Indexed OCR Text
Pages 1-20
النِالخَيُطُ التِجَارِ في شرح جَهُ الأمَمُ مُسْلِمُ الحجاج لِجَامِعِهِ الْفَقِيُ المِصَوْلَه الغَنِالْقَدِيرُ ◌ُقَدَابرُ الشَُّ العُلَّمَ بَلِبُّنْ آدَمْ برُمُوسَى الأتيُوُلِالوَلْوِيّ خُوَيُدْمِ العِلْمُ بِمَكّة المكرّهَة عَفَا اللَّه تَعَالى عَنْهُ، وعَنْهُ وَالدِبُّه آمين المَجَلّد السَّادسُ كِتَابُ الطَّهَارَة رقم الأحَادِيثُ (٥٤٠ - (٦٢) دارابن الجوزي بشار المزيد 7 البحر المحيطُ التجارية في شرح جَعُ الإِمْعَظِر ◌ُسُلِ الحجاج حِقُوق الطّبْع محفوظة لِدَارابن الجوزي الطّبْعَة الأولى جَادَ ىَ الآخِرَة ١٤٢٨هـ حقوق الطبع محفوظة ١٤٢٨٥ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. رابز والتو دارابن الجوزي لِلنَشْر وَالتّوزيع المملكة العربية السعودية: الدمام - شارع الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٨٩ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢ - الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - ت: ٤٢٦٦٣٣٩ - الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ - الخبر - ت: ٨٩٩٩٣٥٦ - فاكس: ٨٩٩٩٣٥٧ - بيروت - هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس: ٠٢٤٣٤٤٩٧٠ البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com-www.aljawzi.com ٢ - كتاب الطهارة براس الرحمن الرحيم يوم الخميس ١٤٢٥/٧/١٧ هـ أول الجزء السادس من شرح صحيح الإمام مسلم المسمّى ((البحر المحيط التجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج)) رحمه الله تعالی. ٢ - (كِتَابُ الطَّهَارَةِ) مسائل تتعلّق بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): أنه لَمّا كانت العبادة من الإيمان، والصلاة أفضل العبادات بعد الشهادتين، والطهارة من أعظم شروطها المتوقّف صحّتها عليه عقّب أبواب الإيمان بـ((كتاب الطهارة))، وإنما اختصّت الطهارة بالتقديم من بين الشروط؛ لكونها غير قابلة للسقوط غالباً، ولكثرة مسائلها المحتاج إليها . وإنما قدّم العبادات على المعاملات؛ اهتماماً بأمور الدين، وتقديماً لها على الأمور الدُّنيويّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): يحتمل أن يكون ((كتاب)) خبراً لمبتدأ محذوف، تقديره: ((هذا كتاب الطهارة، أو مبتدأً خبره محذوف؛ أي ((كتاب الطهارة هذا محلّ بحثه))، أو فاعلاً لفعل مقدّر؛ أي ثبتَ كتابُ، أو نائبَ فاعل لفعل محذوف؛ أي يُذكر كتابُ، أو منصوباً بفعل مقدّر؛ أي اقرَأُ كتابَ، أو مجروراً بحرف جرّ محذوف مع بقاء عمله على قلّة، على حدّ قول الشاعر [من الطويل]: إِذَا قِيلَ أَيُّ النَّاسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ أَشَارَتْ كُلَيْبٍ بِالأَكْفِّ الأَصَابِعُ أي إلى كليب، والتقدير هنا: انظر في كتاب الطهارة. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): ((كتاب)) مصدر في الأصل، جُعل اسماً لكل مكتوب، ٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة كالرهن اسمٌ لكلّ مرهون، ثم يتخصّص بالإضافة، فيقال: ((كتاب الإيمان))، (كتاب الطهارة))، ((كتاب الصلاة))، فالإضافة فيه للبيان، مثلها في ((خاتم حديد)). ثم الإضافة في ((كتاب الطهارة)) يحتمل أن تكون بمعنى اللام؛ أي كتاب موضوع لشرح الطهارة، واللام للاختصاص؛ أي مختصّ بالطهارة من بقيّة أنواع علوم الحديث، وأن تكون بمعنى ((من))؛ أي كتاب من الطهارة، كقولهم: خاتم فضّة؛ أي من فضّة، أو بمعنى ((في))؛ أي كتاب موضوع في شرح الطهارة(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قوله: ((كتاب الطهارة)) مركّبٌ إضافيّ، فقيل: إن حدّ المركب الإضافيّ لقباً متوقّف على معرفة جزأيه؛ لأن العِلْمَ بالمركّب بعد العلم بجزأيه، وقيل: لا يتوقّف؛ لأن التسمية به سَلَبت كلَّا من جزأيه عن معناه الإفراديّ، وصَيَّرت الجميع اسماً لشيء آخر، ورُجّح الأول بأنه أتمّ فائدةً، وعليه اختُلف، فقيل: الأولى البداءة ببيان المضاف؛ لأنه الأسبق في الذكر، وقيل: بالمضاف إليه؛ لأنه أسبق في المعنى؛ إذ لا يُعلم المضاف من حيث هو مضاف حتى يُعلم ما أُضيف إليه، وهو أحسن؛ لأن المعاني أقدم من الألفاظ. وقد استوفيت البحث عن معنى ((كتاب))، في ((كتاب الإيمان))، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): ((الطهارة)): مصدر طَهُرَ، يقال: طَهُر الشيءُ من بابي قَتَلَ وقَرُبَ طَهارةً، والاسم الظُّهرُ، وهو النقاء من الدنس، والنجس، وهو طاهرُ الْعِرْض: أي بريء من العيب، ومنه قيل للحالة المناقضة للحيض: طُهْرٌ، والجمع أَظْهارٌ، مثلُ قُفْلِ وأَقْفَال، وامرأة طاهرةٌ من الأَدْناس، وطاهرٌ من الحيض، بغير هاء، وقد ظَهَرَت من الحيض، من باب قَتَلَ، وفي لغة قليلة من باب قَرُبَ، وتطهرت: اغتَسَلَت، وتكون الطهارة بمعنى التَّطَهُّر، وماءٌ طاهرٌ: خلافُ نَجِسٍ، وطاهرٌ: صالحٌ للتطهر به، وطَهُور قيل: مبالغةٌ، وإنه بمعنى طاهرٍ، والأكثر أنه لوصف زائد، قال ابن فارس: قال ثعلب: الطهور: هو الطاهر في نفسه، المطهر لغيره. (١) راجع ((حاشية تحفة الحبيب على شرح الخطيب)) في الفقه الشافعيّ. ٧ ٢ - كتاب الطّهارة وقال الأزهري أيضاً: الطَّهُور في اللغة هو الطاهر المطهر، قال: وفَعُول في كلام العرب لمعان، منها فَعُول لما يُفْعَل به، مثل الطَّهُور لما يُتَطَهَّر به، والوَضُوء لما يُتَوَضَّأ به، والْفَطُور لما يُفْطَرُ عليه، والْغَسُول لما يُغْتَسَل به، ويُغْسَل به الشيء، وقوله وََّ: ((هو الطَّهُور ماؤه))؛ أي هو الطاهر المطهر، قاله ابن الأثير، قال: وما لم يكن مُطَهِّراً فليس بطَهُور. وقال الزمخشريّ: الطهور: الْبَلِيغ في الطهارة، قال بعض العلماء: ويُفْهَم من قوله تعالى: ﴿وَأَنَزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾ أنه طاهر في نفسه، مُطَهِّر لغيره؛ لأن قوله: ﴿مَآءَ﴾ يُفْهَم منه أنه طاهر؛ لأنه ذُكِر في معرض الامتنان، ولا يكون ذلك إلا بما يُنتَفع به، فيكون طاهراً في نفسه، وقوله: ﴿لَهُورًا﴾ يُفْهَم منه صفةٌ زائدةٌ على الطهارة، وهي الطهورية. فإن قيل: فقد ورد ((طهور)) بمعنى ((طاهر))، كما في قوله: ((رِيقُهُنَّ طَهُورٌ))، فالجواب: أن وروده كذلك غير مُطَّرِد، بل هو سماعيّ، وهو في البيت مبالغة في الوصف، أو واقع موقع طاهر؛ لإقامة الوزن، ولو كان طهور بمعنى طاهر مطلقاً لَقِيل: ثوبٌ طَهُورٌ، وخَشَبٌ طَهُورٌ، ونحو ذلك، وذلك ممتنع، و((طهورُ إناء أحدكم)): أي مُطَهِّره، و((الْمِظْهَرة)) - بكسر الميم -: الإِداوَةُ، والفتح لغة، ومنه: ((السواك مَظْهَرَةٌ للفم)) - بالفتح - وكل إناء يُتَطَهَّر به: مَظْهَرَةٌ، والجمع: الْمَطَاهِرِ، قاله الفيّوميّ (١). وقال النوويّ: يقال: طَهُر بفتح الهاء وضمّها، لغتان مشهورتان، الفتح أفصحهما، يطهُر بالضمّ، والاسم: الظُّهْر، والطهور بفتح الطاء: اسم لما يُتَطَهَّر به، وبالضمّ: اسم للفعل، هذه هي اللغة المشهورة التي عليها الأكثرون من أهل اللغة، واللغة الثانية بالفتح فيهما، واقتصر عليها جماعات من كبار أهل اللغة، وحَكَى صاحب ((مطالع الأنوار)) الضمّ فيهما، وهو غريبٌ شاذّ (٢) ضعیف. انتھی . وهي لغةً: النظافة، والنزاهة عن الأقذار، حسّيّةً كانت كالأنجاس، أو معنويّةً كالعيوب، يقال: طهر بالماء، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ﴾ قوم ﴿يَنْطَهَّرُونَ﴾؛ (١) ((المصباح المنير)) ٣٧٨/٢ - ٣٨٠. (٢) ((المجموع)) ١٢٣/١، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ١٨٨/٣. ٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة أي يتنزّهون، ومنه حديث ابن عبّاس ﴿ّا أن النبيّ وَّ كان إذا دخل على مَرِيضٍ، قال: ((لا بأسَ طَهُور إن شاء الله))، رواه البخاريّ؛ أي مطهّرٌ من الذنوب(١). وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((الطهارة)) في اللغة: النزاهة عن الأقذار، وفي الشرع: رفع ما يمنع الصلاة من حدث، أو نجاسة بالماء، أو رفع حكمه بالتراب، فعند إطلاق لفظ الطهارة في لفظ الشارع، أو كلام الفقهاء ينصرف إلى الموضوع الشرعيّ، دون اللغويّ، وكذلك كلُّ ما له موضوع شرعيّ ولغويّ إنما ينصرف المطلق منه إلى الموضوع الشرعيّ، كالوضوء، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحجّ، ونحوه؛ لأن الظاهر من صاحب الشرع التكلّم بموضوعاته. و ((الظُّهُور)) - بضم الطاء -: المصدر، قاله اليزيديّ، و((الطَّهُور)) - بالفتح -: من الأسماء المتعدّية، وهو الذي يُطهّر غيره، مثلُ الْغَسُول الذي يُغسل به. وقال بعض الحنفيّة: هو من الأسماء اللازمة، بمعنى الطاهر سواءً؛ لأن العرب لا تُفرّق بين الفاعل والفعول في التعدّي واللزوم، فما كان فاعله لازماً كان فَعُوله لازماً، بدليل قاعد وقَعُود، ونائم ونَؤُوم، وضارب وضَروب. وهذا غير صحيح؛ فإن الله تعالى قال: ﴿لَّطَهِّرگُم ◌ِهِ﴾، وعن جابر أن النبيّ وَِّ قال: ((أُعطيتُ خمساً لم يُعْطَهُنّ نبيٌّ قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطَهُوراً))، متّفق عليه، ولو أراد به الطاهر لم يكن فيه مزيّة؛ لأنه طاهر في حقّ كلّ أحد، وسئل النبيّ وَلّ عن التوضئ بماء البحر؟ فقال: ((هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته))(٢)، ولو لم يكن الطهور متعدّياً لم يكن ذلك جواباً للقوم، حيث سألوه عن التعدّي؛ إذ ليس كلّ طاهر مُطَهِّراً، وما ذكروه لا يستقيم؛ لأن العرب فرّقت بين الفاعل والفَعُول، فقالت: قاعد لمن وُجد منه الْقُعُودِ، وقَعُود لمن يتكرر منه ذلك، فينبغي أن يُفرّق بينهما ها هنا، وليس إلا من حيث التعدّي واللزوم. انتهى(٣). (١) راجع ((غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام)) ٧٨/١. (٢) حديث صحيح، أخرجه الترمذي (٦٩)، والنسائي (٥٩)، وأبو داود (٧٦)، وابن ماجه (٣٨٦)، وأحمد (٧١٩٢، ٨٥١٨، ٨٦٩٥). (٣) ((المغني)) ١٢/١ - ١٤. ٩ ٢ - كتاب الطّهارة وقال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)): قال جمهور أهل اللغة: يقال: ((الوُضوء))، و((الظُّهُور)) - بضم أولهما -: إذا أريد به الفعل الذي هو المصدر، ويقال: ((الوَضوء))، و((الطَّهُور)) - بفتح أولهما -: إذا أريد به الماء الذي يُتَطَهَّر به، هكذا نقله ابن الأنباريّ، وجماعات من أهل اللغة وغيرهم، عن أكثر أهل اللغة، وذهب الخليل والأصمعيّ، وأبو حاتم السجستانيّ، والأزهريّ، وجماعة إلى أنه بالفتح فيهما، قال صاحب ((المطالع)): وحُكِي الضم فيهما جميعاً. وأصل الوُضوء من الوَضَاءة، وهي الحسن والنظافة، وسُمّي وُضوءاً؛ لأنه يُنَظِّف المتوضئ، ويُحَسِّنه، وكذلك الطهارة أصلها النظافة والتنزه، وأما الغَسل، فإذا أريد به الماء، فهو مضموم الغين، وإذا أريد به المصدر، فيجوز ضم الغين وفتحها، لغتان مشهورتان، وبعضهم يقول: إن كان مصدراً لِغَسلت، فهو بالفتح، كضَربت ضرباً، وإن كان بمعنى الاغتسال، فهو بالضم، كقولنا: غُسل الجمعة مسنون، وكذلك الغسل من الجنابة واجب، وما أشبهه، وأما ما ذكره بعض مَن صَنَّف في لحن الفقهاء من أن قولهم: غُسل الجنابة، وغُسل الجمعة، وشبههما بالضم لحنٌ، فهو خطأ منه، بل الذي قالوه صواب، كما ذكرناه، وأما الْغِسْل بكسر الغين، فهو اسم لما يُغْسَل به الرأس من خِظْميّ وغيره، والله تعالى أعلم. انتهى(١). وقال في ((تهذيب الأسماء واللغات)): الطهارة في اللغة: النظافة، والتنزّه عن الأدناس، وفي الشرع: رفع الحدث، وإزالة النجاسة، أو ما في معناهما، كالتيمّم، وتجديد الوضوء، والغَسلة الثانية، والثالثة في الوضوء، وإزالة النجاسة، والأغسال المسنونة، وطهارة المستحاضة، وسلس البول، وما في معناهما من حدث دائم، فكلّ هذه طهارات، ولا يرفع، ولا يُزيل نجساً، ومن اقتصر على أن الطهارة رفع الحدث، وإزالة النجس، فليس بمصيب، فإنه حدّ . ناقصٌ؛ لأنه يَخْرُج منه ما ذكرناه، والله تعالى أعلم. انتهى(٢) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((شرح النوويّ)) ٩٩/٣. (٢) ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١٨٨/٣. ١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة (١) - (بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ) [٥٤٠] (٢٢٣) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، أَنَّ زَيْداً حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا سَلَّم حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي مَالِكِ الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيَّمَانِ، وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلاَنٍ، أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ، أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، أَوْ مُوِقُهَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الْكَوْسَج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٦. ٢ - (حَبَّانُ(١) بْنُ هِلَالٍ) أبو حَبِيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠١٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٢/٥٥. ٣ - (أَبَانُ) بن يزيد العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقة، له أفراد [٧]. رَوَى عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهشام بن عروة، وعمرو بن دينار، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وعاصم بن بَهْدَلة، وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك، والقطان، ومسلم بن إبراهيم، وموسى بن إسماعيل، وأبو الوليد، ويزيد بن هارون، وغيرهم. قال أحمد: ثَبْتُ في كل المشايخ، وقال ابن معين: ثقةٌ، كان القطان يروي عنه، وكان أحب إليه من هَمّام، وهَمّام أحب إليّ، وقال النسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: هو أحب إلي من همام في يحيى بن أبي كثير، وقال أيضاً: هو أحب إليّ من شيبان، وقال ابن المدينيّ: كان عندنا ثقةً، وقال العجليّ: بصريّ ثقة، وكان يرى القدر، ولا يتكلم فيه، وقال أحمد: هو أثبت من (١) بفتح الحاء، وبالباء الموحدة المشدّدة. ١١ (١) - بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٤٠) عمران القطان، وذكره ابن عديّ في ((الكامل))، وأورد له حديثاً فرداً، ثم قال: له رواياتٌ، وهو حسن الحديث، متماسكٌ، يكتب حديثه، وله أحاديث صالحة عن قتادة وغيره، وعامتها مستقيمةٌ، وأرجو أنه من أهل الصدق، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقد ذكره ابن الجوزيّ في ((الضعفاء))، وحَكَى من طريق الْكُديميّ، عن ابن المدينيّ، عن القطان قال: أنا لا أروي عنه، ولم يَذْكُر من وثقه، وهذا - كما قاله الحافظ تَُّ - من عيوب كتابه، يَذكُر مَن طَعَن الراوي، ولا يذكر من وثقه، والْكُديميّ ليس بمعتمد، وقد تقدّم قول ابن معين: إن القطان كان يروي عنه، فهو المعتمد(١). [تنبيه]: قال الحافظ تَخْتُ: لم يذكر أبان بن يزيد هذا أحدٌ ممن صَنَّفَ في رجال البخاريّ من القدماء، ولم أر له عنده إلا أحاديث معلقةً في ((الصحيح))، سوى موضع في ((كتاب المزارعة)) فقال فيه البخاريّ: قال لنا مسلم بن إبراهيم: ثنا أبان، فذكر حديثاً، فإن كان هذا موصولاً، فكان ينبغي للمزيّ أن يُرَقِّم لحماد بن سلمة رقم البخاريّ في الوصل، لا في التعليق، فإن البخاريّ قال في ((كتاب الرقاق)): قال لنا أبو الوليد: ثنا حماد بن سلمة، فذكر حديثاً. انتهى(٢). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثاً. [تنبيه]: تقدم في أوائل هذا الشرح أنه يجوز صرف ((أبان))، وترك صرفه، وأن المختار صرفه، والله تعالى أعلم. ٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويرسل [٥] (ت١٣٢) (ع) في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤. ٥ - (زَيْد) بن سلّام بن أبي سلّام الحبشيّ الدمشقيّ، ثقة [٦]. روى عن جده، وعديّ بن أرطاة، وعبد الله بن فَرّوخ، وعبد الله بن زيد الأزرق. وروى عنه أخوه معاوية، ويحيى بن أبي كثير، والحضرميّ بن لاحق. (١) (تهذيب التهذيب)) ٥٦/١ - ٥٧. (٢) ((تهذيب التهذيب)) ١/ ٥٧. ١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة قال النسائيّ، وأبو زرعة الدمشقيّ، والدارقطنيّ: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق. وقال يحيى بن حَسّان، عن معاوية بن سلام: أخذ مِنّي يحيى بن أبي كثير كُتُب أخي زيد بن سلّام. وقال ابن معين: لم يلقه يحيى بن أبي كثير. وقال الأثرم: قلت لأحمد: يحيى بن أبي كثير سَمِع من زيد؟ قال: ما أشبهه. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال العجليّ: شاميّ، لا بأس به. ووثّقه الذهبيّ. روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والباقون، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط برقم (٢٢٣) و(٣١٥) و(٨٠٤) و(٨٦٥) و(٩٣٤) و(١٠٠٧) و(١٨٤٧) و(١٨٧٩). [تنبيه]: رَوَى البخاري في ((الصحيح)) عن إسحاق، عن يحيى بن صالح، عن معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة: أن ثابت بن الضّحّاك أخبره، أنه بايع النبي ◌َ﴿ تحت الشجرة، هكذا رواه عامة رُواة البخاريّ، وكذا رواه مسلم وغيره، وقال أبو علي بن السَّكَن - أحد رواة البخاريّ - عن الْفِرَبريّ، عنه في روايته لهذا الحديث: عن معاوية بن سلّام، عن زيد بن سلام، عن أبي قلابة، ولم يُتَابِعه أحد على ذلك، على أن الدارقطني قد ذَكَر زيد بن سلام في رجال البخاري في ((الصحيح))، فالله تعالى (١) أعلم(١). ٦ - (أَبُو سَلََّم) ممطور الأسود الْحَبشيّ الأعرج الدّمَشْقِيّ، ويقال: النَّوْبِيّ، وقيل: إن الحبشي نسبة إلى حَيّ من حِمْيَر، ثقة [٣]. رَوَى عن ثوبان، والحارث بن الحارث الأشعريّ، وأبي مالك الأشعريّ، وعَمْرو بن عَبَسَة السُّلَميّ، وعبد الرحمن بن غَنْم الأشعريّ، وأبي سُلْمَى راعي رسول الله گی﴾، وغيرهم. ورَوى عنه ابنه سلَّام، إن كان محفوظاً، وحفيداه: زيد، ومعاوية، ابنا سلام بن أبي سلام، ومكحول الشاميّ، والأوزاعيّ، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، والعباس بن سالم، وغيرهم. (١) راجع ((تهذيب الكمال)) ٧٩/١٠. ١٣ (١) - بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٤٠) ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام. وقال أبو مسهر: قلت لمعاوية بن سلام: ما اسم جَدِّك؟ قال: ممطور، قلت: فَمَن المولى عليك؟ فغضِبَ، يعني أنه عربيّ. وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة. وقال الْبَرْقانيّ: سمعت الدارقطنيّ يقول: زيد بن سلام بن أبي سلام عن جدّه ثقتان. وقال أبو نصر ابن ماكولا: ليس هو من الحبشة، إنما هو منسوب إلى بطن من حِمْيَر، ذكره ابنُ معين، وأبو عبيدة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن معين، وابن المدينيّ: لم يسمع من ثوبان. وقال أحمد: سَمِعَ منه. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: رَوَى ممطور عن ثوبان، وعمرو بن عَبَسَة، والنعمان، وأبي أمامة مرسل، فسألت أبي: هل سمع من ثوبان؟ فقال: لا أدري. وقال الدارقطنيّ: بينه وبين أبي مالك الأشعري عبد الرحمن بن غَنْم. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: أخبرني مروان، قال: قلت لمعاوية: سَمِعَ جدُّك مِن کعب؟ قال: لا أدري. روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط برقم (٢٢٣) و(٣١٥) و(٨٠٤) و(٨٦٥) و(٩٣٤) و (١٠٠٧) و(١٨٤٧) و(١٨٧٩). [تنبيه]: قال النوويّ كَُّ في ((شرحه)): وأما أبو سلام: فاسمه مَمْطُور الأعرج الحبشيّ الدمشقيّ، نُسِب إلى حَيّ من حِمْيَر من اليمن، لا إلى الحبشة. انتھی. وقال السمعانيّ في ((الأنساب)): أبو سلّام ممطور الْحَبَشيّ، قالِ عبد الغنيّ بن سعيد: يُنسب إلى الحبش، وقال أبو بكر بن أبي داود: ليس من الحبشة، ولكنهم طائفة من خثعم. انتهى. ونقل أيضاً عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: اسم أبي سلام ممطور " الحبشيّ قبيلة من اليمن، وعن ابن معين قال: أبو سلام الحبشيّ حيّ من حِمْير. انتهى(١). وقال ابن الأثير في ((اللباب)): ((الْحَبَشيّ)) - بفتح الحاء المهملة، والباء (١) ((الأنساب)) ٢٠٣/٢. ١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة الموحّدة -: هذه النسبة إلى الْحَبَشَة، وهي نوع من السودان مشهورون، يُنسب إليهم بلال الحبشيّ مؤذّن رسول الله وَله، وأما أبو سلّام الحبشيّ، فقيل: من هذا النوع، وقيل: من خَتْعَم، وقيل: من حِمْيَر، ثم قال: والْحُبْشيّ - بضمّ الحاء، وسكون الموحّدة -، قيل في أبي سلّام: الْحُبْشيّ بضم الحاء، وسكون الباء، قاله ابن معين، وقيل: بفتحها، وقال بعضهم: يقال: حَبَشٌ، وحُبْشٌ كما يقال: عَجَمٌ وعُجْمٌ، وعَرَبٌ وعُرْبٌ، وعلى الحقيقة فلا تؤخذ هذه الأشياء بالقياس، وإنما تؤخذ نقلاً، فلو أُخذت قياساً لاضطرب الكلام، وتعذّرت الفائدة، قال: وحُبْشيّ أيضاً جبلٌ بأسفل مكة. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر مما سبق أن الأرجح كون أبي سلّام الْحَبَشيّ منسوباً إلى قبيلة من اليمن، لا إلى الحبشة البلدة المعروفة، والله تعالى أعلم. ٧ - (أَبُو مَالِكِ الأَشْعَرِيُّ) الصحابيّ ◌َظُبه، قيل: اسمه الحارث بن الحارث، وقيل: عُبيد الله، وقيل: عمرو، وقيل: كعب بن عاصم، وقيل: كعب بن كعب، وقيل: عامر بن الحارث بن هانئ بن كلثوم. رَوَى عن النبي ◌َّ، وعنه عبد الرحمن بن غنم الأشعريّ، وأبو صالح الأشعريّ، وَرَبِيعة بن عَمْرو الْجُرَشيّ، وشُريح بن عبيد الحضرميّ، وشَهْر بن حَوْشَب، وأبو سلام الأسود، وغيرهم، ورَوَى أبو سلّام أيضاً عن عبد الرحمن بن غَنْم عنه، وقيل: إن الذي رَوَی عنه أبو سلّام آخر. قال شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم: طُعِن معاذ بن جبل، وأبو عبيدة بن الجراح، وشُرَحبيل ابن حسنة، وأبو مالك الأشعريّ في يوم واحد. وقال ابن سعد، وخليفةُ: تُوفي في خلافة عمر. وقال الحافظ بعدما ذَكر ما تقدّم ما نصّه: أبو مالك الأشعريّ الذي رَوَى عنه أبو سلّام الأسود، وشهر بن حوشب، ومن في طبقتهما هو الحارث بن الحارث الأشعريّ، وقد قَدّمتُ في ترجمته ما يدل على ذلك، وبَيَّنتُ أنه تأخرت وفاته، وأما أبو مالك الأشعريّ هذا فهو آخر، قديم كما تقدم هنا أنه (١) ((اللباب)) ٣٣٦/١ - ٣٣٧. ١٥ (١) - بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٤٠) مات في خلافة عمر، هو ومعاذ بن جبل وغيرهما، وقد وقع للمؤلف - يعني المزّيّ - عدمُ تخريجهما في ((الأطراف)) أيضاً، ونَبَّهْتُ عليه هناك، والفصل بينهما في غاية الإشكال، حتى قال أبو أحمد الحاكم في ترجمته: أبو مالك الأشعريّ أمره مشتبهٌ جدّاً . روى له البخاري في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث (٩٣٤): ((أربع في أمتي من أمر الجاهلية ... ))، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رَّلُهُ. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالدمشقيين من زيد فما فوقه، والباقون بصريّون غير شيخه، فمروزيّ، ويحيى يماميّ بصريّ، وقد سكن المدينة عشر سنين في طلب العلم. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن غير تابعيّ، فإن يحيى تابعيّ، فهو من رواية الأكابر عن الأصاغر، وزيداً ليس تابعيّاً، ورواية الراوي عن جدّه: زید عن أبي سلّام. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه نظُه مشهور بكنيته، وأنه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا نحو ثلاثة عشر حديثاً، انظر ترجمته في ((تحفة الأشراف)) ٩/ ٢٨٠ - ٢٨٤. والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (عَنْ أَبِي مَالِكِ الْأَشْعَرِيِّ) تَظُله، هكذا رواية المصنّف تَخْتُهُ، ليس بين أبي سلّام وبين أبي مالك الأشعريّ واسطة، وخالفه النسائيّ، وابن ماجه، فأدخلا بينهما عبد الرحمن بن غَنْم(١)، وقد انتقد على مسلم هذا الإسنادَ الدار قطنيُّ وغيره، فقالوا: سقط فيه رجل بين أبي سلّام وأبي مالك، والساقط عبد الرحمن بن غَنْم، قالوا: والدليل على سقوطه أن معاوية بن سلام رواه عن (١) بفتح الغين المعجمة، وسكون النون. ١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة أخيه، زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك الأشعريّ، وهكذا أخرجه النسائيّ، وابن ماجه، وغيرهما . فقال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)): يمكن أن يجاب لمسلم عن هذا، بأن الظاهر من حال مسلم أنه عَلِمَ سماع أبي سلام لهذا الحديث من أبي مالك، فيكون أبو سلام سمعه من أبي مالك، وسمعه أيضاً من عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك، فرواه مرَةً عنه، ومرّةً عن عبد الرحمن، وكيف كان فالمتن صحيحٌّ، لا مطعن فيه. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى(١). وقال الحافظ ابن رجب تَّتُ: وقد اختُلِف في سماع يحيى بن أبي كثير، من زيد بن سلام، فأنكره يحيى بن معين، وأثبته الإمام أحمد، وفي هذه الرواية التصريح بسماعه منه، وأخرج هذا الحديث النسائيّ، وابن ماجه، من رواية معاوية بن سلّام، عن أخيه زيد بن سلّام، عن جدّه أبي سلّام، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك، فزاد في إسناده عبدَ الرحمن بن غَنْم، ورَجَّح هذه الرواية بعض الحفاظ، وقال: معاوية بن سلّام أعلم بحديث أخيه زيد من يحيى بن أبي كثير، ويُقَوّي ذلك أنه قد رُوي عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك من وجه آخر، وحينئذ فتكون هذه الرواية منقطعة. انتهى كلام ابن رجب دّتُهُ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ترجيح رواية معاوية بن سلّام بإدخال عبد الرحمن بن غَنْم هو الأقرب؛ كما مال إليه ابن رجب. وأما محاولة النوويّ في تصحيحه، فمحلّ نظر، وقد تقدّم في المسألة التاسعة عشرة، حيث ذكرتُ رسالة الحافظ أبي الفضل بن عمّار الشهيد تَُّ، فقد أعلّ هذا الحديث، ورجّح زيادة عبد الرحمن في السند، وقال: ومعاوية أعلم عندنا بحديث أخيه زيد بن سلّام من يحيى بن أبي كثير. انتهى (٢). والحاصل أن الأرجح رواية معاوية بن سلام، لكن الحديث وإن أُعلّ سند المصنّف، إلا أن المتن صحيح، برواية معاوية المذكورة، وقد أخرجها (١) ((شرح النوويّ)) ٩٩/٣ - ١٠٠. (٢) راجع ((قرة عين المحتاج)) ١٤٣/١. ١٧ (١) - بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٤٠) النسائيّ، وابن ماجه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((الطَّهُورُ) بضمّ الطاء على المختار، وقول الأكثرين، ويجوز فتحها كما تقدم تحقيقه، والمراد به الفعل، وهو مبتدأ خبره (شَطْرُ الْإِيمَانِ) أصل الشطر: النصف، وقد اختلف فيه هنا، فقيل: معناه أن الأجر فيه ينتهِي تضعيفه إلى نصف أجر الإيمان، وقيل: معناه أن الإيمان يَجُبُّ ما قبله من الخطايا، وكذلك الوضوء؛ لأن الوضوء لا يصحّ إلا مع الإيمان، فصار لتوقفه على الإيمان في معنى الشطر، وقيل: المراد بالإيمان هنا الصلاة، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]، والطهارة شرط في صحة الصلاة، فصارت كالشطر، وليس يلزم في الشطر أن يكون نصفاً حقيقياً. قال النوويّ تَخْتُ: وهذا القول أقرب الأقوال، ويحتمل أن يكون معناه: أن الإيمان تصديق بالقلب، وانقياد بالظاهر، وهما شطران للإيمان، والطهارة متضمنة الصلاة، فهي انقياد في الظاهر، والله تعالى أعلم. انتهى(١). ووقع في رواية ابن ماجه بلفظ: ((إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ شَطْرُ الْإِيمَانِ)). قال السنديّ كَّتُهُ في ((شرحه)): ذكروا في توجيهه وجوهاً لا تناسب رواية الكتاب، منها: أن الإيمان يُطهّر نجاسة الباطن، والوضوء نجاسة الظاهر، وهذا إن تمّ يفيد أن الوضوء شطر الإيمان، كرواية مسلم؛ لا أنّ إسباغه شطر الإيمان، كرواية الكتاب، مع أنه لا يتمّ؛ لأنه يقتضي أن يُجعل الوضوء مثل الإيمان وعَديله، لا نصفه، أو شطره، وكذا غالب ما ذكروا، والأظهر الأنسب لما في الكتاب أن يُقال: أراد بالإيمان الصلاة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. والكلام على تقدير مضاف؛ أي إكمال الوضوء شطر كمال الصلاة. وتوضيحه: أن إكمال الصلاة بإكمال شروطها الخارجة عنها، وأركانها الداخلة فيها، وأعظم الشرائط الوضوء، فجُعل كماله نصفَ إكمال الصلاة. ويحتمل أن المراد: الترغيب في إكمال الوضوء، وتعظيم ثوابه، حتى بلغ (١) ((شرح النوويّ)) ١٠٠/٣. ١٨ بسببسب البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطهارة إلى نصف ثواب الإيمان. انتهى كلام السنديّ رَّتُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: القول بأن المراد بالإيمان هنا الصلاة هو الأرجح، وذلك أنه لما كان الوضوء من شرط صحّتها صار نصفاً لها بهذا الاعتبار، وسيأتي مزيد بسط في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ) ولفظ ابن ماجه: ((مِلْءُ الْمِيزَانٍ))، فيحتمل أن يكون بصيغة المصدر، من إطلاق المصدر، وإرادة اسم الفاعل، بمعنى مالئ الميزان، أو بصيغة الماضي، عبّر به لتحقّق وقوعه، كقوله رَى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ . ثم ما دلّ عليه ظاهر الحديث من أن ((الحمد لله)) نفسها تملأ الميزان، من غير تأويل بثوابها هو الحقّ؛ لعدم ما يمنع من ذلك. قال السنديّ كَثُهُ: قوله: ((تملأ الميزان)) بصيغة الماضي، كأنه وقع وتحقّق، وظاهره أن الأعمال تُجسّد عند الوزن، أو بصيغة المصدر. انتهى. وقال النوويّ تَّتُهُ: أما قوله وَلّ: ((والحمد لله تملأ الميزان)): فمعناه عِظَمُ أجرها، وأنه يملأ الميزان، وقد تظاهرت نصوص القرآن، والسنة على وزن الأعمال، وثقل الموازين، وخفّتها. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((عِظَم أجرها))، فيه نظرٌ؛ إذ هو حمل للوزن على وزن الثواب، وهو خلاف ظاهر النصّ، ومما يردّه قوله في آخر كلامه: ((على وزن الأعمال))، فالأولى إبقاء النصّ على ظاهره، كما أسلفناه آنفاً، فتبصّر، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الخامسة، والحادية عشرة - إن شاء الله تعالى -. (وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلَانٍ، أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) قال النوويّ كَّلُهُ: ضبطناه بالتاء المثنّاة من فوقُ في ((تملآن))، و((تملأ))، وهو صحيح، فالأول ضمير مؤنثتين غائبتين، والثاني ضمير هذه الجملة من الكلام، وقال صاحب ((التحرير)): يجوز ((تملآن)) بالتأنيث والتذكير جميعاً، فالتأنيث على ما ذكرناه، والتذكير على إرادة النوعين من الكلام، أو الذكرين، قال: وأما ((تملأ)) فمذكر على إرادة الذكر. (١) ((شرح السنديّ)) ١/ ١٨٠. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٠١/٣. ١٩ (١) - بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٤٠) وأما معناه: فيحتمل أن يقال: لو قُدِّر ثوابهما جسماً لملأ ما بين السموات والأرض. قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق لك أن الأولى إبقاء النصّ على ظاهره؛ أي فتوزن ((سبحان الله))، و((الحمد لله)) نفسها، ولا داعي للتأويل المذكور، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: وسبب عِظَم فضلهما ما اشتملتا عليه من التنزيه الله تعالى بقوله: ((سبحان الله))، والتفويض، والافتقار إلى الله تعالى بقوله: ((الحمد لله))، والله أعلم. انتهى. وقال القرطبيّ ما حاصله: أن الحمد راجع إلى الثناء على الله تعالى بأوصاف كماله، فإذا حَمِدَ الله تعالى حامدٌ مستحضراً معنى الحمد في قلبه امتلأ ميزانه من الحسنات، فإذا أضاف إلى ذلك ((سبحان الله)) الذي معناه تبرئة الله، وتنزيهه عن كلّ ما لا يليق به من النقائص ملأت حسناته، وثوابها زيادة على ذلك ما بين السموات والأرض؛ إذ الميزان مملوء بثواب التحميد، وذكر السموات والأرض على جهة الإغياء (١) على العادة العربية، والمراد أن الثواب على ذلك كثير جدّاً، بحيث لو كان أجساماً لملأ ما بين السموات والأرض. انتھی (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((لو كان أجساماً .. إلخ)) فيه نظر لا يخفى، والصحيح حمل الحديث على ظاهره، فتوزن الأذكار نفسها، فإنه لا مانع من ذلك، والله تعالى أعلم. ووقع في رواية ابن ماجه: ((وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»، فيحتمل أن يكون بصيغة الماضي، والمصدر كسابقه، وإفراد الضمير على الأول بتأويل كلّ منهما، أو بمجموعهما، وقد سبق آنفاً أن الوزن للتسبيح والتكبير نفسهما على الصواب. وقال السنديّ كَّتُهُ: والظاهر أن هذا يكون عند الوزن كما في عَدیله، (١) ((الإغياء)): بلوغ الغاية، يقال: أغيا الرجل: بلغ الغاية. (٢) المفهم ١ /٤٧٥ - ٤٧٦. ٢٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة ولعلّ الأعمال تصير أجساماً لطيفةً نورانيّةً، لا تُزاحم بعضها، ولا يزاحم غيرها أيضاً، كما هو المشاهد في الأنوار؛ إذ يمكن أن يُسرَج ألف سراج في بيت واحد، مع أنه يمتلئ نوراً من واحد من تلك السُّرُج، لكن لكونه لا يزاحم يجتمع معه نور الثاني ونور الثالث، ثم لا يمنع امتلاء البيت من النور جلوسَ القاعدين فيه؛ لعدم التزاحم، فلا يرد أنه كيف يتصوّر ذلك مع كثرة التسبيحات والتقديسات؟ مع أنه يلزم من وجوده أن لا يبقى مكان لشخص من أهل المحشر، ولا لعمل آخر متجسّد مثل تجسّد التسبيح وغيره. انتهى كلام السنديّ تَّهُ(١). وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -. (وَالصَّلَاةُ نُورٌ) أي منوّرة للقلوب، وشارحة للصدور، وقال أبو العباس القرطبيّ تَخَّتُهُ: معناه: أن الصلاة إذا فُعلت بشروطها المصحّحة، والمكمّلة نوّرت القلب؛ بحيث تشرق فيه أنوار المكاشفات والمعارف، حتى ينتهي أمر مَن يراعيها حقّ رعايتها أن يقول: ((وجُعلت قرّة عيني في الصلاة))(٢)، وأيضاً فإنها تنوّر بين يدي مُراعيها يوم القيامة في تلك الظَّلَم، وأيضاً تنوّر وجه المصلِّي يوم القيامة، فيكون ذا غرّة وتحجيل، كما ورد في حديث عبد الله بن بُسْر ◌َظُه، مرفوعاً: ((أمتي يوم القيامة غُرُّ من السجود، محجّلون من الوضوء)) (٣). انتهى كلام القرطبيّ(٤). وقال النوويّ تَخّْلهُ: معناه: أنها تمنع من المعاصي، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتَهْدي إلى الصواب، كما أن النور يستضاء به، وقيل: معناه أنه يكون أجرها نوراً لصاحبها يوم القيامة، وقيل: لأنها سبب الإشراق أنوار (١) ((شرح السنديّ)) ١/ ١٨٠ - ١٨١. (٢) حديث صحيح، رواه أحمد ١٢٨/٣ و١٩٩ و٢٨٥. (٣) حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ في ((جامعه)) برقم (٥٠٥) وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجه، من حديث عبد الله بن بسر. (٤) ((المفهم)) ٤٧٦/١.