Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٢)
(قَالَ) وَهِ: ((فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، أَْ
وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ))، قَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ)، يعني محمد بن عُبيد شيخه الثاني (فِي
رِوَايَتِهِ: قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ) يعني أنه صرّح بأن هذا التفسير
لقتادة، لا لأنس به، وأما شيخه أبو كامل، فلم يبيّن ذلك، بل قال: أي
وجب عليه الخلود.
قال النوويّ كَّلُهُ: وهذا التفسير صحيحٌ، ومعناه: مَن أخبر القرآن أنه
مُخَلَّد في النار، وهم الكفار، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ
بِهِ﴾ [النساء: ٤]، وفي هذا دلالة لمذهب أهل الحقّ، وما أجمع عليه السلف
أنه لا يُخلَّد في النار أحدٌ مات على التوحيد، والله تعالى أعلم(١).
ووقع في رواية هشام، وسعيد عند البخاريّ: ((فأقول: ما بقي في النار إلا
من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود))، وسقط من رواية سعيد عند المصنّف:
((ووجب عليه الخلود)) وعنده من رواية هشام: ((إلا من حبسه القرآن، أي وجب
عليه الخلود))، فتعين أن قوله: ((ووجب عليه الخلود)) في رواية هشام عند
البخاريّ مدرج في المرفوع؛ لما تبين من رواية أبي عوانة أنها من قول قتادة،
فسَّر به قوله: ((مَن حَبَسه القرآن))، أي: من أخبر القرآن بأنه يُخَلَّد في النار.
ووقع في رواية همام عند البخاريّ في ((التوحيد)) بعد قوله: ((أي وجب
عليه الخلود)): ((وهو المقام المحمود الذي وعده الله))، وفي رواية شيبان: ((إلا
من حبسه القرآن))، يقول: وَجَب عليه الخلود، وقال: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ
مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾، وفي رواية سعيد عند أحمد بعد قوله: ((إلا من حبسه القرآن)):
قال: فحدّثنا أنس بن مالك، أن النبيّ وَّر قال: ((فيخرج من النار من قال: لا
إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يَزِنُ شعيرة ... )) الحديث، ووقع في
رواية معبد بن هلال بعد روايته عن أنس، من روايته عن الحسن البصريّ، عن
أنس، قال: ((ثم أقوم الرابعة، فأقول: أي ربّ ائذن لي فيمن قال: لا إله
إلا الله، فيقول لي: ليس ذلك لك))، فذكر بقية الحديث في إخراجهم (٢)، والله
(١) ((شرح مسلم)) ٥٨/٣ - ٥٩.
(٢) راجع: ((الفتح)) ١١/ ٤٤٨ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٦٥).

٣٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضيبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤٨٢/٩٠ و٤٨٣ و٤٨٤ و٤٨٥
و٤٨٦] (١٩٣)، و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٤٧٦)، و((الرقاق)) (٦٥٦٥)،
و («التوحيد)) (٧٤١٠ و٧٥١٠ و٧٥١٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١١/ ٤٥٠ -
(٤٥)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٠١٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/
١١٦ و٢٤٤)، و(ابن خزيمة) في ((التوحيد)) (ص٢٤٧ - ٢٤٨ و٢٤٩ - ٢٥٠)،
و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٤٦٤)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٨٦١ و٨٦٢
و٨٦٣ و٨٦٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٤٤ و٤٤٥ و٤٤٦ و٤٤٧)، و(أبو
نُعيم) في ((مستخرجه)) (٤٧٨ و٤٧٩ و٤٨١ و٤٨٠ و٤٨٢)، و(ابن أبي عاصم) في
((السنّة)) (٨٠٤ و٨٠٥ و٨٠٦ و٨٠٧ و٨٠٨ و٨٠٩ و٨١٠)، و(اللالكائيّ) في
((شرح أصول الاعتقاد)) (٨٣٠)، و(البيهقيّ) في ((الأسماء والصفات)) (ص١٩١
و٣١٥)، وفي ((الاعتقاد)) (٨٩ و١٩٢ و١٩٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): إثبات الشفاعة، والردّ على المبتدعة في إنكارهم ذلك.
٢ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ◌َخْتُهُ: استَدَلَّ بهذا الحديث من جوّز
الخطايا على الأنبياء للَّيْل، كقول: كلِّ مَن ذُكِر فيه ما ذَكَرَ، وأجاب عن أصل
المسألة بأنه لا خلاف في عصمتهم من الكفر بعد النبوة، وكذا قبلها على
الصحيح، وكذا القول في الكبيرة على التفصيل المذكور، ويَلتَحِق بها ما يُزْرِي
بفاعله من الصغائر، وكذا القول في كل ما يَقْدَح في الإبلاغ، من جهة القول،
واختَلَفُوا في الفعل، فمنعه بعضهم حتى في النسيان، وأجاز الجمهور السهو،
لكن لا يَحْصُل التمادي، واختلفوا فيما عدا ذلك كله، من الصغائر، فذهب
جماعة من أهل النظر إلى عصمتهم منها مطلقاً، وأوّلوا الأحاديث، والآيات
الواردة في ذلك بضروب من التأويل، ومن جملة ذلك أن الصادر عنهم إما أن

٣٢٣
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٢)
يكون بتأويل من بعضهم، أو بسهو، أو بإذن، لكن خَشُوا أن لا يكون ذلك
موافقاً لمقامهم، فأشفقوا من المؤاخذة، أو المعاتبة. قال: وهذا أرجح
المقالات، وليس هو مذهب المعتزلة، وإن قالوا بعصمتهم مطلقاً؛ لأن مَنْزَعهم
في ذلك التكفير بالذنوب مطلقاً، ولا يجوز على النبي الكفر، ومَنْزَعنا أن أمّة
النبي مأمورة بالاقتداء به في أفعاله، فلو جاز منه وقوع المعصية للزم الأمر
بالشيء الواحد، والنهي عنه في حالة واحدة، وهو باطل. ثم قال: ما ذُكر في
حديث الباب لا يَخرُج عما قلناه؛ لأن أكل آدم من الشجرة، كان عن سهو،
وطَلَب نوح نجاة ولده، كان عن تأويل، ومقالات إبراهيم كانت معاريض،
وأراد بها الخير، وقتيل موسى كان كافراً، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم البحث في هذا مستوفّى، وأن القول
الراجح: إن الأنبياء معصومون فيما يُبلّغون عن الله تعالى مطلقاً، وعن الكبائر،
والمداومة على الصغائر، وهذا هو الذي عليه المحقّقون؛ لموافقته لظواهر
النصوص، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
٣ - (ومنها): أنه قد تمسك به بعض المبتدعة في دعواهم، أن مَن دخل
النار، من العصاة، لا يَخرُج منها؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ
نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيَهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣].
وأجاب أهل السنة بأنها نزلت في الكفار، وعلى تسليم أنها في أعمّ من
ذلك، فقد ثَبَتَ تخصيص الموحدين بالإخراج، ولعلّ التأييد في حقّ من يتأخر
بعد شفاعة الشافعين، حتى يُخْرَجوا بقبضة أرحم الراحمين، كما ثبت ذلك في
الأحاديث الصحاح، فيكون التأييد مؤقتاً.
٤ - (ومنها): أن فيه إطلاق صفة الغضب على الله تعالى على حقيقتها،
ما يليق بجلاله و8 3، من غير تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا تحريف،
كبقيّة صفاته تُعَلَ من السمع، والبصر، والقدرة، والرضا، والمحبّة، وغير
ذلك، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وأما تأويله بما يظهر من انتقامه ممن عصاه، بإرادة إيصال السوء، ونحو
ذلك مما ذكره الشرّاح كالنوويّ وغيره، فإنه تحريف، مخالف لظواهر

٣٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
النصوص، ومذهب السلف الصالح، فتنبّه لذلك، فإنه من مزالّ الأقدام، زلّ به
كثير ممن ينتسب إلى العلم من المتأخّرين.
٥ - (ومنها): أن فيه تفضيل نبيّنا محمد صل﴿ على جميع الخلق؛ لأن
الرسل والأنبياء والملائكة أفضل ممن سواهم، وقد ظَهَر فضله عليهم في هذا
المقام العظيم، وهي الشفاعة العظمى، حيث إنهم اعتذروا عن القيام بما طُلب
منهم، وأخبروا أنهم لا يقدرون عليه، وأن صاحبه الذي اختصّه الله ◌ُعَلَ هو
محمد بَ، والله تعالى أعلم.
قال القرطبيّ تَّثُ: ولو لم يكن في ذلك إلا الفرق بين من يقول: نفسي
نفسي، وبين من يقول: أمتي أمتي، لكان كافياً.
٦ - (ومنها): أن فيه تفضيلَ الأنبياء المذكورين فيه على مَن لم يُذْكَر فيه؛
لتأهلهم لذلك المقام العظيم، دون من سواهم.
وقد قيل: إنما اختَصّ المذكورون بذلك؛ لمزايا أخرى، لا تتعلق
بالتفضيل، فآدم؛ لكونه والد الجميع، ونوح؛ لكونه الأب الثاني، وإبراهيم؛
للأمر باتباع ملّته، وموسى؛ لأنه أكثر الأنبياء تبعاً، وعيسى؛ لأنه أولى الناس
بنبيّنا محمد ◌َّة، كما ثبت في الحديث الصحيح.
ويحتمل أن يكونوا اختَصُّوا بذلك؛ لأنهم أصحاب شرائع، عَمِلَ بها مَن
بين مَن ذُكِرَ أَوَّلاً ومَن بعده.
٧ - (ومنها): أن من طَلَب من كبير أمراً مُهِمّاً أن يُقَدِّم بين يدي سؤاله
وصف المسؤول بأحسن صفاته، وأشرف مزاياه؛ ليكون ذلك أدعى لإجابته
لسؤاله.
٨ - (ومنها): أن المسؤول إذا لم يَقْدِر على تحصيل ما سُئل يعتذر بما
يُقبل منه، ويَدُلّ على مَن يَظُنّ أنه أهلٌ للقيام بذلك، فالدال على الخير كفاعله.
٩ - (ومنها): أنه ينبغي أن يُثْنِي على المدلول عليه بأوصافه المقتضية
لأهليته، ويكون أدعى لقبول عذره في الامتناع.
١٠ - (ومنها): أن فيه استعمال ظرف المكان في الزمان؛ لقوله: ((لست
هناكم))؛ لأن ((هنا)) ظرف مكان، فاستُعملت في ظرف الزمان؛ لأن المعنى:
لست في ذلك المقام، كذا قاله بعضهم.

٣٢٥
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٢)
وفيه نظر؛ بل الصواب أنها على بابها من كونها ظرف مكان، لكنه
معنويّ، لا حسّي، مع أنه يمكن حمله على الحسيّ؛ لما تقدم من أنه وَّهه
يباشر السؤال بعد أن يستأذن في دخول الجنة، وعلى قول من يفسر المقام
المحمود بالقعود على العرش، يتحقق ذلك أيضاً .
١١ - (ومنها): أن فيه العملَ بالعامّ قبل البحث عن المخصِّص؛ أخذاً من
قصة نوح عليّا في طلبه نجاة ابنه، وقد يَتمسّك به مَن يرى بعكسه، ولكلِّ
وجهة، لكن الأول أظهر.
١٢ - (ومنها): أن الناس يوم القيامة يَستصحبون حالهم في الدنيا من
التوسل إلى الله تعالى في حوائجهم بأنبيائهم، والباعث على ذلك الإلهام، كما
تقدم في صدر الحديث.
١٣ - (ومنها): أن فيه أنهم يستشير بعضهم بعضاً، ويُجْمِعون على الشيء
المطلوب، وأنهم يُغَطّى عنهم بعضُ ما علموه في الدنيا؛ لأن في السائلين مَن
سَمِع هذا الحديث، ومع ذلك فلا يستحضر أحدٌ منهم أن ذلك المقام يَختصّ به
نبيّنا محمد ◌َّ؛ إذ لو استحضروا ذلك لسألوه من أول وَهْلَةٍ، ولَمَا احتاجوا
إلى التردد من نبي إلى نبيّ، ولعل الله تعالى أنساهم ذلك للحكمة التي تترتب
عليه، من إظهار فضل نبيّنا وَّ*، كما تقدم تقريره. ذكر هذه الفوائد في
((الفتح))(١).
١٤ - (ومنها): أنه إنما قال كلُّ واحد من الأنبياء - صلوات الله وسلامه
عليهم -: (لست هناكم، أو لست لها)) تواضعاً وإكباراً لما يُسألونه، وقد تكون
إشارة من كل واحد منهم إلى أن هذه الشفاعة، وهذا المقام ليس له، بل
لغيره، وكل واحد منهم يدلّ على الآخر، حتى انتهى الأمر إلى صاحبه،
ويحتمل أنهم عَلِمُوا أن صاحبها محمد وَّ معيّناً، وتكون إحالة كل واحد منهم
على الآخر على تدريج الشفاعة في ذلك، إلى نبيّنا محمد وَّر، قاله القاضي
عياض ◌َذَّهُ(٢) .
(١) ٤٤٨/١١ - ٤٥٠ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٦٥).
(٢) ((إكمال المعلم)) ٨٦٤/٢.

٣٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
١٥ - (ومنها): أنه فيه تقديمَ ذوي الأسنان والآباء على الأبناء في الأمور
التي لها بال، وأما مبادرة النبيّ ◌َ﴿ لذلك، وإجابته لدعوتهم، فلتحققه وَالّ أن
هذه الكرامة، والمقام له وَّر خاصة، قاله القاضي تَخُّْ أيضاً(١).
١٦ - (ومنها): أن الحكمة في أن الله تعالى ألهمهم سؤال آدم، ومن بعده
- صلوات الله وسلامه عليهم - في الابتداء، ولم يُلْهَموا سؤال محمد بَّ هي -
والله أعلم - إظهار فضيلة نبيّنا محمد وَّله، فانهم لو سألوه ابتداءً، لكان يَحتمل
أن غيره يقدر على هذا، ويُحَصِّله، وأما إذا سألوا غيره من رسل الله تعالى،
وأصفيائه، فامتنعوا، ثم سألوه، فأجاب، وحَصَل غرضهم، فهو النهاية في
ارتفاع المنزلة، وعظيم الإدلال والأُنس، قاله النوويّ ◌ََّثُ(٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الکتاب قال:
[٤٨٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ:
(يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَهْتَمُّونَ بِذَلِكَ، أَوْ يُلْهَمُونَ ذَلِكَ))، بِمِثْلِ حَدِيثٍ
أَبِي عَوَانَةَ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: ((ثُمَّ آتِيهِ الرَّابِعَةَ، أَوْ أَعُودُ الرَّابِعَةَ، فَأَقُولُ: يَا
رَبِّ مَا بَقِيَ إِلَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المذكور قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببندار المذكور قبل باب.
٣ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، ثقةٌ
[٩] (ت١٩٤) على الأصحّ (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦.
٤ - (سَعِيد) بن أبي عروبة مِهْرَان الْيَشْكُريّ، أبو النضر البصريّ، ثقة
(١) المصدر السابق.
(٢) ((شرح مسلم)) ٥٦/٣.

٣٢٧
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٣)
حافظٌ له تصانيف، أثبت الناس في قتادة، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦]
(ت١٥٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالبصريين، كالإسنادين
السابقين، وأن شيخيه من المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب
الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، والله تعالى أعلم.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي عَوَانَةً) يعني أن حديث سعيد بن أبي عروبة
مماثل لحديث أبي عوانة.
وقوله: (وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ) فاعل ((قال)) ضمير سعيد.
وقوله: (ثُمَّ آتِيهِ الرَّابِعَةَ) أي آتي ربّ المرة الرابعة.
وقوله: (أَوْ أَعُودُ الرَّابِعَةَ) ((أو)) للشكّ من الراوي، هل قال: ((آتي))، أو
«أعود)).
[تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة التي أحالها المصنّف تَخْذَّتُهُ على رواية
أبي عوانة، أخرجها الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة دَخُّ في ((مصنّفه)) (٣٠٩/٦):
(٣١٦٧٧) حدثنا محمد بن بشر، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن
أنس، عن النبيّ وَّر قال: ((يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا
إلى ربنا، ويُلْهَمون ذلك، فأراحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم، فيقولون له: يا
آدم أنت أبو البشر، وخلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وعلّمك أسماء كل
شيء، فاشفع لنا إلى ربنا، يُرِحْنا من مكاننا هذا، قال: لست هناكم، ويشكو
إليهم، أو يذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه، ولكن ائتوا نوحاً، فإنه أول
رسول أُرسل إلى أهل الأرض، فيأتون نوحاً، فيقول: لست هناكم، ويذكر
سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحيي ربه، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن،
فيأتونه، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا موسى عبداً كلمه الله، وأعطاه
التوراة، فيأتونه، فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم قتل النفس بغير نفس،
فيستحيي ربه من ذلك، ولكن ائتوا عيسى، عبد الله ورسوله، وكلمة الله
وروحه، فيأتون عيسى، فيقول: لست لذلكم، ولست هناكم، ولكن ائتوا
محمداً عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني)) - قال الحسن -:

٣٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال: ((فأنطلق، فأمشي بين سِمَاطَين(١) من المؤمنين)) - انقطع قول الحسن -
((فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً، فَيَدَعُني ما
شاء الله أن يَدَعَني، فيقال: أو يقول: ارفع رأسك، قل تسمع، وسل تُعْطَه،
واشفع تُشَفَّع، فأرفع رأسي، فأحمده تحميداً يُعَلِّمنيه، فأشفع، فَيَحُدّ لي حدّاً،
فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه ثانية، فإذا رأيت ربي، وقعت ساجداً، فَيَدَعُني ما
شاء الله أن يَدَعَني، ثم يقول مثل قوله الأول، قل تُسمَع، وسل تُعطّه، واشفع
تُشَفَّع، فأرفع رأسي، فأحمده تحميداً يُعَلّمنيه، فأشفع، فيحدّ لي حدّاً، فأدخلهم
الجنة، ثم أعود إليه ثالثة، فإذا رأيت ربي، وقعت ساجداً، فَيَدَعُني ما شاء الله
أن يَدَعَني، فيقال: سلِ تُعْطَه، واشفع تُشَفَّع، فأرفع رأسي، فأحمده تحميداً،
يُعلّمنيه، فأشفع، فيحدُّ لي حدّاً، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه في الرابعة،
فأقول: يا رب ما بقي إلا من حبسه القرآن)). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٨٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ وَ قَالَ: ((يَجْمَعُ اللهُ
الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُلْهَمُونَ لِذَلِكَ)) بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، وَذَكَرَ فِي الرَّابِعَةِ:
((فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، أَْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ ربما وَهِمَ [٩]
(ت ٢٠٠) (ع) تقدم في ((الإيَّمان)) ١٢/ ١٥٦
٢ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
(١) ((السِّماط)): الجماعة من الناس.
(٢) ((مصنّف ابن أبي شيبة)) ٣١٣/٦.

٣٢٩
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٤)
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا) أي بمثل حديث أبي عوانة، وسعيد بن أبي
عروبة .
[تنبيه]: رواية هشام الدستوائيّ التي أحالها المصنّف هنا، أخرجها
الحافظ أبو عوانة في ((مسنده)) (١٥٣/١)، فقال:
(٤ ٤٤) حدثنا الصَّغَانيّ، قال: ثنا روح بن عُبادة (ح)، وحدثنا يونس بن
حبيب، قال: ثنا أبو داود، قالا: ثنا هشام الدستوائيّ، عن قتادة، عن أنس بن
مالك، أن نبي الله وَير قال: ((يُجْمَع المؤمنون يوم القيامة، فيهتمون لذلك،
فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم،
فيقولون: يا آدم أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته،
وعلّمك أسماء كل شيء، اشفع لنا إلى ربنا، حتى يريحنا من مكاننا هذا،
فيقول: لستُ هناك، ويذكر خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا نوحاً، أول الرسل
بعثه الله، فيأتون نوحاً، فيقول: لست هناكم، ويَذكُر خطيئته التي أصاب، ولكن
ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم
خطايا أصابها، ولكن ائتوا موسى عبداً آتاه الله التوراة، وكَلَّمه تكليماً، فيأتون
موسى، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا عيسى،
عبد الله ورسوله، وكلمة الله وروحه، فيأتون عيسى، فيقول: لستُ هناكم،
ولكن ائتوا محمداً بَ ل﴿ عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني،
فأنطلق، فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجداً،
فَيَدَعني ما شاء الله أن يَدَعَني، ثم يقال لي: ارفع محمدُ، قل تسمع، وسل
تُعْطَ، واشفع تُشَفَّع، فأحمد ربي بتحميد، يُعَلِّمنيه، ثم أشفع، فَيَحُدّ لي حدّاً،
فأدخلهم الجنة، ثم أرجع، فإذا رأيت ربي، وقعت له ساجداً له، فيَدَعُني ما
شاء الله أن يَدَعَني، ثم يقال لي: ارفع محمدُ، قل تُسمَع، وسل تُعطا(١)،
واشفع تُشَفَّع، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحدّ لي حدّاً، فأدخلهم
الجنة، ثم أرجع، فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً، فَيَدَعُني ما شاء الله أن
يَدَعَني، ثم يقال: ارفع محمدُ، قل تُسمَع، وسل تُعْطَه، واشفع تُشَفَّع، فأحمد
(١) كذا النسخة.

٣٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحدّ لي حدّاً، فأدخلهم الجنة، ثم أرجع، فأقول:
يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، أي وجب عليه الخلود)). انتهى، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٨٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع،
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَهِشَامٌ، صَاحِبُ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ.
(ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ،
وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َله
قَالَ: ((يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ
شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا
يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا
يَزِنُ ذَرَّةً)) - زَادَ ابْنُ مِنْهَالٍ فِي رِوَايَتِهِ - قَالَ يَزِيدُ: فَلَقِيتُ شُعْبَةَ، فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ،
فَقَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا بِهِ قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِالْحَدِيثِ، إِلَّا أَنَّ
شُعْبَةَ جَعَلَ مَكَانَ الذَّرَّةِ ذُرَةً، قَالَ بَزِيدُ: صَخَّفَ فِيهَا أَبُو بِسْطَامَ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الضَّرِيرُ) التميميّ، أبو عبد الله، أو أبو جعفر
البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م د س) تقدم في (الإيمان) ٣٣٦/٦٠.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣٢.
٣ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ)(١) هو: مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقة
[١٠] (ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٧/٨.
(١) قوله: ((أبو غسّان)) يجوز صرف غسّان، وتركه، وقوله: ((الْمِسْمَعيّ)) بكسر الميم
الأولى، وفتح الثانية: منسوب إلى مِسْمَع جدّ القبيلة. اهـ. ((شرح النوويّ)) ٦١/٣.

٣٣١
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٥)
والباقون تقدّموا في السند السابق.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّهُ.
٢ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، فللمصنّف فيه
إسنادان، أحدهما عن محمد بن منهال، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي
عروبة، والثاني عن أبي غسّان الْمِسْمَعيّ، عن معاذ بن هشام الدستوائيّ، عن
أبيه، فيجمتع كلّ من سعيد، وهشام على قتادة، عن أنس ظُبه، وفائدة
التحويل هو الاختصار؛ لأنه لو ساق الإسنادين بتمامهما لطال عليه.
٣ - (ومنها): أن قتادة صرّح في الإسناد الثاني بالتحديث عن قتادة،
فزالت تهمة التدليس، فإنه مشهور بالتدليس، فلو اقتصر على الإسناد الأول
المعنعن لربّما أُسيء الظنّ فيه، فأزال بذكر الإسناد الثاني ذلك الاتّهام.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، كالأسانيد الأربعة الماضية.
٥ - (ومنها): أن فيه قوله: ((صاحبُ الدّستوائيّ)). قال النوويّ لَُّهُ: هو
بفتح الدال، وإسكان السين المهملتين(١)، وبعدهما مثناة من فوقُ مفتوحة،
وبعد الألف ياء من غير نون، هكذا ضبطناه، وهذا هو المشهور في كتب
الحديث، قال صاحب ((المطالع)): ومنهم من يزيد فيه نوناً بين الألف
والياء(٢)، وهو منسوب إلى دَسْتَوَاء وهي كُورة من كُور الأَهْواز، كان يبيع
الثياب التي تُجْلَب منها، فَنُسِب إليها، فيقال: هشام الدَّسْتَوائي، وهشامٌ
صاحبُ الدستوائيّ، أي صاحب الثوب الدّسْتوائيّ، وقد ذكره مسلم في أول
كتاب الصلاة بعبارة أخرى، أوهمت لَبْساً، فقال في ((باب صفة الأذان)):
حدثني أبو غَسّان، وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق: أخبرنا معاذ بن هشام،
صاحبِ الدستوائيّ، فتوهّم صاحب ((المطالع)) أن قوله: ((صاحب الدستوائيّ))
مرفوعٌ، وأنه صفة لمعاذ، فقال: يقال: صاحب الدستوائيّ، وإنما هو ابنه،
(١) وضبطه السمعانيّ بضمّ التاء المثنّاة من فوقُ، وفي ((الأنساب)) للرشاطيّ: قال سيبويه:
يقال في دَسْتَواء: دَسْتَوَانيّ، مثلُ بَحْرانيّ بالنون. اهـ. ((عمدة القاري)) ١ /٤٠٦.
(٢) أي بدل الهمزة، فيقول: ((دستوانيّ)) بدل ((دستوائيّ)).

٣٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وهذا الذي قاله صاحب ((المطالع)) ليس بشيء، وإنما ((صاحبٍ)) هنا مجرورٌ
صفةٌ لهشام، كما جاء مُصَرَّحاً به في هذا الموضع الذي نحن الآن. انتهى كلام
النوويّ كَّتُهُ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أن فيه ((سعيد بن أبي عروبة))، هكذا يُرْوَى في كتب
الحديث وغيرها ((عروبة)) بدون ((أل))، وأنكر ذلك ابن قتيبة، فقال في كتابه
((أدب الكتاب)): الصواب ((ابن أبي العروبة)) بالألف واللام، واسم أبي عروبة
مِهْران. انتهى. وسعيد هذا ممن اختلط في آخر عمره، وأن المختَلِط لا يُحْتَجّ
بما رواه في حال الاختلاط، أو شككنا هل رواه في الاختلاط أم في الصحة؟
لكن الذي عليه المحقّقون أن ما كان في ((الصحيحين)) عن المختلطين فمحمول
على أنه عُرِف أنه رواه قبل الاختلاط، وقد تقدّم تحقيق هذا مستوفّى في ((شرح
المقدّمة))، فراجعه تستفد(١).
٧ - (ومنها): أن فيه قوله: ((وهو ابن هشام))، وقد تقدم في مواضع كثيرة
بيان فائدته، وذلك أن المصنّف ◌َُّ لم يذكر له شيخه قوله: ((ابن هشام))، بل
قال: ((حدّثنا معاذ)) فقط، فأراد أن يبيّنه لمن يروي له، ولم يَسْتَجِز أن يقول:
((معاذ بن هشام)) وإن كان صحيحاً؛ لكونه لم يسمعه من شيخه، فقال: ((وهو
ابن هشام))، فصلاً بين ما رواه عن شيخه، وبين ما زاده للبيان، وإلى هذا أشار
السيوطيّ تَّهُ في ألفيّة الحديث، حيث قال:
وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ
أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ
بِنَحْوِ ((يَعْنِي)) أَوْ بِـ(أَنَّ) أَوْ بِـ(هُوْ))
وَالْفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ
(أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ
وهذا وأشباهه مما كَرّرتُ ذكره - كما قال النوويّ تَذَتُ - أَقصِد به
المبالغة في الإيضاح، والتسهيل، فإنه إذا طال العهد به قد يُنْسَى، وقد
يَقِف على هذا الموضع مَن لا خِبْرَة له بالموضع المتقدم، والله تعالى
أعلم.
(١) ((شرح المقدّمة)) ٢٨٢/١ - ٢٨٣.

٣٣٣
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٥)
شرح الحديث:
◌ُهُ (أَنَّ
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة، أنه قال: (حَدَّثَنَا: أَنَسُ بْنُ مَالِكِ)
النَّبِيَّ وَ لِ قَالَ: ((يَخْرُجُ) بفتح الياء من الخروج، مبنيّاً للفاعل، فـ((مَن قال))
فاعله، أو بضمها، من الإخراج، مبنيّاً للمفعول، فـ ((مَنْ قال)) نائب فاعله،
وإنما طوى ذكر الفاعل؛ لشهرته؛ لأنه من المعلوم أن أحداً لا يُخرجه من النار
إلا الله تعالى (مِنَ النَّارِ مَنْ) موصولة، صلتها قوله: (قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ)، فيه
دليلٌ على اشتراط النطق بالتوحيد، أو المراد بالقول هنا القول النفسيّ،
فالمعنى: من أقرّ بالتوحيد، وصَدَّق، فالإقرار لا بدّ منه، فلهذا أعاده في كلّ
مرّة، والتفاوت يحصل في التصديق.
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن النطق للقادر عليه شرط، وإنما يُعذر
من لا يقدر، إما للعجز، أو لضيق الوقت، أو نحو ذلك، والله تعالى أعلم.
[فإن قيل]: فكيف لم يذكر الرسالة؟.
[أجيب]: بأن المراد هو المجموع - أي لا إله إلا الله، محمد رسول الله
- وذلك لأن الجزء الأول صار عَلَماً على المجموع، كما تقول: قرأت ﴿قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ [الإخلاص: ١]، والمراد السورة كلّها، والله تعالى أعلم (١).
(وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ) فيه إطلاق الخير على الإيمان، والخير في
الأصل: ما يَتقرّب به العبد إلى الله تعالى، وأعلى ذلك الإيمان، كما بيّنه
النبيّ وَّ فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ظُبه: أن رسول الله وله
سُئل: أيُّ العمل أفضلُ؟ فقال: ((إيمان بالله ورسوله))، قيل: ثم ماذا؟ قال:
((الجهاد في سبيل الله))، قيل: ((ثم ماذا؟ قال: ((حجٌّ مبرور)) (مَا يَزِنُ) أي يَعْدِل
(شَعِيرَةً) بفتح أوله، وكسر ثانيه، (ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ،
وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً) بضم الموحّدة، وتشديد الراء المفتوحة:
وهي القَمْحَة، ومقتضى هذا أن وزن البرّة دون وزن الشعيرة؛ لأنه قدّم الشعيرة،
وأتبعه بالبرّة، ثمّ بالذّرة، وذلك نظراً للجرم؛ لأنها أكبر جرماً منها، قاله
(١) راجع: ((الفتح)) ١٢٩/١ ((كتاب الإيمان)) رقم (٤٥).

٣٣٤
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
العينيّ(١)، وقال الحافظ: هو كذلك في بعض البلاد(٢). (ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ
مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً) - بفتح الذال
المعجمة، وتشديد الراء - قيل: هي أقل الأشياء الموزونة، وقيل: هي الْهَبَاء
الذي يَظهَر في شُعاع الشمس، مثل رؤوس الإِبَر، وقيل: هي النملة الصغيرة،
ويُروَى عن ابن عباس ظها أنه قال: إذا وَضَعتَ كَفّك في التراب، ثم نفضتها،
فالساقط هو الذَّرّ، ويقال: إن أربع ذَرّات وَزْنُ خَرْدَلَة، وللبخاريّ في أواخر
(كتاب التوحيد)) من طريق حُميد عن أنس بنظُبه، مرفوعاً: ((أُدخل الجنة مَن كان
في قلبه خَرْدلة، ثم مَن كان في قلبه أدنى شيء))، وهذا معنى الذَّرّة، قاله في
((الفتح)(٣).
وقال النوويّ تَخْلُهُ: المراد بالذَّرَّة واحدة الذَّرّ، وهو الحيوان المعروف
الصغير من النمل، وهي بفتح الذال المعجمة، وتشديد الراء. انتهى (٤).
( - زَادَ ابْنُ مِنْهَاٍ) أي شيخه الأول محمد بن منهال (فِي رِوَايَتِهِ - قَالَ:
يَزِيدُ) أي ابن زريع (فَلَقِيتُ) بكسر القاف، من باب تَعِبَ (شُعْبَةً) بن الحجّاج
الإمام المشهور (فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ) أي بما حدّثه به سعيد بن أبي عروبة، عن
قتادة (فَقَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا بِهِ قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّ) وقوله:
(بِالْحَدِيثِ) توكيد للضمير المجرور في قوله: ((حدّثنا به)) (إِلَّا أَنَّ شُعْبَةَ جَعَلَ
مَكَانَ الذَّرَّةِ) أي بفتح الذال المعجمة، وتشديد الراء (ذُرَةً) أي بضم الذال
المعجمة، وتخفيف الراء المفتوحة، قال الفيّوميّ تَخْذُّهُ: ((الذَّرَة)» حبّ معروفٌ،
ولامها محذوفةٌ، والأصل ذُرَوٌّ، أو ذُرَيِّ، فحُذفت اللام، وعُوِّضَ عنها الهاء.
انتهى(٥). (قَالَ يَزِيدُ) بن زُريع (صَحَّفَ فِيهَا) قال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: التصحيف:
تغيير اللفظ حتى يتغيّر المعنى المرادُ من الموضع، وأصله الخطأُ، يقال:
صَحَّفَه، فتصحّف: أي غيَّره، فتغيَّر حتى الْتَبَس. انتهى(٦)، وقوله: (أَبُو بِسْطَامَ)
مرفوع على الفاعليّة، وهو كنية شعبة، أي غيّر في ضبط هذه اللفظة، وكأن
(١) ((عمدة القاري)) ١/ ٤٠٨.
(٣) ١٢٩/١ ((كتاب الإيمان)) رقم (٤٥).
(٥) ((المصباح المنير)) ٢٠٨/١.
(٢) ((الفتح)) ١٢٩/١.
(٤) (شرح مسلم)) ٣/ ٦١.
(٦) ((المصباح المنير)) ٣٣٤/١.

٣٣٥
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٥)
الحامل له على ذلك كونها من الحبوب، فناسبت الشعيرةَ والْبُرَّةَ(١).
قال النوويّ كَخّْتُهُ: اتفقوا على أن هذا تصحيف من شعبة دَّلهُ(٢).
[تنبيه]: زاد البخاريّ بعد هذا ما نصُّهُ: (٤٤) قال أبو عبد الله: قال أبان:
حدّثنا قتادة، حدثنا أنس، عن النبيّ وَّ﴾ ((من إيمان))، مكان ((من خير)). انتهى.
قال في ((الفتح)): قوله: قال أبان هو ابن يزيد العطار، وهذا التعليق
وصله الحاكم في ((كتاب الأربعين)) له من طريق أبي سَلَمَة، قال: حدثنا أبان بن
يزيد، فذكر الحديث، وفائدة إيراد البخاريّ له من جهتين:
[إحداهما]: تصريح قتادة فيه بالتحديث، عن أنس.
[ثانيتهما]: تعبيره في المتن بقوله: ((من إيمان)) بدل قوله: ((من خير))،
فبيّن أن المراد بالخير هنا الإيمان.
[فإن قيل]: على الأُولى لِمَ لَمْ يَكتف بطريق أبان السالمة من التدليس،
ويسوقها موصولةً؟.
[فالجواب]: أنّ أبان، وإن كان مقبولاً، لكن هشام أتقن منه، وأضبط،
فَجَمَعَ البخاريّ بين المصلحتين، والله تعالى وليّ التوفيق(٣). انتهى، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤٨٥/٩٠]، و(البخاريّ) في
(الإيمان)) (٤٥)، وفي ((التوحيد)) (٧٤٥٠ و٧٥١٦)، و(الترمذيّ) في ((صفة
جهنم)) (٢٥٩٣)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٣١٢)، و(أحمد) في ((مسنده))
(١١٦/٣ و١٧٣ و٢٧٦)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (١١٧٣)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٤٥٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤٨١)، والله تعالى أعلم.
(١) راجع: ((الفتح)) ١٢٩/١ ((كتاب الإيمان)) رقم (٤٥).
(٢) راجع: ((شرح مسلم)) ٦١/٣.
(٣) ((الفتح)) ١٢٩/١ رقم (٤٥).

٣٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان زيادة الإيمان ونقصانه، وذلك أنه ﴿ جعل في هذا
الحديث لبعض الناس ما يزن شعيرة، وهكذا، فدلّ على أنه يزيد وينقص، وقد
احتجّ به الإمام البخاريّ تَّتُهُ في ((صحيحه))، فأورده تحت ترجمة («بابُ زيادة
الإيمان ونُقصانه))، وهذا هو المذهب الحقّ الذي عليه جمهور السلف، فإنهم
يقولون: الإيمان قول وعملٌ واعتقاد، قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد
بالجنان، يزيد وينقُص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وقد تقدّم البحث في
هذا مستوفّى في بابه، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق.
٢ - (ومنها): بيان أن صاحب الكبيرة من الموحّدين لا يكفّر بها، ولا
يُخلَّد في النار.
٣ - (ومنها): بيان دخول بعض العصاة من الموحّدين النار.
٤ - (ومنها): أنه لا يكفي في قبول الإيمان مجرّد معرفة القلب، دون
النطق بالشهادتين، ولا النطق بهما، مع عدم الاعتقاد، فلا بدّ منهما جميعاً،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الکتاب قال:
[٤٨٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو الرَّبِيع الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا
مَعْبَدُ بْنُ هِلَالِ الْعَنَزِيُّ (ح) وَحَدَّثَنَاهِ سَعِيدُ بَنُ مَنْصُورٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ
زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ، قَالَ: انْطَلَقْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، وَتَشَفَّعْنَا
بِثَابِتٍ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِ، وَهُوَ يُصَلِّ الضُّحَى، فَاسْتَأْذَنَ لَنَا ثَابِتٌ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ،
وَأَجْلَسَ ثَابِتَاً مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، إِنَّ إِخْوَانَكَ مِنْ أَهْلِ
الْبَصْرَةِ، يَسْأَلُونَكَ أَنْ تُحَدِّثَهُمْ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ وَلِ قَالَ: ((إِذَا
كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ لَهُ: اشْفَعْ
لِذُرِّيَّتِكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَّهُ، فَإِنَّهُ خَلِيلُ اللهِ، فَيَأْتُونَ
(١) وفي نسخة: ((حدثني)).

٣٣٧
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٦)
إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى لِلِّ، فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللهِ، فَيُؤْتَى
مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى ◌ُِّ، فَإِنَّهُ رُوحُ اللهِ، وَكَلِمَتُهُ،
فَيُؤْتَى عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ وٍَّ، فَأُوتَى، فَأَقُولُ: أَنَا
لَهَا، فَأَنَّطَلِقُ (١)، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ،
لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ الْأَنَ، يُلْهِمُنِيهِ الله(٢)، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِداً، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ
رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: رَبِّ (٣) أُمَّتِي أُمَّتِي،
فَيُقَالُ: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ بُرَّةٍ، أَوْ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ،
فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا، فَأَنَطَلِقُ، فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ
أَخِرُّ لَهُ سَاجِداً، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ(٤)، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ(٥)، وَسَلْ
تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: أُقَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ
مِثْقَالُ حَبَّةٍ، مِنْ خَرْدَلٍ، مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَى
رَبِّي، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِداً، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ
رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي،
فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى، مِنْ مِثْقَالٍ حَبَّةٍ، مِنْ خَرْدَلٍ،
مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ)).
هَذَا حَدِيثُ أَنَسِ الَّذِي أَنْبَنَا بِهِ، فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا كُنَّا بِظَهْرِ الْجَبَّانِ،
قُلْنَا: لَوْ مِلْنَا إِلَى الْحَسَنِ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، وَهُوَ مُسْتَخْفٍ، فِي دَارِ أَبِي خَلِيفَةَ، قَالَ:
فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَقُلْنَا (٦): يَا أَبَا سَعِيدٍ، جِئْنَا مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ، أَبِي
حَمْزَةَ، فَلَمْ نَسْمَعْ مِثْلَ(٧) حَدِيثٍ، حَدَّثَنَاهُ فِي الشَّفَاعَةِ، قَالَ: هِيَهِ، فَحَدَّثْنَاهُ
(١) وفي نسخة: ((أنطلق)) بدون فاء.
(٢) وفي بعض النسخ: ((إلا أن يُلْهِمَنِيهِ الله)).
(٣) وفي نسخة: ((يا ربّ)).
(٥) وفي نسخة بحذف ((لك)).
(٦) وفي نسخة: ((قلنا))، وفي أخرى: ((وقلنا)).
(٧) وفي نسخة: ((بمثل)).
(٤) وفي نسخة: ((فیقال: يا محمد)).

٣٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الْحَدِيثَ، فَقَالَ: هِيَهِ، قُلْنَا: مَا زَادَنَا، قَالَ: قَدْ حَدَّثَنَا بِهِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَّةً، وَهُوَ
يَوْمَئِذٍ جَمِيعٌ، وَلَقَدْ تَرَكَ شَيْئاً، مَا أَدْرِي، أَنَسِيَ الشَّيْخُ، أَوْ كَرِهَ أَنْ يُحَدِّثَكُمْ،
فَتَتَّكِلُوا؟ قُلْنَا لَهُ: حَدَّثْنَا، فَضَحِكَ، وَقَالَ: ﴿خُلِقَ الْإِنسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ الآية [الأنبياء:
٣٧]، مَا ذَكَرْتُ لَكُمْ هَذَا، إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدَّثَكُمُوهُ، ((ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي فِي
الرَّابِعَةِ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِداً، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ
رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، اْذَنْ لِي
فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ لَكَ(١)، أَوْ قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ إِلَيْكَ،
وَلَكِنْ وَعِزَِّي، وَكِبْرِيَائِي، وَعَظَمَتِي، وَجِبْرِيَائِي، لَأُخْرِ جَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ الله).
قَالَ: فَأَشْهَدُ عَلَى الْحَسَنِ، أَنَّهُ حَدَّثَنَا بِهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، أُرَاهُ قَالَ: قَبْلَ
عِشْرِينَ سَنَّةً، وَهُوَ يَوْمِئِذٍ جَمِيعٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الرَّبِيع الْعَتَكِيُّ) هو: سليمان بن داود الزهرانيّ البصريّ، تقدّم
قريباً .
[تنبيه]: قال النوويّ كَّلهُ: قوله: ((أبو الربيع العتكيّ))، هو بفتح العين
والتاء، وهو أبو الربيع الزهرانيّ الذي يُكّرِّره مسلم في مواضع كثيرة، واسمه
سليمان بن داود، قال القاضي عياض ◌َُّهُ: نَسَبهُ مسلم مَرّةً زَهْرانيّاً، ومَرّةً
عَتَكِيّاً، ومَرّةً جَمَع له النسبين، ولا يجتمعان بوجه، وكلاهما يرجع إلى الأزد،
إلا أن يكون للجمع سببٌ، من جِوَارٍ أو حِلْف، والله تعالى أعلم. انتهى (٢).
٢ - (حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ) أبو إسماعيل البصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ) - بفتحتين - البصريّ، ثقة [٤].
رَوَى عن عقبة بن عامر الْجُهَنيّ، وأنس بن مالك، والحسن البصريّ،
ونُفَيع أبي داود الأعمى، وعن رجل من أهل الشام.
ورَوَى عنه قتادة، وهو من أقرانه، وسليمان الثَّيْمِيّ، وسعيد بن
(١) وفي نسخة: ((ليس ذلك لك)).
(٢) ((شرح مسلم)) ٦١/٣.

٣٣٩
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٦)
عبد العزيز، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وسعيد بن إياس الْجُرَيريّ، وأبو
جَنَدل، لَبِيد بن حَيّان النُّميريّ، والحمادان، ومعتمر بن سليمان.
قال الدُّوريّ، عن ابن معين: مشهور، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن
معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة
أحاديث فقط، هذا (١٩٣)، وحديث (٢٩٥١): «بُعثتُ أنا والساعة
كهاتين ... ))، و(٢٩٥٣): ((إِنْ عُمِّر هذا لم يدركه الهرَم حتى تقوم
الساعة ... ))، وله في البخاريّ حديث الباب فقط.
[تنبيه]: قوله: ((الْعَنَزيّ)) - بفتح العين المهملة، والنون، بعدها زاي ـ:
نسبة إلى عَنَزَة بن أسد بن ربيعة بن نِزَار بن مَعَدّ بن عدنان، قاله في (اللبّ)) (١).
٤ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن شُعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة،
ثقةٌ، مصنِّفٌ، وكان لا يرجع عما في كتابه؛ لشدّة وثوقه به، [١٠] (ت٢٢٧)
وقيل بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) الصحابيّ الشهير بَظُه، تقدّم في السند الماضي،
والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد، أنه من رباعيّات المصنّف تَّتُهُ، وهو
(٢٢) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، كما سبق غير
مرّة، وفيه قوله: ((واللفظ له))، يعني أن متن هذا الحديث الذي ساقه هنا هو
لفظ شيخه سعيد بن منصور، وأما شيخه أبو الربيع، فرواه بمعناه، وقد تقدّم
تمام البحث في هذا غير مرّة، وأنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وهو
خامس الأسانيد المتتالية المسلسلة كلها بالبصريين، قال النوويّ تَخُّهُ: هذه
الأسانيد رجالها كلهم بصريون، وهذا الاتّفاق في غاية من الْحُسْن، ونهاية من
النُّدُور، أعني اتّفاق خمسة أسانيد، في ((صحيح مسلم)) متواليةً، جميعهم
بصريّون، والحمد لله على ما هدانا له. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
وأما شرح الحديث، ومسائله، فقد تقدّمت مستوفاةً في حديث أنس
(١) (لبّ اللباب)) ١٢٣/٢.
(٢) ((شرح مسلم)) ٦٠/٣.

٣٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الطويل المتقدّم، فلا حاجة إلى التطويل بإعادتها، بل أذكر هنا إيضاح بعض ما
فيه غرابة فقط، فأقول:
قوله: (وَتَشَفَّعْنَا بِثَابِتٍ) أي أخذنا ثابتاً الْبُنَانيّ شفيعاً يشفع لنا عند
أنس به؛ لكونه مقرّباً إليه، وكثير الملازمة له، فقد تقدّم أنه لازمه أربعين
سنة، قال ابن التين كَّثُهُ: فيه تقديم الرجل الذي هو من خاصّة العالم؛
ليسأله. انتھی(١).
وفي رواية البخاريّ: ((فذهبنا معنا بثابت البنانيّ إليه، يسأله لنا عن حديث
الشفاعة))، وفيه: ((فقلنا لثابت: لا تسأله عن شيء أوّلَ من حديث الشفاعة)).
وقوله: (فَانْتَهَيْنَا) أي وصلنا (إِلَيْهِ) أي إلى أنس ظُه.
وقوله: (وَأَجْلَسَ ثَابِتَاً) بالبناء للفاعل، أي أمر أنس ثابتاً أن يجلس (مَعَهُ
عَلَى سَرِيرٍهٍ) وفيه أنه ينبغي للعالم، وكبير المجلس أن يُكرم فضلاء الداخلين
عليه، ويُميِّزهم بمزيد إكرام في المجلس وغيره(٢).
(فَقَالَ لَهُ) أي قال ثابتٌ لأنس ◌َُه (يَا أَبَا حَمْزَةَ) كنية أنس ◌َُّته كنّاه بها
رسول الله وَله ببَقْلة كان يَجتنيها(٣)، قال الأزهريّ: البقلة التي جناها أنس
كان في طعمها لَذْعٌ، فسُمّيت حَمْزَة بفعلها، يقال: رمّانة حامزة، أي فيها
حُمُوضةٌ (٤).
وقوله: (مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ) قد تقدّم أن في ((البصرة)) ثلاث لغات: فتح
الباء، وضمها، وكسرها، والفتح هو المشهور.
(إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) ((كان)) هنا تامّة، ولذا اكتفت بمرفوعها، وهو
(يومُ))، كما قال في («الخلاصة)):
وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
(مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) يقال: ماج البحر: إذا اضطربت أمواجه:
أي اختلطوا، واضطربوا متحيّرين، مقبلين، ومدبرين، فيما بينهم.
(١) ((الفتح)) ١٣ /٤٨٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٦١/٣.
(٣) راجع: ((الإصابة)) ٢٧٦/١.
(٤) راجع: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) لابن الملقّن ٤٢٢/١.