Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
(٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٦١)
الساق من الصفات، فهو كاليد، والأصابع، والوجه، والقدم، وغير ذلك مما
أثبته النصّ الصحيح لله ◌ُعَلَ على ما يليق بجلاله، بلا تشبيه، ولا تمثيل، ولا
تعطيل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ للهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ) أي مختاراً من جهة نفسه،
مخلصاً لله تعالى، لا لجهة اتّقاء الخلق، وتعلّق الرجاء بهم (إِلَّا أَذِنَ اللهُ لَهُ
بِالسُّجُودِ، وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتَّقَاءً) أي احترازاً من السيف، أو خوفاً من
لوم الناس وعتابهم له (وَرِيَاءً) أي مراءاةً للناس، ومسامعة لهم (إِلَّا جَعَلَ اللهُ
ظَهْرَهُ طَبَقَّةً وَاحِدَةً) بفتح الطاء والباء، قال الهرويّ وغيره: الطَّبَقُ: فَقَارُ الظهر،
أي صار فَقَارةً واحدةً كالصفحة، فلا يقدر على السجود (كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ
خَرَّ) أي سقط (عَلَى قَفَاهُ) قال النوويّ تَخْذُهُ: هذا السجود امتحان من الله تعالى
لعباده، وقد استدل بعض العلماء بهذا مع قوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى الشُّجُودِ فَلَ
يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] على جواز تكليف ما لا يطاق، وهذا استدلال باطل،
فإن الآخرة ليست دار تكليف بالسجود، وإنما المراد امتحانهم.
وقال ابن بطال: تَمَسّك به من أجاز تكليف ما لا يطاق من الأشاعرة،
واحتجوا أيضاً بقصة أبي لهب، وأن الله كلفه الإيمان به مع إعلامه بأنه يموت
على الكفر، ويَصْلَى ناراً ذات لهب، قال: ومنع الفقهاء من ذلك، وتمسّكوا
بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وأجابوا عن
السجود بأنهم يُدْعَون إليه تبكيتاً؛ إذ أدخلوا أنفسهم في المؤمنين الساجدين في
الدنيا، فدُعُوا مع المؤمنين إلى السجود، فتعذر عليهم، فأظهر الله بذلك نفاقهم،
وأخزاهم، قال: ومثله من التبكيت ما يقال لهم بعد ذلك: ﴿أَرْجِعُواْ وَرَكُمْ فَالْتَمِسُوا
نُورً﴾ [الحديد: ١٣]، وليس في هذا تكليف ما لا يطاق، بل إظهار خزيهم،
ومثله: ((كُلِّفَ أن يَعْقِد شعيرة))، فإنها للزيادة في التوبيخ والعقوبة. انتهى.
قال الحافظ: ولم يُجِب عن قصة أبي لهب، وقد ادَّعَى بعضهم أن مسألة
تكليف ما لا يطاق لم تقع إلا بالإيمان فقط، وهي مسألة طويلة الذيل، ليس
هذا موضع ذكرها. انتهى (١).
(١) ((الفتح)) ٤٣٨/١٣ ((كتاب التوحيد)) رقم (٧٤٤٠ - ٧٤٤٧).

١٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أني استوفيت البحث المتعلّق بتكليف
ما لا يُطاق في نظمي ((التحفة المرضيّة)) وشرحها، فارجع إليهما تستفد، والله
تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: (اعلم): أن هذا الحديث قد يُتَوَهَّم منه أن المنافقين يرون الله
تعالى مع المؤمنين، وقد ذهب إلى ذلك طائفة، حكاه ابن فُورك؛ لقوله وَالآتى:
((وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله تعالى ... ))، قال النوويّ: وهذا
الذي قالوه باطل، بل لا يراه المنافقون بإجماع من يُعْتَدّ به من علماء
المسلمين، وليس في هذا الحديث تصريح برؤيتهم الله تعالى، وإنما فيه أن
الجمع الذى فيه المؤمنون والمنافقون يرون الصورة، ثم بعد ذلك يرون الله
تعالى، وهذا لا يقتضي أن يراه جميعهم، وقد قامت دلائل الكتاب والسنة على
أن المنافق لا يراه وَعَلَ، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ تَظُّهُ(١).
[تنبيه آخر]: وقع في رواية البخاريّ: ((ويبقى من كان يسجد لله رياء
وسمعةً، فيذهب كيما يسجد، فيعود ظهره طبقاً واحداً))، فذكر العلامة جمال
الدين بن هشام في ((المغني)) أنه وقع في البخاري في هذا الموضع ((كَيْمَا))
مجرَّدَةً، وليس بعدها لفظ ((يسجد))، فقال بعد أن حَكَى عن الكوفيين أنّ ((كي))
ناصبة دائماً، قال: ويرُدُّه قولهم: ((كيمه)) كما يقولون: (لِمَهْ))، وأجابوا: بأن
التقدير ((كي تفعل ماذا؟))، ويلزمهم كثرة الحذف، وإخراج ((ما)) الاستفهامية عن
الصدر، وحذف ألفها في غير الجرّ، وحذف الفعل المنصوب مع بقاء عامل
النصب، وكل ذلك لم يَثْبُت. نعم، وقع في ((صحيح البخاري)) في تفسير ﴿وُجُوهُ
[القيامة: ٢٢]: ((فيذهب كيما، فيعود ظهره طبقاً واحداً))، أي
يُؤَمَِّذٍ نَاضِرَهُ
كيما يسجد، وهو غريب جدّاً، لا يحتمل القياس عليه. انتهى كلامه.
قال الحافظ بعد نقل كلام ابن هشام هذا ما نصّه: وكأنه وقعت له
نسخة، سَقَطت منها هذه اللفظة، لكنها ثابتة في جميع النسخ التي وَقَفتُ
عليها، حتى إن ابن بطال ذكرها بلفظ ((كي يسجدَ)) بحذف ((ما))، وكلام ابن
هشام يوهم أن البخاريّ أورده في ((التفسير))، وليس كذلك، بل ذكرها في
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٩/٣.

١٨٣
(٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٦١)
((التوحيد)) فقط. انتهى كلام الحافظ (١).
(ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) قال
النوويّ: هكذا ضبطناه ((صورته)) بالهاء في آخرها، ووقع في أكثر الأصول، أو
كثير منها في ((صورة)) بغير هاء، وكذا هو في ((الجمع بين الصحيحين))
للحميديّ، والأول أظهر، وهو الموجود في ((الجمع بين الصحيحين)) للحافظ
عبد الحقّ، ومعناه: وقد أزال المانع لهم من رؤيته، وتجلى لهم. انتهى (٢)
(فَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، ثُمَّ يُضْرَبُ) أي يُجعَلُ ويُمَدّ
(الْجِسْرُ) بفتح الجيم وكسرِها، لغتان مشهورتان، وهو الصراط (عَلَى جَهَنَّمَ) أي
على متنها وظهرها (وَتَحِلَّ الشَّفَاعَةُ) بكسر الحاء، وقيل: بضمّها، ومعناها:
أنها تَقَعُ، ويؤذن فيها (وَيَقُولُونَ) أي الرسل؛ لأنه لا يتكلّم في ذلك الوقت
غيرهم، كما سبق قوله وَله: ((ولا يتكلّم يومئذ إلا الرسل)) (اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ)
أي سلّمنا، وسلّم أممنا من ضرر الصراط، وتكراره مرتين المراد به الكثرة، أو
باعتبار كلّ واحد من أهل الشفاعة، أو للإلحاح في الدعاء كما هو من
آدابه(٣). (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ: دَحْضٌ) بفتح الدال، وسكون
الحاء المهملة، وتنوينه، هو من دَخَضَ بمعنى: زَلّ، ومنه: دَحَضَت الشمس:
أي مالت، وحُجَّةٌ داحضةٌ: أي لا ثَبَات لها، ووقع في ((صحيح البخاريّ)) في
رواية أبي ذر عن الكشميهنيّ: ((الدَّحْضُ: الزَّلَقُ ﴿لِيُدْحِضُواْ﴾ لِيَزِلِقُوا، ﴿زَلَقًا﴾:
لا یثبت فیه قدم». انتھی.
فقوله: (مَزِلَّةٌ) تأكيد لـ((دَحْضُ))، وهو بفتح الميم، وفتح الزاي، وكسرها،
وتشديد اللام، لغتان مشهورتان: هو الموضع الذي تزلّ فيه الأقدام، ولا تستقرّ
فيه، ويقال: بالكسر في المكان، وبالفتح في المقال(٤). (فِيهِ خَطَاطِفُ)
بالفتح: جمع خُطّاف، بضم الخاء في المفرد، وقوله: (وَكَلَالِيبُ) بالفتح أيضاً:
جمع كَلّوب، وهو بمعنى: الخطاطيف، وهي الحديدة المعوجّة، يُختطف بها
الشيءُ: أي يُستَلَبُ، ويؤخذُ بسرعة (وَحَسَك) - بفتح الحاء والسين المهملتين -:
(١) ((الفتح)) ٤٣٧/١٣ - ٤٣٨.
(٣) راجع: ((المرقاة)) ٥٣٥/٩.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٩/٣.
(٤) ((فتح)) ٤٣٨/١٣.

١٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
هو شَوْكٌ صَلْبٌ من حديد (١)، وقال صاحب ((التهذيب)) وغيره: ((الْحَسَكُ)):
نبات له ثَمَرٌ خَشِنٌّ، يتعلق بأصواف الغنم، ورُبّما انُّخِذ مثله من حديد، وهو من
آلات الحرب. انتهى (٢).
(تَكُونُ بِنَجْدٍ) أي توجد بالبلد المعروف بهذا الاسم، وهو بفتح النون،
وسكون الجيم: هو في الأصل ما ارتفع من الأرض، والجمع نُجُود، مثلُ فَلْس
وفُلُوس، والمراد هنا البلد المعروف، وهو من ديار العرب مما يلي العراق،
وليس من الحجاز، وإن كان من جزيرة العرب، قال في ((التهذيب)): كلُّ ما
وراء الْخَنْدق الذي خَنْدقه كسرى على سواد العراق، فهو نَجْدٌ إلى أن تميل إلى
الحرّة، فإذا مِلْتَ إليها، فأنت في الحجاز، وقال الصغانيّ: كلَّ ما ارتفع من
تهامة إلى أرض العراق فهو نجد. انتهى(٣).
(فِيهَا شُوَيْكَةٌ) تصغير شوكة (يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ) تقدّم ضبطها ومعناها في
الحديث الماضى.
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ: ((وحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ، لها شوكةٌ عُقيفاء،
تکون بنجد» .
قال في ((الفتح)): قوله: ((مُفَلْطَحَةٌ)) بضم الميم، وفتح الفاء، وسكون
اللام، بعدها طاء، ثم حاء مهملتان، كذا وقع عند الأكثر، وفي رواية
الكشميهنيّ: ((مُطَلْفَحَةٌ)) بتقديم الطاء، وتأخير الفاء واللام قبلها، ولبعضهم
كالأول، لكن بتقديم الحاء على الطاء، والأول هو المعروف في اللغة، وهو
الذي فيه اتّساع، وهو عَرِيض، يقال: فَلْطَحَ الْقُرْصَ: بَسَطَهَ، وعَرَضَهُ.
وقوله: ((شَوْكَةٌ عَقِيفَةٌ)) بالقاف، ثم الفاء، بوزن عَظِيمة، ولبعضهم عُقَيْفَاء
بصيغة التصغير ممدود. انتهى.
(فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ) أي على الصراط (كَطَرْفِ الْعَيْنِ) أي مثل إطباق جَفْن
العين، قال في ((اللسان)): الظَّرْفُ: إطباقُ العين على الْجَفْنِ، طَرَفَ يَظْرِف
طَرْفاً: لَحَظَ، قال: والطَّرْف: تحريك الْجُفُون في النظر. انتهى(٤). (وَكَالْبَرْقِ)
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٩/٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢ /٥٩٣.
(٢) ((الفتح)) ٤٣٨/١٣.
(٤) ((لسان العرب)) ٩/ ٢١٣.

١٨٥
(٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٦١)
بفتح، فسكون (وَكَالرِّيحِ، وَكَالطَّيْرٍ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ) من إضافة الصفة
للموصوف، قال في ((النهاية)): ((الأجاويد)): جمع أجواد، وهو جمع جواد،
وهو الفرس السابق الجيّد(١). (وَالرِّكَابِ) بالراء، وتخفيف الكاف: أي الإبل،
واحدتها راحلة من غير لفظها، فهو عطفٌ على الخيل، والخيل جمع الفرس
من غير لفظه .
والمعنى: أنهم في مرورهم على الصراط متفاوتون على حسب أعمالهم،
فمن بلغ من العمل، والإخلاص الدرجة القصوى، كان مروره كطرف العين،
والذي يليه كالبرق، وهكذا، والله تعالى أعلم.
(فَتَاج) الفاء للتفريع، أو للتفصيل، وقد قسم المارّة على الصراط بطريق
الإجمال عَّلى ثلاث فِرَقِ، بحسب مراتبهم في العقيدة والعمل والمعرفة،
والمعنى: فمنهم ناج (مُسَلَّمٌ) بفتح اللام المشدّدة: أي ينجو من العذاب، ولا
يناله مكروه من ذلكَ (وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ) أي ومنهم مجروح مخلَّص، يعني: أنه
يُخدَش بالْكَلَّوب، ثم يُرسل: أي يُطلق من ذلك الكلّوب، ويتجاوزه، وقيل:
معنى ((مخدوش)): أي الذي يُخدّش بالكلّوب، فيُرسل إلى النار من عصاة أهل
الإيمان، و((مرسل)): أي مطلق من القيد والْغُلّ بعد أن عُذّب مدّة. انتهى،
والمعنى الأول أقرب وأوضح، والله تعالى أعلم.
(وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) أي: ومنهم مدفوع في نار جهنّم، قال في
((النهاية)): وتكدّس الإنسانُ: إذا دُفع من ورائه، فسَقَطَ، ويُروى بالشين المعجمة
من الْكَذْش، وهو السوق الشديد، والْكَدْش: الطرد، والْجَرْح أيضاً. انتهى (٢).
وقال النوويّ ◌َّتُهُ: معناه: أنهم ثلاثة أقسام: قسمٌ يَسْلَم، فلا يناله شيء
أصلاً، وقسم يُخْدَش، ثم يُرْسَل، فَيَخْلُص، وقسمٌ يُكَرْدس، ويُلْقَى، فيسقط في
جهنم.
وأما مَكْدُوسٌ: فهو بالسين المهملة، هكذا هو في الأصول، وكذا نقله
القاضي عياض ◌َّتُهُ عن أكثر الرواة، قال: ورواه الْعُذريّ بالشين المعجمة،
ومعناه بالمعجمة: السَّوْق، وبالمهملة: كون الأشياء بعضها على بعض، ومنه:
(١) ((النهاية)) ٣١٢/١.
(٢) ((النهاية)) ١٥٥/٤.

١٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
تَكَذَّست الدواب في سيرها: إذا رَكِبَ بعضُها بعضاً (١).
(حَتَى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ) بفتح الخاء المعجمة، واللام: أي
نجوا، يقال: خَلَصَ الشيءُ من التَّلَفِ خُلُوصاً من باب قَعَدَ، وخَلاصاً،
ومَخْلَصاً: سَلِمَ ونَجَا، وخَلَصَ الماءُ من الْكَدَر: صَفَا، وخَلّصته بالتثقيل: مَيّزته
من غيره(٢).
قال القاريّ تَخْلُهُ: ((حتى)) غاية لمرور البعض على الصراط، وسقوط
البعض في النار، وقال الطيبيّ كَّلُهُ: (حتى)) غاية قوله: ((مكدوس في نار
جهنّم))، أي: يبقى المكدوس في النار حتى يخلُص بعد العذاب بمقدار ذنبه،
أو بشفاعة الرسول وَلقول، أو بفضل الله تعالى، ووُضع ((المؤمنون)) في موضع
الراجع إلى المكدوس؛ إشعاراً بالعليّة، وأن صفة الإيمان منافية للخلود في
(٣)
النار. انتهى
وقوله: (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) جواب ((إذا)) (مَا مِنْكُمْ) خطاب للمؤمنين (مِنْ
أَحَدٍ) ((من)) زائدة، ((وأحد)) اسم ((ما)) الحجازيّة، أو هو مبتدأ على أنها تميميّة
(بِأَشَدَّ) خبر ((ما)) (مُنَاشَدَةً) منصوب على التمييز (للهِ) متعلّق بـ((مناشدة)) (فِي
اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ) متعلّق بـ((مناشدةً)) أيضاً، ومعنى الاستقصاء: المبالغة في
المطالبة، قال المجد تَخْتُ: واستقصى في المسألة، وتَقَصَّى: بلغ الغاية.
انتهى (٤). (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) متعلّق بـ((أشدّ))، أي بأشدّ مناشدةً منكم، فوُضع
المظهر موضع المضمر (للهِ) متعلّق بـ«مناشدة)) (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف لـ((أشدّ))
(لِإِخْوَانِهِم) أي لأجل إخراج إخوانهم (الَّذِينَ فِي الَّارِ) قال النوويّ ◌َّتُهُ :
اعلم: أن هذه اللفظة - يعني ((استقصاء الحقّ)) - ضُبِطَت على أوجه:
[أحدها]: ((استيضاء)) بتاء مثناة من فوقُ ثم ياء مثناة من تحتُ، ثم ضاد
معجمة .
[والثاني]: ((استضاء)) بحذف المثنّاة من تحتُ.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٩/٣ - ٣٠.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ١٧٧.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٥٣٠/١١.
(٤) ((القاموس المحيط)) ص١١٩٢.

١٨٧
(٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٦١)
[والثالث]: ((استيفاء)) بإثبات المثنّاة من تحتُ، وبالفاء بدل الضاد.
[والرابع]: (استقصاء)) بمثناة من فوقُ، ثم قاف، ثم صاد مهملة. فالأول
موجود في كثير من الأصول ببلادنا، والثاني: هو الموجود في أكثرها، وهو
الموجود في ((الجمع بين الصحيحين)) للحميديّ، والثالث: في بعضها، وهو
الموجود في ((الجمع بين الصحيحين)) لعبد الحقّ الحافظ، والرابع: في بعضها،
ولم يذكر القاضي عياض غيره، واذَّعَى اتفاق النُّسَخ عليه، وادَّعَى أنه
تصحيف، وَوَهَمِّ، وفيه تغيير، وأن صوابه ما وقع في كتاب البخاري من رواية
ابن بُكير: ((بأشدّ مناشدَةً في استقصاء الحقّ - يعني: في الدنيا - من المؤمنين لله
يوم القيامة لإخوانهم))، وبه يتم الكلام، ويتوجه، هذا آخر كلام القاضي نَّثُ .
قال النوويّ: وليس الأمر على ما قاله، بل جميع الروايات التي ذكرناها
صحيحة، لكل منها مَعنَى حَسَنٌ، وقد جاء في رواية يحيى بن بكير، عن
الليث: ((فما أنتم بأشدّ مناشدة في الحقّ، قد تبيّن لكم من المؤمنين يومئذ
للجبّار تعالى وتقدس، إذا رأوا أنهم قد نَجَوْا في إخوانهم))، وهذه الرواية التي
ذكرها الليث، توضح المعنى، فمعنى الرواية الأولى والثانية: إنكم إذا عَرَضَ
لكم في الدنيا أمرٌ مُهِمٌّ، والتبس الحال فيه، وسألتم الله تعالى بيانه، وناشدتموه
في استيضائه، وبالغتم فيها، لا تكون مناشدة أحدكم مناشدةً بأشدّ من مناشدة
المؤمنين لله تعالى في الشفاعة لإخوانهم، وأما الرواية الثالثة والرابعة:
فمعناهما أيضاً: ما منكم من أحد يناشد الله تعالى في الدنيا في استيفاء حقّه،
أو استقصائه، وتحصيله من خَصمه والْمُعْتَدِي عليه بأشدّ من مناشدة المؤمنين الله
تعالى في الشفاعة لإخوانهم يوم القيامة. انتهى كلام النوويّ تَّتُهُ(١)، وهو
توجيهٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(يَقُولُونَ) جملة مستأنفة استئنافاً بيانيّاً، كأن سائلاً قال: فماذا يقولونٍ في
هذه المناشدة؟ فأجاب بأنهم يقولون (رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ،
وَيَحُجُّونَ) ولفظ البخاريّ: ((إخواننا الذين كانوا يصلّون معنا، ويصومون معنا،
ويعملون معنا)) (فَيُقَالُ لَهُمْ) لفظ البخاريّ: ((فيقول الله تعالى: اذهبوا ... ))
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٠/٣ - ٣١.

١٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ) أي بالصفة الآتية (فَتُحَرَّمُ) بالبناء للمفعول، أي تُمنَع
(صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ) أي بأن تأكلها، أو تسوّدها (فَيُخْرِجُونَ خَلْقاً كَثِيراً، قَدْ
أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفٍ سَاقَيْهِ، وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ
مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ) أي بإخراجه (فَيَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ)
أي مقداره (مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِ جُوهُ، فَيُخْرِ جُونَ خَلْقاً كَثِيراً، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَّرْ
فِيهَا أَحَداً مِمَّنْ أَمَرْتَنَّا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ
مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِ جُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقاً كَثِيراً، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ
أَمَرْتَنَا أَحَداً، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ،
فَأَخْرِ جُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقاً كَثِيراً) قال القاضي عياض تَخَُّ: قيل: معنى الخير هنا
اليقين، قال: والصحيح أن معناه شيء زائد على مجرد الإيمان؛ لأن الإيمان
الذي هو التصديق لا يتجزأ، وإنما يكون هذا التجزؤ لشيء زائد عليه، من عمل
صالح، أو ذِكْرٍ خَفِيٍّ، أو عمل من أعمال القلب، من شفقة على مسكين، أو
خوف من الله تعالى، ونيّة صادقة، ويدل عليه قوله في الرواية الأخرى في
الكتاب: ((يَخْرُج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما
يَزِنُ كذا))، ومثله الرواية الأخرى: ((يقول الله تعالى: شَفَعَت الملائكة، وشَفَع
النبيون، وشَفَع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فَيَقْبِض قبضةً من النار،
فيُخْرِج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط))، وفي الحديث الآخر: ((لأُخْرِجنّ من
قال: لا إله إلا الله))، قال القاضي تَخْتُهُ: فهؤلاء هم الذين معهم مجرد الإيمان،
وهم الذين لم يُؤذَن في الشفاعة فيهم، وإنما دَلَّت الآثار على أنه أُذِن لمن عنده
شيء زائد على مجرد الإيمان، وجُعِل للشافعين من الملائكة والنبيين - صلوات الله
وسلامه عليهم - دليلاً عليه، وتفرّد الله ◌َّ بعلم ما تُكِتّه القلوب، والرحمة لمن
ليس عنده إلا مجرد الإيمان، وضَرَبَ بمثقال الذرة المثل لأقل الخير، فإنها أقل
المقادير، قال القاضي: وقوله تعالى: من كان في قلبه ذَرّةٌ، وكذا، دليلٌ على
أنه لا ينفع من العمل إلا ما حَضَر له القلب، وصحبته نية، وفيه دليلٌ على زيادة
الإيمان ونقصانه، وهو مذهب أهل السنة، هذا آخر كلام القاضي تَخْذَّتُهُ(١).
(١) ((إكمال المعلم)) ٨٢٥/٢ - ٨٢٩.

١٨٩
(٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٦١)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا نقل النوويّ كلام عياض، ولم
يتعقّبه في قوله: ((لأن الإيمان هو التصديق، لا يتجزّأ ... إلخ))، وهذا جار
على اعتبار أن الأعمال من ثمرات الإيمان، ومكمّلاته، كما هو واضح من هذا
الكلام، والحقّ أن الإيمان قول، وعمل، واعتقاد، يزيد وينقص، فالعمل داخلٌ
في مسمّى الإيمان، وجزء منه، وقد سبق في أوائل هذا الشرح في مباحث
الإيمان أن الحقّ كون العمل داخلاً في مسمّى الإيمان لغة، كما حقّقه شيخ
الإسلام ابن تيميّة تََّثُ، وعلى هذا فلا إشكال في الحديث، بل هو على
ظاهره، فالإيمان درجات من حيث الاعتقادُ، ومن حيث العملُ، قابل للتجزئة،
فليس يقين الأنبياء كيقين سائر الناس، ولا يقين الصحابة كيقين من بعدهم،
ولا يقين أبي بكر كيفين بقية الصحابة ﴿ه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بتقليد
ذوي الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْراً) هكذا هو ((خيراً)) بإسكان الياء: أي
صاحب خير.
(وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) ◌َه (يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ،
فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنَّهُ
: [النساء: ٤٠]) أي لأن الآية لا يشكّ فيها المؤمن، وهي نصّ على
أَخْرًا عَظِيمًا
أن من عنده شيء قليل من الحسنات، فإن الله وَلَ لا يُضيعها، بل يثيبه عليها .
(فَيَقُولُ اللهُ رَكْ: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ) قال النوويّ تَخْتُ: بفتح الفاء، وإنما
ذكرته وإن كان ظاهراً؛ لأني رأيت مُنْ يُصَحِّفه، ولا خلاف فيه، يقال: شَفَعَ
يَشْفَع شفاعةً، فهو شافع، وشفيع، والْمُشَفِّع بكسر الفاء الذي يَقْبَل الشفاعة،
والْمُشَفَّع بفتحها الذي تُقْبَل شفاعته. انتهى.
(وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ) أي ممن يرحم (إِلَا أَرْحَمُ
الرَّاحِمِينَ) أي الذي وسِعَت رحمته كلَّ شيءٍ، والذي رحمة كلّ أحد في جنب
رحمته كلا شيء (فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ) معناه: يجمع جماعة (فَيُخْرِجُ) الله
تعالى (مِنْهَا) أي من النار (قَوْماً لَمْ يَعْمَلُوا خَيْراً قَطُ) أي ليس له خير زائد على
مجرّد الإيمان (قَدْ عَادُوا) أي صاروا، والجملة صفة بعد صفة لـ((قوم))، أو حال

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
منه (حُمَماً) قال النوويّ تَذَتُهُ: معنى ((عادوا)): صاروا، وليس بلازم في ((عاد))
أن يصير إلى حالة كان عليها قبل ذلك، بل معناه صار.
و ((الْحُمَمُ)) بضم الحاء، وفتح الميم الأولى المخففة، وهو الْفَحْم،
الواحدة حُمَمَة.
(فَيُلْقِيهِمْ) أي يطرحهم الله تعالى (فِي نَهَرِ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ) أي أوائلها
(يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ) قال النوويّ تَخْذُهُ: أما ((النهر)) ففيه لغتان معروفتان: فتح
الهاء وإسكانها، والفتح أجود، وبه جاء القرآن العزيز، و((الأفواه)) فجمع فُوَّهَة،
بضم الفاء، وتشديد الواو المفتوحة، وهو جَمْعٌ سُمِعَ من العرب على غير
قياس، وأَفْوَاهُ الأَزِقَّة والأنهار: أوائلها، قال صاحب ((المطالع)): كأن المراد
في الحديث مفتتح من مسالك قصور الجنة ومنازلها. انتهى (١).
وقال القاري تَخْذَلُهُ: ويُمكن أن يكون الأفواه كناية عن أبواب الجنّة، وهو
الملائم لدخولهم إياها على أحسن الهيئة. انتهى (٢).
(فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ) ببناء الفعلين للفاعل، و((الْحِبّة)) بكسر الحاء
المهملة: اسم جامع لبذور الصحراء مما ليس بقوت (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) بفتح
الحاء المهملة، وكسر الميم: ما يحمله السيل من غُثاء وطين، ونحو ذلك،
وشبّههم بها؛ لسرعة نباتها، وحسنها، وطراوتها (أَلَا تَرَوْنَهَا تَكُونُ إِلَى الْحَجَرِ،
أَوْ إِلَى الشَّجَرِ، مَا يَكُونُ إِلَى الشَّمْسِ أُصَيْفِرُ وَأُخَيْضِرُ) بتصغيرهما، وفي نسخة
بتكبيرهما (وَمَا يَكُونُ مِنْهَا إِلَى الظُّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ) مكبّراً، وفي نسخة: (أُبَيِّض))
بتشديد الياء المكسورة مصغّراً، وقال النوويّ كَّلُهُ: ((يكون)) في الموضعين
الأولين تامّة، ليس لها خبر، معناها ما يقع، و((أُصيفر))، و((أُخيضر)) مرفوعان،
وأما قوله: ((يكون أبيض)) فـ(يكون)) فيه ناقصةٌ، و((أبيض)) منصوب على أنه
خبرها . انتهى.
(فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ؟) أي حيث عرفت كيف
تنبت الحبّة، ودقّقت في وصف ذلك (قَالَ) وَ (فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤٍ) قال
النوويّ تَخْلُ: ((اللؤلؤ)): معروف، وفيه أربع قراءات في السبع: بهمزتين في
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٢/٣.
(٢) ((المرقاة)) ٥٣٩/٩.

١٩١
(٨٧) - بَابُ بَيّانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٦١)
أوله وآخره، وبحذفهما، وبإثبات الهمزة في أوله دون آخره، وعكسه. انتهى.
(فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ) - بفتح التاء وكسرها - ويقال أيضاً: خَيْتَام وخاتام،
قال صاحب (التحرير)): المراد بالخواتم هنا أشياء من ذهب، أو غير ذلك،
تُعَلَّق في أعناقهم؛ علامةٌ يُعْرَفون بها، قال: معناه: تشبيه صفائهم وتلألئهم
باللؤلؤ، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ((الخاتم)) فيه عشر لغات، نظمها الحافظ العراقيّ تَخْذّتُهُ، فقال [من
البسيط]:
ثَمَانِیاً مَا حَوَاهَا قَبْلُ نِظَامُ
خُذْ عَدَّ لُغَاتِ الْخَاتَمِ انْتَظَمَتْ
مُ خَاتِيَامٌ وَخَيْتَمٌ وَخَيْتَامُ
خَاتَامُ خَاتَمُ خَتْمٌ خَاتِمٌ وَخِتَا
سَاغَ الْقِيَاسُ أَتَّمَّ الْعَشْرَ خَاتَامُ(١)
وَهَمْزُ مَفْتُوحٍ تَاءِ تَاسِعٌ وَإِذَا
(يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللهِ) أي يقولون: هؤلاء عتقاء الله
(الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلِ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرِ قَدَّمُوهُ، ثُمَّ يَقُولُ: ادْخُلُوا
الْجَنَّةَ، فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَّيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَداً مِنَ
الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا أَُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ
مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: رِضَائِيَ، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَداً)).
[تنبيه]: قال الحافظ تخُّ: قرأت في ((تنقيح الزركشيّ)): وقع هنا في
حديث أبي سعيد ظُه بعد شفاعة الأنبياء: ((فيقول الله: بقيت شفاعتي، فيُخْرِج
من النار مَن لم يعمل خيراً))، وتمسك به بعضهم في تجويز إخراج غير المؤمنين
من النار، ورُدَّ بوجهين:
[أحدهما]: أن هذه الزيادة ضعيفةٌ؛ لأنها غير متّصلة، كما قال عبد الحق
في ((الجمع)).
[والثاني]: أن المراد بالخير المنفيّ ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين،
كما تدل عليه بقية الأحاديث، هكذا قال، والوجه الأول غلط منه، فإن الرواية
متصلةٌ هنا، وأما نسبة ذلك لعبد الحقّ فغلطٌ على غلط؛ لأنه لم يقله إلا في
(١) ((تاج العروس)) ٢٦٦/٨.

١٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
طريق أخرى، وقع فيها: ((أَخْرِجُوا من كان في قلبه مثقال حبة خَرْدل من خير))،
قال: هذه الرواية غير مُتَّصِلة، ولما ساق حديث أبي سعيد الذي في هذا الباب
ساقه بلفظ البخاريّ، ولم يتعقبه بأنه غير مُتَّصِل، ولو قال ذلك لتعقبناه عليه،
فإنه لا انقطاع في السند أصلاً، ثم إن لفظ حديث أبي سعيد هنا، ليس كما
ساقه الزركشيّ، وإنما فيه: «فيقول الجبّار بقيت شفاعتي، فيخرج أقواماً، قَدِ
امْتَحَشُوا))، ثم قال في آخره: ((فيقول أهل الجنة: هؤلاء عُتَقاء الرحمن،
أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قَدَّموه))، فيجوز أن يكون الزركشيّ
ذكره بالمعنى. انتهى كلام الحافظ تَقْذُ، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الْخُدريّ ◌َُّبه هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤٦١/٨٧ و٤٦٢ و٤٦٣] (١٨٣)،
و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٥٨١ و٤٩١٩)، و((التوحيد)) (٧٤٣٩)، و(الترمذيّ)
في ((التفسير)) (٢٥٩٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٧٤٣ و١٠٨١٦ و١١٤٨٨)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٣٠ و٤٣١ و٤٣٢ و٤٣٣)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (٤٥٨ و٤٥٩ و٤٦٠ و٤٦١ و٤٦٢)، و(ابن منده) في ((الإيمان))
(٨١٦ و٨١٧ و٨١٨ و٨١٩).
وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في شرح حديث أبي هريرة ظ ◌ُله الذي
قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب:
[٤٦٢] ( ... ) - (قَالَ مسْلِم) تَخْذَُّ (قَرَأْتُ عَلَى عِيسَى بْنِ حَمَّادٍ زُغْبَةَ
الْمِصْرِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الشَّفَاعَةِ، وَقُلْتُ لَهُ: أُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْكَ، أَنَّكَ
سَمِعْتَ مِنَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ لِعِيسَى بْنِ حَمَّادٍ: أَخْبَرَكُمُ

١٩٣
(٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٦٢)
اللَّيْتُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ،
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَرَى
رَبَّنَا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ، إِذَا كَانَ يَوْمٌ صَحْوٌ؟))
قُلْنَا: لَا، وَسُقْتُ الْحَدِيثَ حَتَّى انْقَضَى آخِرُهُ، وَهُوَ نَحْوُ حَدِيثٍ حَقْصٍ بْنِ
مَيْسَرَةَ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ((بِغَيْرِ عَمَلِ عَمِلُوهُ، وَلَا قَدَم قَدَّمُوهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا
رَأَيْتُمْ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسّْرَّ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وَأَحَدُّ مِنَ
السَّيْفِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ: فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَيْئَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَداً مِنَ
الْعَالَمِينَ وَمَا بَعْدَهُ، فَأَقَرَّ بِهِ عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ زُغْبَةُ الْمِصْرِيُّ) هو: عيسى بن حماد بن مسلم بن
عبد الله التُّجِيبيّ، أبو موسى، لقبه زُغْبَة - بضم الزاي، وسكون الغين المعجمة،
بعدها موحّدة - وهو لقب له، ولأبيه أيضاً، ثقة [١٠].
رَوَى عن الليث بن سعد، وهو آخر من حَدّث عنه من الثقات، وعن
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ورِشْدين بن سعد، وابن وهب، وابن القاسم،
وجماعة.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وعبد الرحمن بن
عبد الله بن عبد الحكم، وأبو حاتم، وعبدان الأهوازي، وأبو زرعة، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقة رَضِيّ، وقال أبو داود: لا بأس به. وقال النسائي:
ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به. وقال الدارقطني: ثقة. وذكره ابن حبان
في ((الثقات)).
وقال ابن يونس: جاوز في سنه التسعين، تُوفي في ذي الحجة سنة ثمان
وأربعين ومائتين. وقال ابن حبان: مات سنة (٩). وقال أبو عَمْرو الْكِنْديّ في
(الموالي)): زُغْبَة لقب أبيه حماد، وزعم الشيرازي أنه لقب عيسى، والصواب
الأول، ويؤيده أن الطبراني لَمّا رَوَى عن أخيه أحمد، قال: ثنا أحمد بن حماد
زُغْبة، وقال ابن قانع: عيسى زُغبة.

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط(١)، هذا الحديث (١٨٣)،
و(٤٨٠): ((نهاني حبّي أن أقرأ راكعاً ... ))، و(٥١٧): ((يصلي في ثوب واحد
ملتحفاً ... ))، و(٧٠٠): ((يوتر على راحلته))، و(١٤٩٧): ((اللهم بَيِّن، فوضعت
شبيهاً بالرجل ... ))، و(١٧٠٣): ((إذا زنت أمة أحدكم، فتبيّن زناها ... ))،
و(٢٧٠٩): ((لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله ... )).
٢ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ،
ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهور [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢.
٣ - (خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ) الْجُمَحيّ، ويقال: السَّكْسَكِيّ، أبو عبد الرحيم
المصريّ، مولى ابن الصَّبِيغ، ثقةٌ فقيهٌ [٦].
رَوَى عن سعيد بن أبي هلال، وعطاء بن أبي رباح، والزهريّ، وأبي
الزبير، والْمُثَنَّى بن الصباح، وغيرهم.
ورَوَى عنه سعيد بن أبي أيوب، ونافع بن يزيد، ويحيى بن أيوب،
والليث، وحَيْوَة بن شُرَيح، وبكر بن مُضَر، وابن لَهِيعة، والمفضل بن فَضَالة،
وهو آخر مَن حَدَّث عنه بمصر، وجماعة.
قال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن
يونس: كان فقيهاً مُفتياً، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال العجليّ: ثقةٌ،
وقال يعقوب بن سفيان: مصريٌّ ثقةٌ، وقال البخاريّ: قال زيد بن الْحُبَاب: هو
السَّگسكيّ.
قال ابن يونس: تُوُفّي سنة (١٣٩) فيما ذكر حرملة.
وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا (١٨٣)، وحديث (١٤٠٩):
((لا ينكح المحرم ... ))، و(١٥٩٩): ((إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن ... ))،
و(١٩٤٦): ((لا ولكنه لم يكن بأرض قومي ... ))، و(١٩٧٧): ((ومن كان له
ذبح، فليذبحه ... ))، و(٢٤٩٠): ((اهجوا قريشاً، فإنه ... ))، و(٢٧٩٢): ((تكون
الأرض يوم القيامة خبزة ... )).
(١) وفي ((الزهرة)): رَوَى عنه مسلم تسعة أحاديث. انتهى، ولعله تصحّف على الناسخ
سبعة إلى تسعة، فليُحرّر.

١٩٥
(٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٦٢)
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: هو
مدنيّ الأصل، صدوقٌ [٦].
رَوَى عن جابر، وأنس مرسلاً، وزيد بن أسلم، وأبي الرجال، محمد بن
عبد الرحمن، وربيعة، وأبي الزناد، وأبي حازم بن دينار، وعُمارة بن غَزِيَّة،
وعمرو بن مسلم، وعون بن عبد الله، وقتادة، وغيرهم.
ورَوَى عنه سعيد المقبريّ، وهو أكبر منه، وخالد بن يزيد المصريّ،
وعمرو بن الحارث، وهشام بن سعد، والليث، ويحيى بن أيوب، ويزيد بن
أبي حبيب، وغيرهم.
قال أبو حاتم: لا بأس به، وحديثه عن جابر أورده البخاريّ مُعَلَّقاً
متابعةً، ووصله الترمذيّ، وقال: هذا مرسلٌ، سعيد بن أبي هلال لم يُدرك
جابراً، وقال خَلَفٌ في ((الأطراف)): لم يسمع من جابر، وقال ابن سعد: كان
ثقة - إن شاء الله -، وقال الساجيّ: صدوقٌ، كان أحمد يقول: ما أدري أيّ
شيء يَخْلِط في الأحاديث، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ، ووثقه ابن خزيمة،
والدارقطنيّ، والبيهقيّ، والخطيب، وابن عبد البرّ، وغيرهم، وقال ابن أبي
حاتم: سمعت أبي يقول: لم يسمع سعيد من أبي سلمة بن عبد الرحمن، وقال
ابن حزم: ليس بالقويّ، ولعله اعتمد على قول الإمام أحمد فيه، قال الحافظ:
وقرأت بخط السبكيّ الكبير: أفادنا مسعود الحارثيّ أنّ اسم أبي هلال والد
سعيد هذا مرزوق، وكان مسعود يقول: هو من خَبَايا الزَّوَايَا .
وقال ابن يونس: وُلِد بمصر سنة (١٧)، ونشأ بالمدينة، ثم رجع إلى
مصر في خلافة هشام، قال: ويقال: تُوُفّي سنة خمس وثلاثين ومائة، وقال
غيره: مات سنة (١٣٣)، وقال ابن حبان في ((الثقات)): مات سنة (١٤٩).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثاً.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (قَالَ مسْلِم) هو ابن الحجّاج، صاحب الكتاب.
وقوله: (وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ((بِغَيْرِ عَمَلِ عَمِلُوهُ، وَلَا قَدَم قَدَّمُوهُ))) فاعل ((زاد))
ضمير اللّيث بن سعد: أي زاد الليث علىَّ رواية حفص قوله: ((فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ

١٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
مَا رَأَيْتُمْ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وَأَحَدُّ
مِنَ السَّيْفِ».
وقال النوويّ في ((شرحه)): قوله: ((وزاد بعد قوله: بغير عمل عملوه، ولا
قَدَم قَدَّموه)) هذا مما قد يُسْأَل عنه، فيقال: لم يتقدم في الرواية الأولى ذكره
القَدَمَ، وإنما تقدّم ((ولا خير قدّموه))، وإذا كان كذلك، لم يكن لمسلم أن
يقول: زاد بعد قوله: ((ولا قَدَم))؛ إذ لم يَجْر للقَدَم ذكر.
وجوابه أنّ هذه الرواية التي فيها الزيادة وقع فيها: ((ولا قَدَم)) بدل قوله
في الأولى: ((خير))، ووقع فيها الزيادة، فأراد مسلم تَخْتُهُ بيان الزيادة، ولم
يمكنه أن يقول: زاد بعد قوله: «ولا خير قدّموه))؛ إذ لم يَجْر له ذِكْرٌ في هذه
الرواية، فقال: زاد بعد قوله: ((ولا قَدَم قدَّموه)): أي زاد بعد قوله في روايته:
((ولا قَدَمٍ قَدَّموه))، واعلم أيها المخاطب أن هذا لفظه في روايته، وأن زيادته
بعد هذا، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ◌َّتُهُ، وهو بحثٌ مفيدٌ.
و((الْقَدَم)) هنا بفتح القاف والدال، ومعناه: الخير، كما في الرواية
الأخرى، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ تَخَذَهُ(١).
وقوله: (قال أبو سعيد: بلغني ... إلخ)، هكذا في رواية المصنّف،
وليست هذه الزيادة في رواية البخاريّ الآتية، وهي عند ابن منده في ((كتاب
الإيمان)) أخرجه من الوجه الذي أخرجه منه البخاريّ، ولكن قال: (قال
سعيد بن أبي هلال(٢): بلغني أن الجسر ... إلخ))، فجعل الكلام لسعيد بن
أبي هلال، لا لأبي سعيد الخدريّ ◌َظُه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قوله: ((بلغني ... إلخ)) يحتمل أن يكون مرفوعاً إلى النبيّ وَلقوله
لكن لم يذكر الواسطة إليه، ويحتمل أن يكون مما نُقل من أخبار أهل الكتاب،
والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٤/٣.
(٢) وقع في النسخة: ((سعيد بن أبي بلال)) بالباء بدل الهاء، وهو تصحيف، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.

١٩٧
(٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٦٢)
(وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ: فَيَقُولُونَ ... إلخ) يعني أن قوله: (ربنا
أعطيتنا ... إلخ)) في رواية حفص، وليس في رواية الليث.
قال النوويّ كَّتُهُ: قوله: ((وما بعده)) مطوف على: ((فيقولون: ربنا))، أي
ليس فيه: ((فيقولون: ربنا، ولا ما بعده)). انتهى.
وقوله: (فأقر به عيسى) معناه: أقرَّ بقوله له أَوَّلاً: أخبركم الليث بن سعد
إلى آخره.
[تنبيه]: رواية الليث التي أحالها المصنّف هنا على رواية حفص بن
ميسرة أخرجها البخاريّ في ((صحيحه))، فقال:
(٧٤٣٩) حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث بن سعد، عن خالد بن
يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد
الخدريّ، قال: قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: ((هل
تضارون في رؤية الشمس والقمر، إذا كانت صحواً؟)) قلنا: لا، قال: ((فإنكم
لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ، إلا كما تضارون في رؤيتهما)» ــ ثم قال -:
(ينادي منادٍ ليذهب كلُّ قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع
صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى
يبقى من كان يعبد الله من بَرّ أو فاجر، وغُبَّراتٍ من أهل الكتاب، ثم يؤتى
بجهنم تُعْرَض كأنها سرابٌ، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد
عزير ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولدٌ، فما تريدون؟
قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، ثم يقال
للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال:
كذبتم، لم يكن الله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا،
فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، حتى يبقى مَن كان يعبد الله من بَرّ أو
فاجر، فيقال لهم: ما يَحْبِسُكم، وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم، ونحن
أحوج منّا إليه اليوم، وإنا سمعنا منادياً ينادي: لِيَلْحَقْ كلُّ قوم بما كانوا
يعبدون، وإنما ننتظر ربنا، قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه
فيها أوّلَ مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء،

١٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه،
فيسجد له كلُّ مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياءً وسمعةً، فيذهب كيما
يسجد، فيعود ظهره طبقاً واحداً، ثم يُؤتى بالجسر، فيُجْعَل بين ظهري جهنم،
قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: مَدْحَضَةٌ مَزَلَّةٌ، عليه خَطاطيف،
وكَلاليب، وحَسَكَةٌ، مُفَلْطَحَةٌ، لها شوكة عُقَيفاء، تكون بنجد، يقال لها:
السَّعْدان، المؤمنُ عليها كالظَّرْف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل
والركاب، فنَاج مُسَلَّمٌ، ونَاج مَخْدُوشٌ، ومَكْدُوس في نار جهنم، حتى يمر
آخرهم يُسْحَبَُ سَحْباً، فما أَنتم بأشدّ لي مناشدةً في الحقّ قد تبيّن لكم من
المؤمن يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنهم قد نَجَوْا في إخوانهم، يقولون: ربنا
إخواننا كانوا يصلّون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى:
اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويُحَرِّم الله
صورهم على النار، فيأتونهم، وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى
أنصاف ساقيه، فيخرجون مَن عَرَفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم
في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عَرَفوا، ثم يعودون،
فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون
مَن عَرَفوا .
قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرؤوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، فيشفع النبيون، والملائكة،
والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيخرج
أقواماً قد امْتَحَشُوا، فيُلْقَون في نهر بأفواه الجنة، يقال له ماء الحياة، فَيَنْبُتُون
في حافتيه، كما تنبت الْحِبَّة في حَمِيل السيل، قد رأيتموها إلى جانب
الصخرة، وإلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما
كان منها إلى الظل كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيُجعَل في رقابهم
الخواتيم، فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم
الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدّموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم، ومثله
معه)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.

١٩٩
(٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٦٣)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال :
[٤٦٣] ( .. ) - وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ،
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، بِإِسْنَادِهِمَا نَحْوَ حَدِيثٍ حَفْصٍ بْنِ
مَيْسَرَةَ إِلَى آخِرِهِ، وَقَدْ زَادَ، وَنَقَصَ شَيْئاً).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم
قريباً .
٢ - (جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزوميّ، أبو عون
الكوفيّ، صدوقٌ [٩] (ت٦ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦.
٣ - (هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) المدنيّ، أبو عبّاد، ويقال: أبو سَعْد القرشيّ
مولاهم، صدوقٌ، له أوهامٌ، ورُمي بالتشيّع، من كبار [٧].
رَوَى عن زيد بن أسلم، ونافع مولى ابن عمر، وعمرو بن شعيب، وأبي
الزبير، وسعيد المقبريّ، وأبي حازم بن دينار، ونعيم المجمر، وغيرهم.
ورَوَى عنه الليث، والثوريّ، ووكيع، وابن أبي فُديك، وابن وهب، وابن
مهديّ، وأبو عامر العَقَديّ، ومعاوية بن هشام، وجعفر بن عون، وأبو نعيم،
والقعنبيّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم، عن أحمد: لم يكن هشام بالحافظ، وقال عبد الله بن
أحمد، عن أبيه: هشام بن سعد كذا وكذا، كان يحيى بن سعيد لا يروي عنه،
وقال أبو طالب، عن أحمد: ليس هو مُحْكَم الحديث، وقال حرب: لم يَرْضَه
أحمد، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ضعيف، وداود بن قيس أحبّ إليّ منه،
وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالحٌ، وليس بمتروك الحديث، وقال
معاوية بن صالح، عن ابن معين: ليس بذاك القويّ، وقال ابن أبي مريم، عن
ابن معين: ليس بشيء، كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وقال العجليّ:
جائز الحديث، حسن الحديث، وقال أبو زرعة: محله الصدق، وهو أحب إليّ
من ابن إسحاق، وقال أبو حاتم: يُكْتَب حديثه، ولا يحتجّ به، هو ومحمد بن

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
إسحاق عندي واحد، وقال الآجريّ، عن أبي داود: هشام بن سعد أثبت
الناس في زيد بن أسلم، وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وقال مرّة: ليس بالقويّ،
ورَوَى ابن عديّ أحاديث، منها حديثه عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي
هريرة: جاء رجل إلى النبيّ و9َّ، وقد أفطر في رمضان، فقال له: ((أعتق
رقبة ... )) الحديث، وقال مرة: عن الزهري، عن أنس، قال: والروايتان
جميعاً خطأ، وإنما رواه الثقات عن الزهريّ، عن حميد، عن أبي هريرة،
وهشام خالف فيه الناس، وله غير ما ذكرتُ، ومع ضعفه يُكْتَب حديثه، وقال
ابن سعد: كان كثير الحديث يُسْتضعَف، وكان مُتَشَيِّعاً، وقال ابن أبي شيبة،
عن عليّ ابن المدينيّ: صالح، وليس بالقويّ، وقال الساجيّ: صدوق، وذكره
ابن الْبَرْقِيّ في ((باب من نُسِبَ إلى الضعف، ممن يُكْتَب حديثه))، قال: وقال
لي ابن معين: ضعيف، حديثه مختلطٌ، وقال الخليليّ: أنكر الحفاظ حديثه في
الْمُوَاقِع في رمضان، من حديث الزهريّ، عن أبي سلمة، قالوا: وإنما رواه
الزهريّ عن حميد، قال: ورواه وكيع عن هشام بن سعد، عن الزهريّ، عن
أبي هريرة منقطعاً، قال أبو زرعة الرازيّ: أراد وكيع الستر على هشام بإسقاط
أبي سلمة، وذكره يعقوب بن سفيان في ((الضعفاء))، وقال الحاكم: أخرج له
مسلم في الشواهد. انتهى.
قيل: مات في أول خلافة المهديّ، وقيل: مات سنة ستين ومائة (١).
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا
الكتاب (١١) حديثاً.
٤ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ المذكور في السند الماضي.
وقوله: (بِإِسْنَادِهِمَا) يعني بإسناد حفص بن ميسرة، وإسناد سعيد بن أبي
هلال الراويين في الطريقين المتقدمين عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن أبي سعيد الخدريّ ◌َلُه، ومراد المصنّف ◌َخْلُهُ بهذا أن زيد بن أسلم رواه
عن عطاء، عن أبي سعيد الخدريّ، ورواه عن زيد بهذا الإسناد ثلاثة من
(١) قال الحافظ تَخْتُهُ: المهديّ وَلِيَ في أواخر سنة تسع وخمسين، فالقولان بمعنى
واحد، في سنة تسع، ذكره ابن قانع. انتهى. ((تهذيب التهذيب)) ٢٧١/٤.