Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
(٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٦٣)
أصحابه: حفص بن ميسرة، وسعيد بن أبي هلال، وهشام بن سعد، فأما روايتا
حفص وسعيد فتقدمتا مبيّنتين في الكتاب، وأما رواية هشام فهي من حيث
الإسناد بإسنادهما، ومن حيث المتن نحو حديث حفص، والله رحمك أعلم، قاله
النوويّ نَّهُ(١).
[تنبيه]: رواية هشام بن سعد التي أحالها المصنّف هنا، أخرجها أبو نعيم
في ((المستخرج)) (٢٤٨/١)، فقال:
(٤٥٨) حدثنا أبو بكر عبد الله بن يحيى بن معاوية الطّلْحيّ، ثنا عُبيد بن
غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا جعفر بن عون، ثنا هشام بن سعد، ثنا
زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قلنا: يا
رسول الله، هل نَرَى ربنا يوم القيامة؟ قال: ((هل تضارون في رؤية الشمس
بالظهيرة صحواً، ليس فيها سحاب؟»، قال: قلنا: لا يا رسول الله، قال: ((هل
تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحواً، ليس فيها سحاب؟» قالوا: لا يا
رسول الله، قال: ((ما تضارون في رؤيته يوم القيامة، إلا كما لا تضارون في
رؤية أحدهما، إذا كان يومُ القيامة نادى مناد: ألا يَلْحَقُ كلُّ أمة بما كانت
تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد صنماً، ولا وثناً، ولا صورةً إلا ذهبوا، حتى
يتساقطوا في النار، ويبقى من كان يعبد الله وحده، من بَرّ وفاجر، وغُبَّرات أهل
الكتاب، ثم تُعْرَض جهنم، كأنها سراب يَحْطِم بعضُها بعضاً، ثم يُدْعَى
اليهود، فيقول: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: عزيراً ابن الله، فيقول: كذبتم، ما
اتخذ الله صاحبةً ولا ولداً، فماذا تريدون؟ قال: فيقولون: أي ربنا ظَمِئنا،
فيقول: ألا تَرِدون؟ فيذهبون حتى يتساقطوا في النار، قال: ثم يُدْعَى النصارى،
فيقول: ماذا كنتم تعبدون؟ فيقولون: المسيح ابن الله، فيقول: كذبتم، ما
اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تريدون؟ فيقولون: ربنا ظَمِئنا، فاسْقنا،
فيقول: أفلا تَرِدون؟ فيذهبون حتى يتساقطوا في النار، فيبقى مَن كان يعبد الله
من بَرّ وفاجر، ثم يَتَبَدَّى الله في صورة غير صورته التي رأيناه فيها أوّل مرة،
فيقول: يا أيها الناس، لَحِقَت كلُّ أمة بما كانت تعبد، وبقيتم، فلا يُكَلِّمه يومئذ
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٤/٣ - ٣٥.

٢٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
إلا الأنبياء، قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا، وكنا إلى صحبتهم أحوج،
لَحِقَت كلُّ أمة بما كانت تعبد، ونحن ننتظر ربنا الذي كنا نَعْبُد، فيقول: أنا
ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، فيقول: هل بينكم وبين الله من آية تعرفونها؟
فيقولون: نعم، فيَكْشِف عن ساق، فنخرّ سُجَّداً أجمعون، ولا يبقى أحدٌ كان
يسجد في الدنيا سمعةً ولا رياءً، ولا نفاقاً إلا على (١) ظهره طبقاً واحداً، كلما
أراد أن يسجد خَرّ على قفاه، ثم يَرْفَعُ بَرَّنَا ومُسِيئنا، وقد عاد لنا في صورته
التي رأيناه فيها أوّل مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعم، أنت ربنا، ثلاث
مرات، ثم يُضْرَب الجسر على جهنم، قال: قلنا: وما الجسر؟ يا رسول الله،
بأَبِينا أنت وأُمِّنا، قال: دَخْضٌ مَزَلَّةٌ، له كَلاليب وخَطاطيف، وحَسَكٌ، يكون
بنجد عُقَيفَاءِ(٢)، يقال له: السَّعْدان، فَيَمُرُّ المؤمنون كلمح البرق، وكالطَّرْف،
وكالريح، وكالطير، وكأجود الخيل والراكب، فناج مرسلٌ، ومخدوشٌ مرسلٌ،
ومكدوس في نار جهنم، والذي نفسي بيده، ما أحدكم بأشدّ مناشدةً في الحق
يراه مسألة المؤمنين (٣) في إخوانهم، إذا رأوا أن قد خَلَصوا من النار، يقولون:
أي ربنا إخواننا إخواننا كانوا يصلّون معنا، ويصومون معنا، ويحجّون معنا،
ويُجاهدون معنا، قد أخذتهم النار، فيقول: اذهبوا، فمن عَرَفتم صورته،
فأخرجوه، وتُحَرَّم صورهم على النار، فيجدون الرجلَ قد أخذته النار إلى
قدميه، وإلى أنصاف ساقيه، وإلى ركبتيه، وإلى حِقْويه، فيُخرجون منها بشراً
كثيراً، ثم يعودون، فيتكلمون، فيقول: اذهبوا فما وجدتم في قلبه مثقال قيراط
خير، فأخرجوه، فيخرجون منها بشراً كثيراً، ثم يعودون، يتكلمون، فيقول:
اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه نصف قيراط خير، فأخرجوه، فيخرجون منها بشراً
كثيراً، ثم يعودون، فيتكلمون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال
(١) هكذا النسخة، والذي في ((الإيمان)) لابن منده: ((إلا عاد ظهره طبقاً واحداً))،
والظاهر أن ((على)) هنا مصحّفة من ((عاد))، والله أعلم.
(٢) وقع في النسخة: ((عقيقاً)) بقافين، والظاهر أنه غلطٌ فليُتنبّه.
(٣) هكذا النسخة، والذي في ((الإيمان)) لابن منده: ((في الحقّ يراه مضيئاً له من
المؤمنين في إخوانهم))، والظاهر أن ما هنا فيه تصحيف، والله تعالى أعلم.

٢٠٣
(٨٧) - بَابُ بَيّانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٦٣)
ذرة، فأخرجوه، قال: وكان أبو سعيد إذا حَدّث بهذا الحديث قال: إن لم
تُصَدِّقوني، فاقرؤوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتِ
مِن لَُّنَّهُ أَخْرًا عَظِيمًا (٣)﴾ [النساء: ٤٠]، فيقولون: ربنا لم نَذَر فيها خيراً،
فيقول: هل بقي إلا أرحم الراحمين؟ فيقول: قد شفعت الملائكة، والأنبياء،
وشفع المؤمنون، فهل بقي إلا أرحم الراحمين؟ قال: فيأخذ قبضة من النار،
فَيَخْرُجُ قوماً (١) قد عادوا حُمَمَةً، لم يعملوا خيراً قط، فيُطرحون في نهر الجنة،
يقال له: نهر الحياة، فينبتون فيه - والذي نفسي بيده - كما تنبت الحبة في
حَمِيل السيل، ألم تروها وما يليها من الظل أُصَيفر، وما يليها من الشمس
أُخيضر؟ قال: قلنا: يا رسول الله كأنك كنت في الماشية، قال: فينبتون
كذلك، قال: فيخرجون أمثال اللؤلؤ، فيُجْعَل في رقابهم الخواتيمُ، ثم يرسلون
في الجنة، فهؤلاء الجهنميون، هؤلاء الذين أخرجهم الله من النار بغير عمل
عملوه، ولا خير قدموه، فيقول الله رقم: من وجدتم؟(٢)، فيأخذون حتى
ينتهون(٣)، ثم يقولون: لو يعطينا الله ما أخذنا، فيقول الله ربك: فأنا أعطيكم
أفضل ما أخذتموه، فيقولون: يا ربنا، وما أفضل ما أخذنا؟ فيقول: رضواني،
فلا أسخط))(٤).
وقوله: (وَقَدْ زَادَ، وَنَقَصَ شَيْئاً) يعني أن هشام بن سعد زاد في روايته
على رواية حفص وسعيد بن أبي هلال بعض الزيادات، ونقص منها بعضاً.
فمما زاده قوله: ((ثم تُعرَض جهنم كأنها سَرابٌ يَحِطِم بعضُها بعضاً)) بعد
قوله: ((وغُبّرات أهل الكتاب)).
وقوله: ((فَنَخِرّ سُجّداً أجمعون)) بعد قوله: ((فيكشف عن ساق)).
(١) كان في النسخة: ((فيخرجوا قوم))، وهو تصحيف بلا شكّ، والإصلاح من
((الإيمان)) لابن منده ٢/ ٨٠٠: ((فُيُخرِجُ قوماً))، وهو وليّ التوفيق.
(٢) هكذا النسخة، والصواب ما في ((الإيمان)) لابن منده (٨٠٠/٢)، («فيقول الله لهم:
خذوا، فلكم ما أخذتم))، فتأمل.
(٣) ولفظ ابن منده: ((حتى ينتهوا))، وهو واضح.
(٤) ((المستخرج على صحيح مسلم)) لأبي نعيم ٢٤٨/١ - ٢٤٩ رقم (٤٥٨).

٢٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقوله: ((ثلاث مرات)) بعد قوله: ((فيقولون: نعم، أنت ربنا)).
وقوله: ((بأبينا أنت وأمنا)) بعد قوله: ((وما الجسر يا رسول الله؟)).
وقوله: ((ويُجاهدون معنا)) بعد قوله: ((ويحجون معنا)).
وقوله: ((وإلى حِقْويه)) بعد قوله: ((وإلى ركبتيه)).
وقوله: ((إذا حَدّث بهذا الحديث)) بعد قوله: ((وكان أبو سعيد)).
وقوله: ((والذي نفسي بيده)) بعد قوله: ((فينبتون)).
وقوله: ((فيأخذون حتى ينتهون)) بعد قوله: ((خذوا فلكم ما أخذتم))(١).
ومما نقصه: قوله: ((لا نشرك بالله شيئاً، مرتين أو ثلاثاً، حتى إن بعضهم
ليكاد أن ينقلب)) بعد قوله: ((نعوذ بالله منك)).
وقوله: ((حتى إذا خلص المؤمنون من النار)) بعد قوله: ((ومكدوس في نار
جهنم)).
ومما غيّره قوله: ((مثقال قيراط خير)) بدل قوله: ((مثقال دينار من خير))،
هذا ملخّص التفاوت بين روايتي حفص بن ميسرة، وهشام بن سعد، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٨٨) - (بَابُ إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ، وَإِخْرَاجِ الْمُؤَخِّدِينَ مِنَ النَّارِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٦٤] (١٨٤) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
قَالَ: أَخْبَرَنِي (٢) مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي
أَبِي، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((يُدْخِلُ اللهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ
الْجَنَّةَ، يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ، وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا مَنْ
(١) ولفظ مسلم: ((فما رأيتموه فهو لكم))، فتنبّه.
(٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٢٠٥
(٨٨) - بَابُ إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ، وَإِخْرَاجِ الْمُؤَخِّدِينَ مِنَ النَّارِ - حديث رقم (٤٦٤)
وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا حُمَماً،
قَدِ امْتَحَشُوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ، أَوِ الْحَيَا، فَيَنْبُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ إِلَى
جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَوْهَا كَيْفَ تَخْرُجُ؟ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السَّعْديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ
فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) وله (٨٣) سنة (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد
المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله
المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت١٧٩)
(ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.
٤ - (عَمْرُو بْنُ يَحْبَى بْنِ عُمَارَةَ) بن أبي حسن الأنصاريّ المازنيّ
المدنيّ، واسم أبي حسن: تميم بن عمرو، فيما قيل، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، وعبّاد بن تميم، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، وعباس بن
سهل بن سعد، ودينار القَرّاط، وأبي الحباب سعيد بن يسار، ويوسف بن
محمد بن ثابت بن قيس بن شَمّاس، وأبي زيد مولى بني ثعلبة، ومحمد بن
عمرو بن عطاء، وغيرهم.
ورَوَى عنه يحيى بن أبي كثير، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهما من
أقرانه، وأيوب، ومالك، وابن جريج، ووهيب بن خالد، وإبراهيم بن طَهْمان،
ورَوْح بن القاسم، وزائدة، وداود بن عبد الرحمن العطار، وعبد العزيز
الماجشون، والدراورديّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقةٌ صالحٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً
كثير الحديث، وقال العجليّ، وابن نمير: ثقةٌ، نقله ابن خَلْفُون. وقال ابن أبي
مريم، عن ابن معين: ثقة إلا أنه اختُلِف عنه في حديثين: ((الأرض كلها
مسجد))، و((كان يسلّم عن يمينه))، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين:

٢٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
صُويلح، وليس بالقويّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن عبد البرّ:
مات سنة (١٤٠).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثاً.
[تنبيه]: ذكر الحافظ المزيّ تَّثُ في ((تهذيب الكمال)): أن عمرو بن
يحيى هذا ابنُ بنت عبد الله بن زيد، فتعقّبه الحافظ تَخْذَتُهُ، فقال: هذا وَهَمْ تَبَعَ
فيه صاحب ((الكمال))، وسببه ما في رواية مالك، عن عمرو بن يحيى، عن
أبيه: ((أن رجلاً سأل عبد الله بن زيد، وهو جدُّ عمرو بن يحيى))، فظَنُّوا أن
الضمير يعود على عبد الله، وليس كذلك، بل إنما يعود على الرجل، وهو
عمرو بن أبي حَسَن عَمُّ يحيى، وقيل له: جَدّ عمرو بن يحيى تَجَوُّزاً؛ لأن العم
صِنْؤُ الأب، وأما عمرو بن يحيى: فأمُّهُ فيما ذكر محمد بن سعد في ((الطبقات))
حُمَيدة بنت محمد بن إياس بن الْبُكَيْر، وقال غيره: أم النعمان بنت أبي حَيّة،
فالله أعلم. انتهى كلام الحافظ تَّتُهُ(١).
٥ - (أَبُوهُ) هو: يحيى بن عُمارة بن أبي حسن الأنصاريّ المازنيّ
المدنيّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن عبد الله بن زيد بن عاصم، وأنس بن مالك، وأبي سعيد
الخدري .
وروى عنه ابنه عمرو، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعة،
وعُمار بن غَزِيّة، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، والزهريّ، وأبو طُوَالة.
قال ابن إسحاق: كان ثقةً، وقال النسائيّ، وابنُ خِرَاش: ثقةٌ، وذكره ابن
حبان في ((الثقات)).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثاً.
٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) ◌َُه تقدّم في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف نَظّتُهُ.
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٣١٢/٣ - ٣١٣.

٢٠٧
(٨٨) - بَابُ إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ، وَإِخْرَاجِ الْمُؤَخِّدِينَ مِنَ النَّارِ - حديث رقم (٤٦٤)
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
البخاريّ، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وابن وهب، فمصريّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً،
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((يُدْخِلُ اللهُ أَهْلَ
الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ) هكذا روى يحيى بن عُمارة حديث أبي سعيد ◌ُه هذا
بالاختصار، اختصره من الحديث الماضي، وهو من حديث مالك تَّتُهُ، وليس
في ((الموظّأ))، قال الدارقطنيّ: هو غريبٌ صحيحٌ (١). (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ)
فيه إشارة إلى أن دخول الجنّة برحمة الله عَل، لا بالعمل، وإن كان سبباً له،
فقد أخرج الشيخان في ((صحيحيهما)) عن أبي هريرة رظ الله قال: سمعت
رسول الله 18 يقول: ((لن يُدخل أحداً عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا
رسول الله؟ قال: لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة، فسَدِّدوا،
وقاربوا، ولا يتمنين أحدكم الموت، إما محسناً فلعله أن يزداد خيراً، وإما
مسيئاً فلعله أن يَستعتب)).
وأخرجا أيضاً عن عائشة ﴿ُها عن النبيّ وَ ◌ّ قال: ((سَدِّدوا، وقاربوا،
وأبشروا، فإنه لا يُدْخِل أحداً الجنة عَمَلُهُ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال:
ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة)).
(وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ)
بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة: أي مقدار حبّة، و((المثقال)): كالمقدار
لفظاً ومعنى، مِفْعَال من الثقل، وفي ((العباب)): مثقال الشيء: ميزانه من مثله،
فقوله تعالى: ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]: أي وزن ذرّة، قال:
(١) ((الفتح)) ٤٣٨/١١ (كتاب الإيمان)) رقم (٢٢).

٢٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وَكُلٌّ يُوَافِيهِ الْجَزَاءُ بِمِثْقَالٍ
أي بوزن(١). (مِنْ خَرْدَلٍ) بفتح الخاء المعجمة، وسكون الراء: نباتٌ
معروفٌ يُشَبّه به الشيء القليل البليغ في القلّة، وقوله: (مِنْ إِيمَانٍ) بيان لمثقال
حبّة، وهو إشارة إلى ما لا أقلّ منه، قال الخطابيّ: هو مَثَلُ ليكون عِيَاراً في
المعرفة، لا في الوزن؛ لأن ما يُشكِل في المعقول يُرَدّ إلى المحسوس لِيُفهم،
وقال إمام الحرمين: الوزن للصُّحُف المشتملة على الأعمال، ويَقَع وزنها على
قدر أجور الأعمال، وقال غيره: يجوز أن تُجَسَّد الأعراض، فتوزن، وما ثبت
من أمور الآخرة بالشرع، لا دخل للعقل فيه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن الوزن ثبت للصحُف، وللأعمال
نفسها، وللشخص نفسه، والذي يظهر أن في بعض الأحوال توزن الأعمال،
كما هو صريح معظم النصوص، وفي بعضها توزن الصحائف، كما في حديث
البطاقة، وفي بعضها يوزن الشخص نفسه، كما في حديث: ((يجاء بالرجل
العظيم، فلا يزن عند الله جناح بعوضة))، والله تعالى أعلم.
والمراد بحبّة الخردل هنا ما زاد من الأعمال على أصل التوحيد؛ لقوله
في الرواية الأخرى: ((أخرجوا من قال: لا إله إلا الله، وعَمِلَ من الخيرِ ما يَزِنُ
ذَرّة))(٢). (فَأَخْرِ جُوهُ، فَيُخْرَجُونَ) بالبناء للمفعول (مِنْهَا) أي من النار (حُمَمَاً)
بضمّ الحاء المهملة، وفتح الميم المخفّفة، وهو الْفَحْم (قَدِ امْتَحَشُوا) بفتح
التاء، مبنيّاً للفاعل، على المختار، وقيل: بضمّها، مبنيّاً للمفعول، ومعناه:
احتَرَقُوا (فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ، أَوِ الْحَيَا) بالشك، وقد تبيّن الشاّ في رواية
البخاريّ في ((الإيمان)) حيث قال: ((شكّ مالك))، و((الحيا)) مقصور، وهو
المطر، سُمّي حياً؛ لأنه تحيا به الأرض، ولذلك هذا الماء يحيا به هؤلاء
المحترقون، وتَحْدُث فيهم النضارة، كما يحدُث ذلك بالمطر في الأرض.
ووقع في رواية غير كريمة في البخاريّ بلفظ ((الحياء)) بالمدّ، قال في
((الفتح)): كذا في هذه الرواية بالمدّ، ولكريمة وغيرها بالقصر، وبه جزم
الخطابيّ، وعليه المعنى؛ لأن المراد: كلُّ ما تَحْصُل به الحياة، والحيا بالقصر
(١) ((عمدة القاري)) ٢٧٢/١.
(٢) راجع: ((الفتح)) ١/ ٩٢.

٢٠٩
(٨٨) - بَابُ إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ، وَإِخْرَاجِ الْمُؤَخِّدِينَ مِنَ الثَّارِ - حديث رقم (٤٦٤)
هو المطر، وبه تحصل حياة النبات، فهو أليق بمعنى الحياة، من الحياء
الممدود الذي هو بمعنى الْخَجَل. انتهى(١).
(فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ) بكسر أوله، قال أبو حنيفة الدِّينَوريّ: الْحِبّة
جمع بُزُور النبات، واحدتها حَبّة بالفتح، وأما الْحَبّ: فهو الحنطة والشعير،
واحدتها حَبّة بالفتح أيضاً، وإنما افترقا في الجمع، وقال أبو المعالي في
((المنتهى)): الْحِبَّة بالكسر: بُزُور الصحراء، مما ليس بقوت. انتهى.
وقيل: اللام في ((الْحِبّة)) للعهد، ويراد به حِبّة الحمقاء، وهي الرِّجْلة
بالكسر، سميت بالحمقاء؛ لأنها تنبت في جانب السيل، فيُتلفها، ثم تنبت،
فيُتلفها، وهكذا(٢) .
(إِلَى جَانِبِ السَّيْلِ) بفتح، فسكون، قال الفيّوميّ ◌َُّهُ: ((السيل)):
معروف، وجمعه سُيُول، وهو مصدر في الأصل، مِن سال الماء يَسِيل سَيْلاً،
من باب باع، وسَيَلاناً: إذا طغا، وجرى، ثم غَلَبَ السيل في الْمُجْتَمِعِ من
المطر الجاري في الأودية. انتهى (٣).
وفي رواية: ((حميل السيل))، وهو فعيل بمعنى مفعول: أي محمول
السيل، وهو ما جاء به من طين، أو غُثَاء، وفي رواية ((حمأة السيل)) وهو ما
تغيّر لونه من الطين، وكلّه بمعنَى، فإذا اتّفق فيه حبّة على شطّ مجراه، فإنها
تنبت سريعاً (٤).
(أَلَمْ تَرَوْهَا) خطاب لكلّ من يتأتى منه الخطاب (كَيْفَ تَخْرُجُ؟ صَفْرَاءَ)
تأنيث الأصفر، من الصفرة، وهو لون دون الحمرة، والأصفر أيضاً الأسود،
فالذكر أصفر، والأنثى صفراء، قاله الفيّوميّ(٥). (مُلْتَوِيَةً) أي منعطفة منثنيةً،
وانتصاب ((صفراء))، و((ملتوية)) على الحال، وهما إما متداخلان، أو مترادفان،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
(١) ((الفتح)) ٩٢/١ (كتاب الإيمان)) رقم (٢٢).
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٧٣/١.
(٤) ((عمدة القاري)) ١/ ٢٧٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢٩٩/١.
(٥) ((المصباح المنير)) ٣٤٢/١.

٢١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
رَُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤٦٤/٨٨ و٤٦٥] (١٨٤)،
و(البخاريّ) في ((الإيمان)) (٢٢)، و((التفسير)) (٤٥٨١)، و((الرقاق)) (٦٥٦٠)،
و(الترمذيّ) في ((صفة جهنم)) (٢٥٩٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥/٣ و١١ و١٩
و٢٠ و٢٥ و٤٨ و٥٦ و٧٨ و٩٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٥٤ و٤٥٥)،
و(أبو نعيم) في ((المستخرج)) (٤٦١ و٤٦٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٨٢
و٢٢٢)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٨٢١ و٨٢٢ و٨٢٣ و٨٣٦)، و(البغويّ)
في ((شرح السنّة)) (٤٣٥٧). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): إثبات الشفاعة، وهو مجمع عليه بين أهل السنّة والجماعة،
وإنما أنكره المبتدعة، كما سيأتي في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): الرّدّ على المرجئة حيث دلّ على دخول طائفة من عصاة
المؤمنين النار؛ إذ مذهبهم أنه لا يضرّ مع الإيمان معصية، فلا يدخل العاصي
النار، وهو مذهب باطل بدلائل الكتاب والسنّة، وإجماع أهل السنة.
٣ - (ومنها): الرّ على المعتزلة حيث دلّ على عدم تخليد أصحاب
الكبائر في النار، خلافاً لهم، وهو مذهب باطلٌ أيضاً بدلائل الكتاب والسنّة،
وإجماع أهل السنّة.
٤ - (ومنها): بيان تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.
٥ - (ومنها): بيان أن الأعمال من الإيمان؛ لقوله: ((حبة خردل من
إيمان))؛ إذ المراد ما زاد على أصل التوحيد، كما سبق بيانه.
٦ - (ومنها): أنه استدلّ به الغزاليّ بقوله: ((من كان في قلبه)) على نجاة
من أيقن بذلك، وحال بينه وبين النطق به الموت، وقال في حقّ من قدر على
ذلك، فأخّر، فمات: يحتمل أن يكون امتناعه عن النطق بمنزلة امتناعه عن
الصلاة، فيكون غير مخلّد في النار، ويحتمل غير ذلك، ورجّح غيره الثاني،
فيحتاج إلى تأويل قوله: ((في قلبه))، فيقدّر فيه محذوفٌ، تقديره منضمّ إلى

٢١١
(٨٨) - بَابُ إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ، وَإِخْرَاجِ الْمُؤَخِّدِينَ مِنَ النَّارِ - حديث رقم (٤٦٤)
النطق به مع القدرة عليه، قاله في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اشتراط النطق للقادر عليه مع الاعتقاد هو
الحقّ؛ لظواهر النصوص الكثيرة، فلا يكفي مجرّد الاعتقاد، إلا لغير القادر،
فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في البحث عن الشفاعة:
قال القاضي عياض كثّتُهُ: مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلاً،
ووجوبها سمعاً بصريح قوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ لَّا نَفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ
وَرَضِىَ لَهُمْ قَوْلًا ﴿َ﴾ [طه: ١٠٩]، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]،
وأمثالهما، وبخبر الصادق وَله، وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر
بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين، وأجمع السلف والخلف، ومن
بعدهم من أهل السنة عليها، ومَنَعَت الخوارج، وبعض المعتزلة منها، وتعلقوا
بمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا نَفَعُهُمْ شَفَعَةُ
(٣)﴾ [المدثر: ٤٨]، وبقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ خَيرٍ وَلَا شَفِيعِ
الشَّفِعِينَ
يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، وهذه الآيات في الكفار، وأما تأويلهم أحاديث الشفاعة
بكونها في زيادة الدرجات فباطل، وألفاظ الأحاديث في ((صحيح مسلم)) وغيره
صريحة في بطلان مذهبهم، وأنها في المذنبين، وفي إخراج مَنِ استوجب
النار، لكن الشفاعة بمجموعها على خمسة أقسام(٢):
[أولها]: مختصة بنبينا وَّل، وهي الإراحة من هول الموقف، وتعجيل
الحساب، كما سيأتي بيانها عند ذكرها في ((صحيح مسلم)).
[الثانية]: في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وهذه وردت أيضاً لنبينا وَّةٍ،
وقد ذكرها مسلم كَثّتُهُ، وسننبه عليها في موضعها .
[الثالثة]: الشفاعة لقوم استوجبوا النار (٣)، فَيَشْفَع فيهم النبيّ وَّ، ومن
(١) ((الفتح)) ٤٣٨/١١ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٧١ - ٦٥٧٢).
(٢) سيأتي له أنه زاد سادسة، وهي شفاعته 3 18 في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب،
وزاد غيره أنواعاً أخرى من الشفاعة، سيأتي قريباً بيانها - إن شاء الله تعالى -.
(٣) ذكر ابن القيّم تَُّ أنه لم يظفر بدليل على ما شاع لدى كثير من الناس من ذكرهم=

٢١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
شاء الله تعالى، وسننبه على موضعها قريباً - إن شاء الله تعالى -.
[الرابعة]: فيمن دَخَل النار من المذنبين، فقد جاءت هذه الأحاديث
بإخراجهم من النار بشفاعة نبيّنا وَّ﴾، والملائكة، وإخوانهم من المؤمنين، ثم
يخرج الله تعالى كلَّ من قال: لا إله إلا الله، كما جاء في الحديث، حتى لا
يبقى فيها إلا الكافرون، ومن حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود، كما جاء في
الحدیث.
[الخامسة]: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها، وهذه لا ينكرها
المعتزلة، ولا ينكرون أيضاً شفاعة الحشر الأَوّل.
قال القاضي عياض ◌َخُّْ: وقد عُرِف بالنقل المستفيض سؤال السلف
الصالح ◌ُّ شفاعة نبيّنا وَّة، ورغبتهم فيها، وعلى هذا لا يُلْتَفت إلى قول من
قال: إنه يكره أن يسأل الإنسان الله تعالى أن يرزقه الله شفاعة محمد وَله؟
لكونها لا تكون إلا للمذنبين، فإنها قد تكون كما قدّمنا لتخفيف الحساب،
وزيادة الدرجات، ثم كلُّ عاقل معترف بالتقصير، محتاج إلى العفو، غير مُعْتَدٍّ
بعمله، مُشفق من أن يكون من الهالكين، ويلزم هذا القائلَ أن لا يدعو بالمغفرة
والرحمة؛ لأنها لأصحاب الذنوب، وهذا كله خلاف ما عُرِف من دعاء السلف
والخلف. هذا آخر كلام القاضي ◌َُّهُ(١)، وهو كلام نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)) ما حاصله: إن الخوارج الطائفة المشهورة المبتدعة كانوا
ينكرون الشفاعة، وكان الصحابة ينكرون إنكارهم، ويحدّثون بما سمعوا من
النبيّ ◌َ﴿ في ذلك، فأخرج البيهقيّ في ((البعث)) من طريق شَبِيب بن أبي فَضَالة:
ذَكَروا عند عمران بن حصين ﴿ّ الشفاعة، فقال رجل: إنكم لتحدثوننا بأحاديث
لا نجد لها في القرآن أصلاً، فَغَضِب، وذكر له ما معناه: إن الحديث يُفَسِّر القرآن.
وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح، عن أنس به قال: ((مَن كَذّب
بالشفاعة، فلا نصيب له فيها)).
= شفاعة النبيّ ( 18 في قوم استوجبوا النار، فيشفع فيهم، فلا يدخلونها. انتهى.
قال الجامع: هكذا قال، ولكن سيأتي بيان دليلها قريباً - إن شاء الله تعالى -.
(١) ((إكمال المعلم)) ٨٢١/٢ - ٨٢٦.

٢١٣
(٨٨) - بَابُ إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ، وَإِخْرَاجِ الْمُؤَخِّدِينَ مِنَ النَّارِ - حديث رقم (٤٦٤)
وأخرج البيهقيّ في ((البعث)) من طريق يوسف بن مِهْران، عن ابن
عباس ﴿ّ: خَطَب عمر ◌َُّه، فقال: إنه سيكون في هذه الأمة قوم يُكَذِّبون
بالرجم، ويكذبون بالدّجّال ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة،
ويكذبون بقوم يخرجون من النار. ومن طريق أبي هلال، عن قتادة قال: قال
أنس: يخرج قوم من النار، ولا نُكَذِّب بها كما يكذب بها أهل حَرُوراء - يعني
الخوارج -.
قال ابن بطال تَخُّْهُ: أنكرت المعتزلة، والخوارج الشفاعة في إخراج مَن
أُدخل النار من المذنبين، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا نَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ
٤٨
[المدثر: ٤٨]، وغير ذلك من الآيات، وأجاب أهل السنة: بأنها في
الكفار، وجاءت الأحاديث في إثبات الشفاعة المحمدية متواترةً، ودَلّ عليها
قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، والجمهور على
أن المراد به الشفاعة، وبالغ الواحديّ، فنقل فيه الإجماع، ولكنه أشار إلى ما
جاء عن مجاهد، وزَيَّفَهُ، وقال الطبريّ: قال أكثر أهل التأويل: المقام
المحمود هو الذي يقومه النبيّ وَّ ليريحهم من كَرْبِ الموقف، ثم أَخرَجَ عِدّة
أحاديث في بعضها التصريح بذلك، وفي بعضها مُظْلَق الشفاعة.
[فمنها]: حديث سلمان ◌َُّه قال: ((فيُشَفِّعه الله في أمته، فهو المقام
المحمود))، ومن طريق رِشْدين بن كُرَيب، عن أبيه، عن ابن عباس الطَّ:
((المقام المحمود: الشفاعة))، ومن طريق داود بن يزيد الأوديّ، عن أبيه، عن
أبي هريرة ربه في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَحْمُودًا﴾ [الإسراء:
٧٩] قال: سئل عنها النبيّ وَل﴾، فقال: هي الشفاعة، ومن حديث كعب بن
مالك رظُّ رفعه: ((أكون أنا وأمتي على تَلّ، فيكسوني ربي حُلّةً خضراء، ثم
يؤذن لي، فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود))، ومن طريق
يزيد بن زريع، عن قتادة: ذُكِر لنا أن نبي الله ◌َّ أول شافع، وكان أهل العلم
يقولون: إنه المقام المحمود، ومن حديث أبي مسعود رَؤُه رفعه: ((إني لأقوم
يوم القيامة المقام المحمود، إذا جيء بكم حُفَاةً عُرَاةً، وفيه: ثم يكسوني ربي
حُلّةً، فألبسها، فأقوم عن يمين العرش مقاماً لا يقومه أحدٌ، يغبطني به الأولون
والآخرون))، ومن طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد: ((المقام المحمود:

٢١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الشفاعة))، ومن طريق الحسن البصري مثله، قال الطبريّ: وقال ليث، عن
مجاهد في قوله تعالى: ﴿مَقَامًا تَّحْمُودًا﴾: يُجلسه معه على عرشه، ثم أسنده،
وقال: الأول أولى على أن الثاني ليس بمدفوع، لا من جهة النقل، ولا من
جهة النظر.
وقال ابن عطية: هو كذلك إذا حُمِلَ على ما يليق به، وبالغ الواحدي في
رَدّ هذا القول، وأما النّقّاش فنقل عن أبي داود، صاحب ((السنن)) أنه قال: من
أنكر هذا فهو مُتَّهَمٌ، وقد جاء عن ابن مسعود نظُه عند الثعلبيّ، وعن ابن
عباس ها عند أبي الشيخ، وعن عبد الله بن سلام ظُه قال: ((إن محمداً يوم
القيامة على كرسيّ الربّ بين يدي الربّ))، أخرجه الطبريّ.
قال الحافظ تَُّهُ: فيحتمل أن تكون الإضافة إضافة تشريف، وعلى ذلك
يُحْمَل ما جاء عن مجاهد وغيره.
والراجح أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة، لكن الشفاعة التي وَرَدت
في الأحاديث المذكورة في المقام المحمود نوعان:
[الأول]: العامّة في فصل القضاء.
[والثاني]: الشفاعة في إخراج المذنبين من النار، وحديث سلمان الذي
ذكره الطبريّ أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً، وحديث أبي هريرة أخرجه أحمد
والترمذيّ، وحديث كعب أخرجه ابن حبان، والحاكم، وأصله في مسلم،
وحديث ابن مسعود أخرجه أحمد، والنسائيّ، والحاكم، وجاء فيه أيضاً عن
أنس، وعن ابن عمر، وعن جابر عند الحاكم من رواية الزهريّ، عن علي بن
الحسين عنه، واختُلِف فيه على الزهريّ، فالمشهور عنه أنه من مرسل علي بن
الحسين، كذا أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، وقال إبراهيم بن سعد، عن
الزهريّ، عن عليّ، عن رجال من أهل العلم. أخرجه ابن أبي حاتم، وحديث
جابر في ذلك عند مسلم من وجه آخر عنه، وفيه عن عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جدّه عند ابن مردويه، وعنده أيضاً من حديث سعد بن أبي وقاص،
ولفظه: سئل النبيّ وَ﴿ عن المقام المحمود، فقال: ((هو الشفاعة))، وعن أبي
سعید عند الترمذيّ، وابن ماجه.
وقال الماوردي في ((تفسيره)): اختُلِف في المقام المحمود على ثلاثة

٢١٥
(٨٨) - بَابُ إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ، وَإِخْرَاجِ الْمُؤَخِّدِينَ مِنَ النَّارِ - حديث رقم (٤٦٤)
أقوال، فذكر القولين: الشفاعة والإجلاس، والثالث: إعطاؤه لواء الحمد يوم
القيامة، قال القرطبيّ: هذا لا يغاير القول الأول، وأثبت غيره رابعاً، وهو ما
أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح، عن سعيد بن أبي هلال، أحدٍ صغار
التابعين أنه بلغه أن المقام المحمود أن رسول الله ولو يكون يوم القيامة بين
الجبار وبين جبريل، فيغبطه بمقامه ذلك أهلُ الجمع، قال الحافظ: وخامساً،
هو ما اقتضاه حديث حُذيفة رَُّبه، وهو ثناؤه على ربه، ولكنه لا يغاير الأول
أيضاً، وحَكَى القرطبيّ سادساً، وهو ما اقتضاه حديث ابن مسعود الذي أخرجه
أحمد، والنسائيّ، والحاكم، قال: ((يشفع نبيكم رابعَ أربعة: جبريل، ثم
إبراهيم، ثم موسى، أو عيسى، ثم نبيكم، لا يشفع أحدٌ في أكثر مما يشفع
فيه ... )) الحديث، وهذا الحديث لم يُصَرَّح برفعه، وقد ضعفه البخاريّ،
وقال: المشهور قوله وَ ر: ((أنا أول شافع)). قال الحافظ: وعلى تقدير ثبوته،
فليس في شيء من طرقه التصريح بأنه المقام المحمود، مع أنه لا يغاير حديث
الشفاعة في المذنبين، وجَوّز المحب الطبري سابعاً، وهو ما اقتضاه حديث
كعب بن مالك، فقال بعد أن أورده: هذا يشعر بأن المقام الشفاعة، ثم قال:
ويجوز أن تكون الإشارة بقوله: ((فأقول)) إلى المراجعة في الشفاعة، قال
الحافظ: وهذا هو الذي يتجه، ويمكن رد الأقوال كلها إلى الشفاعة العامّة،
فإن إعطاءه لواء الحمد، وثناءه على ربه، وكلامه بين يديه، وجلوسه على
كرسيه، وقيامه أقرب من جبريل، كلُّ ذلك صفات للمقام المحمود الذي يشفع
فيه؛ ليُقْضَى بين الخلق، وأما شفاعته في إخراج المذنبين من النار، فمن توابع
ذلك.
واختُلِف في فاعل الحمد من قوله: ﴿مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾ فالأكثر على أن
المراد به أهلُ الموقف، وقيل: النبيّ وَّر، أي أنه هو يحمد عاقبة ذلك المقام
بتهجده في الليل، والأول أرجح؛ لما ثَبَت من حديث ابن عمر بلفظ: ﴿مَقَامًا
◌َّحْمُودًا﴾ يحمده أهل الجمع كلهم، ويجوز أن يُحْمَل على أعمّ من ذلك: أي
مقاماً يحمده القائم فيه، وكل مَن عرفه، وهو مطلق في كل ما يَجْلِب الحمد،
من أنواع الكرامات، واستَحْسَن هذا أبو حيان، وأيّده بأنه نكرةٌ، فدَلّ على أنه
ليس المراد مقاماً مخصوصاً.

٢١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال ابن بطال تَخُّ: سَلَّم بعضُ المعتزلة وقوع الشفاعة، لكن خَصّها
بصاحب الكبيرة الذي تاب منها، وبصاحب الصغيرة الذي مات مصرّاً عليها .
وتُعُقِّب بأن من قاعدتهم أن التائب من الذنب لا يُعَذَّب، وأن اجتناب
الكبائر يُكَفِّر الصغائر، فيلزم قائله أن يخالف أصله.
وأُجيب بأنه لا مغايرة بين القولين؛ إذ لا مانع من أن حصول ذلك
للفريقين إنما حصل بالشفاعة، لكن يحتاج مَن قَصرها على ذلك إلى دليل
التخصيص، وقد ثبت قوله : ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي))، ولم يخص
بذلك من تاب.
وقال عياض تَّتُ: أثبتت المعتزلة الشفاعة العامة في الإراحة من كرب
الموقف، وهي الخاصة بنبينا وَ طهر، والشفاعة في رفع الدرجات، وأنكرت ما
عداهما .
قال الحافظ: وفي تسليم المعتزلة الثانية نظرٌ، وقال النوويّ تبعاً لعياض:
الشفاعة خمس: في الإراحة من هول الموقف، وفي إدخال قوم الجنة بغير
حساب، وفي إدخال قوم حوسبوا، فاستحقوا العذاب أن لا يعذبوا، وفي
إخراج من أدخل النار من العصاة، وفي رفع الدرجات.
ودليل الأولى سيأتي التنبيه عليه في شرح حديث أنس نظريته الطويل في
الشفاعة الآتي قريباً.
ودليل الثانية قوله تعالى في جواب قوله وَ له: ((أمتي، أمتي)): ((أَدْخِل الجنة
من أمتك مَن لا حساب عليهم))، قال الحافظ: كذا قيل، ويظهر لي أن دليله
سؤاله ير الزيادة على السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فأجيب.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا تنافي في الاستدلال بالحديثين،
فتأمله، والله تعالى أعلم.
ودليل الثالثة قوله في حديث حُذيفة ظُه عند مسلم: ((ونبيّكم على
الصراط يقول: رب سلِّم))، وله شواهد سيأتي ذكرها في شرح حديث أنس
.
في الشفاعة.
ودليل الرابعة سيأتي أيضاً في شرح حديث أنس تظلبه عنه مبسوطاً.
ودليل الخامسة قوله في حديث أنس رضيه عند مسلم: ((أنا أول شفيع في

٢١٧
(٨٨) - بَابُ إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ، وَإِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ - حديث رقم (٤٦٤)
الجنة))، قال الحافظ تَخْذَتُهُ: كذا قاله بعض مَن لقيناه، وقال: وجه الدلالة منه
أنه جَعَلَ الجنة ظرفاً لشفاعته، قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأني سأبيّن أنها ظرف
في شفاعته الأولى المختصة به، والذي يُطْلَب هنا أن يشفع لمن لم يبلغ عمله
درجة عالية أن يبلغها بشفاعته.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أنس ظُله الآتي بلفظ: ((أنا أول الناس
يشفع في الجنّة)) ظاهر فيما قاله هذا البعض، وما تعقّبه به الحافظ، ففيه نظر لا
يخفى، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وأشار النووي في ((الروضة)) إلى أن هذه الشفاعة من خصائصه وَلقول، مع
أنه لم یذکر مستندها .
وأشار عياض إلى استدراك شفاعة سادسة، وهي التخفيف عن أبي طالب
في العذاب، كما سيأتي بيانه في موضعه - إن شاء الله تعالى -.
وزاد بعضهم شفاعة سابعة، وهي الشفاعة لأهل المدينة؛ لحديث
سعد رَُّه رفعه: ((لا يَثْبُت على لأوائها أحد إلا كنت له شهيداً، أو شفيعاً)»،
أخرجه مسلم، ولحديث أبي هريرة رضيُه رفعه: ((من استطاع أن يموت بالمدينة
فليفعل، فإني أشفع لمن مات بها))، أخرجه الترمذيّ.
قال الحافظ تَخْدَّتُهُ: وهذه غير واردة؛ لأن متعلقها لا يخرج عن واحدة من
الخمس الأُوَل، ولو عُدّ مثل ذلك لَعُدّ حديث عبد الملك بن عباد، سمعت
النبيّ ونَ﴿ يقول: ((أول من أشفع له أهل المدينة، ثم أهل مكة، ثم أهل
الطائف))(١)، أخرجه البزار، والطبرانيّ. وأخرج الطبرانيّ، من حديث ابن
عمر ◌ًا رفعه: ((أول من أشفع له أهل بيتي، ثم الأقرب، فالأقرب، ثم سائر
العرب، ثم الأعاجم))(٢).
وذكر القزويني في العروة الوثقى شفاعته لجماعة من الصلحاء في التجاوز
عن تقصيرهم، ولم يذكر مستندها، قال الحافظ: ويظهر لي أنها تندرج في
الخامسة.
(١) حديث ضعيف، راجع ((ضعيف الجامع)) للشيخ الألبانيّ تَخْتُهُ رقم (٢١٤٢).
(٢) موضوع، راجع ((السلسلة الضعيفة)) للشيخ الألبانيّ تَّتُهُ ٢/ ١٦١.

٢١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وزاد القرطبيّ أنه أول شافع في دخول أمته الجنة قبل الناس، وهذه
أفردها النقاش بالذكر، وهي واردة، ودليلها يأتي في حديث الشفاعة الطويل
الآتي - إن شاء الله تعالى -.
وزاد النقاش أيضاً شفاعته في أهل الكبائر من أمته، وليست واردة؛ لأنها
تدخل في الثالثة، أو الرابعة.
قال الحافظ تَخَّتُهُ: وظهر لي بالتتبع شفاعة أخرى، وهي الشفاعة فيمن
استوت حسناته وسيئاته أن يدخل الجنة، ومستندها ما أخرجه الطبرانيّ، عن
ابن عباس ما قال: ((السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد برحمة الله،
والظالم لنفسه، وأصحاب الأعراف يدخلونها بشفاعة النبيّ (وَل﴾))، وأرجح
الأقوال في أصحاب الأعراف: إنهم قومٌ استوت حسناتهم وسيئاتهم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عبّاس طه هذا موضوع؛ لأن
في سنده موسى بن عبد الرحمن الصنعانيّ، وهو وضّاع(١)، كما قال
الهيثميّ ◌َُّهُ في ((مجمع الزوائد)» ٣٧٨/١٠، فلا يصلح لإثبات ما ادّعاه
الحافظ من هذا القسم في الشفاعة، فتنبّه (٢)، والله تعالى أعلم.
قال: وشفاعة أخرى، وهي شفاعته وَ لّ فيمن قال: لا إله إلا الله، ولم
يعمل خيراً قطّ، ومستندها رواية الحسن، عن أنس ﴿به كما سيأتي بيانه، ولا
يمنع مِن عَدّها قول الله تعالى له: ((ليس ذلك إليك))؛ لأن النفي يتعلق بمباشرة
الإخراج، وإلا فنفس الشفاعة منه قد صَدَرت، وقبولها قد وقع، وترتب عليها
أثرها .
قال الجامع عفا الله عنه: استدلال الحافظ تَخَّهُ على هذا النوع من
(١) قال ابن حبّان: دجال وضع على ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس كتاباً في
التفسير، وقال ابن عديّ: منكر الحديث، وأورد له هذا الحديث، وأحاديث
أخرى، ثم قال: هذه الأحاديث بواطيل، انظر ((ميزان الاعتدال)) ٢١١/٤ - ٢١٢.
(٢) وأورد الشيخ الألبانيّ تَُّ في ((ضعيف الجامع الصغير)) برقم (٣٣٣١) حديث أبي
الدرداء وظُّه بلفظ: ((السابقُ والمقتصدُ يدخلان الجنة بغير حساب، والظالم لنفسه
يحاسب حساباً يسيراً، ثم يدخل الجنة))، وحكم عليه بأنه ضعيف، فتنبّه.

٢١٩
(٨٨) - بَابُ إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ، وَإِخْرَاجِ الْمُؤَخِّدِينَ مِنَ النَّارِ - حديث رقم (٤٦٥)
الشفاعة بحديث أنس روايته المذكور، غير ظاهر، كما لا يخفى على من تأمّله،
والله تعالى أعلم.
قال: فالوارد على الخمسة أربعة، وما عداها لا يَرِدُ كما تَرِد الشفاعة في
التخفيف عن صاحبي القبرين، وغير ذلك؛ لكونه من جملة أحوال الدنيا .
انتهى كلام الحافظ تَخْتُهُ، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ، مع ما أسلفته من
التعقّب في بعضه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّلُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٤٦٥] (.) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ
(ح)، وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، كِلَاهُمَا عَنْ
عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَا: ((فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ، يُقَالَ لَهُ: الْحَيَاةُ)، وَلَمْ
يَشُكّا، وَفِي حَدِيثِ خَالِدٍ: ((كَمَا تَنْبُتُ الْغُثَاءَةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ))، وَفِي حَدِيثٍ
وُهَيْبٍ: ((كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِثَةٍ، أَوْ حَمِيلَةِ السَّيْلِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٤.
٣ - (وُهَيْب) بن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ [٧] (ت١٦٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤١٣.
٤ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: ابن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ
البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٩) (م د) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٠.
٥ - (عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) بن أوس بن الْجَعْد، أبو عثمان الواسطيّ البزار
الحافظ، مولى أبي الْعَجْفاء السلميّ، سكن البصرة، ثقةٌ ثبتٌ [١٠].
رَوَى عن الحمادين، وهُشيم، وشَرِيك، وأبي عوانة، وخالد بن عبد الله،

٢٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وعبد السلام بن حرب، وأبي معاوية، وشعيب بن إسحاق، ووكيع، وابن أبي
زائدة، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، وأبو داود، وروى البخاريّ أيضاً والباقون له
بواسطة عبد الله بن محمد الْمُسْنَديّ، وحجاج بن الشاعر، وعبد الله الدارميّ
وأحمد بن سليمان الرُّهَاويّ، وعُثمان بن خُرَّزاذ، والعباس بن جعفر بن
الزِّبْرِقان، وغيرهم.
قال إبراهيم بن الجنيد: سمعت يحيى بن معين يقول: حدثنا عمرو بن
عون، وأطنب في الثناء عليه، وقال العجليّ: ثقةٌ، كان رجلاً صالحاً، وقال
الدُّوريّ: سمعت يزيد بن هارون يقول: عمرو بن عون ممن يزداد كل يوم خيراً،
وقال أبو زرعة: قَلّ من رأيت أثبت منه، وقال أبو حاتم: ثقةٌ حجةٌ، وكان
يَحفظ حديثه، وذكره ابن حبان في ((الثقات)»، وقال: مات سنة خمس وعشرين
ومائتين، كذا قال أبو حاتم بن الليث الجوهريّ، وكذا قاله البخاريّ، وأبو داود
ظنّاً، وكذا جزم به ابن قانع نقلاً عن حفيده، وزاد: في شعبان، وقال مسلمة في
((الصلة)): ثقةٌ، وفي ((الزهرة)): رَوَى عنه البخاريّ أحد عشر حديثاً(١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٨٤)،
وحديث (١٦٠٥): ((لا يحتكر إلا خاطئ)).
٦ - (خَالِد) بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان الواسطيّ المزنيّ
مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧٨/ ٤٠٧.
وعمرو بن يحيى المازنيّ تقدّم في السند الماضي.
وقوله: (كِلَاهُمَا) أي وُهيبٌ، وخالد الطحان.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد عمرو السابق، وهو: عن أبيه يحيى بن
عمارة، عن أبي سعيد الخدريّ هُه.
وقوله: (وَقَالَا: ((فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ، يُقَالَ لَهُ: الْحَيَاةُ))، وَلَمْ يَشُكّا) يعني أن
وُهيباً وخالداً روياه بلفظ: ((الحياة)) ولَم يشكّا كما شكّ مالك، فقال: ((في نهر
الحياة، أو الحیا)).
(١) الذي في برنامج الحديث (صخر) أنه له في ((صحيح البخاريّ)) (١٢) حديثاً.