Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٧)
إِلَى مَرْيَمَ) أي أبلغها إليها (وَرُوحٌ مِنْهُ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَّا تَرَى مَا نَحْنُ
فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى نَّهِ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً
لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْباً) يعني في هذه
الرواية، وإلا فقد ورد في رواية الترمذيّ من حديث أبي نضرة، عن أبي
سعيد رَظُهُ: ((إني عُبدت من دون الله))، وفي رواية أحمد، والنسائيّ من حديث
ابن عبّاس ◌َّ: ((إني اتُّخِذتُ إلهاً من دون الله))، وفي رواية ثابت عند سعيد بن
منصور نحوه، وزاد: ((وإن يُغفَر لي اليومَ حسبي)). (نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَی
غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ نََّ، فَيَأْتُونِي، فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللهِ،
وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَغَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ،
أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَأَنْطَلِقُ، فَأَتِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَأَفَعُ
سَاجِداً لِرَبِّي) قال القرطبيّ تَخَّتُ: قد زاد عليه في حديث أنس رَُّه: ((فأنطلق،
فأستأذن على ربّي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه، فأحمده بمحامد، ثم أخرّ
ساجداً))، قال: وبمجموع الحديثين يكمل المعنى، ويُعلَم مراعاة النبيّ وَلـ
الآداب الحضرة العليّة (١).
(ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ، وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ، وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، شَيْئاً لَمْ
يَفْتَحْهُ لِأَحَدٍ قَبْلِي) وفي رواية ثابت عن أنس: ((فأحمد ربي بمحامد لم يحمده
بها أحدٌ قبلي، ولا يحمده بها أحدٌ بعدي)).
قال القرطبيّ كَخّْثُ: يدلّ حديث أبي هريرة ◌َُّبه على أن المحامد كانت
بعد السجود، وحديث أنسّ ظله يدلّ على أنها كانت قبل السجود في حالة
القيام، وذلك يدلّ على أنه وفر أكثر من التحميد والثناء في هذا المقام كلّه في
قيامه وسجوده إلى أن أُسعِف في طَلِبَته. انتهى (٢).
(ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ(٣)، فَأَرْفَعُ
رَأْسِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ) قال
القرطبيّ تَخُّْهُ: هذا يدلّ على أنه وَ ﴿ شُفِّع فيما طلبه من تعجيل حساب أهل
(١) ((المفهم)) ٤٣٥/١ - ٤٣٦.
(٣) وفي نسخة: ((واشفع)) بالواو.
(٢) ((المفهم)) ٤٣٥/١ - ٤٣٦.

٣٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الموقف، فإنه لَمّا أُمر بإدخال من لا حساب عليه من أمته، فقد شَرَع في
حساب من عليه حساب من أمته وغيرهم، ولذلك قال في الرواية الأخرى:
((فيؤذن له، وتُرسَل الأمانة والرحِمُ، فيقومان جنبتي الصراط))، هذا المساق
أحسن من مساق حديث معبد، عن أنس رظُه، فإنه ذكر فيه عقب استشفاعه
لأهل الموقف أنه أُجيب بشفاعته لأمته، وليست الشفاعة العامّة التي طَلَب منه
أهل الموقف، وكأنه هذا الحديث سُكِت فيه عن هذه الشفاعة، فذكرت شفاعته
لأمته؛ لأن هذه الشفاعة هي التي طلبت من أنس ◌َظُبه أن يُحدّث بها في ذلك
الوقت، وهي التي أنكرها أهل البدع، والله تعالى أعلم (١).
(مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ) يعني به - والله أعلم - السبعين الذين لا يسترقون،
ولا يتطيّون، وعلى ربهم يتوكّلون، قاله القرطبيّ (مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ، مِنْ أَبْوَابٍ
الْجَنَّةِ) هو الباب الذي يكون عن يمين القاصد إلى الجنّة بعد جواز الصراط،
واختير؛ لكونه أفضل الأبواب، والله تعالى أعلم (وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى
ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَابِ) قال القرطبيّ تَخْذُ: يَحْتَمِل أن يعود هذا الضمير إلى السبعين
الذين لا حساب عليهم، وهو الظاهر، ويكون معناه: أنهم لا يُلْجأون إلى
الدخول من الباب الأيمن، بل من أيّ باب شاؤوا دخلوا، كما جاء في حديث
أبي بكر رُّبُه حيث قال: ((هل يُدْعَى منها كلِّها أحدٌ يا رسول الله؟ قال: نعم،
وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر)) متّفقٌ عليه، وكما قال ◌َّ فيمن أسبغ الوضوء،
وهّل بعده: ((أدخله الله من أيّ أبواب الجنّة الثمانية شاء))، رواه مسلم.
ويَحْتَمِلُ أن يعود على الأمة، وفيه بُعْدٌ. انتهى كلام القرطبيّ تَظُّهُ، وهو
تحقيقٌ حسنٌّ، والله تعالى أعلم.
(وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ) بكسر الميم: جانبا
الباب (مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ، لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ) - بفتح الهاء والجيم -: مدينة
عظيمة، هي قاعدة بلاد البحرين، قال الجوهريّ في ((صحاحه)): هَجَر اسم بلد
مُذَكَّر مصروف، قال: والنسبة إليه هاجريّ، وقال أبو القاسم الزجاجيّ في
((الْجُمَل)»: هَجَر يُذَكَّر ويؤنث.
(١) ((المفهم)) ١/ ٤٣٧.

٣٦٣
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٧)
وقال النوويّ: هجر هذه غير هجر المذكورة في حديث: ((إذا بلغ الماء
قلتين بقلال هجر))، تلك قرية من قُرَى المدينة، كانت القلال تُصْنَع بها،
معروفةٌ، وقد أوضحتها في أول ((شرح المهذّب)). انتهى.
(أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى) - بضم الباء - وهي مدينة معروفة، بينها وبين
دمشق نحو ثلاث مراحل، وهي مدينة حُوران، وبينها وبين مكة شهر، قاله
النوويّ(١)، وهي غير البصرة المعروفة بالعراق، وقد تقدّم أنها مثلّثة الباء،
والغرض من التمثيل بهذا المبالغة في سعة باب الجنّة، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ كَُّهُ: يَحْتَمِلُ أن يكون شكّاً من بعض الرواة، ويَحْتَمِلُ أن
يكون تنويعاً، كأنه و ﴿ل قال: إذا رأى ما بينهما قدّره راءٍ بكذا، وقدّره آخر
بكذا، ويصحّ أن يقال: سَلَكَ بها مسلك التخيير، فكأنه قال: قدِّروها إن شئتم
بكذا، وإن شئتم بكذا. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الصواب كونه للشكّ، ويردّ الاحتمال الثاني ما
يأتي في رواية عُمارة بن القعقاع بلفظ: ((لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أَوْ هَجَرٍ وَمَكَّةَ،
قَالَ: لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ؟))، فإنه صريحٌ في الشكّ، وقد وقع عند ابن منده
بلفظ: ((كما بين مكة وهَجَر، أو مكة وبُصْرَى، لا أدري أيهما قال؟»، فدلّ
على أن ((أو)) للشكّ من غير شكّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفق عليه .
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤٨٧/٩٠ و٤٨٨] (١٩٤)،
و(البخاريّ) في ((أحاديث الأنبياء)) (٣٣٤٠ و٣٣٦١)، و((التفسير)) (٤٧١٢)،
و(الترمذيّ) في ((الزهد)) (٢٤٣٤)، و((الأطعمة)) (١٨٣٧)، و(النسائيّ) في
(الوليمة)) من ((الكبرى)) (٦٦٦٠)، و((التفسير)) (١١٢٨٦)، و(ابن ماجه) في
((الأطعمة)) (٣٣٠٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣١/٢ و٤٣٥)، و(أبو عوانة) في
(١) ((شرح مسلم)) ٦٩/٣.
(٢) ((المفهم)) ٤٣٨/١ - ٤٣٩.

٣٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
((مسنده)) (٤٣٧ و٤٣٨ و٤٣٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه) (٤٨٣ و٤٨٤)،
و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٨٧٩ و٨٨٠ و٨٨١ و٨٨٢)، وأما فوائد الحديث،
فقد تقدّمت في شرح حديث أنس ربه الطويل، فراجعها تستفد، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٨٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ
الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَثْ رَسُولِ اللهِنَّهِ قَصْعَةٌ
مِنْ ثَرِيدٍ وَلَحْم، فَتَنَاوَلَ الذِّرَاعَ، وَكَانَتْ أَحَبَّ الشَّاةِ إِلَيْهِ، فَنَهَسَ نَهْسَةً(١)، فَقَالَ: أَنَا
سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمُّ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ نَهَسَ أُخْرَى، فَقَالَ: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَمَّا رَأَى
أَصْحَابَهُ لَا يَسْأَلُونَهُ، قَالَ: أَلَا تَقُولُونَ كَيْفَهْ؟ قَالُوا: كَيْفَهْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: يَقُومُ
النَّاسُ لِرَبُّ الْعَالَمِينَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ أَبِي حَيَّنَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، وَزَادَ
فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ: فَقَالَ: وَذَكَرَ قَوْلَهُ فِي الْكَوْكَبِ: ﴿هَذَا رَبِّ﴾ [الأنعام: ٧٦]، وقَوْله
لِآلِهَتِهِمْ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقَوْله: ﴿إِنِ سَقِيمٌ﴾ [الصافات:
٨٩]، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ: إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ إِلَى
عِضَادَتَي الْبَابٍ، لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أَوْ هَجَرٍ وَمَّةَ، قَالَ: لَا أَدْرِي أَّ ذَلِكَ قَالَ؟).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خَيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ،
وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٣ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرُمة الضبّيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٠٨/١.
(١) وفي نسخة: ((فنهس منها نهسةً)).

٣٦٥
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٨)
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (قَصْعَةٌ) - بفتح القاف، وسكون الصاد المهملة -: هي الصّحْفَة،
وزناً ومعنَى، جمعها قَصَعَات محرَّكَةً وكَعِنَبٍ، وجِبَال، قاله المجد تَظْهُ(١).
وقوله: (مِنْ ثَرِيدٍ) بالفتح، قال الفيّوميّ تَخَّتُهُ: فَعِيلٌ بمعنى: مفعول،
ويقال أيضاً: مَثْرُودٌ، يقال: ثَرَدتُ الْخُبزَ ثَرْداً، من باب قتل، وهو أن تَفْتّه، ثم
تَبِّلْه بمرقٍ، والاسم الثُّرْدَةُ. انتهى(٢).
وقال المجد تَّتُهُ: ثَرَدَ الخبزَ: فَتَّهُ، كانَّرَده، واتَّرَده بالثاء والتاء، على
(٣)
افتعله. انتهى
.
وقوله: (أَلَا تَقُولُونَ كَيْفَهْ؟ قَالُوا: كَيْفَهْ يَا رَسُولَ اللهِ؟) هكذا وقع في
النسخ التي بين يديّ بلفظ ((كيفه)) في الموضعين، ووقع عند القاضي عياض في
((شرحه)) الأول بلفظ ((كيف هو))، ونصّه: وقوله وَله لأصحابه حين لم يسألوه
حين قال: ((أنا سيّد ولد آدم: ألا تقولون: كيف هو؟))، وعند العذريّ: ((كيفه،
قالوا: كيفه))، هذه الهاء هاء السكت عند أهل العربيّة الملْحَقة في الوقف، وهي
تَلْحَقُ الأسماء والحروف، والأفعالَ؛ لثلاث عِلَل:
لصحّة الحركة التي قبلها آخر الكلمة، كقولهم: غُلاميه، وكتابيه، ﴿لَمْ
يَتَسَنَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] على قول بعضهم، وأينه، وكيفه.
أو لتمام الكلام المنقوص، كقوله: عمّه، ولِمَه، وقِهْ.
أو للحاجة عند مدّ الصوت في النداء والنُّذبة.
وفيه تنبيه العالم الطالب على موضع السؤال، وبسطه للسؤال إذا انقبض،
وتعظيم القوم العالم أن يسألوه عن كلّ شيء، ولعلّ هذا كان بعد نهيهم عن
السؤال إلا فيما أذن لهم فيه. انتهى كلام القاضي عياض ◌َّفُ(٤).
وقال النوويّ تَخْتُهُ في ((شرحه): هذه الهاء هي هاء السكت، تُلْحَق في
الوقف، وأما قول الصحابة ﴿ه: كيفه يا رسول الله، فأثبتوا الهاء في حالة
الدرج، ففيها وجهان، حكاهما صاحب ((التحرير)) وغيره:
(١) ((القاموس المحيط)) ص٦٧٦.
(٣) المصدر السابق ص٢٤٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ٨١.
(٤) ((إكمال المعلم)) ٢ / ٨٧٤ - ٨٧٦.

٣٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[أحدهما]: أن من العرب من يُجْري الدرج مُجْرَى الوقف.
[والثاني]: أن الصحابة ﴿ه قَصُدوا اتّباع لفظ النبيّ وَّ الذي حَثَّهم
عليه، فلو قالوا: ((كيف)) لَمَا كانوا سائلين عن اللفظ الذي حَثَّهم عليه، والله
تعالى أعلم، قاله النوويّ دَخَّهُ(١) .
وإلى هذه الهاء أشار ابن مالك تَخُّْ في ((الخلاصة)) حيث قال:
حُرِّكَ تَحْرِيكَ بِنَاءٍ لَزِمَا
وَوَصْلَ ذِي الْهَاءِ أَجِزْ فِي كُلِّ مَا
أُدِيمَ شَذَّ فِي الْمُدَامِ اسْتُحْسِنَا
وَوَصْلُهَا بِغَيْرٍ تَحْرِيكِ بِنَا
لِلْوَقْفِ نَثْراً وَفَشَا مُنْتَظِمَا
وَرُبَّمَا أُعْطِيَ لَفْظُ الْوَصْلِ مَا
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ ... إلخ) الضمير لعمارة بن القعقاع.
وقوله: (وَزَادَ فِي قِصَّةٍ إِبْرَاهِيمَ) عَّ الضمير لعمارة أيضاً، وكذا (فَقَالَ)
أي قال عمارة، وقوله: (وَذَكَرَ) قَوْلَهُ فِي الْكَوْكَبِ ... إلخ، مقول القول، وهو
محكيّ؛ لقصد لفظه.
وقوله: (قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) ضمير ((قال)) للنبيّ وَّه.
وقوله: (إِلَى عِضَادَتَي الْبَابِ) هو بكسر العين، قال الجوهريّ: عِضادتا
الباب: هما خشبتاه من جانبيه. انتهى.
[تنبيه]: رواية عمارة بن القعقاع التي أحالها المصنّف تََّثُ هنا أخرجها
الحافظ ابن منده رخّتُهُ(٢) في ((كتاب الإيمان)) (٨٥١/٢)، فقال:
(٨٨٢) أخبرنا محمد بن إبراهيم بن الفضل، وأحمد بن إسحاق بن
أيوب، ومحمد بن يعقوب، قالوا: ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم،
أنبأ جرير بن عبد الحميد، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن
جرير، عن أبي هريرة، قال: وُضِعت بين يدي رسول الله وَلير قصعة من ثريد،
فتناول الذراع، وكان أحب الشاة إلى رسول الله وَله، فنَهَس نَهْسَةً، فقال: أنا
سيد ولد آدم يوم القيامة، ثم نهس أخرى، فقال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة،
(١) ((شرح النوويّ)) ٧٠/٣.
(٢) لكن وقع عنده في آخره بلفظ: ((كما بين مكة وهجر، أو مكة وبصرى))، والظاهر
أنه وقع له من شيخه هكذا، والله أعلم.

٣٦٧
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٨)
فلما رأى أن أصحابه لا يسألونه، قال: ألا تقولون كيف؟ قالوا: يا رسول الله
كيف؟ قال: يقوم الناس لرب العالمين، يُسْمِعهم الداعي، ويَنْفُذهم البصر،
وتدنو الشمس من رؤوسهم، فيشتدّ عليهم حرّها، ويشقّ عليهم دُنُؤُها منهم،
قال: فينطلقون من الضَّجَر والْجَزَع مما هم فيه، فيأتون آدم، فيقولون: أنت آدم
أبو البشر، خلقك الله بيده، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربنا،
ألا ترى ما نحن فيه من الشرّ؟ فيقول آدم: إن ربي غَضِب اليوم غَضَباً لم
يغضب قبله مثله، ولن يَغْضَب بعده مثله، وكان أمرني أمراً فعصيته، وأطعت
الشيطان، نهاني عن الشجرة، فعصيته، وأخاف أن يَطْرَحني في النار، انطلقوا
إلى غيري، نفسي نفسي، قال: فينطلقون، فيأتون إلى نوح عَلَّلا، فيقولون: يا
نوح، أنت نبي الله، وأول رسل الله، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه
من الشرّ؟ فيقول نوح: إن ربي غَضِب اليوم غَضَباً لم يغضب قبله مثله، ولن
يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة، فدعوت بها على قومي، فأُهلكوا،
وإني أخاف أن يَطْرحني في النار، انطلقوا إلى غيري، نفسي نفسي، قال:
فينطلقون، فيأتون إبراهيم عليه، فيقولون: يا إبراهيم أنت خليل الله، قد سَمِع
بِخُلّتك أهل السماء وأهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه
من الشرّ؟ فيقول إبراهيم: إن ربي غَضِب اليوم غَضَباً لم يغضب قبله مثله، ولن
يغضب بعده مثله، وذكر الكوكب، قوله: إنه ربي، وقوله لآلهتهم: هذا
كبيرهم، وقوله: إني سقيم، وأخاف أن يَطْرَحني في النار، انطلقوا إلى غيري،
نفسي نفسي، فينطلقون، حتى يأتون موسى، فيقولون: يا موسى أنت نبي الله،
اصطفاك الله برسالاته، وكلمك تكليماً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن
فيه من الشرّ؟ فقال موسى: إن ربي غَضِب اليوم غَضَباً لم يغضب قبله مثله،
ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً، لم أومر بها، فأخاف أن يَطْرَحني في
النار، انطلقوا إلى غيري، نفسي نفسي، فينطلقون حتى يأتوا عيسى، فيقولون:
يا عيسى أنت نبي الله، أنت كلمة الله وروحه، ألقاها إلى مريم وروح منه،
اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه من الشرّ؟ فيقول عيسى: إن ربي
غَضِب اليوم غضباً، لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله - قال عمارة:
ولا أعلمه ذكر ذنباً - وقال: إني أخاف أن يَطرحني في النار، انطلقوا إلى

٣٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
غيري، نفسي نفسي، فينطلقون، فيأتوني، فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله،
وخاتم النبيين، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك،
فأنطلق، فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي، فيقيمني رب العالمين مقاماً لم
يُقِمه أحداً قبلي، فيقول: يا محمدُ اشفع تشفع، سل تعطه، فأقول: يا رب أمتي
أمتي، فيقول الله له: أَدْخِل الجنةَ من لا حساب عليه من أمتك من الباب الأيمن،
وهم شركاء الناس في الأبواب الأُخَر، والذي نفس محمد بيده، إن ما بين الباب
إلى الباب كما بين مكة وهَجَر، أو مكة وبُصْرَى لا أدري أيهما قال. انتهى، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٨٩] (١٩٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفِ بْنِ خَلِيفَةَ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكِ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
وَأَبُو مَالِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَنَّ (يَجْمَعُ اللهُ تَبَارََكَ
وَتَعَالَى النَّاسَ، فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ، حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا
أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّ خَطِيئَةُ أَبِيِكُمْ آدَمَ،
لَسْتُ بِصَاحِبٍ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ، خَلِيلِ اللهِ، قَالَ: فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ:
لَسْتُ بِصَاحِبٍ ذَلِكَ، إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلاً مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، اعْمِدُوا إِلَى مُوسَى وَّلـ
الَّذِي كَلَّمَهُ اللهُ تَكْلِيماً، فَيَأْتُونَ مُوسَى وَّهِ، فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبٍ ذَلِكَ، اذْهَبُوا
إِلَى عِيسَى، کَلِمَةِ اللهِ وَرُوحِهِ، فَيَقُولُ عِيسَى وَّهِ: لَسْتُ بِصَاحِبٍ ذَلِكَ، فَيَأْتُونَ
مُحَمَّداً وَّهِ، فَيَقُومُ، فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ، وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَي الصِّرَاطِ
يَمِيناً وَشِمَالاً، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ، قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ
الْبَرْقِ؟ قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ، كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةٍ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرٌ
الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ، تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى
الصِّرَاطِ، يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ،
فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفاً، قَالَ: وَفِي حَافَتَي الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ، مُعَلَّقَةٌ، مَأْمُورَةٌ

٣٦٩
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٩)
بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ
بِيَدِهِ، إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفاً))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفِ بْنِ خَلِيفَةَ الْبَحَلِيُّ) أبو جعفر الكوفيّ، من صغار [١٠].
رَوَى عن أبيه، وعبد الله بن إدريس، وأبي بكر بن عيّاش، وعمران،
وإبراهيم ابني عيينة، وأبي أسامة، وأبي معاوية، ووكيع، ومحمد بن فضيل،
وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وابنه أبو زيد،
أحمد بن محمد بن طَرِيف، وأبو حاتم، وموسى بن هارون، ومحمد بن
عثمان بن أبي شيبة، وصالح بن محمد الحافظ، ومحمد بن عبد الله
الحضرميّ، وغيرهم.
قال أبو زرعة: محلُّه الصدق، وقال في موضع آخر: لا بأس به،
صاحب حديث، كان ابن نمير يُثني عليه، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال
الخطيب: كان ثقةً.
وقال الحضرميّ: مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين، زاد القَرّاب في
(تاريخه)): في صفر، وأرّخه ابن قانع سنة (٣٧).
وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط(١)، هذا (١٩٥)، وحديث
(١٦٥١): ((إذا حلف أحدكم على اليمين ... ))، و(٢٦٩٤): ((كلمتان خفيفتان
على اللسان ... ))، و(٢٧٤٣): ((بينما ثلاثة نفر، يتمشّون ... )).
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل) بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ،
صدوقٌ عارفٌ، رُمي بالتشيّع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦٣ /٣٥٨.
٣ - (أَبُو مَالِكِ الْأَشْجَعِيُّ) هو: سعد بن طارق الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (ت في
حدود ١٤٠) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥.
(١) هذا هو الذي في برنامج الحديث (صخر)، وذكر في ((تهذيب التهذيب)) عن
((الزهرة)): أنه رَوَى عنه مسلم ستة أحاديث، والأول أشبه، والله تعالى أعلم.

٣٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٤ - (أَبُو حَازِم) هو: سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [٣] (ت على رأس
١٠٠) (ع) تقدم في (الإيمان)) ٩/ ١٤٢.
٥ - (رِبْعِيّ) - بكسر الراء، وسكون الموحّدة - بن حِرَاش - بكسر الحاء
المهملة، بعدها راء - أبو مريم الْعَبْسيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مخضرم [٢]
(ت ١٠٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/ ٢.
٦ - (خُذَيْفَةُ) بن اليمان، حِسْل، أو حُسيل الْعَبسيّ، حليف الأنصار ابن
الصحابيّ ◌ًا، مات سنة (٣٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٥٧.
وأبو هريرة ظُه تقدّم في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله،
فلا حاجة إلى إعادته، بل أذكر هنا بعض ما يُستشكل، فأقول:
قوله: (حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ) هو بضم التاء، وإسكان الزاي، ومعناه:
تُقَرَّب وتُدنى منهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ
﴾ [الشعراء:
٩
٩٠]: أي قُرِّبت.
وقوله: (إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلاً مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ) قال النوويّ تَُّ: المشهور في
ضبط الكلمتين الفتح فيهما بلا تنوين، ويجوز عند أهل العربية بناؤها على الضم،
وقد جَرَى في هذا كلام بين الحافظ أبي الخطاب بن دِحية، والإمام الأديب، أبي
اليمن الكِنْديّ، فرواهما ابن دحية بالفتح، وادّعَى أنه الصواب، فأنكره الكِنْديّ،
وادّعَى أن الضم هو الصواب، وكذا قال أبو البقاء: الصواب الضم؛ لأن تقديره:
من وراءِ ذلك، أو من وراء شيء آخر، قال: فإن صَحّ الفتح قُبِلَ، وقد أفادني هذا
الحرف الشيخ الإمام، أبو عبد الله، محمد بن أُميّة أدام الله نِعَمَه عليه، وقال:
الفتح صحيحٌ، وتكون الكلمة مؤكّدةً، كشَذَرَ مَذَر، وشَغَرَ بَغَر، وسقطوا بَيْنَ بَيْنَ،
فركّبهما، وبناهما على الفتح، قال: وإن ورد منصوباً منوناً جاز جوازاً جيِّداً،
ونَقَلَ الجوهريّ في ((صحاحه)) عن الأخفش أنه يقال: لَقِيتُهُ من وراءُ، مرفوعٌ على
الغاية، كقولك: من قَبْلُ، ومن بَعْدُ، قال: وأنشد الأخفش شعراً [من الطويل]:
إِذَا أَنَا لَمْ أُومَنْ عَلَيْكَ وَلَمْ يَكُنْ لِقَاؤُكَ إِلَّا مِنْ وَرَاءُ وَرَاءُ
بضمهما، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ تَقْذَّتُهُ(١).
(١) ((شرح مسلم)) ٧١/٣.

٣٧١
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٩)
وقوله: (فَتَقُومَانِ جَنَبَتَي الصِّرَاطِ يَمِيناً وَشِمَالاً) أما ((تقومان)): فبالتاء
المثنّاة من فوقُ، وقد قدّمنا بيان ذلك، وأن المؤنثتين الغائبتين تكونان بالمثناة
من فوقُ.
وأما جنبتا الصراط: فبفتح الجيم والنون، ومعناهما: جانباه، يقال:
جَنْبَتَا الوادي، وجانباه، وضِفّتاه، وناحيتاه(١).
وقوله: (وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ، وَالرَّحِمُ) قال النوويّ تَخْلُهُ: أما إرسال الأمانة
والرحم: فهو لِعِظَم أمرهما، وكثير مَوْقعهما، فَتُصَوَّران مُشَخَّصَتين على الصفة
التي يريدها الله تعالى، قال صاحب ((التحرير)): في الكلام اختصار؛ لفهم
السامع له، أي إنهما تقومان لتطالبا كلَّ من يريد الجواز بحقّهما. انتهى(٢).
وقوله: (وَشَدِّ الرِّجَالِ) بالجيم: جمع رَجُل، هذا هو الصحيح المعروف
المشهور، ومعناه: كسُرعة جَرْي الرجال، ونَقَلَ القاضي عياض أنه في رواية
ابن ماهان ((الرِّحَال)) بالحاء، قال القاضي: وهما متقاربان في المعنى، وشدُّها
عَذْؤُها البالغ وجريها. انتهى.
وقال القرطبيّ تَخْذُّهُ: وشدُّ الرجال: جَرْيُهم الشديد، جمع رَجُل، وعند
ابن ماهان: ((الرحال)) بالحاء المهملة، وكأنه سُمِّيت الراحلةُ بالرَّحْل، ثمّ جُمِع:
يريد كجري الرواحل، وفيه بُعْد. انتهى(٣).
وقوله: (تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ) قال النوويّ تَّقُ: هو كالتفسير لقوله وَّه:
((فَيَمُرّ أوّلكم كالبرق، ثم كَمَرّ الريح)) إلى آخره، ومعناه: أنهم يكونون في سرعة
المرور على حَسَبِ مراتبهم وأعمالهم. انتهى (٤).
وقال القاضي عياض ◌َُّهُ: يعني: أن سُرعة مرّهم على الصراط بقدر
أعمالهم، ومبادرتهم لطاعة ربّهم، ألا تراه كيف قال: ((حتى تعجَز أعمال
العباد)»؟ وهذا كلّه من عَدْلِ الله تعالى، وإظهار ذلك لعباده، وإلا فالكلّ
برحمته، لا إله غيره.
(١) ((إكمال المعلم)) ٨٧٦/٢، و((شرح النوويّ)) ٧٠/٣.
(٢) ((شرح مسلم)) ٣/ ٧٢ بتغيير يسير.
(٤) ((شرح مسلم)) ٧٢/٣.
(٣) ((المفهم)) ٤٣٩/١.

٣٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال: وعند بعض رُواة مسلم: ((تجري بهم بأعمالهم)) ولا وجه لدخول
الباء هنا - يعني قوله: ((بأعمالهم)) -. انتهى(١).
وقوله: (حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ) بكسر الجيم، وفتحها، من بابي
ضرب، وسَمِع، جوّز الوجهين في ((القاموس))، وعبارته: الْعَجْزُ، والْمَعْجِزُ،
والْمَعْجِزَةُ، وتُفتح جيمهما، والْعَجَزَانُ، محرَّكَةً، والْعُجُوزُ بالضمّ: الضَّعْفُ،
والفِعْلُ كَضَرَبَ، وسَمِعَ. انتهى(٢) .
وضعّف الفتح في ((المصباح))، وعبارته: عَجَزَ عن الشيء عَجْزاً، من باب
ضَرَبَ، ومَعْجِزَةً بالهاء وحَذْفِها، ومع كلِّ وجه فتح الجيم وكسرها: ضَعُفَ
عنه، وعَجِزَ عَجَزاً، من باب تَعِبَ: لغةٌ لبعض قيس عَيْلان، ذكرها أبو زيد،
وهذه اللغة غير معروفة عندهم، وقد رَوَى ابنُ فارس بسنده إلى ابن الأعرابيّ
أنه لا يقال: عَجِزَ الإنسان بالكسر إلا إذا عَظُمت عَجِيزته. انتهى(٣) .
وقوله: (إِلَّا زَحْفاً) بفتح الزاي، وسكون الحاء المهملة: يقال: زَحَفَ
الرجل، من باب نَفَعَ: إذا انسحب على استِهِ(٤).
وقوله: (وَفِي حَافَتَي الصِّرَاطِ) بتخفيف الفاء، وهما جانباه.
وقوله: (كَلَالِيبُ) جمع كَلُّوب على فَعَول، نحو سَقُود، وهي التي سمّاها
فيما تقدّم الْخَطَاطِيف.
وقوله: (فَمَخْدُوشٌ نَاج) أي مجروح ينجو منها .
وقوله: (وَمَكْدُوسٌ فِيَّ النَّارِ) هو بالدال المهملة، والسين المهملتين: قال
ابن الأثير: ((مكدوس في النار)): أي مدفوع فيها، وتَكَدَّسَ الإنسان: إذا دُفِع
من ورائه، فسقط، ويروى بالشين المعجمة، من الْكَدْش، وهو السوق الشديد،
والْكَذْش أيضاً: الطرد والجرح. انتهى(٥).
وقال النوويّ كََّتُهُ: ووقع في أكثر الأصول هنا: ((مُكَرْدَسٌ)) بالراء ثم
الدال، وهو قريب من معنى المكدوس. انتهى.
(١) ((إكمال المعلم)) ٢/ ٨٧٧.
(٣) ((المصباح المنير)) ٣٩٣/٢.
(٥) ((النهاية)) ١٥٥/٤.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٤٦٤.
(٤) ((النهاية)) ٢٩٨/٢.

٣٧٣
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٩)
وقال القرطبيّ لكلثهُ: قوله: ((مکردس)) بمعنی: مكدوس، يقال: گرْدس
الرجل خيله: إذا جمعها كراديس، أي قِطَعاً كِبَاراً، ويَحْتَمِلُ أن يكون معناه:
المكسور فَقَارِ الظهر، ويَحْتَمِلُ أن يكون من الْكَرْدسة، وهو الْوِثَاق، يقال:
كُرْدِسَ الرجلُ: جُمِعت يداه ورجلاه، حكاها الجوهريّ. انتهى(١).
وقوله: (وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ) هذا صريح في أن قوله: إن قعر
جهنم ... إلخ من كلام أبي هريرة ظُبه، وليس مرفوعاً.
وقوله: (إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفاً) قال النوويّ كَّتُهُ: هكذا هو في
بعض الأصول لسبعون بالواو، وهذا ظاهر، وفيه حذفٌ، تقديره: إن قعرَ جهنم
سَيْرُ سبعين سنة، ووقع في معظم الأصول والروايات: (السبعين)) بالياء، وهو
صحيح أيضاً، إِمّا على مذهب من يَحْذِف المضافَ، ويُبقي المضاف إليه على
جرّه، فيكون التقدير ((سَيرُ سبعين))، وإِمّا على أن ((قَعْرَ جهنم)) مصدرٌ، يقال:
فَعَرْتُ الشيءَ: إذا بَلَغْتَ قَعْرَهُ، ويكون ((سبعين)) ظرف زمان، وفيه خبر ((إنّ))،
والتقدير: إن بلوغ قعر جهنم لكائن في سبعين خريفاً، والخريفُ: السنة.
(٢)
انتھی(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال النوويّ التوجيه: بإبقاء المضاف إليه
على حاله بعد حذف المضاف، فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأن شرطه أن يكون
المحذوف معطوفاً على ممائله، كما قال في ((الخلاصة)) بقوله:
وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذِي أَبْقَوْا كَمَا قَدْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا
مُمَائِلاً لِمَا عَلَيْهِ قَدْ عُطِفْ
لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا حُذِفْ
وذلك كقول الشاعر [من المتقارب]:
وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارًا
أَكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأَ
فجرّ (نارٍ))؛ لوجود الشرط، وهو العطف على مثله، فيكون التقدير:
((وكلَّ نار))، وهنا ليس هكذا، فعندي الأولى أن يُخرّج على لغة من يُعرب
الجمع المذكر السالم كلفظ ((حين)) في الإعراب على النون، كما في قوله:
دَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فَإِنَّ سِنِينَهُ لَعِبْنَ بِنَا شِيباً وَشَيَّبْنَنَا مُرْدَا
(١) ((المفهم)) ٤٤٠/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٧٢/٣ - ٧٣.

٣٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وإلى هذا أشار في ((الخلاصة)) بقوله:
.... وَمِثْلَ ((حِينٍ)) قَدْ يَرِدْ ذَا الْبَابُ وَهْوَ عِنْدَ قَوْم يَطَّرِدْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
حديث أبي هريرة وحذيفة ها هذا معاً من أفراد المصنّف ◌َظُّ .
وإنما قيّدته بقولي: ((معاً)) لأن حديث أبي هريرة ◌ُه بمفرده متّفق عليه
كما أسلفت تخريجه قبل حديث، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤٨٩/٩٠] (١٩٥)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٤٤٢ و٤٨٥)، و(ابن خزيمة) في ((التوحيد)) (ص٢٤٥ - ٢٤٦)،
(وابن منده) في ((الإيمان)) (٨٨٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٩١) - (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَِّ: أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ،
وَأَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعاً)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٩٠] (١٩٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ
قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَا أَكْثَرُ الْأَنِْيَاءِ تَبَعاً))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقَفيّ، أبو رَجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه تقدّم قبل باب.

٣٧٥
(٩١) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّنَّهِ: أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩٠)
٣ - (جَرِير) هو ابن عبد الحميد تقدّم قبل حديث.
٤ - (الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُل) مولى عمرو بن حُريث البصريّ، ثقةٌ [٥] (م د ت
س) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) رَّه المذكور في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخَّتُهُ، وهو (٢٣) من رباعيات
الكتاب، وهو أعلى الأسانيد له، كما مرّ قريباً.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى إسحاق، فما أخرج له ابن
ماجه، والمختار، فما أخرج له البخاريّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه قوله: ((قال قتيبة: حدّثنا جرير))، وجه ذلك أن شيخه
قتيبة أخذه عن جرير سماعاً منه مع جماعة، بخلاف إسحاق، فإنه لم يصرّح
بهذا، فبيّن المصنّف ذلك.
٤ - (ومنها): أن أنساً ظ ◌ُله من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً،
كما مرّ قريباً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبُه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ
يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ) قال القرطبيّ تَظَُّهُ: أي في دخول الجنّة قبل الناس، ويدلّ
عليه قوله: ((وأنا أوّلُ من يَقرَع باب الجنّة))، وقول الخازن: ((بك أُمرتُ لا أفتح
لأحد قبلك))، وقوله في الحديث الآخر: ((فأَنطلق معي برجال، فأُدخلهم
الجنّة))، وهذه إحدى شفاعاته ﴿ المتقدّمة الذكر. انتهى(١).
وقال الطيبيّ تَخَّتُهُ: معنى أول شفيع: أي أنا أول شافع للعصاة من أمتي
في دخول الجنّة، وقيل: أنا أول شافع في الجنّة لرفع درجات الناس فيها.
(٢)
انتھی
(١) ((المفهم)) ١/ ٤٥٢.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٦٣٣/١١.

٣٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(وَأَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعاً) بفتحتين: جمع تابع، أي أتباعاً يوم القيامة؛ لأنّ
أمته ل ثلثا أهل الجنة، كما سيأتي بيان ذلك قريباً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك
المصنّف رَّلهُ .
هذا من أفراد
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في ((الإيمان)) [٤٩٠/٩١ و٤٩١ و٤٩٢] (١٩٦)
و[٤٩٣/٩١] (١٩٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٣٦/١١ و٥٠٣)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٤١٦ و٤١٧ و٤١٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤٨٦
و٤٨٧ و٤٨٨ و٤٨٩)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٣٩٦٤)، و(ابن خزيمة) في
((التوحيد)) (ص٢٥٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٢٤٣ و٦٤٨١)، و(ابن
منده) في ((الإيمان)) (٨٨٧ و٨٨٨)، و(ابن أبي عاصم) في ((السنّة)) (٦)،
و(الطبرانيّ) في ((الأوائل)) (٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما أنعم الله تعالى على نبيّه وَله كما قال رَتْ: ﴿وَكَانَ
فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيَّكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
٢ - (ومنها): بيان كون نبيّنا وَ﴿ أول شافع في الجنّة.
٣ - (ومنها): بيان كونه وَليل أكثر الأنبياء تابعاً يوم القيامة.
٤ - (ومنها): بيان فضل كثرة الأتباع في الخير؛ لأنه يؤتى أجور أتباعه،
فكلما كثروا كثُر أجره، والعكس بالعكس، كما قال ◌َِّ: ((مَن سَنَّ في الإسلام
سنة حسنة، فله أجرها وأجر مَن عَمِل بها من غير أن يَنْقُص من أجورهم شيئاً،
ومن سَنّ في الإسلام سنة سيئة، فعليه وزرها، ووزر من عمل بها من غير أن
ينقص من أوزارهم شيئاً))، أخرجه مسلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٣٧٧
(٩١) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّنَّهِ: أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٩١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ
هِشَامٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخْتَارٍ(١) بْنِ قُلْفُلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ
رَسُولِ اللهِ وَِّ: ((أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ
الْجَنَّةِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو كُرَيْبِ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَام) القَصّار الأزديّ، أبو الحسن الكوفيّ، مولى بني
أسد، ويقال له: معاوية بن أبي العبّاس، صدوقٌ، له أوهامٌ، من صغار [٩].
رَوَى عن سفيان الثوريّ، وعلي بن صالح، وشيبان النحويّ، ومالك بن
أنس، وهشام بن سعد، وعمران بن أنس بن الحارث، وحمزة الزّيّات،
وشريك، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وابنا أبي شيبة، وأبو كريب، والقاسم بن
زكريا بن دينار، ومحمود بن غيلان، والحسن بن عليّ الخلال، وعبدة بن
عبد الله الصفار، وغيرهم.
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: صالحٌ، وليس بذاك، وقال أبو
حاتم: قلت لعلي ابن المدينيّ: معاوية بن هشام، وقَبِيصة، والفِريابي؟ قال:
متقاربون، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن يحيى بن يمان، ومعاوية بن
هشام، قال: ما أقربهما، ثم قال: معاوية بن هشام كأنه أقوم حديثاً، وهو
صدوق، وقال يعقوب بن شيبة: كان من أعلمهم بحديث شريك، هو وإسحاق
الأزرق، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة، وقال ابن شاهين في ((الثقات)):
قال عثمان بن أبي شيبة: معاوية بن هشام رجلُ صدق، وليس بحجة، وقال
الساجيّ: صدوق يَهِمُ، قال أحمد بن حنبل: هو كثير الخطأ، قال الساجيّ:
(١) وفي نسخة: ((المختار)).

٣٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وحدثني الحسن بن معاوية بن هشام، قال: سمعت قَبِيصة، وذكر له أبي،
فقال: أين أقع منه؟ قال الحسن: كان عند أبي عن الثوريّ ثلاثة عشر ألفاً،
وعند قبيصة سبعة آلاف، وقال ابن سعد: كان صدوقاً، كثير الحديث، وقال
أبو الفرج ابن الجوزيّ في ((كتاب الضعفاء)): معاوية بن هشام، وقيل: هو
معاوية بن أبي العباس، رَوَى ما ليس من سماعه، فتركوه، قال الحافظ: قرأت
بخط الذهبيّ: هذا خطأً من أبي الفرج، ما تركه أحدٌ، ومن أوهام معاوية بن
هشام روايته عن هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عبد الله بن
عمرو، عن النبيّ ◌َ لّ قال: ((مَدْيَنُ، وأصحاب الأيكة أُمَّتان بُعِث إليهما
شعيب))، ورواه عَمْرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عمرو بن
عبد الله، عن قتادة، في ذكر الأيكة قولَهُ، وهو الصواب. انتهى (١).
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات سنة أربع أو خمس ومائتين،
ربما أخطأ .
روى له البخاري في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا
الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا (١٩٦)، وحديث (٦٠٣): ((ما شأنكم؟ قالوا:
استعجلنا إلى الصلاة ... ))، و(١٦٩٤): ((أوَ كلما انطلقنا غزاة في
سبيل الله ... ))، و(٢٥٩٨): ((إن اللعّانين لا يكونون شفعاء، ولا شهداء يوم
القيامة)).
٣ - (سُفيان) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام
الثبت الحجة [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، وبيان مسائله.
وقوله: (وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ) بفتح أوله، وثالثه، يقال: قَرَعَ
الباب قَرْعاً، من باب نَفَعَ: إذا طَرَقه، ونَقَرَ عليه، يعني: أنه أول من ينقُرُ،
ويستفتح باب الجنّة، فيُفتح له، دون غيره، فيدخلها هو، وأمته قبل سائر
الأمم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
(١) ((تهذيب التهذيب)) ١١٢/٤ - ١١٣.

٣٧٩
(٩١) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ نَّهِ: أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩٢)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال :
[٤٩٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ،
عَنْ زَائِدَةَ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنٍ فُلْفُلِ، قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِك: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّهِ: ((أَنَا
أَوَّلُ شَفِيعِ فِي الْجَنَّةِ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيّاً
مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قريباً .
٢ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) بن الوليد الْجُعْفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩]
(ت٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١/ ١٥٤.
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثّقَفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، صاحب
سنة [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣.
والباقيان تقدما قبل حديث، وكذا بيان مسائله.
وقوله: ((أَنَا أَوَّلُ شَفِيعِ فِي الْجَنَّةِ) قال المظهر تَخْذُهُ: أي أنا أوّل شافع
العصاة من أمتي في دخول الجنّة (١)، وقيل: أي أنا أوّل شافع في ترقية منازل
بعض أهل الجنّة، قال القرطبيّ تَخْذَفُ: والأول أظهر (٢).
وقوله: (لَمْ يُصَدَّقْ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: (نَبِيٌّ مِنَ
الْأَنْبِيَاءِ).
وقوله: (مَا صُدِّقْتُ) ((ما)) مصدريّة، والفعل مبنيّ للمفعول: أي لم يُصدّق
نبيّ تصديقاً مثل تصديق أمّتي إياي، يعني به كثرة مصدّقيه، قال المظهر: وهذا
كناية عن أنه ◌َ﴿ أكثر الأنبياء أمة، ويؤيّده قوله: (وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيّاً) اسم
((إنّ)) مؤخّراً، والجارّ والمجرور خبرها (مَا) نافية (يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ
وَاحِدٌ))) أي مع كونه مرسلاً إلى أمّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((المرقاة)) ٩/١٠.
(٢) راجع: ((المفهم)) ٤٥٣/١.

٣٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٩٣] (١٩٧) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ(١)، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثْنَا
هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ
الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ))).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير الناقد، أبو عثمان
البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في
((المقدمة)) ٤/ ٢٣.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم) بن مسلم الليثيّ مولاهم، أبو النضر البغداديّ،
لقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٧َ) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) الْقَيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٧]
(ت١٦٥) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١١١/٣.
٥ - (ثَابِت) بن أسلم البنانيّ، تقدّم في الباب الماضي.
وأنس ◌ُه تقدّم في حديث أول الباب، وكذا بيان مسائله.
وقوله: (فَأَسْتَفْتِحُ) أي أطلُب أن يُفتَحَ لي.
وقوله: (فَيَقُولُ الْخَازِنُ) سُمّي الملك الموكّل لحفظ باب الجنّة خازناً؛
لأن الجنّة خِزانة الله تعالى، أعدّها الله للمؤمنين، وهو حافظها.
وقوله: (مُحَمَّدٌ) خبر لمحذوف: أي أنا محمد.
وقوله: (بِكَ أُمِرْتُ) بالبناء للمفعول (لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ) قال
الطيبيّ ◌َُّهُ: قوله: ((بك)) متعلّقٌ بـ((أُمرتُ))، والباء سببّة، قُدِّمت للتخصيص،
والمعنى: بسببك أُمرتُ أن لا أفتح لغيرك، لا بشيء آخر، ويجوز أن يكون
(١) وفي نسخة: ((عمرو بن محمد الناقد)).