحالة، وقد
حُکي عن بعضهم. انتھی.
قال الجامع عفا الله عنه: حمله على النوع الثاني، وهو ما تسترسل النفس
معه، ويمكن دفعه هو الأظهر؛ لما يدلّ ظاهر لفظ ((يُحدّث)) من التكسّب،
ولأنه وال حثّ أمته جميعاً، على هذا الوضوء بالكيفيّة المذكورة، والصلاة
بعده، ورغّبهم في الثواب المذكور، فالظاهر إمكانه، وحصوله لمعظم الناس،
والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)): المراد به ما تسترسل النفس معه، ويمكن المرء قطعه؛
لأن قوله: ((يُحَدِّث)) يقتضي تكسُّباً منه، فأما ما يهجم من الخطرات والوساوس
ويتعذر دفعه فذلك معفوّ عنه، ونقل القاضي عياض تَّتُ عن بعضهم أن
(١) ((إكمال المعلم)) ١٩/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠٩/٣.

٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
المراد: من لم يحصل له حديث النفس أصلاً ورأساً، ويشهد له ما أخرجه ابن
المبارك في ((الزهد))، بلفظ: ((لم يُسِرّ فيهما)).
وردّه النوويّ كَّتُهُ، فقال: الصواب حصول هذه الفضيلة مع طريان
الخواطر العارضة غير المستقرة. نعم، مَن اتَّفَقَ أن يحصل له عدم حديث
النفس أصلاً أعلى درجةً بلا ريب.
ثم إن تلك الخواطر، منها: ما يتعلق بالدنيا، والمراد دفعه مطلقاً، ووقع
في رواية للحكيم الترمذي في هذا الحديث: ((لا يُحَدِّث نفسه بشيء من
الدنيا))، وهي في ((الزهد)) لابن المبارك أيضاً، و((المصنف)) لابن أبي شيبة.
ومنها ما يتعلق بالآخرة، فإن كان أجنبياً أشبه أحوال الدنيا، وإن كان من
متعلِّقات تلك الصلاة فلا. انتهى(١). وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة
الثالثة - إن شاء الله تعالى -.
(غُفِرَ لَهُ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) والجملة
خبر ((من)) في قوله: ((من توضّأ))، و((الذنب)): الإثم، فإن تُوعّد عليه كان كبيرةً،
وإلا فهو صغيرة.
[تنبيه]: قوله: ((غُفِرَ لَهُ .. إلخ)) ظاهره يعمّ غفران الصغائر والكبائر، لكن
العلماء خصّوه بالصغائر؛ لوروده مقيّداً في نصوص أخرى، فسيأتي
للمصنّف تَّهُ في الباب التالي حديث عثمان نظرته قال: سمعت النبيّ وَل
يقول: ((ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيُحسن وضوءها،
وخُشُوعها، وركوعها إلا كانت كفّارةً لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤت كبيرة،
وذلك الدهر كلّه)). فهذا صريح في الذنوب الصغائر، وحديث الباب مطلقٌ،
فيُحمل المطلق على المقيّد.
وكذلك قوله : ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان
إلى رمضان، كفارات لما بينهنّ، ما اجتنبت الكبائر)).
قال في ((الفتح)): هو في حقّ من له كبائر وصغائر، ومن ليس له إلا
الصغائر كُفّرت عنه، ومن ليس له إلا الكبائر خُفّف عنه منها بقدر ما لصاحب
(١) ((الفتح)) ٣١٣/١.

٨٧
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
الصغائر، ومن ليس له صغائر، ولا كبائر يُزاد في حسناته بنظير ذلك.
(١)
انتھی(١).
[فإن قيل]: إذا كان الوضوء وحده مُكَفِّراً للصغائر، كما في حديث
الصنابحيّ الذي في آخره: ((حتى يخرج نقيّاً من الذنوب))، فما الذي يكفّره
الوضوء مع صلاة النافلة؟، كما في حديث الباب، وإذا كانت هذه مكفّرة
أيضاً، فما الذي تكفّره المكتوبات؟.
[أجيب]: بأن جميع ما ذُكر صالح للتكفير، فإن صادف شيء منها شيئاً
من الذنوب المذكورة كفّره، وإلا كفّر بقدرها من الكبائر، فإن لم يوجد شيء
من الصغائر، ولا الكبائر زيد في حسناته، كما تقدّم، والله تعالى أعلم.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ تَُّ (وَكَانَ عُلَمَاؤُنَا) يعني الصحابة، وأكابر
التابعين ﴿ ؛ لأنه من صغار التابعين، أدرك نحو ثلاثة عشر من الصحابة،
وأخذ من أكابر التابعين (يَقُولُونَ: هَذَا الْوُضُوءُ) الذي وُصف في حديث
عثمان رَُّ هذا (أَسْبَغُ مَا يَتَوَضَّأُ) بالبناء للفاعل (بِهِ أَحَدٌ لِلصَّلَاةِ) قال
النوويّ تَخْفُ معناه: هذا أتم الوضوء، وقد أجمع العلماء على كراهة الزيادة
على الثلاث، والمراد بالثلاث المستوعبة للعضو، وأما إذا لم تستوعب العضو
إلا بغَرفتين فهي غسلةٌ واحدةٌ، ولو شك هل غَسَل ثلاثاً أم اثنتين؟ جَعَل ذلك
اثنتين، وأَتَّى بثالثة، هذا هو الصواب الذي قاله الجماهير من أصحابنا - يعني
الشافعيّةَ - وقال الشيخ أبو محمد الْجُوَينيّ من أصحابنا: يَجْعَل ذلك ثلاثاً، ولا
يزيد عليها؛ مخافةً من ارتكاب بدعة بالرابعة، والأول هو الجاري على
القواعد، وإنما تكون الرابعة بدعةً ومكروهةً إذا تعمد كونها رابعة، والله أعلم.
وقد يَسْتَدِلُّ بقول ابن شهاب هذا مَن يَكْرَه غسل ما فوق المرفقين
والكعبين، وليس ذلك بمكروه عندنا، بل هو سنة محبوبة. وسيأتي بيانها في
بابها - إن شاء الله تعالى - ولا دلالة في قول ابن شهاب على كراهته، فإن
مراده العدد كما قدمناه، ولو صَرَّح ابن شهاب أو غيره بكراهة ذلك كانت سنة
النبيّ وَّهِ الصحيحة مقدمة عليه. انتهى كلام النوويّ كَّتُهُ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ،
(١) ((الفتح)) ٣١٣/١.

٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عثمان بن عفّان ظُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا [٥٤٤/٣ و٥٤٥] (٢٢٦)، و(البخاريّ) في
((الوضوء)) (١٥٩ و١٦٤ و١٩٣٤)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (١٠٦) و(١٠٧)
و(١٠٩)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (٦٤/١ و٦٥ و٨٠ و٩١ و١١١)، وفي
(الكبرى)) (٩١) و(١٠٣) و(١٧١) و(١٧٢) و(٨٤٠)، و(مالك) في ((الموظّأ))
(٤٥)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٤٨/١)، و(عبد الرزّاق) في
((مصنّفه)) (١٤١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٣٥)، و(أحمد) (٥٧/١ و٥٩ و٦٠
و٦١ و٦٤ و٦٧ و٦٨ و٧١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٦٩٩)، و(عبد الله بن
أحمد) في زياداته على ((المسند)) ٧٤/١، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦٥٢
و٦٥٣ و٦٥٤ و٦٥٥ و٦٥٦ و٦٥٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٣٩
و٥٤٠)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢ و٣ و١٥٨)، و(ابن حبان) (١٠٤١
و١٥٨ و١٠٦٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٩/١ و٦٨)، و(البغوي) في ((شرح
السنّة)) (٢٢١) والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(١):
١ - (منها): أن هذا الحديث أصل عظيم في بيان صفة الوضوء، فينبغي
العناية ببيان الفوائد التي اشتمل عليها، وتفصيل مسائل الوضوء التي أشار
إليها .
٢ - (ومنها): بيان جواز الاستعانة على إحضار ما يتوضأ به من الماء،
قال ابن الملقّن تَخْتُ: وهو مُجمع عليه من غير كراهة. انتهى (٢).
(١) المراد فوائد الحديثين: هذا، والذي بعده، فتنبّه.
(٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٢٦/١.

٨٩
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
٣ - (ومنها): أن فيه الاستدلال بفعل النبيّ ◌َلقر على الأحكام الشرعيّة،
ومتابعته فيها، وتحرّي مقاربة فعله، وأنه ◌َلّ هو المرجع في جميعها، كما
قال الله رَى: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال: ﴿وَمَآ
ءَفَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانَهُواْ﴾ الآية [الحشر: ٧].
٤ - (ومنها): التعليم بالفعل؛ لأنه أبلغ، وأضبط للمتعلّم.
٥ - (ومنها): استحباب غسل الكفّين قبل إدخالهما الإناء ثلاثاً، ولو لم
يكن عقب نوم؛ احتياطاً .
٦ - (ومنها): الإفراغ على اليدين في ابتداء الوضوء.
٧ - (ومنها): الترتيب في غسل أعضاء الوضوء؛ لأن الراوي رتّبه بـ(ثُمّ))
في مَعْرِض البيان، وهي للترتيب، ولحديث أبي داود أنه وَّ قال: ((فتوضأ كما
أمرك الله))(١)، ولحديث أبي داود وغيره: ((إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يُسبغ
الوضوء كما أمر الله، فيغسل وجهه، ويديه إلى المرفقين، ثم يمسح برأسه،
ورجليه إلى الكعبين))(٢). قال الخطابيّ وغيره: فيه من الفقه أن ترتيب الوضوء،
وتقديم ما قدّمه الله في الذكر منه واجبٌ، وذلك معنى قوله {وَل: ((حتى يسبغ
الوضوء كما أمر الله))، ثم عطف عليه بحرف الفاء الذي يقتضي الترتيب من غير
تراخ، وكلُّ من حكى وضوءه وَسليل حكاه مرتَّباً، وفعله محمول على الوجوب؛
لأنه بيان لمجمل الآية(٣).
وقال شيخ الإسلام تَخْذَتُهُ: والمنكر أن تتعمّد تنكيس الوضوء، فلا ريب
أن هذا مخالفٌ لظاهر الكتاب، ومخالفٌ للسنة المتواترة، فإن هذا لو كان
جائزاً لكان قد وقع أحياناً، أو تبيَّن جوازه ــ أي بالنصّ - كما في ترتيب
التسبيح، لَمّا قال النبيّ وَطاهر: ((أفضل الكلام بعد القرآن أربع، وهنّ من القرآن:
سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرّك بأيّهنّ بدأت)).
انتھی (٤).
(١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود برقم (٨٥٦).
(٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود برقم (٨٥٨).
(٣) انظر ((الخلافيّات للبيهقيّ) ٤٦٧/١١. (٤) ((مجموع الفتاوى)) ٤١٣/٢١.

٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
قال الجامع عفا الله عنه: قد تَبَيَّنَ بما ذُكر من الأدلّة أن ترتيب الوضوء
كما رتّبه النبيّ وَّر واجبٌ، لا يجوز تعمّده، فمن عكس، فليُعد وضوءه؛ لأنه
لم يتوضّأ كما أمره الله رَبَت، والله تعالى أعلم بالصواب.
٨ - (ومنها): أنه يؤخذ من قوله: ((ثم أدخل يمينه في الإناء)) على عدم
اشتراط نيّة الاغتراف، قال الحافظ تَُّهُ: ولا دلالة فيه لا نفياً، ولا إثباتاً.
٩ - (ومنها): ما قيل: إنه يؤخذ من الاغتراف من الماء القليل للتطهير أنه
لا يصيِّره مستعملاً .
١٠ - (ومنها): أنه قد يُستدلّ به على أن المضمضة والاستنشاق يكونان
بغرفة واحدة، وهو أحد الأوجه المستحبّة الآتي بيانها - إن شاء الله تعالى -.
١١ - (ومنها): بيان تقديم اليمنى على اليسرى.
١٢ - (ومنها): أن الوضوء الواحد يكون بعضه بمرّة، وبعضه بمرّتين،
وبعضه بثلاث.
١٣ - (ومنها): أن فيه الردّ على من جعل الاستنثار بمعنى الاستنشاق؛
لأنه ورد عطفه عليه في رواية: ((ثم مضمض، واستنشق، واستنثر)).
١٤ - (ومنها): بيان فضل الوضوء والصلاة بعده. وسيأتي قريباً في باب
خاصّ - إن شاء الله تعالى -.
١٥ - (ومنها): استحباب صلاة ركعتين، فأكثر عقب كل وضوء، وهو
سنة مؤكدة، والأصحّ أنها تُصلَّى في أوقات النهي وغيرها؛ لأنها من ذوات
الأسباب، ويدلّ لذلك ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة ظ نه أن النبيّ وَيِّ
قال لبلال عند صلاة الفجر: ((يا بلال حَدِّثني بأرجى عمل عملته في الإسلام؟
فإني سمعت دَفَّ نعليك(١) بين يديّ في الجنة))، قال: ما عَمِلت عملاً أرجى
عندي أني لم أتطهَّر ◌ُهُوراً في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الظُهور ما
كُتِب لي أن أصلي.
قال النوويّ كَّلُهُ: ولو صلى فريضةً أو نافلةً مقصودةً، حَصَلت له هذه
الفضيلة، كما تحصل تحية المسجد بذلك. انتهى (٢).
(١) أي تحريكهما.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠٨/٣.

٩١
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
١٦ - (ومنها): الترغيب في الإخلاص، وتحذيرُ مَنْ لها في صلاته
بالتفكير في أمور الدنيا من عدم القبول، ولا سيما إن كان في العزم على عمل
معصية، فإنه يحضر المرء في حال صلاته ما هو مشغوفٌ به أكثر من خارجها.
ووقع في رواية البخاريّ في ((الرقاق)) في آخر هذا الحديث ما نصّه: قال
النبيّ وَّ: ((لا تغترّوا))؛ أي فتستكثروا من الأعمال السيئّة؛ بناءً على أن الصلاة
تُكَفِّرها، فإن الصلاة التي تُكَفَّر بها الخطايا هي التي يقبلها الله، وأَنَّى للعبد
بالاطلاع على ذلك؟(١).
١٧ - (ومنها): أنه يؤخذ منه الإفراغ على اليدين معاً، وجاء في رواية
أخرى: (أفرغ بيده اليمنى على اليسرى، ثم غسلهما))، وهو قدرٌ مشترك بين
غسلهما مجموعتين، أو مفترقين، والفقهاء مختلفون في أيّهما أفضل، قال ابن
الملقّن رَّتُهُ: والذي يظهر أنه إن أمكن غسلهما معاً، فهو أفضل، وإلا قدّم
الكفّ اليمنى، كما إذا غسل يده اليمنى إلى المرفق، فإن الأفضل تقديمها بلا
شكّ. انتهى (٢) .
١٨ - (ومنها): استحباب التثليث في غسل الأعضاء.
١٩ - (ومنها): أن قوله: ((ثم تمضمض، واستنثر))، وفي لفظ:
((واستنشق))، وفي لفظ: ((واستنشق، واستنثر)) يفيد الترتيب بين غسل اليدين
والمضمضة، والأصحّ عند الشافعيّة على وجه الاشتراط، وكذا الترتيب بين
المضمضة والاستنشاق أيضاً، وإن كان بالواو دون (ثمّ))، قاله في ((الإعلام)) (٣).
٢٠ - (ومنها): أن قوله: ((ثلاثاً)) يفيد استحباب هذا العدد في كلّ ما ورد
فيه .
٢١ - (ومنها): أن قوله: ((ثم غسل رجليه)) فيه التصريح بوجوب غسلهما،
والردّ على من أوجب المسح. وسيأتي إيضاح ذلك قريباً - إن شاء الله تعالى -.
٢٢ - (ومنها): أن فيه استحباب صلاة ركعتين بعد الوضوء، وتُفعل في
(١) ((الفتح)) ٣١٣/١ - ٣١٤.
(٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٢٦/١ - ٣٢٧.
(٣) ٣٢٨/١ - ٣٢٩.

٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
كلّ وقت حتى في وقت النهي عند الشافعيّة، وهو الأرجح، خلافاً للمالكيّة.
٢٣ - (ومنها): أن الثواب الموعود مرتّبٌ على أمرين:
[الأول]: وضوؤه على النحو المذكور.
[الثاني]: صلاة ركعتين عقبه بالوصف المذكور في الحديث، والمرتّب
على مجموع أمرين لا يلزم ترتيبه على أحدهما إلا بدليل خارج، وقد يكون
فضيلة بوجود أحد جزئيه، فيصبح كلام من أدخل هذا الحديث في فضل
الوضوء فقط؛ لحصول مطلق الثواب، لا الثواب المخصوص على مجموع
الوضوء على النحو المذكور، والصلاة الموصوفة بالوصف المذكور. انتهى (١).
٢٤ - (ومنها): أن فيه إثبات حديث النفس، وهو مذهب أهل الحقّ، ثم
هو قسمان:
[الأول]: ما يَهْجُمُ عليها، ويتعذّر دفعه عنها .
[والثاني]: ما يسترسل معها، ويُمكن دفعه، وقطعه، فيُحمل الحديث عليه
دون الأول؛ لعسره، وهو الذي يقتضيه لفظ: ((لا يُحدّث))، فإنه يدلّ على معنى
التكسّب، ولا يُحمل على الخواطر التي ليست من جنس مقدور العبد؛ لأنها
معفوّ عنها بالنصّ، وهذا هو الرأي الراجح، وقد تقدّم البحث فيه قريباً، والله
تعالى أعلم.
٢٥ - (ومنها): أن حديث النفس يعمّ الخواطر الدنيويّة والأخرويّة،
والحديث محمول على المتعلّق بالدنيا فقط؛ لأنه مأمور بالتفكر في معاني
المتلوّ من القرآن، والذكر، والدعوات، وتدبّرها، وذلك إنما يحصل بحديث
النفس، وليس كلّ أمر محمود، أو مندوب إليه بالنسبة إلى غير وقته، وحاله
من أمور الآخرة، بل قد يكون أجنبيّاً عنها، مثاباً عليه، وقد رُوي عن
عمر ظبه أنه كان يجهّز الجيش، وهو في الصلاة، واستعجل النبيّ بَّ، وهو
في صلاة، وفرغ منها، وسئل عن ذلك، فقال: ((كان عندي شيء من تبر،
فكرهتُ أن يَحبسني، فقسمته))، أخرجه البخاريّ، وكلّ ذلك قربة خارجة عن
مقصود الصلاة، وفي كتاب الصلاة للحكيم الترمذيّ، قال سعد نظراته: ((ما
(١) ((الإعلام)) ٣٥١/١.

٩٣
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
قمت في صلاة، فحدّثت نفسي فيها بغيرها))، فقال الزهريّ: رحم الله سعداً
إن كان لمأموناً على هذا، ما ظننت أن يكون هذا إلا في نبيّ.
قال ابن الملقّن تَخْتُ: ويؤيّد ما سلف أنه جاء في رواية: ((لا يُحدّث فيها
نفسه بشيء من الدنيا، ثم دعا إلا استُجيب له))، ذكرها الحاكم الترمذيّ أيضاً
في الكتاب المذكور(١). انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول أن المراد بقوله وله: ((لا يحدّث
نفسه .. إلخ)) تحديث النفس بأمور لا تتعلّق بالصلاة، كأمور الدنيا، أو أمور
الآخرة الأجنبيّة من الصلاة، كالتفكير في مسألة فقهيّة، فلا يشمل الخواطر التي
لا تستقرّ، إذا دفعها، ولم يسترسل معها، فإنها لا تضرّ، وكذلك تحديث النفس
بمعاني ما يقرؤه من كتاب الله ريك، أو يذكر الله، أو يدعوه به، فإن ذلك من
مقاصد الصلاة، فلا ينافي حصول الثواب الموعود، والله تعالى أعلم.
[تنبيه] لشيخ الإسلام ابن تيميّة تَخْذَلُ توجيه حسنٌ للأثر المنقول عن
عمر نظُّه الذي تقدّم، ودونك نصّه، قال تَخُّْهُ :
وأما ما يُرْوَى عن عمر بن الخطاب ظُه من قوله: ((إني لأَجهّز جيشي،
وأنا في الصلاة))، فذاك لأن عمر كان مأموراً بالجهاد، وهو أمير المؤمنين،
فهو أمير الجهاد، فصار بذلك من بعض الوجوه بمنزلة المصلّ الذي يُصلّي
صلاةَ الخوف حال معاينة العدوّ، إما حال القتال، وإما غير حال القتال، فهو
مأمور بالصلاة، ومأمور بالجهاد، فعليه أن يؤدّي الواجبين بحسب الإمكان،
وقد قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ
(١) قال الصنعانيّ في ((العدّة)) ١/ ١٩٠: وهي في ((الزهد)) لابن المبارك، و((مصنّف ابن
أبي شيبة))، قال الحافظ العراقيّ لَُّ في ((تخريج أحاديث الإحياء)»: أخرجه ابن
أبي شيبة من حديث صلة بن أشيم مرسلاً، وهو في ((الصحيحين)) من حديث
عثمان ظه بزيادة في أوله دون قوله: ((بشيء من الدنيا))، وزاد الطبرانيّ في
((الأوسط)): ((إلا بخير)). انتهى.
قال الزبيديّ في («إتحاف السادة المتقين)) ٣٥/٣: قال تلميذه الحافظ: لفظ ابن أبي
شيبة في ((المصنّف)): ((لم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه)). انتهى.
(٢) ((الإعلام)) ٣٥٣/١ - ٣٥٥.

٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
[الأنفال: ٤٥]، ومعلوم أن طمأنينة القلب حال
٤٥
كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
الجهاد لا تكون كطمأنينته حال الأمن، فإذا قُدِّر أنه نقص من الصلاة شيء
لأجل الجهاد لم يقدح هذا في كمال إيمان العبد وطاعته، ولهذا تُخفَّف صلاة
الخوف عن صلاة الأمن، ولَمّا ذَكَرَ رَّمَ صلاة الخوف قال: ﴿فَإِذَا أَطْمَأَنتَنْتُمْ
فَأَقِيمُوا الصَّلَوَةُ إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبَا تَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]،
فالإقامة المأمور بها حال الطمأنينة لا يؤمر بها حال الخوف، ومع هذا فالناس
متفاوتون في ذلك، فإذا قوي إيمان العبد كان حاضر القلب في الصلاة مع
تدبّره للأمور بها، وعُمر ظُه قد ضرب الله الحقّ على لسانه وقلبه ... إلى أن
قال: ولا ريب أن صلاة رسول الله وَ ل﴿ل حال أمنه كانت أكمل من صلاته حال
الخوف في الأفعال الظاهرة، فإذا كان الله قد عفا حال الخوف عن بعض
الواجبات الظاهرة، فكيف بالباطنة؟. وبالجملة فتفكّر المصلّي في الصلاة في
أمر يجب عليه قد يَضِيق وقته، ليس كتفكّره فيما ليس بواجب، أو فيما لم يضق
وقته، وقد يكون عمر ظُله لم يُمكنه التفكّر في تدبير الجيش إلا في تلك
الحال، وهو إمام الأمة، والواردات عليه كثيرة، ومثل هذا يَعْرِض لكلّ أحد
بحسب مرتبته، والإنسان دائماً يذكر في الصلاة ما لم يذكره خارج الصلاة،
ومن ذلك ما يكون من الشيطان، كما يُذكر أن بعض السلف ذَكَر له رجلٌ أنه
دَفَنَ مالاً، وقد نسي موضعه، فقال: قم فصلّ، فقام فصلّى، فذكره، فقيل له:
من أين علمت ذلك؟، قال: علمتُ أن الشيطان لا يَدَعه في الصلاة حتى يُذَكِّره
بما يَشْغَله، ولا أهمّ عنده من ذكر موضع الدفن، لكن العبد الكيِّس يجتهد في
كمال الحضور، مع كمال فعل بقيّة المأمور، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ
العظيم. انتهى كلام شيخ الإسلام تَّهُ (١)، وهو توجيه حسنٌ لأثر عمر نظُبه،
والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: اختلف الفقهاء والزهّاد في قبول الصلاة مع استرسال
الخواطر الشّاغلة عن حضور القلب فيها، فمال الفقهاء إلى قبولها، ومال الزهّاد
إلى عدم قبولها. قال العلامة ابن الملقّن تَّتُهُ: والأولى بنا، والأقوى في أدلّتنا
(١) ((مجموع الفتاوى)) ٦٠٩/٢٢.

٩٥
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
أنه إن كان الخاطر عَرَضاً عَرَضَ، فأعرض عنه، فالمسألة كما قال الفقهاء، وإن
كان سببه التعلّق بفضول الدنيا الذي يُستغنى عنه، فالمسألة كما قال الزهّاد؛
لأن ذلك العارض من سببه، وواقع باختياره وکسبه. انتهى.
ولشيخ الإسلام ابن تيميّة رَُّهُ تحقيقٌ حسنٌ في المسألة، فقد سئل عن
وسواس الرجل في صلاته، وما حَدُّ المبطل؟ وما حَدُّ المكروه منه؟ وهل يباح
منه شيء في الصلاة؟ وهل يُعذّب الرجل في شيء منه؟ وما حدّ الإخلاص في
الصلاة؟ وقول النبيّ وَّ: ((ليس لأحدكم من صلاته إلا ما عَقَلَ منها؟)).
فأجاب: الحمد لله. الوسواس نوعان:
[أحدهما]: لا يمنع ما يُؤمر به من تدبّر الكلم الطيّب، والعمل الصالح
الذي في الصلاة، بل يكون بمنزلة الخواطر، فهذا لا يُبطل الصلاة، لكن من
سلمت صلاته منه، فهو أفضل ممن لم تسلم منه صلاته، الأول شبه حال
المقرَّبين، والثاني شبه حال المقتصدین.
وأما الثالث: فهو ما منع الفهم، وشهود القلب، بحيث يصير الرجل
غافلاً، فهذا لا ريب أنه يمنع الثواب، كما روى أبو داود في سننه، عن
عمّار بن ياسر نظُه، عن النبيّ وَّله قال: ((إن الرجل لينصرف من صلاته، ولم
يُكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خمسها، إلا سدسها»،
حتى قال: ((إلا عشرها))، فأخبر وَليل أنه قد لا يُكتب له منها إلا العشر، وقال
ابن عبّاس ◌َظُه: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلتَ منها. ولكن هل يُبطل
الصلاة، ويوجب الإعادة؟ فيه تفصيلٌ، فإنه إن كانت الغفلة في الصلاة أقلّ من
الحضور، والغالب الحضور، لم تجب الإعادة، وإن كان الثواب ناقصاً، فإن
النصوص قد تواترت بأن السهو لا يُبطل الصلاة، وإنما يُجبر بعضه بسجدتي
السهو، وأما إن غلبت الغفلة على الحضور، ففيه للعلماء قولان:
[أحدهما]: لا تصحّ الصلاة في الباطن، وإن صحّت في الظاهر، كَحَقْن
الدم؛ لأن مقصود الصلاة لم يَحصُل، فهو شبيه صلاة المرائي، فإنه بالاتّفاق
لا يبرأ بها في الباطن، وهذا قول أبي عبد الله ابن حامد، وأبي حامد الغزاليّ،
وغيرهما .
[والثاني]: تبرأ الذمّة، فلا تجب عليه الإعادة، وإن كان لا أجر له فيها،

٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
ولا ثواب، بمنزلة صوم الذي لم يَدَعْ قول الزور، والعمل به، فليس له من
صيامه إلا الجوع والعطش، وهذا هو المأثور عن الإمام أحمد، وغيره من
الأئمة، واستدلّوا بما في ((الصحيحين)) عن أبي هريرة ظُه، عن النبيّ وَلّ أنه
قال: ((إذا نودي بالصّلاة أدبر الشيطان، وله ضُرَاطٌ، حتى لا يسمع التأذين،
فإذا قُضي التأذين أقبل، فإذا تُوُّب بالصلاة أدبر، فإذا قُضي التثويب أقبل، حتى
يَخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكُر كذا، اذكُر كذا ما لم يكن يذكر، حتى
يَظَلَّ لا يدري كم صلّى، فإذا وَجَدَ أحدكم ذلك، فليسجُد سجدتين))، فقد أخبر
النبيّ وَل﴿ أن الشيطان يَذكِّره بأمور حتى لا يدري كم صلّى، وأمره بسجدتين
للسهو، ولم يأمره بالإعادة، ولم يُفرِّق بين القليل والكثير. وهذا القول أشبه
وأعدل، فإن النصوص والآثار إنما دلَّت على أن الأجر والثواب مشروط
بالحضور، ولا تدلّ على وجوب الإعادة، لا باطناً، ولا ظاهراً، والله أعلم.
انتهى كلام شيخ الإسلام تَخَُّهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في عدد غَسَلات أعضاء الوضوء:
قال النوويّ كَّلُ: قد أجمع المسلمون على أن الواجب في غَسْل
الأعضاء مرةً مرةً، وعلى أن الثلاث سنة، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة
بالغسل مرةً مرةً، وثلاثاً ثلاثاً، وبعض الأعضاء ثلاثاً، وبعضها مرتين، وبعضها
مرةً.
قال العلماء: فاختلافها دليلٌ على جواز ذلك كلّه، وأن الثلاث هي
الكمال، والواحدة تجزئ، فعلى هذا يُحْمَل اختلاف الأحاديث.
وأما اختلاف الرواة فيه عن الصحابيّ الواحد في القصة الواحدة، فذلك
محمول على أن بعضهم حَفِظَ، وبعضهم نَسِي، فيؤخذ بما زاد الثقة كما تقرّر
من قبول زيادة الثقة الضابط.
واختَلَف العلماء في مسح الرأس، فذهب الشافعيّ في طائفة إلى أنه
يُسْتَحبّ فيه المسح ثلاث مرات، كما في باقي الأعضاء، وذهب أبو حنيفة،
(١) ((مجموع الفتاوى)) ٦١١/٢٢ - ٦١٣.

٩٧
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
ومالك، وأحمد، والأكثرون إلى أن السنة مرةً واحدةً، ولا يزاد عليها،
والأحاديث الصحيحة فيها المسح مرةً واحدةً، وفى بعضها الاقتصار على قوله:
((مَسَحَ))، واحتجَّ الشافعيُّ بحديث عثمان رَبُّه الآتي في ((صحيح مسلم)): ((أن
النبيّ ◌َ ﴿ توضأ ثلاثاً ثلاثاً)، وبما رواه أبو داود في ((سننه)) أنه وَّرُ مَسَحَ رأسه
ثلاثاً، وبالقياس على باقي الأعضاء، وأجاب عن أحاديث المسح مرةً واحدةً
بأن ذلك لبيان الجواز، وواظب ◌َّر على الأفضل. انتهى كلام النوويّ كَُّ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن أن فرض الوضوء مرّةً مرّةً، وما زاد
على ذلك للاستحباب؛ لأنه ◌ٍَّ﴿ توضّأ مرّةً مرّةً، ومرّتين مرّتين، وثلاثاً ثلاثاً،
ولم يزد على ذلك، وهذا مجمع عليه، وما حكي عن بعضهم من أنه قال: لا
يجوز النقص من الثلاث فمخالف للإجماع(٢)، وأما مسح الرأس، فالراجح فيه
قول الجمهور أنه مرّةً واحدةً، ولا يُستحبّ فيه التثليث؛ لأن الأحاديث
الصحيحة صريحة في كونه ور مسح مرّة. وسيأتي تمام القول فيه قريباً - إن
شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في غسل الكفين في ابتداء الوضوء:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَُّهُ: أجمع كلُّ مَن نَحفظ عنه من أهل
العلم على أن غسل اليدين في ابتداء الوضوء سنة، يُستحبُّ استعمالها، وهو
بالخيار إن شاء غسلهما مرةً، وإن شاء غسلهما مرتين، وإن شاء ثلاثاً، أيَّ
ذلك شاء فَعَلَ، وغَسلُهما ثلاثاً أحبّ إليّ، وإن لم يَفعَل ذلك، فأدخل يده
الإناء قبل أن يغسلهما فلا شيء عليه، ساهياً ترك ذلك أم عامداً، إذا كانتا
نظيفتين، فإن أدخل يده الإناء، وفي يده نجاسة، ولم يغير للماء طَعْماً، ولا
لوناً، ولا ريحاً، فالماء طاهر بحاله، والوضوء به جائز. انتهى
كلامه تَذَتُهُ(٣)، وهو تحقيقٌ حسنٌ. وسيأتي مزيد التحقيق في ذلك في شرح
حديث أبي هريرة ظُه، مرفوعاً: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يَغْمِس
يده في الإناء، حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده)) (٤) - إن
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٦/٣.
(٣) ((الأوسط)» ٣٧٥/١.
(٢) راجع ((الفتح)) ١/ ٢٨٢.
(٤) سيأتي برقم (٢٧٨).

٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في كيفيّة المضمضة، والاستنشاق:
قال النوويّ كَّتُهُ: تُستحب المبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا أن
يكون صائماً، فيكره ذلك؛ لحديث لقيط ظنه أن النبيّ وَّ قال له: ((وبالغ في
الاستنشاق إلا أن تكون صائماً))، وهو حديث صحيحٌ، رواه أبو داود،
والترمذيّ، وغيرهما بالأسانيد الصحيحة، قال الترمذيّ: هو حديثٌ حسنٌ
صحيحٌ.
قال: وعلى أيّ صفة وصل الماء إلى الفم والأنف حَصَلت المضمضة
والاستنشاق، وفي الأفضل خمسة أوجه:
[الأول]: يتمضمض، ويستنشق بثلاث غرفات، يتمضمض من كل
واحدة، ثم يستنشق منها .
[والوجه الثاني]: يَجع بينهما بغرفة واحدة، يتمضمض منها ثلاثاً، ثم
يستنشق منها ثلاثاً .
[والوجه الثالث]: يجمع أيضاً بغرفة، ولكن يتمضمض منها، ثم
يستنشق، ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق.
[والرابع]: يفصل بينهما بغَرْفتين، فيتمضمض من إحداهما ثلاثاً، ثم
يستنشق من الأخرى ثلاثاً .
[والخامس]: يفصل بستّ غرفات، يتمضمض بثلاث غرفات، ثم يستنشق
بثلاث غرفات.
والصحيح الوجه الأول، وبه جاءت الأحاديث الصحيحة، في البخاريّ،
ومسلم، وغيرهما .
وأما حديث الفصل فضعيف، فيتعين المصير إلى الجمع بثلاث غرفات،
ر ◌ُبه المذكور في الكتاب.
كما ذكرنا؛ لحديث عبد الله بن زید
قال الجامع عفا الله عنه: حديث الفصل هو ما أخرجه أبو داود في ((سننه))
عن طلحة بن مصرِّف، عن أبيه، عن جدّه، قال: دخلت - يعني على النبيّ وَلـ
وهو يتوضأ، والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين
المضمضة والاستنشاق.

٩٩
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
وفي إسناده والد طلحة مجهول.
قال: واتفقوا على أن المضمضة على كل قول مُقَدَّمة على الاستنشاق،
وعلى كلّ صفة، وهل هو تقديم استحباب أو اشتراط؟ فيه وجهان: أظهرهما
اشتراط؛ لاختلاف العضوين، والثاني استحباب، كتقديم يده اليمنى على
اليسرى، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ تَّثُ، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم المضمضة،
والاستنشاق :
قال الإمام ابن المنذر تَخْتُ: افترق أهل العلم فيما يجب على تارك
المضمضة والاستنشاق في الجنابة والوضوء أربع فِرَقٍ :
فقالت طائفة: إذا تركهما في الوضوء يُعيدهما، هكذا قال عطاء،
وحماد، وابن أبي ليلى، والزهريّ، وإسحاق بن راهويه.
وقالت طائفة: لا إعادة عليه، هكذا قال الحسن البصريّ، وإلى هذا
القول رجع عطاء بن أبي رباح، وكذلك قال الحكم، وقتادة، والزهريّ،
وربيعة، ويحيى الأنصاريّ، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، والأوزاعيّ،
والشافعيّ.
وقالت فرقة: يعيد إذا ترك الاستنشاق خاصةً، وليس على من ترك
المضمضة شيءٌ، هذا قول أحمد بن حنبل، وأبي عبيد، وأبي ثور.
وقالت فرقة رابعة: يجب عليه الإعادة إذا تركهما في الجنابة، وليس على
من تركهما في الوضوء شيءٌ، رُوي هذا القول عن الحسن، وبه قال سفيان
الثوريّ، وأصحاب الرأي، وقال أصحاب الرأي: هما سواء في القياس، غير
أَنّا نَدَعُ القياس للأثر الذي جاء عن ابن عباس. قال أبو بكر: والحديث عن
ابن عباس في هذا غير ثابت(١).
(١) أي لأنه من رواية عائشة بنت عجرد، عن ابن عبّاس. قال الدارقطنيّ: ليس لعائشة
بنت عجرد إلا هذا الحديث، وهي لا تقوم بها حجة، انظر ((سننه)) ١١٥/١، وفي
سنده أيضاً الحجاج بن أرطاة ضعيف.

١٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
قال ابن المنذر تَخْتُهُ: والذي به نقول إيجاب الاستنشاق خاصةً، دون
المضمضة؛ لثبوت الأخبار عن النبيّ وَ ر أنه أمر بالاستنشاق، ولا نعلم في
شيء من الأخبار أنه أمر بالمضمضة، قال وسلم: ((إذا توضأ أحدكم، فليجعل في
أنفه ماءً، ثم لْيَنْثُر))، وأمْره على الفرض، وأحقُّ الناس بهذا القول أصحابنا؛
لأنهم يرون الأمر فرضاً.
واعتَلَّ الشافعيّ في وقوفه عن إيجاب الاستنشاق أنه ذَكَر بأنه لم يعلم
خلافاً في أن لا إعادة على تاركهما، ولو عَلِمَ في ذلك اختلافاً لرجع إلى
أصوله أن الأمر من رسول الله ◌َّ﴿ على الفرض، ألا تراه إنما اعْتَلّ في تخلفه
عن إيجاب السواك بأن النبيّ وَلو لم يأمر به، قال الشافعيّ: فلو كان السواك
واجباً أمرهم به، شَقَّ عليهم، أو لم يشقّ. انتهى كلام ابن المنذر تَُّ.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ولا نعلم في شيء من الأخبار أنه أمر
بالمضمضة))، هذا حسب علمه، وأما الواقع فخلاف ذلك، فقد أمر النبيّ وَلـ
بالمضمضة، فقد ثبت ذلك في حديث لقيط بن صَبِرَة ◌َُّه، الطويل، وفيه:
((فبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً))، وفي رواية من هذا الحديث: ((إذا
توضّأت فمضمض))، أخرجهما أبو داود، وغيره.
قال الحافظ تَّتُ في ((الفتح)): إسناده صحيح، وقد ردّ في ((التلخيص
الحبير)) ما أُعلّ به حديث لقيط المذكور من أنه لم يروه عن عاصم بن لقيط بن
صَبِرة إلا إسماعيل بن كثير، وقال: ليس بشيء؛ لأنه رُوي عنه، وعن غيره،
وصحّحه الترمذيّ، والبغويّ، وابن القطّان، وقال النوويّ: هو حديث صحيح،
رواه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما بالأسانيد الصحيحة. انتهى(١).
والحاصل أن المذهب الصحيح مذهب من قال بوجوب المضمضة،
والاستنشاق، والاستنثار، في الوضوء والغسل جميعاً؛ لورود الأمر بكلّ ذلك،
كما في حديث لقيط بن صبرة في المضمضة والاستنشاق، وحديث أبي
هريرة ◌ُّه مرفوعاً: ((إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً، ثم لينتثر))، متّفقٌ
عليه، وأخرج الترمذيّ، والنسائيّ عن سلمة بن قيس ظُه مرفوعاً: ((إذا
(١) راجع: شرحي على النسائيّ ٣٨٠/٢ - ٣٨١.