Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
(١) - بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٤٠)
المعارف، وانشراح القلب، ومكاشفات الحقائق؛ لفراغ القلب فيها، وإقباله
إلى الله تعالى بظاهره وباطنه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾
الآية [البقرة: ٤٥]، وقيل: معناه أنها تكون نوراً ظاهراً على وجهه يوم القيامة،
ويكون في الدنيا أيضاً على وجهه البهاءُ، بخلاف من لم يُصَلّ، والله تعالى
(١)
أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه المعاني كلّها لا تنافي بينها، وليس
الخلاف فيها خلاف تناقض وتضادّ، فالأولى أن يحمل الحديث على جميع هذه
المعاني، فتنبّه، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة - إن شاء الله
تعالى -.
(وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ) ولفظ ابن ماجه: ((وَالزَّكَاةُ بُرْهَانٌ)): أي دليلٌ على صدق
صاحبها في دعوى الإيمان؛ إذ الإقدام على بذل المال خالصاً لله تعالى لا
یکون إلا من صادق في إيمانه.
قال القرطبيّ تَُّ: أي برهان على صحّة إيمان المتصدّق، أو على أنه
ليس من المنافقين الذين يَلْمِزون المطّوّعين من المؤمنين في الصدقات، أو على
صحّة محبّة المتصدّق الله تعالى، ولِمَا لديه من الثواب؛ إذ قد آثر محبّة الله
تعالى، وابتغاء ثوابه على ما جُبل عليه من حبّ الذهب والفضّة حتى أخرجه لله
تعالی. انتهى كلامه(٢).
وقال النوويّ كَّتُهُ: قال صاحب ((التحرير)): معنى قوله: ((برهان)) يُفْزَع
إليها كما يُفْزَع إلى البراهين، كأن العبد إذا سُئل يوم القيامة عن مَصْرِف ماله،
كانت صدقاته براهين في جواب هذا السؤال، فيقول: تصدقت به، قال:
ويجوز أن يُوسَم المتصدق بسيماء يُعْرَف بها، فيكون برهاناً له على حاله، ولا
يُسأل عن مَصرِف ماله.
وقال غير صاحب ((التحرير)): معناه: الصدقة حجةٌ على إيمان فاعلها،
فإن المنافق يمتنع منها؛ لكونه لا يعتقدها، فمن تصدق استُدِلّ بصدقته على
صدق إيمانه، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠١/٣.
(٢) ((المفهم)) ١/ ٤٧٦.

٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٥]. والله تعالى أعلم(١)، وسيأتي تمام
البحث في المسألة السابعة - إن شاء الله تعالى -.
(وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ) أي نُورٌ قويّ، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ
الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ الآية [يونس: ٥].
وقال أبو العباس القرطبيّ نَّثُهُ: قوله: ((وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ)) كذا صحّت روايتنا
فيه، وقد رواه بعض المشايخ: ((والصوم ضياء)) بالميم، ولم تقع لنا تلك
الرواية.
قال الجامع عفا الله عنه: الرواية بلفظ: ((والصوم ضياء)) وقعت عند أبي
نعيم في ((مستخرجه على صحيح مسلم)) من طريق بشر بن موسى، عن يحيى بن
إسحاق السيلحينيّ، عن أبان العطار(٢).
قال القرطبيّ: على أنه يصحّ أن يعبّر بالصبر عن الصوم، وقد قيل ذلك
في قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾ الآية [البقرة: ٤٥]. فإن نَزّلناه(٣) على
ذلك؛ فيقال في كون الصبر ضياء؛ كما قيل في كون الصلاة نوراً، وحينئذ لا
يكون بين النور والضياء فرقٌ معنويٌّ، بل لفظيٍّ.
والأَّوْلَى أن يقال: إن الصبر في هذا الحديث غير الصوم، بل هو الصبرُ
على العبادات، والمشاقّ، والمصائب، والصبرُ عن المخالفات، والمنهيّات؛
كاتباع هوى النفس، والشهوات، وغير ذلك، فمن كان صابراً في تلك الأحوال
متثبّتاً فيها؛ مقابلاً لكلّ حال بما يليق به ضاءت له عواقب أحواله، ووضَحَت
له مصالح أعماله، فظَفِرَ بمطلوبه، وحَصَل من الثواب على مرغوبه، كما قيل
[من البسيط]:
فَقَلَّ مَنْ جَدَّ فِي أَمْرٍ تَطَلَّبَهُ وَاسْتَعْمَلَ الصَّبْرَ إِلَّا فَازَ بِالَّفَرِ
انتهى كلام القرطبيّ تَخَذْهُ (٤).
(١) ((شرح النوويّ)) ٩٧/٣.
(٢) ((المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم)) ٢٨٩/١.
(٣) وقع في نسخة ((المفهم)): ((فإن تنزّلنا على ذلك))، والظاهر أنه مصحّف، والله أعلم.
(٤) ((المفهم)) ١/ ٤٧٧.

٢٣
(١) - بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٤٠)
وقال النوويّ تَخَّلهُ: معناه: الصبر المحبوب في الشرع، وهو الصبر على
طاعة الله تعالى، والصبر عن معصيته، والصبر أيضاً على النائبات، وأنواع
المكاره في الدنيا، والمراد أن الصبر محمود، ولا يزال صاحبه، مستضيئاً،
مهتدياً، مُستَمِرّاً على الصواب.
قال إبراهيم الخواص: الصبر هو الثبات على الكتاب والسنّة. وقال ابن
عطاء: الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب.
وقال الأستاذ أبو عليّ الدّقّاق: حقيقة الصبر أن لا يعترض على
المقدور، فأما إظهار البلاء، لا على وجه الشكوى، فلا ينافي الصبر، قال الله
تعالى في أيوب علَّ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِأَ نِعْمَ الْعَبْدٌ﴾ الآية [ص: ٤٤]. مع أنه
قال: ﴿أَنِي مَسَّنِىَ الضُّرُّ﴾ الآية [الأنبياء: ٨٣]. والله تعالى أعلم. انتهى كلام
النوويّ تَخْذَثُ (١). وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثامنة - إن شاء الله
تعالی ۔۔
(وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ، أَوْ عَلَيْكَ) أي تنتفع به إن تلوته، وعَمِلتَ به، وإلا
فهو حجة عليك(٢) .
وقال القرطبيّ كَّهُ: يعني أنك إذا امتثلت أوامره؛ واجتنبت نواهيه، كان
حجة لك في المواقف التي تُسأل فيها عنه، كمسألة الملكين في القبر،
والمسألة عند الميزان، وفي عقبات الصراط، وإن لم تمتثل ذلك احتُجّ به
عليك.
ويحتمل أن يُراد به أن القرآن هو الذي يُنتهَى إليه عند التنازع في
المباحث الشرعية، والوقائع الْحُكْميّة، فبه تَستَدلّ على صحّة دعواك، وبه
يَستَدلّ عليك خصمك. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المعنى الأول هو الذي يدلّ عليه السياق،
فتأمّله. وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة التاسعة - إن شاء الله تعالى -.
(كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، أَوْ مُوبِقُهَا) يعني أن كل إنسان
(١) ((شرح مسلم)) ٣/ ٩٧.
(٣) ((المفهم)) ١/ ٤٧٧.
(٢) ((شرح النووي)) ١٠١/٣.

٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
يَسعَى بنفسه، فمنهم من يبيعها لله تعالى بطاعته، فيعتقها من العذاب، ومنهم
من يبيعها للشيطان والهوى باتباعهما، فيوبقها؛ أي يهلكها؛ قاله النوويّ(١).
وقال في ((المفاتيح)): البيع المبادلة، والمعنى به ها هنا صرف النفس
واستعمالها في عِوَض ما يتوخّاه، ويتوجّه نحوه، فإن كان خيراً يرضاه الله
تعالى، فقد أعتق نفسه من النار، وإن كان شرّاً، فقد أوبقها؛ أي أهلكها.
(٢) .
انتھی
وقال القرطبيّ: قوله: ((يغدو)): بمعنى يُبكّر، يقال: الناس فريقان: غَدَا:
إذا خرج صباحاً في مصالحه يغدو، وراح: إذا رجع بعشيّ، ومعنى ذلك أن
كلّ إنسان يُصبح ساعياً في أموره، متصرّفاً في أغراضه، ثم إما أن تكون
تصرّفاته بحسب دواعي الشرع والحقّ، فهو الذي يبيع نفسه من الله، وهو بيع
آئل إلى عتق وحرّيّة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةً﴾ الآية [التوبة: ١١١] ومنه قول ابن مسعود ظُبه:
(الناس غاديان، فبائع نفسه، فموبقها، أو مُفاديها، فمعتقها))(٣). انتهى كلام
القرطبيّ ◌َخْذُهُ(٤).
وفي ((الكاشف)): الغدوّ: سير أول النهار، وهو ضدّ الرواح، وقد غدا
يغدو غُدُوّاً، مأخوذ من الغدوة، بالضمّ، وهي ما بين الصبح وطلوع الشمس،
والبيع والشراء يطلق أحدهما على الآخر؛ لارتباط كلّ منهما بالآخر، ولَمّا كان
كلُّ واحد من المتعاقدين من عادته اختيار ما في يد صاحبه على ما في يده،
وإيثاره عليه بالمبادلة معه، وُضِعَ لفظ البيع والشراء مكان ترك حالة، وكسب
أخرى، والمراد ها هنا صرف النفس في الأغراض التي توخّتها النفس،
وتوجّهت نحوها، واستعمالها فيها، فإن آثر آخرته على دنياه، واشتراها بالدنيا،
فقد أعتق نفسه عن أليم العقاب، وإن آثر دنياه على آخرته، واشتراها بالآخرة،
فقد أوبق نفسه؛ أي أهلكها بأن جعلها عُرضةً لعظيم العذاب.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٢/٣.
(٢) ((شرح السنديّ)) ١٨١/١.
(٣) قال الهيثميّ في ((مجمع الزوائد)) ٢٣٦/١٠: رواه الطبرانيّ، وإسناده جيّد.
(٤) ((المفهم)) ١/ ٤٧٧ - ٤٧٨.

٢٥
(١) - بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٤٠)
فقوله: ((فبائع نفسه)) خبر؛ أي هو مشتر نفسه بدليل قوله: ((فمعتقها))؛ إذ
الإعتاق إنما يصحّ من المشتري، وهو محذوف المبتدأ، فإنه يحذف كثيراً بعد
الفاء الجزائية .
وقوله: ((فمعتقها)) خبر بعد الخبر، ويجوز أن يكون بدل بعض من قوله:
(فبائع نفسه)).
قال الطيبيّ بعد ذكر ما تقدّم: أقول ـ وبالله التوفيق -: لعلّ المعنى
بالإيمان ها هنا شُعبه، كما في قوله وله: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة))،
والظُهُور، والحمد لله، وسبحان الله، والصلاة، والصدقة، والصبر، والقرآن
العظيم أعظم شعبه التي لا تنحصر، وتخصيص ذكرها لبيان فائدتها، وفخامة
شأنها، فبدأ بالطهور، وجعله شطر الإيمان؛ أي شُعبةً منه، ومجازه كمجازه في
قوله تعالى: ﴿فَوَّلِّ وَجْهََكَ شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]؛ أي نحوه.
وتقرير كون الطهور شعبة من الإيمان بوجوه:
[أحدها]: أنه وَيُ جعل نقصان الدين في قوله للنساء: ((أليست إذا
حاضت لم تصلّ، ولم تصُم؟)) قلن: بلى، قال: ((فذلك من نقصان دينها))،
متّفقٌ عليه، فكلّ مانع يمنع المكلّف من الطاعة هو موجب نقصان دينه، وما
يرفع المانع لا يبعد أن يُعدّ من الدين.
[وثانيها]: أن طهارة الظاهر أمارة لطهارة الباطن؛ لأن الظاهر عُنوان
الباطن، كما أن طهارة الظاهر ترفع الخبث والحدث من الظاهر؛ ليستعدّ
للشروع في العبادات، كذلك طهارة الباطن، وهي التوبة تفتح باب السلوك
للسائرين إلى الله تعالى، ومن ثمّ جمعهما في قوله رَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ
وَيُحِبُّ الْمُطَهِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقيّد كلّ واحد منهما بمحبّة مستقلّة.
[وثالثها]: أنه قد اشتهر أن من أراد الوفود إلى العظماء يتحرّى بتطهير
ظاهره من الدنس والأَوْضَار، ولُبس الثياب النقيّة الفاخرة، فوافد مالك
الملوك، ذي العزّة والجبروت أولى وأحرى بذلك، ومن ثَمَّ شُرعت نظافة البدن
والثوب، والتطيّبُ في أيّام الأعياد والجمعات، قال الله رَمَ لحبيبه واَله: ﴿وَرَبَّكَ
وَثَبَكَ فَطَّهِرْ ﴿ وَالرُّجْزَ فَهْجُرْ جَ﴾ [المدّثّر: ٣ - ٥]، وإنما قُدّم ﴿وَرَبَّكَ
٣
فَگېْ
(٤) عن تالييه؛ لكونه هو المقصود، وإن كان مؤخّراً في الوجود؛ لأن
فَگېرْ

٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
الغايات والكمالات سابقة في الإرادة، لاحقةٌ في الوجود، وعليه قوله رم :
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِرْ ﴾﴾ عن تالييه؛ لكونه هو المقصود، وإن كان مؤخّراً في الوجود؛
خَلَقَ الْإِنسَنَ ﴾﴾ [الرحمن:
وعليه قوله رَّ: ﴿الرَّحْمَنُ ﴿ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ
١ - ٣]، ولَمّا أراد الله تعالى أن يُسري بحبيبه وَّه، ويقرّبه إليه شرح صدره(١)،
وأخرج منه قلبه، فطهّره، على ما رويناه في الصحيحين من قوله وَله: ((فأُتيت
بطست من ذهب، فيها من ماء زمزم، فشُرِح صدريٍ إلى كذا وكذا - يعني إلى
أسفل بطنه - فاستُخرِج قلبي، فغسل بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، ثم حُشِي إيماناً
وحكمةً ... )) الحديث.
[فإن قلت]: هل في تخصيص الصلاة بالنور، والصبر بالضياء فائدة؟.
[قلت]: أجل؛ لأن الضياء فرطُ الإنارة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ
الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥].
ولعمر الله إن الصبر بُنيت عليه أركان الإسلام، وبه أُحكمت قواعد
الإيمان؛ لأنه تعالى لَمّا مَدَح عباده المخلصين بقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ
الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ - إلى قوله -: ﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣
- ٧٥] عقّبه بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ﴾، فَوَضَع الصبر موضع
تلك الأعمال الفاضلة، والأخلاق المرضيّة؛ لأنه مِلاكها، وعليه يدور قُطبها .
قال الراغب الأصفهانيّ ◌َُّهُ: ((الصبر)): حبسُ النفس عما يقتضيه
الهوى، وتختلف مواقعه، وربّما يخالف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه،
فإن كان في معصية، فيقال: صَبَرَ لا غيرُ، وضدّه الْجَزَع، وإن كان في محاربة
سُمّي شجاعةً، وضدّها الْجُبْنُ، وإن كان في نائبة مُضْجِرَة سُمّي صاحبه رَحِيب
الصدر، وضدّه ضيّق النفس، وإن كان إمساك النفس من الفُضُولات سُمّي
(١) وقد شُقّ صدره وَل﴿ قبل النبوّة أيضاً، فقد أخرج مسلم في ((صحيحه)) من حديث
أنس بن مالك ظُه: ((أن رسول الله وَ ﴿ أتاه جبريل عليهلا، وهو يلعب مع الغلمان،
فأخذه، فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقَةً، فقال: هذا
حظّ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب، بماء زمزم، ثم لَأَمَهُ، ثم أعاده
في مكانه ... )) الحديث.

٢٧
(١) - بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٤٠)
قَناعةً، وضدّها الحرص والشّرّه، وإن كان في إمساك كلام في الضمير يُسمى
كتماناً، وضدّه الإفشاء، وإن كان في بذل مال سُمّي صاحبه جواداً، وضدّه
البخيل، وعلى هذا تُقاس جميع الفضائل.
وقوله: ((والقرآن حجة لك)): ختم الشُّعَب به، وسَلك به مسلكاً غير
مسلكها؛ دلالةً على كونه سلطاناً قاهراً، وحاكماً فيصلاً، يفرّق بين الحقّ
والباطل، حجةُ الله في الخلق، به السعادة والشقاوة.
وقوله: ((كلُّ الناس يغدو)): مجمل، والفاء في قوله: ((فبائعٌ)) تفصيليّة،
وفي قوله: ((فمعتقها)) سبيّةٌ، والمعنى: كلُّ الناس يسعى في الأمور، فمنهم من
يبيعها من الله تعالى، فيُعتقها من النار، أو يبيعها من الشيطان، فيوبقها.
[فإن قلت]: ما وجه صلة هذه الجملة بما قبلها؟.
[قلت]: هي استئنافيّة على تقدير سؤال سائل، قال: قد تبيّن من هذا
التقرير الرشدُ من الغيّ، فما حال الناس بعد ذلك؟ فأجيب: كلُّ الناس
يغدو ... إلى آخره، وموقع هذا السؤال موقع الفاء في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ
يَكْفُرْ بِالَّهُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٦] بعد قوله: ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ
الْفَيَّ﴾. انتهى كلام الطيبيّ تَقْذَهُ(١).
وهو تحقيق نفيسٌ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي مالك الأشعريّ له هذا تفرّد به المصنّف تَُّ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة)) [٥٤٠/١] (٢٢٣)، و(الترمذيّ) في
((الدعوات)) (٣٥١٧)، و(النسائيّ) (٢٤٣٧)، وفي ((الكبرى)) (٢٢١٧) وفي
(١٦٧ و١٦٩)، و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٢٨٠)، و(أحمد) في ((مسنده))
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٧٣٩/٣ - ٧٤٣.

٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
(٣٤٢/٥، ٣٤٣) (٢٢٣٩٥ و٢٢٤٠١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٦٥٣)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٨٤٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦٠٠ و٦٠١)، و(أبو
نُعيم) في ((مستخرجه)) (٥٣٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٢/١)، وفي
(الاعتقاد)) (ص١٧٦)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٤٢٣ و٣٤٢٤)، و(ابن منده)
في ((الإيمان)) (٢١١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الوضوء حيث كان شطر الإيمان.
٢ - (ومنها): فضل إسباغ الوضوء، حيث جُعِل شطر الإيمان.
٣ - (ومنها): بيان فضل ((الحمد، والتسبيح، والتكبير))، وأنها توزن،
كالأجسام، فتملأ الميزان، والسموات والأرض.
٤ - (ومنها): بيان فضل الصلاة، والمحافظة عليها، والاستكثار من التنفّل
منها، حيث إنها تكون نوراً للمصلي، فتنوّر قلبه، وقبره، وموقفه في المحشر.
٥ - (ومنها): الترغيب في الصدقة، والإكثار منها، حيث إنها برهان
لصاحبها، تُثْبِت له صدق إيمانه.
٦ - (ومنها): بيان فضل الصبر، وأنه ضياء يستضيء به العبد في ظلمة
المصائب، والمشاقّ، وفيه المثوبة العظيمة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَنَّ
الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
٧ - (ومنها): بيان قراءة القرآن، والإكثار منها، وملازمة العمل بما فيه،
والعكوف على التدبّر في آياته.
٨ - (ومنها): بيان أن القرآن إما أن ينتفع به صاحبه، فيكون حجة له،
وذلك إذا قام به حقّ القيام، وإما أن لا ينتفع به، فيكون حجة عليه، وذلك إذا
لم يقم بحقه، وهذا بمعنى الحديثِ الصحيح: ((القرآنُ شافع مُشَفَّع، ومَاحِلٌ
مُصَدّق، مَن جعله أمامه، قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار))،
أخرجه ابن حبّان في ((صحيحه)) والبيهقيّ من حديث جابر ◌َُّه، والطبرانيّ،
، (١)
والبيهقيّ من حديث ابن مسعود رضىعنه
(١) حديث صحيح.

٢٩
(١) - بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٤٠)
وفي معنى هذا الوعيد الذي ذُكر هنا من أن القرآن حجة على العبد إذا لم
يعمل به، ما جاء في الحديث الطويل الذي أخرجه المصنّف ◌َّتُهُ من حديث
أبي هريرة به قال: سمعت رسول الله وَّه يقول: ((إن أول الناس يُقْضَى يوم
القيامة عليه: رجل استُشهِد، فأُتي به، فعرّفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت
فيها؟ قال: قاتلت فيك، حتى استُشهدتُ، قال: كذبتَ، ولكنك قاتلت لأن
يقال: جريء، فقد قيل، ثم أُمِر به، فسُحِب على وجهه حتى أُلقي في النار.
ورجل تعلم العلم وعلّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به، فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما
عَمِلتَ فيها؟ قال: تعلمت العلم، وعلّمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت،
ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل،
ثم أُمر به، فسُحِب على وجهه حتى أُلقي في النار. ورجل وَسَّعَ الله عليه،
وأعطاه من أصناف المال كُلِّه، فأُتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت
فيها؟ قال: ما تركت من سبيل، تُحِبّ أن يُنفَقَ فيها إلا أنفقت فيها لك، قال:
كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أُمر به، فسحب على
وجهه، ثم ألقي في النار))(١). اللهم انفعنا بما علّمتنا، وعلّمنا ما ينفعنا، وزدنا
علماً، إنك رؤوفٌ رحيم.
٩ - (ومنها): بيان أن الناس صنفان: صنف يسعى فيما فيه نجاته
وصلاحه في الدنيا والآخرة، وصنفٌ يسعى فيما فيه هلاكه، وخسرانه في الدنيا
والآخرة.
١٠ - (ومنها): الحثّ على سعي الإنسان للخيرات؛ لأن الدنيا مزرعة
الآخرة، والكيّس من أخذ بوصيّة رسول الله وَّو التي أوصى بها عبد الله بن
عمر ◌ًُّا، فقد أخرج الإمام البخاريّ تَظَُّ في ((صحيحه))، فقال: عن عبد الله بن
عمر ضيًا، قال: أخذ رسول الله وَلّ بمنكبي، فقال: ((كن في الدنيا كأنك
غريبٌ، أو عابر سبيل))، وكان ابن عمر يقول: ((إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح،
وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك
لموتك)».
(١) سيأتي للمصنّف في (صحيحه) برقم (١٩٠٥).

٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وبوصيّة رسول الله ولم الأخرى حيث قال لرجل، وهو يعظه: ((اغتنم
خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحّتك قبل سَقَمك، وفراغك قبل
شُغلك، وشبابك قبل هَرَمك، وغناك قبل فقرك))(١).
ورُوي عن النبيّ وَ ل﴿ أنه قال: ((الكيّس مَن دان نفسه، وعَمِل لما بعد
الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله))، أخرجه الترمذيّ،
وحسّنه، وفيه نظر؛ لأن سنده ضعيف.
قال: ومعنى قوله: ((من دان نفسه)) يقول: حاسَبَ نفسه في الدنيا قبل أن
يحاسب يوم القيامة.
ويروى عن عمر بن الخطاب رضيبه قال: ((حاسبوا أنفسكم قبل أن
تحاسبوا، وتزينوا للعرض الأكبر، وإنما يَخِفّ الحساب يوم القيامة على من
حاسب نفسه في الدنيا)).
ويُرْوَى عن ميمون بن مِهْرَان قال: لا يكون العبد تَقِيّاً حتى يُحاسب نفسه
كما يحاسب شريكه، من أين مطعمه وملبسه. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أجاد الكلام في هذا الحديث،
واستوفى مباحثه الحافظ ابن رجب تَكْثُ في ((جامع العلوم والحكم))، أحببت
إيراده، وإن كان بعضه تقدّم، إلا أن أبحاثه متميّزةٌ كما لا يخفى على بصير،
فأورده بمسائل حتى يسهل فهمه، فأقول:
(المسألة الرابعة): في قوله وَ ﴾: ((الطهور شطر الإيمان)) فسّر بعضهم
الطهور ها هنا بترك الذنوب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَنَاسِ يَنْلَهَّرُونَ﴾
[الأعراف: ٨٢]، وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِرْ ﴾﴾ [المدثر: ٤]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الُْطَّهِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقال: الإيمان نوعان: فعلٌ، وتركٌ،
فنصفه فعل المأمورات، ونصفه ترك المحظورات، وهو تطهير النفس بترك
(١) حديث صحيح، أخرجه الحاكم، والبيهقيّ، عن ابن عبّاس، قال الحاكم: صحيح
على شرطهما .
(٢) ((جامع الترمذيّ)) في ((صفة القيامة)) برقم (٢٣٨٣).

٣١
(١) - بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٤٠)
المعاصي، وهذا القول مُحْتَمِلٌ لولا أن رواية ((الوضوءُ شطر الإيمان)) تَرُدّه،
وكذلك رواية ((إسباغُ الوضوء))، وأيضاً ففيه نظر من جهة المعنى، فإن كثيراً من
الأعمال تُطَهِّر النفس من الذنوب السابقة، كالصلاة، فكيف لا تدخل في اسم
الطهور؟ ومتى دخلت الأعمال، أو بعضها في اسم الطهور، لم يتحقق كون
ترك الذنوب شطر الإيمان.
والصحيح الذي عليه الأكثرون، أن المراد بالطهور ها هنا التطهير بالماء
من الأحداث، ولذلك بدأ مسلم بتخريجه في أبواب الوضوء، وكذلك أخرجه
النسائيّ، وابن ماجه وغيرهما، وعلى هذا فاختَلَفَ الناس في معنى كون الطهور
بالماء شطر الإيمان، فمنهم من قال: المراد بالشطر الجزء، لا أنه النصف
بعينه، فيكون الطهور جزءاً من الإيمان، وهذا فيه ضعف؛ لأن الشطر إنما
يُعْرَف استعماله لغةً في النصف، ولأن في حديث الرجل من بني سُليم:
(الطهور نصف الإيمان))(١).
ومنهم من قال: المعنى أنه يُضاعَف ثواب الوضوء إلى نصف ثواب
الإيمان، لكن من غير تضعيف وفي هذا نظرٌ، وبُعْدٌ.
ومنهم من قال: الإيمان يُكَفِّر الكبائر كلَّها، والوضوء يُكَفِّرِ الصغائر، فهو
شطر الإيمان بهذا الاعتبار، وهذا يَرُدُّه حديث: ((مَن أساء في الإسلام أُخِذ بما
عَمِل في الجاهلية))(٢).
ومنهم من قال: الوضوء يُكَفِّر الذنوب مع الإيمان، فصار نصف الإيمان،
وهذا ضعيف.
(١) هو ما أخرجه الإمام أحمد، والترمذيّ، من حديث رجل من بني سليم قال: عدّهن
رسول الله صل في يدي أو في يده: ((التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه،
والتكبير تملأ ما بين السماء والأرض، والصوم نصف الصبر، و الطهور نصف
الإيمان))، وحسّنه الترمذيّ، وفيه نظر؛ لأن فيه جُريّ بن كُليب النهديّ، مجهول.
(٢) تقدّم للمصنّف ◌َظْلُهُ برقم (١٢٠) من حديث ابن مسعود نظرته، قال: قلنا: يا
رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: ((من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ
بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام، أُخِذ بالأول والآخر)).

٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
ومنهم من قال: المراد بالإيمان ها هنا الصلاة، كما في قوله رحمه: ﴿وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَتَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]، والمراد صلاتكم إلى بيت
المقدس، فإذا كان المراد بالإيمان الصلاة، فالصلاة لا تُقْبَل إلا بطهور، فصار
الطهور شطر الإيمان بهذا الاعتبار، حَكَى هذا التفسير محمد بن نصر المروزي
في ((كتاب الصلاة)) عن إسحاق بن راهويه، عن يحيى بن آدم، وأنه قال في
معنى قولهم: ((لا أدري نصف العلم)»: إن العلم إنما هو: أدري، ولا أدري،
فأحدهما نصف الآخر.
قال ابن رجب: كلُّ شيء كان تحته نوعان، فأحدهما نصف له، وسواء
كان عدد النوعين على السواء، أو أحدهما أزيد من الآخر، ويدل على هذا
حديث: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين))(١) والمراد قراءة الصلاة،
ولهذا فسرها بالفاتحة، والمراد أنها مقسومة للعبادة والمسألة، فالعبادة حقّ
الربّ، والمسألة حقّ العبد، وليس المراد قسمة كلماتها على السواء، وقد ذكر
هذا الخطابيّ، واستَشْهَد بقول العرب: نصفُ السنة سفرٌ، ونصفها حضرٌ، قال:
وليس على تساوي الزمانين فيهما، لكن على انقسام الزمانين لهما، وإن تفاوتت
مُدّتاهما، وبقول شريح، وقد قيل: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت، ونصف
الناس عليّ غضبان، يريد أن الناس بين محكوم له، ومحكوم عليه، فالمحكوم
عليه غضبان عليه، والمحكوم له راض عنه، فهما حزبان مختلفان، وبقول
الشاعر [من الطويل]:
بِمَوْتِي وَمُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَفْعَلُ
إِذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَيْنِ شَامِتٌ
ومراده أنهم ينقسمون قسمین.
ومن هذا المعنى حديث أبي هريرة ربه المرفوع في الفرائض: ((أنها
نصف العلم))، أخرجه ابن ماجه (٢)، فإن أحكام المكلفين نوعان: نوع يتعلق
بالحياة، ونوع يتعلق بما بعد الموت، وهذا هو الفرائض.
(١) سيأتي للمصنّف رَّتُهُ مطوّلاً برقم (٣٩٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه برقم (٢٧١٩) وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده حفص بن
عمر بن أبي العطّاف، وهو ضعيف.

٣٣
(١) - بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٤٠)
وقال ابن مسعود ظُه: الفرائض ثلث العلم، ووجه ذلك: الحديثُ الذي
أخرجه أبو داود، وابن ماجه، من حديث عبد الله بن عمرو ظًا مرفوعاً:
((العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة
عادلة))(١).
ورُوي عن مجاهد أنه قال: المضمضة والاستنشاق نصف الوضوء، ولعله
أراد أن الوضوء قسمان: أحدهما: مذكور في القرآن، والثاني: مأخوذ من
السنة، وهو المضمضة والاستنشاق، أو أراد أن المضمضة والاستنشاق يُطهران
باطنَ الجسد، وغسل سائر الأعضاء يُطَهِّر ظاهره، فهما نصفان بهذا الاعتبار،
ومنه قول ابن مسعود نظره: ((الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله))(٢)،
وجاء من رواية يزيد الرَّقَاشيّ، عن أنس، مرفوعاً: ((الإيمان نصفان: نصف في
الصبر، ونصف في الشكر))(٣). فلما كان الإيمان يشمل فعل الواجبات، وترك
المحرمات، ولا يُنال ذلك كلَّه إلا بالصبر، كان الصبر نصف الإيمان، فهكذا
يقال في الوضوء: إنه نصف الصلاة.
وأيضاً، فالصلاة تكفّر الذنوب والخطايا، بشرط إسباغ الوضوء،
وإحسانه، فصار شطر الصلاة بهذا الاعتبار أيضاً كما في ((صحيح مسلم)) عن
عثمان رظُه، عن النبيّ وَّ قال: ((ما من مسلم يتطهر، فيتم الطهور الذي كتب
عليه، فيصلي هذه الصلوات الخمس، إلا كانت كفارةً لما بينهن))، وفي رواية
له: ((من أتم الوضوء كما أمره الله، فالصلوات المكتوبة كفاراتٌ لما بينهن)).
وأيضاً فالصلاة مفتاح الجنة، والوضوء مفتاح الصلاة، كما أخرجه الإمام
أحمد، والترمذيّ، من حديث جابر ظُه مرفوعاً، وكلٌّ من الصلاة والوضوء
موجب لفتح أبواب الجنة، كما في ((صحيح مسلم)) عن عقبة بن عامر ظاه أنه
(١) أخرجه أبو داود (٢٨٨٥)، وابن ماجه (٥٤)، وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده
عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقيّ، وعبد الرحمن بن رافع التّنُوخِيّ، وهما
ضعيفان.
(٢) أثر صحيح أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٤٤٦/٢ وصححه، ووافقه الذهبيّ.
(٣) أخرجه الخرائطيّ في ((فضيلة الشكر)) (١٨)، والقضاعيّ في ((مسند الشهاب))
(١٥٩)، وهو ضعيف؛ لأن في سنده يزيد الرقاشيّ، وهو ضعيف.

٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
سمع النبيّ وَّ يقول: ((ما من مسلم يتوضأ، فيحسن وضوءه، ثم يقوم، فيصلي
ركعتين، يُقْبِل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وَجَبت له الجنة))، وعن عقبة، عن
عمر نظرته، عن النبيّ ◌َّ قال: ((ما منكم من أحد يتوضأ، فيَبْلُغ، أو يُسْبِغ
الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،
إلا فُتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أَيِّها شاء))، وفي ((الصحيحين)) عن
عبادة نظُّه، عن النبيّ وَّ قال: ((من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا
شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وابن أمته، وكلمته
ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حقّ، والنار حقّ أدخله الله من أيّ
أبواب الجنة الثمانية شاء)) .
فإذا كان الوضوء مع الشهادتين موجباً لفتح أبواب الجنة، صار الوضوء
نصف الإيمان بالله ورسوله، بهذا الاعتبار.
وأيضاً فالوضوء من خصال الإيمان الخفية التي لا يُحافِظ عليها إلا
مؤمن، كما في حديث ثوبان وغيره، عن النبيّ وَّر: ((لا يحافظ على الوضوء
إلا مؤمن)) (١) .
والغسل من الجنابة قد ورد أنه أداء الأمانة، كما أخرجه الْعُقيليّ من
حديث أبي الدرداء تَُّه، عن النبيّ وَّ قال: ((خمسٌ مَن جاء بهن مع الإيمان،
دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس، على وضوئهنّ، وركوعهنّ،
وسجودهنّ، ومواقيتهنّ، وأعطى الزكاة من ماله، طَيِّب النفس بها - قال: وكان
يقول -: وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمنٌ، وصام رمضان، وحج البيت من
استطاع إليه سبيلاً، وأدى الأمانة، قالوا: يا أبا ذرّ، وما أداء الأمانة؟ قال:
الغسل من الجنابة، فإن الله لم يأتمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها))(٢).
(١) رواه أحمد ٢٨٠/٥، والدارميّ ١٩٨/١، وابن ماجه (٢٧٧)، والحاكم ١٣٠/١،
وصححه ابن حبّان (١٠٣٧).
(٢) رواه العقيليّ في ((الضعفاء)) من رواية عبيد الله بن عبد المجيد الحنفيّ، وقال: لا
يُتابع علیه.
لكن الذي يظهر أن تفرّده لا يضرّ؛ لأنه روى عنه جماعة، وأخرج له الشيخان،
ووثقه العجليّ، والدارقطنيّ، وابن قانع، وابن حبان، وقال الذهبيّ في ((الميزان)) =

٣٥
(١) - بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٤٠)
وأخرج ابن ماجه من حديث أبي أيوب عظته، عن النبيّ وَّ قال:
((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، وأداء الأمانة كفّارة لما بينهنّ، قيل:
وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، فإن تحت كل شعرة جنابة))(١).
وحديث أبي الدرداء الذي قبله جَعَل فيه الوضوء من أجزاء الصلاة، وجاء
في حديث أخرجه البزار(٢) من رواية شَبَابة بن سَوّار، حدثنا مغيرة بن مسلم،
عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعاً: ((الصلاة ثلاثة أثلاث:
الطهور ثلث، والركوع ثلث، والسجود ثلث، فمن أدّاها بحقّها قُبِلت منه، وقُبل
منه سائر عمله، ومن رُدّت عليه صلاته، رُدّ عليه سائر عمله))، وقال: تفرد به
المغيرة، والمحفوظ عن أبي صالح، عن كعب، من قوله.
فعلى هذا القسم الوضوء ثلث الصلاة، إلا أن يُجعل الركوع والسجود
كالشيء الواحد؛ لتقاربهما في الصورة، فيكون الوضوء نصف الصلاة أيضاً.
ويَحْتَمِل أن يقال: خصال الإيمان من الأعمال والأقوال كلِّها تُطَهِّر القلب
وتزكيه، وأما الطهارة بالماء فهي تختص بتطهير الجسد وتنظيفه، فصارت خصال
الإيمان قسمين: أحدهما يُطَهِّر الظاهر، والآخر يطهر الباطن، فهما نصفان بهذا
الاعتبار، والله تعالى أعلم بمراده، ومراد رسوله ميلي في ذلك كله. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أقرب الأجوبة كلّها عندي قول من قال:
إن المراد بالإيمان ها هنا الصلاة، والصلاة شرط صحّتها الطهارة، فمن هذه
الحيثيّة صار الطهور نصفاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في قوله وَ له: ((والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله
والحمد لله تملآن، أو تملأ ما بين السموات والأرض)).
= ١٣/٣: ذكره العقيليّ في كتابه، وساق له حديثاً لا أرى به بأساً. انتهى، وقال في
((التقريب)): صدوق، لم يثبت أن يحيى بن معين ضعّفه. انتهى.
(١) أخرجه ابن ماجه (٥٩٨)، وضعّفه الشيخ الألبانيّ في ((الضعيفة)) (٨) لكن فيه نظر،
والله أعلم.
(٢) رقم (٣٤٩). وأورده الهيثميّ في ((مجمع الزوائد)) (٢/ ١٤٧) وقال: المغيرة ثقةٌ،
وإسناده حسن. انتهى.

٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطهارة
فـ((أو)) هنا للشك من الراوي في لفظه، وفي رواية النسائيّ، وابن ماجه:
((والتسبيح، والتكبير ملء السماء والأرض))، وفي حديث الرجل من بني سُلَيم:
((التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، والتكبير يملأ ما بين السماء
والأرض)»، وخرّج الترمذيّ من حديث الإفريقيّ(١)، عن عبد الله بن يزيد، عن
عبد الله بن عمرو ﴿ه، عن النبيّ وَ ط ﴿ قال: ((التسبيح نصف الميزان، والحمد لله
تملؤه، ولا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب، حتى تَصِلَ إليه))، وقال: ليس
إسناده بالقويّ.
قال ابن رجبٌ رَّتُ: اختُلِف في إسناده على الإفريقيّ، فَرُوي عنه، عن
أبي علقمة، عن أبي هريرة ظُه، عن النبيّ وَّ، وفيه زيادة: ((والله أكبر ملء
السموات والأرض))، ورَوَى جعفرٌ الْفِريابيّ في ((كتاب الذكر))، وغيرُه من
حديث عليّ ◌َظُه، عن النبيّ وَّ قال: ((الحمد لله ملء الميزان، وسبحان الله
نصف الميزان، ولا إله إلا الله، والله أكبر ملء السموات والأرض وما بينهنّ))،
وخَرَّج الفريابيّ أيضاً، من حديث معاذ فظبه، عن النبيّ وَّه قال: ((كلمتان
إحداهما مَن قالها لم يكن له ناهية دون العرش، والأخرى تملأ ما بين السماء
والأرض: لا إله إلا الله، والله أكبر))(٢).
فقد تضمنت هذه الأحاديث فضل هذه الكلمات الأربع، التي هي أفضل
الكلام، وهي: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)).
فأما الحمد لله، فاتفقت الأحاديث كلُّها على أنه يملأ الميزان، وقد قيل:
إنه ضَرْبُ مَثَلٍ، وأن المعنى: لو كان الحمد جسماً لملأ الميزان، وقيل:
بل الله ◌َ يُمَثِّل أعمال بني آدم، وأقوالهم صوراً تُرَى يومَ القيامة، وتوزن،
كما قال النبيّ وََّ: ((يأتي القرآن يوم القيامة تَقْدُمُه البقرة وآل عمران، كأنهما
غمامتان، أو غيابتان، أو فِرْقان من طَيْرٍ صَوَافَ))(٣)، وقال: ((كلمتان حبيبتان
(١) الإفريقيّ اسمه عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم، قاضي إفريقية، ضعيف في حفظه.
(٢) رواه الطبرانيّ في ((الكبير)) ٣٣٤/٢٠ وفي سنده ابن لهيعة، ضعيف، ومعاذ بن
عبد الله بن رافع قال الهيثميّ ◌َخْلَتُهُ: لم أعرفه.
(٣) سيأتي للمصنّف: برقم (٨٠٤ و٨٠٥).

٣٧
(١) - بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٤٠)
إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده،
سبحان الله العظيم))(١)، وقال: ((أثقل ما يوضع في الميزان الْخُلُق الْحَسَن))(٢).
وكذلك المؤمن يأتيه عمله الصالح في قبره، في أحسن صورة، والكافر
يأتيه عمله في أقبح صورة.
ورُوي أن الصلاة، والزكاة، والصيام، وأعمال البر تكون حول الميت في
قبره، تدافع عنه، وأن القرآن يَصْعَد فيشفع له.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذه النصوص الواضحة أن الأعمال
نفسها توزن، وهذا هو الصواب من أقوال أهل العلم في ذلك، ولا مانع مع
ذلك أن يوزن صاحبها، ويوزن الثواب أيضاً، كما تدلّ عليه بعض النصوص،
وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسألة العاشرة - إن شاء الله تعالى -.
وأما ((سبحان الله)) ففي رواية مسلم: ((سبحان الله، والحمد لله تملأ، أو
تملآن ما بين السماء والأرض))، فشَكّ الراوي في الذي يملأ ما بين السماء
والأرض، هل هو الكلمتان، أو إحداهما؟، وفي رواية النسائيّ، وابن ماجه:
((التسبيح، والتكبير ملء السماء والأرض))، قال الحافظ ابن رجب تَّهُ: وهذه
الرواية أسنَدُ(٣).
وهل المراد أنهما معاً يملآن ما بين السماء والأرض، أو أن كلا منهما
يملأ ذلك؟ هذا محتمل.
وفي حديث أبي هريرة ظه، والرجل الآخر: أن التكبير وحده يملأ ما
(١) متفقٌ عليه.
(٢) حديث صحيحٌ، أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (٢٧٠)، وأبو داود (٤٧٩٩)،
والترمذيّ (٢٠٠٣)، وصححه ابن حبّان.
(٣) قال الجامع عفا الله عنه: إنما قال ابن رجب رَّتُهُ: ((أسند)) أي أصحّ سنداً مما في
((صحيح مسلم))؛ لما أسلفناه أنه اختُلف في إدخال عبد الرحمن بن غَنْم بين أبي
سلّام وأبي مالك الأشعري، فأدخله معاوية بن سلّام، عن أخيه زيد، ولم يُدخله
يحيى بن أبي كثير عن زيد، وقال الحفّاظ: معاوية أحفظ لحديث أخيه من يحيى بن
أبي كثير، فتُرجّح روايته على روايته، فرواية النسائيّ، وابن ماجه من طريق معاوية
بإدخاله، أصحّ من رواية مسلم من طريق يحيى بعدمه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
بين السماء والأرض، وبكل حال فالتسبيح دون التحميد في الفضل، كما جاء
صريحاً في حديث عليّ، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، والرجل من بني
سليم ◌ّ أن التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه.
وسبب ذلك أن التحميد إثبات المحامد كلِّها الله ◌َ، فدخل في ذلك
إثبات صفات الكمال، ونعوت الجلال كلِّها، والتسبيح هو تنزيه الله رحمك عن
النقائص، والعيوب، والآفات، والإثباتُ أكمل من السلب، ولهذا لم يَرِد
التسبيح مجرداً، لكن مقروناً بما يدلّ على إثبات الكمال، فتارةً يُقْرَن بالحمد،
كقوله: ((سبحان الله وبحمده، سبحان الله، والحمد لله))، وتارةً باسم من
الأسماء الدالة على العظمة والجلال، كقوله: ((سبحان الله العظيم)).
فإن كان حديث أبي مالك يدلّ على أن الذي يملأ ما بين السماء
والأرض هو مجموع التسبيح والتكبير، فالأمر ظاهرٌ، وإن كان المراد أن كُلّاً
منهما يملأ ذلك، فإن الميزان أوسع مما بين السماء والأرض، فما يملأ
الميزان فهو أكثر مما يملأ ما بين السماء والأرض، ويدل عليه أنه صَحّ عن
سلمان رضائه أنه قال: يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وُزِن فيه السموات
والأرض لوسعهما، فتقول الملائكة: يا رب لِمَن تَزِن هذا؟ فيقول الله تعالى:
لمن شئتُ من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك،
وخَرَّجه الحاكم مرفوعاً، وصححه، ولكن الموقوف هو المشهور(١).
وأما التكبير: ففي حديث أبي هريرة رَظُه، والرجل من بني سليم، أنه
وحده يملأ السموات والأرض، وما بينهما، وفي حديث عليّ رَظُه أن التكبير
مع التهليل يملأ ما بين السماء والأرض، وما بينهنّ.
وأما التهليل وحده: فإنه يَصِلُ إلى الله تعالى لا حجاب بينه وبينه، وخَرّج
الترمذيّ من حديث أبي هريرة ◌ُه، عن النبيّ وَّ قال: ((ما قال عبد:
لا إله إلا الله، مخلصاً إلا فتحت له أبواب السماء، حتى يُفضي إلى العرش،
ما اجتنبت الكبائر)).
(١) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٥٨٦/٤، وصحّحه على شرط مسلم، ووافقه
الذهبيّ.

٣٩
(١) - بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٤٠)
وقال أبو أمامة: ما من عبد يُهَلِّل تهليلةً، فيُنَهْنِهُها (١) شيء دون العرش،
وورد أنه لا يَعْدِلها شيء في الميزان في حديث البطاقة المشهور، وقد أخرجه
أحمد، والنسائيّ، وفي آخره عند الإمام أحمد: ((ولا يَثْقُل شيء بسم الله
الرحمن الرحيم)) (٢) .
وفي ((المسند)) عن عبد الله بن عمر نظُه، عن النبيّ وَلّ أنه قال: ((إن
نوحاً؛ لَمّا حضرته الوفاة، قال لابنه: آمرك بلا إله إلا الله، فإن السموات
السبع، والأرضين السبع، لو وُضِعت في كِفّة، ووُضعت لا إله إلا الله في كِفّة،
رَجَحَت بهنّ لا إله إلا الله))(٣).
وَُبه(٤)، عن
وأخرج ابن حبّان، والحاكم من حديث أبي سعيد الخدريّ
(١) أي يكفّها، ويمنعها.
(٢) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٢١٣/٢، والترمذيّ (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٤٣٠٠)،
والحاكم في ((المستدرك)) ٥٢٩/١، وابن حبّان في ((صحيحه)) (٢٢٥) بسند صحيح،
عن عبد الله بن عمرو بن العاص وبه قال: قال رسول الله وَ﴾: ((إن الله رحَات
يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فيَنْشُر عليه تسعة
وتسعين سجلاً، كل سجلّ مَدَّ البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمتك
كتبتي الحافظون؟ قال: لا، يا رب، فيقول: ألك عذر، أو حسنة؟ فيُبْهَت الرجل،
فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنةً واحدةً، لا ظلم اليوم عليك،
فَتَخْرُج له بطاقة، فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول:
أحضروه، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تُظْلَم،
قال: فتوضع السجلات في كِفّة، قال: فطاشت السجلات، وثَقُلت البطاقة، ولا
يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم)).
قال الشيخ الألبانيّ فيما كتبه على ((شرح الطحاويّة)) ص٤١٨: رواية أحمد بهذا
اللفظ: ((ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم)) شاذّة، والمحفوظ ما في رواية
الترمذيّ والحاكم بلفظ: ((فلا يثقل مع اسم الله شيء)). انتهى.
وقوله: ((فيُبهت)): أي ينقطع، ويسكت متحيّراً.
(٣) رواه في ((المسند)) ٢/ ١٧٠ - ٢٢٥ ورجاله ثقات.
(٤) عزا ابن رجب هذا الحديث إلى ((مسند أحمد))، وجعله من حديث عبد الله بن
عمرو، ولم أجده فيه، وقد نبّه محقق الكتاب أنه من وهمه، وإنما هو من حديث=

٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
النبيّ وَّ قال: ((إن موسى؛ قال: يا رب عَلِّمني شيئاً أذكرك به، وأدعوك به،
قال: يا موسى قل: لا إله إلا الله، قال: كلُّ عبادك يقول هذا، إنما أريد شيئاً
تَخُصّني به، قال: يا موسى لو أن السموات السبع، وعامرهنّ غيري،
والأرضين السبع في كِفّة، ولا إله إلا الله في كِفّة، مالت بهنّ لا إله إلا الله))(١).
وقد اختُلِف أيُّ الكلمتين أفضل: أكلمة الحمد، أم كلمة التهليل؟ وقد
حَكَى هذا الاختلاف ابنُ عبد البر وغيره، وقال النخعيّ: إن الحمد أكثر الكلام
تضعيفاً، وقال الثوريّ: ليس يُضاعف من الكلام مثل الحمد، والحمد يتضمن
إثبات جميع أنواع الكمال لله، فيدخل فيه التوحید.
وفي ((مسند الإمام أحمد))، عن أبي سعيد، وأبي هريرة ﴿ًّا، عن
النبيّ وَّ قال: ((إن الله اصطفى من الكلام أربعاً: سبحان الله، والحمد لله،
ولا إله إلا الله، والله أكبر، فمن قال: سبحان الله، كُتبت له عشرون حسنة،
وحُطّت عنه عشرون سيئة، ومن قال: الله أكبر مثل ذلك، ومن قال: لا إله
إلا الله مثل ذلك، ومن قال: الحمد لله مثل ذلك، ومن قال: الحمد لله رب
العالمين، من قِبَل نفسه، كتبت له ثلاثون حسنة، وحُطّت عنه ثلاثون سيئة))(٢)،
وقد رُوي هذا عن كعب من قوله، وقيل: إنه أصح من المرفوع، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في قوله مثل: ((والصلاة نور، والصدقة برهان،
= أبي سعيد عند النسائيّ في ((عمل اليوم والليلة)) (٨٣٤)، وأبي يعلى في ((مسنده))
(١٣٩٣)، والطبرانيّ في ((الدعاء)) (١٤٨٠)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات))
ص٢١٠٢ - ١٠٣، وابن حبان في (صحيحه)) (٦٢١٨)، والحاكم في ((المستدرك))
(٥٢٨/١)، وهو كما قال، فليُتنبّه.
(١) أخرجه ابن حبّان في ((صحيحه)) (٦٢١٨)، والحاكم في ((مستدرکە)) ٥٢٨/١
وصححه، ووافقه الذهبيّ، مع أن في سنده دَرّاجاً أبا السمح، وهو ضعيف في
روايته عن أبي الهيثم، وهذا منها، فليُتأمل، والله تعالى أعلم.
(٢) أخرجه أحمد في ((مسنده)) ٢/ ٣٠٢ و٣١٠ و٣٥/٣ و ٣٧، وصححه الحاكم ١/
٥١٢، ووافقه الذهبيّ، وذكره الهيثميّ في ((المجمع)) ٨٧/١٠ - ٨٨ ونسبه لأحمد،
والبزار، وقال: ورجالهما رجال الصحيح. انتهى.