Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ (٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨) ١٥ - (ومنها): بيان فضل الدعاء، وقوَّة الرجاء في إجابة الدعوة، ولو لم يكن الداعي أهلاً لذلك في ظاهر الحكم، لكن فضل الكريم واسع. ١٦ - (ومنها): أن في قوله في المرّة الثانية: ((ما أغدرك!)) إشارةً إلى أن الشخص لا يوصف بالفعل الذميم، إلا بعد أن يتكرر ذلك منه. ١٧ - (ومنها): أن فيه إطلاقَ اليوم على جزء منه؛ لأن يوم القيامة في الأصل يوم واحد، وقد أطلق اسم اليوم على كثير من أجزائه. ١٨ - (ومنها): أن فيه جوازَ سؤال الشفاعة، حيث إنه ثبت في بعض رواياته سؤال أهل الموقف من الأنبياء أن يشفعوا لهم، خلافاً لمن منع محتجّاً بأنها لا تكون إلا لمذنب، قال القاضي عياض تَخُّْ: وفات هذا القائل أنها قد تقع في دخول الجنة بغير حساب، وغير ذلك، مع أن كل عاقل معترف بالتقصير، فيحتاج إلى طلب العفو عن تقصيره، وكذا كلُّ عامل يخشى أن لا يُقْبَل عمله، فيحتاج إلى الشفاعة في قبوله، قال: ويلزم هذا القائل أن لا يدعو بالمغفرة ولا بالرحمة، وهو خلاف ما دَرَجَ عليه السلف في أدعیتهم. ١٩ - (ومنها): ما قيل: إن فيه جواز تكليف ما لا يطاق؛ لأن المنافقين يؤمرون بالسجود، وقد مُنِعُوا منه، كذا قيل، قال الحافظ تَُّ: وفيه نظر؛ لأن الأمر حينئذ للتعجيز والتبكيت. قال الجامع عفا الله عنه: مسألة التكليف بما لا يُطاق كثر فيها النزاع، وقد ذكرت تفاصيله، وبيان الراجح منه بدليله في كتابي ((التحفة المرضيّة))، وشرحها ((المنحة الرضيّة))، فراجعه تستفد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٢٠ - (ومنها): واستَدَلّ به بعض السالمية ونحوهم على أن المنافقين، وبعض أهل الكتاب يرون الله تعالى مع المؤمنين، وهو غلط؛ لأن في سياق حديث أبي سعيد ظُه: أن المؤمنين يرونه ل بعد رفع رؤوسهم من السجود، وحينئذ يقولون: أنت ربنا، ولا يقع ذلك للمنافقين، ومن ذُكِر معهم، وأما الرؤية التي اشتَرَكَ فيها الجميع قبلُ، فقد تقدم أنه صورة الملك وغيره. قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم تفنيد القول: بأن الصورة صورة الملك، فتنبه . ١٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال الحافظ تَخْذَلُهُ: ولا مدخل أيضاً لبعض أهل الكتاب في ذلك؛ لأن في بقية الحديث أنهم يَخرُجون من المؤمنين ومن معهم، ممن يظهر الإيمان، ويقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ وأنهم يتساقطون في النار، وكلُّ ذلك قبل الأمر بالسجود. انتهى. ٢١ - (ومنها): بيان أن جماعةً من مذنبي هذه الأمة يُعَذّبون بالنار، ثم يُخْرَجون بالشفاعة والرحمة، خلافاً لمن نَفَى ذلك عن هذه الأمة، وتأوّل ما ورد بضروب مُتَكَلَّفة، والنصوص الصريحة متضافرة متظاهرة بثبوت ذلك. ٢٢ - (ومنها): أن تعذيب الموحدين بخلاف تعذيب الكفار؛ لاختلاف مراتبهم، مِن أخذ النار بعضهم إلى ساقه. ٢٣ - (ومنها): بيان أن النار لا تأكل أثر السجود، وأنهم يموتون كما ثبت في حديث أبي سعيد نظرُّه، فيكون عذابهم إحراقهم، وحبسهم عن دخول الجنة سريعاً كالمسجونين، بخلاف الكفار الذين لا يموتون أصلاً؛ ليذوقوا العذاب، ولا يَحْيَوْن حياةً يستريحون بها، على أن بعض أهل العلم أَوّل ما وقع في حديث أبي سعيد من قوله: ((يموتون فيها إماتةً)) بأنه ليس المراد أن يحصل لهم الموت حقيقةً، وإنما هو كناية عن غيبة إحساسهم، وذلك للرفق بهم، أو كَنَى عن النوم بالموت، وقد سَمَّى الله النوم وفاةً، ووقع في حديث أبي هريرة ظُه: أنهم إذا دخلوا النار ماتوا، فإذا أراد الله إخراجهم، أَمَسَّهُم أَلَمَ العذاب تلك الساعة. ٢٤ - (ومنها): بيان ما ◌ُبِعَ عليه الآدميّ من قوّة الطَّمَع، وجَوْدة الحيلة في تحصيل المطلوب، فطَلَبَ أَوّلاً أن يُبْعَد من النار؛ ليحصل له نسبة لطيفة بأهل الجنة، ثم طَلَب الدنوّ منهم، وقد وقع في بعض طرقه طلب الدنوّ من شجرة بعد شجرة إلى أن طَلَب الدخول. ٢٥ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن صفات الآدميّ التي شُرِّف بها على الحيوان تعود له كلَّها بعد بعثته، كالفكر، والعقل، وغيرهما. انتهى مُلَخَّصاً من كلام أبي محمد بن أبي جمرة رَّتُهُ، نقله الحافظ ◌َّهُ في ((الفتح)) مع زيادات في غضون كلامه، ونقله بتصرّف(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) راجع: ((الفتح)) ٤٧٠/١١ - ٤٧١ ((كتاب الرقاق)) رقم الحديث (٦٥٧٤ - ٦٥٧٦). ١٦٣ (٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٩) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٥٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْئِيُّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ وَِّ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْ قَنْدِيّ الحافظ، صاحب ((السنن))، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت٢٥٥) وله (٧٤) سنة (م د ت) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥. ٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الْحَكَم بن نافع الْبَهْرَانيّ الحمصيّ مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٢٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣. ٣ - (شُعَيْبٌ) بن أبي حَمْزة، واسمه دينار الأمويّ مولاهم، أبو بِشْر الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن القرشيّ المخزوميّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] (ت بعد ٩٠) وقد ناهز الثمانين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) فاعل ((ساق)) ضمير شعيب، يعني أن شعيب بن أبي حمزة روى هذا الحديث متابعاً لإبراهيم بن سعد عن الزهريّ بمثل معنى ما رواه. [تنبيه]: رواية شعيب هذه التي أحالها المصنّف تَخْتُهُ على رواية إبراهيم بن سعد، ساقها الإمام البخاريّ ◌َّتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٦٥٧٤) حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، أخبرني سعيد وعطاء بن يزيد، أن أبا هريرة أخبرهما، عن النبيّ وَل ◌ّ (ح) وحدثني محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ عن عطاء بن يزيد الليثيّ، عن أبي هريرة، قال: قال أناس: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: ١٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ((هل تضارّون في الشمس ليس دونها سحاب؟))، قالوا: لا يا رسول الله، قال: ((هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟)) قالوا: لا يا رسول الله، قال: ((فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يَجْمَع الله الناس، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه، ويُضْرَب جِسْرُ جهنم))، قال رسول الله ◌َ﴾: ((فأكون أوّلَ مَن يُجيز، ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلِّم سلُم، وبه كلاليب مثل شَوْك السَّعْدان، أما رأيتم شوك السعدان؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «فإنها مثل شوك السعدان، غير أنها لا يَعْلَم قدر عظمها إلا الله، فتَخْطِف الناسَ بأعمالهم، منهم الموبَقُ بعمله، ومنهم الْمُخَرْدَل ثم ينجو، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده، وأراد أن يُخْرِج من النار من أراد أن يُخرج، ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمر الملائكة أن يُخرجوهم، فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحَرَّم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، فيخرجونهم، قد امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عليهم ماءٌ، يقال له: ماءُ الحياة، فينبتون نباتَ الْحِبَّة في حَمِيل السيل، ويبقى رجل منهم مُقْبِلٌ بوجهه على النار، فيقول: يا رب قد قَشَبني ريحها، وأحرقني ذَگاؤها، فاصرف وجهي عن النار، فلا يزال يدعو الله، فيقول: لعلك إن أعطيتك أن تسألني غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، فيَصْرِف وجهه عن النار، ثم يقول بعد ذلك: يا رب قَرِّبني إلى باب الجنة، فيقول: أليس قد زعمت أن لا تسألني غيره؟ ويلك ابن آدم ما أغدرك! فلا يزال يدعو، فيقول: لعلي إن أعطيتك ذلك تسألني غيره؟ فيقول: لا وعزتك، لا أسألك غيره، فيعطي الله من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره، فيُقَرِّبه إلى باب الجنة، فإذا رأى ما فيها، سَكَتَ ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: رب أدخلني الجنة، ثم يقول: أوَ ليس قد زعمت أن لا تسألني غيره؟ ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! فيقول: يا رب، لا تجعلني أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يَضْحَك، فإذا ضَحِكَ منه، أَذِنَ له بالدخول فيها، فإذا دَخَل ١٦٥ (٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٦٠) فيها، قيل له: تَمَنَّ من كذا، فيتمنى، ثم يقال له: تَمَنَّ من كذا، فيتمنى حتى تنقطع به الأمانيّ، فيقول له: هذا لك، ومثله معه))، قال أبو هريرة: ((وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولاً))، قال عطاء: وأبو سعيد الخدريّ جالس مع أبي هريرة، لا يُغَيِّر عليه شيئاً من حديثه، حتى انتهى إلى قوله: هذا لك ومثله معه، قال أبو سعيد: سمعت رسول الله وَّل﴿ يقول: ((هذا لك، وعشرة أمثاله))، قال أبو هريرة: حفظت: ((مثله معه)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٦٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُوَّ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((إِنَّ أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، أَنْ يَقُولَ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى، وَيَتَمَّنَّى، فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنَّيْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ زاهد [١١] (ت٢٤٥) (خ م د تَّ س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ شهيرٌ، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ) بن كامل الصنعانيّ، أبو عتبة، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢) على الأصحّ (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦/ ٢١٣. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ◌َّه المذكور في السند الماضي، والله تعالى أعلم. ١٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَ لُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ما جه . ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ باليمنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وأبو هريرة ظُه يمنيّ دَوْسِيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه قوله: ((هذا ما حدّثنا أبو هريرة ... إلخ))، وقد تقدّم البحث عنها مستوفَى في ((المقدّمة))، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ هَمَّام) بفتح الهاء، وتشديد الميم (بْنِ مُنَبِّهٍ) بصيغة اسم الفاعل، أنه (قَالَ: هَذَا) إشارة إلى الحديث الآتي، فـ((هذا)) مبتدأ خبره قوله: (مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبَهَ (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَذَكَرَ) أي همّام (أَحَادِيثَ) هي الأحاديث المشهورة بـ(صحيفة همّام بن منبّه))، وهي (١٣٨) حديثاً، بسند واحد: عبد الرزّاق، عن معمر، عن همّام بن منبه، عن أبي هريرة ◌َظ ◌ُه، وقد أخرج الشيخان منها أحاديث كثيرة بالاشتراك والانفراد، وهذا الحديث هو (٥٥) منها . (مِنْهَا) أي من تلك الأحاديث، والجارّ والمجرور خبر مقدّم لقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ﴾ إذ هو مبتدأ محكيّ لقصد لفظه ((إِنَّ أَدْنَى) اسم ((إنّ)) (مَفْعَدٍ أَحَدِكُمْ) أي منزلته، فالمراد بالمقعد المنزلة، وقوله: (مِنَ الْجَنَّةِ) أي في الجنّة، فـ(من)) بمعنى ((في)) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه كائناً في الجنة، وقوله: (أَنْ يَقُولَ لَهُ) في تأويل المصدر خبر ((إنّ)». والمعنى - كما قال الطيبيّ كَُّ(١) -: إن أدنى منزلة أحدكم في الجنّة أن ينال أمانيّه كلّها، بحيث لا تبقى له أُمنيّةٌ، ونحوه قول الشاعر [من البسيط]: تَرَكْتَنِي أَصْحَبُ الدُّنيَا بِلَا أَمَلٍ لَمْ يُبْقِ جُودُكَ لِي شَيْئاً أُؤَمِّلُهُ (١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٥٦٠/١١ - ٣٥٦١. ١٦٧ (٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٦٠) أي قول الله تعالى في حقّه (تَمَنَّ) حُذف مفعوله؛ ليفيد التعميم، أي كلّ ما تشتهيه (فَيَتَمَنَّى) أي ما يحضره (وَيَتَمَنَّى) أي ما يُذكّره ربّه رَك، فقد سبق في حديث أبي هريرة الماضي قوله: ((حتى إن الله ليذكّره من كذا وكذا)) (فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنَّيْتَ؟) أي انتهت أمانيّك (فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ))) قد سبق أن أبا سعيد الخدريّ رَُّه قد حفظ زيادة على أبي هريرة وظه: ((ذلك له، وعشرة أمثاله))، وهي زيادة مقبولة. وسيأتي أيضاً حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه قريباً بلفظ: ((إن أدنى أهل الجنة منزلةً رجل صرف الله وجهه عن النار قبل الجنة ... )) الحديث، وزاد فيه: ((ويُذَكِّره الله: سل كذا وكذا، فإذا انقطعت به الأماني قال الله: هو لك وعشرة أمثاله))، قال: ((ثم يدخل بيته، فتدخل عليه زوجتاه، من الحور العين، فتقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا، وأحيانا لك، قال: فيقول: ما أُعطي أحدٌ مثل ما أعطيت)). وأخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) بسند حسن (١٠٥١١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((إن أدنى أهل الجنة منزلةً إن له لسبعَ درجات، وهو على السادسة، وفوقه السابعة، وإن له لثلاثَمائة خادم، ويُغْدَى عليه، ويراح كلَّ يوم ثلاثمائة صَحْفة، ولا أعلمه إلا قال: من ذهب، في كل صحفة لون ليس في الأخرى، وإنه ليلذّ أوله كما يلذ آخره، وإنه ليقول: يا رب لو أَذِنت لي لأطعمت أهل الجنة وسقيتهم، لم ينقص مما عندي شيء، وإن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجةً، سوى أزواجه من الدنيا، وإن الواحدة منهنّ ليأخذ مقعدها قدرَ میل من الأرض)». وفيه شهر بن حَوْشَب، وهو حسن الحديث. وسيأتي للمصنّف ◌َظْلُهُ قريباً(١) حديثُ المغيرة بن شعبة رَظُه وفيه بيان أدنى أهل الجنّة منزلةً، وأعلاهم، ولفظه: قال: سأل موسى ربّه: ما أدنى أهل الجنة منزلةً؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أُدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب كيف، وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا (١) سيأتي بعد ستة أحاديث برقم (١٨٩). ١٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان أَخَذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلْك مَلِكٍ من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك، ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولَذّت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب فأعلاهم منزلةً؟ قال: أولئك الذين أردتُ غَرَسْتُ كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تَرَ عينٌ، ولم تسمع أذنٌّ، ولم يَخْطُر على قلب بشر، قال: ومصداقه في كتاب الله رَبّت: ﴿فَلَاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] الآية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َخَُّ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٨٧/ ٤٦٠]، و(أحمد) في («مسنده)) (٣١٥/٢)، (وأبو عوانة) في («مسنده)) (٤٣٦)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٤٥٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٦١] (١٨٣) - (وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَقْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَاساً فِي زَمَنٍ رَسُولِ اللهِ وَلِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ: (نَعَمْ، قَالَ (١): هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ صَحْواً، لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟، وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْواً، لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟(٢))، (١) وفي نسخة: ((نعم، هل تضارّون؟)) بحذف ((قال))، وفي أخرى: ((نعم، فهل تضارون؟)). (٢) وفي نسخة: ((ليس فيه سحاب)). ١٦٩ (٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٦١) قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللهِ تَبَارَلَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، أَّنَ مُؤَذِّنٌ: لِيَتَبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللهِ سُبْحَانَهُ، مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْصَابِ، إِلَّ يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرِّ وَفَاجِرٍ، وَغُبَّرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَيُدْعَى الْيَهُودُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُثَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ، فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ، وَلَا وَلَدٍ، فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ قَالُوا: عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا، فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ، أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ، كَأَنَّهَا سَرَابٌ، يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضاً، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ، وَلَا وَلَدٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَيَقُولُونَ: عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ، أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ، كَأَنَّهَا سَرَابٌ، يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضاً، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ تَعَالَى مِنْ بَرِّ وَفَاجِرٍ، أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا، قَالَ: فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟(١) تَنْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا: يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا، أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، لَا نُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً، مَرَّتَيْنٍ أَوْ ثَلَاثاً، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ، فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ، فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ للهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، إِلَّا أَذِنَ اللهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتَّقَاءً وَرِيَاءَ، إِلَّا جَعَلَ اللهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً، كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمْ (٢)، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَقُولُونَ(٣): اللَّهُمَّ سَلَّمْ سَلِّمْ، قِيلَ: (١) وفي نسخة: ((فماذا تنتظرون؟)). (٣) وفي نسخة: ((فيقولون)). (٢) وفي نسخة: ((فيقول: أنا ربكم)). ١٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ: دَحْضٌ، مَزِلَّةٌ، فِيهِ خَطَاطِیفُ، وَكَلَالِيبُ، وَحَسَك، تَكُونُ بِنَجْدٍ، فِيهَا شُوَيْكَةٌ، يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ، فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفٍ الْعَيْنِ، وَكَالْبَرْقٍ، وَكَالرِّيحِ، وَكَالطَّيْرِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابٍ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ (١) فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً للهِ فِي اسْتِقْصَاءٍ الْحَقِّ(٢)، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ للهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمِ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ، وَيَحُجُونَ، فَيُقَالُ لَّهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِ جُونَ خَلْقاً كَثِيراً، قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، فَيَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِ جُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقاً كَثِيراً، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَداً مِمَّنْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِ جُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقاً كَثِيراً، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبََّا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَداً، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِ جُوهُ، فَيُخْرِ جُونَ خَلْقاً كَثِيراً، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْراً، وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَُّنَهُ ج﴾ [النساء: ٤٠]، فَيَقُولُ اللهُ وَى: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَِّيُّونَ، آخْرًا عَظِيمًا وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْماً لَمْ يَعْمَلُوا خَيْراً قَطُّ، قَدْ عَادُوا حُمَماً، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ، يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، أَا تَرَوْنَهَا تَكُونُ إِلَى الْحَجَرِ، أَوْ إِلَى الشَّجَرِ، مَا يَكُونُ إِلَى الشَّمْسِ أُصَيْفِرُ وَأُخَيْضِرُ، وَمَا يَكُونُ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى (١) وفي نسخة: ((ومكدوش)). (٢) وفي نسخة: ((في استيفاء الحقّ)). ١٧١ (٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٦١) بِالْبَادِيَةِ؟، قَالَ: فَيَخْرُجُونَ(١) كَاللُّؤْلُؤِ، فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ (٢)، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرٍ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، ثُمَّ يَقُولُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا أَُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: رِضَائِيَ، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَداً)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سَهْل، أبو محمد الْهَرَويّ، ثم الْحَدَثَانيّ، ويقال: الأنباريّ صدوقٌ في نفسه، إلا أنه عَمِيَ، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول، من قُدماء [١٠] (ت٢٤٠) وله مائة سنة (م ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٧. [تنبيه]: تقديم المصنّف تَخَُّ روايته عن سُويد بن سعيد هذه على روايته عن عيسى بن حماد، مع أن سويداً متكلّم فيه يردّ قول من يزعم أن مسلماً يقدّم دائماً الأحاديث التي ليس في أسانيدها طعن، فإن عيسى بن حماد الذي روى عنه المصنّف بعد هذا متابعةً أوثق منه، مجمع على توثيقه، وروايته أخرجها البخاريّ في ((الصحيح))، عن يحيى بن بكير، عن الليث، وهذا يقع كثيراً من المصنّف تَّتُهُ، والظاهر أنه يقدّم ما يراه أنسب، إما في سياق المتن، أو غير ذلك، ولا يلتزم الترتيب في الأسانيد، وسأنبّه على مثل هذا - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم. ٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقَيليّ، أبو عمر الصنعانيّ، نزيل عسقلان، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٨]. رَوَى عن زيد بن أسلم، وموسى بن عقبة، وهشام بن عروة، وسهيل بن أبي صالح، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهم. ورَوَى عنه عمرو بن أبي سَلِمَة التِّنّيسيُّ، وابن وهب، والهيثم بن خارجة، (١) وفي نسخة: ((فُيُخْرَجُون)) بالبناء للمفعول. (٢) وفي نسخة: ((الخواتيم)). ١٧٢ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وآدم بن أبي إياس، وسعيد بن منصور، وسويد بن سعيد، وغيرهم، ورَوَى عنه الثوري، وهو أكبر منه. قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: ليس به بأس، قلت: إنهم يقولون: عَرَضَ على زيد بن أسلم، فقال: ثقة. وقال ابن معين: ثقة إنما يُطعَن عليه أنه عرض. وقال أيضاً: قد رَوَى الثوري عن أبي عمر الصنعاني، وهو حفص بن ميسرة. وقال مرة: ليس به بأس. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال في موضع آخر: يُكتب حديثه، ومحله الصدق، وفي حديثه بعض الوهم. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة لا بأس به. وقال الآجري عن أبي داود: يُضَعّف في السماع. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال الساجيّ: في حديثه ضَعْفٌ. وقال الأزديّ: رَوَى عن العلاء مناكير، يتكلمون فيه، قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي: لا يُلتَفت إلى قول الأزديّ. قال أحمد، وابن يونس، وغيرهما: توفي سنة (١٨١). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في (المراسيل))، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثاً. [تنبيه]: اختلف في نسبة حفص بن ميسرة هذا: هل هو إلى صنعاء الشام، أم إلى صنعاء اليمن؟ فقال الأكثرون: إنه من صنعاء الشام، وممن قال بهذا: أحمد، والبخاريّ، والنسائيّ، والفلاس، ومحمد بن المثنى، ويعقوب بن سفيان، وغيرهم، وقال أبو حاتم: إنه من صنعاء اليمن، وعليه يدلّ صنيع ابن أبي داود، قال أبو القاسم: وهو أشبه(١). والله تعالى أعلم. ٣ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدَويّ، مولى عمر، أبو عبد الله، أو أبو أُسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيه، يُرسل [٣] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦. ٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الْهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان الأنصاريّ الصحابيّ ابن (١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٤٦٠/١. ١٧٣ (٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٦١) الصحابيّ ﴿ّ مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف وَّلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو وابن ماجه، وحفص، فما أخرج له الترمذيّ، وأخرج له أبو داود في ((المراسيل)). ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فحدَثَانيّ، وحفص، فعسقلانيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: زيد، عن عطاء. ٥ - (ومنها): أن أبا سعيد ظله أحد المكثرين السبعة من الصحابة روى (١١٧) حديثاً، والله تعالى أعلم. ، شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ◌َبهِ (أَنَّ نَاساً فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ وَهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((نَعَمْ) أي ترونه (قَالَ) وَلِّ موضّحاً لهم كيف يرونه (هَلْ تُضَارُونَ) تقدّم أنه بتشديد الراء مفاعلة من الضرّ، أو بتخفيفها، من الضير، وهو بمعناه (فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ) أي وقت انتصاف النهار، قال الفيّوميّ دَّثُ: ((الظهيرة)): الهاجرة، وذلك حين تزول الشمس. انتهى (١). (صَحْواً) أي حين لا سحاب، قال المجد: (الصحو)): ذهاب الغيم والسُّكْر. انتهى (٢)، وقال الفيوميّ: أصحت السماء بالألف، فهي مصحية: انكشف غيمها، وأنكر الكسائيّ استعمال اسم الفاعل من الرباعيّ، فقال: لا يقال: أصحت، فهي مصحيةٌ، وإنما يقال: أصحت، فهي صَحْوٌ، وأصحى اليومُ، فهو مصحٍ، وأصحينا: صِرْنا في صَحْوٍ، قال السجستانيّ: والعامّة تظنّ أن الصَّحْو لا يكون إلا ذهاب الغيم، وليس كذلك، (١) ((المصباح)) ٣٨٧/٢. (٢) ((القاموس)» ص١١٧٢. ١٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وإنما الصحو تفرّق الغيم مع ذهاب البرد. انتهى (١)، فقوله: (لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟) تأكيد للصحو (وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْواً، لَيْسَ فِيهَا) أي في السماء بقرينة المقام، وإن لم يَجر لها ذكرٌ، قاله في ((المرقاة))، وفي نسخة: ((ليس فيه)) بضمير المذكّر، وهو واضح، أي في القمر (سَحَابٌ؟))، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((مَا) نافية (تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّ كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا) معناه: لا تُضَارُّون أصلاً كما لا تضارون في رؤيتهما أصلاً(٢). وقال الطيبيّ تَخُّْهُ: كان الظاهر أن يقال: لا تضارّون في رؤية ربكم كما لا تضارون في رؤية أحدهما، ولكنه أُخرج مخرج قوله(٣) [من الطويل]: بِهِنَّ قُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ أي لا تشكّون إلا كما تشكّون في رؤية القمرين، وليس في رؤيتهما شكّ، ولا تشكّون فيه البتّة. انتهى (٤). (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) ((كان))، هنا تامّة بمعنى جاء ووقع، و((يومُ)) مرفوع على الفاعليّة، ويحتمل أن تكون ناقصةً، و(يوم)) منصوب على أنه خبرها، واسمها محذوف، أي إذا كان الزمن يومَ القيامة (أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ) أي نادى منادٍ (لِيَتَّبِعْ) بفتح حرف المضارعة، وتشديد التاء، وكسر الموحّدة، مضارع اتّبع، من باب الافتعال، ويحتمل أن يكون بسكون التاء، وفتح الموحّدة مضارع تَبعَ ثلاثيّاً (كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللهِ سُبْحَانَهُ، مِنَ الأَصْنَامِ) بفتح الهمزة جمع صَنَم بفتحتين: هو الوثَنَ المتّخذ من الحجارة، أو الخشب، ويقال: الصنم: المتّخذ من الجواهر المعدنيّة التي تذوب، والوَثَن: هو المتّخذ من حجر، أو خشب، وقال ابن فارس: الصنم: ما يُتّخذ من خشب أو نُحاس، أو فضّة، والجمع أصنام(٥). (وَالْأَنْصَابِ) بفتح الهمزة أيضاً: جمع (١) ((المصباح المنير)) ٣٣٤/١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٦/٣. (٣) يعني: أنه من باب المدح بما يُشبه الذّمّ للتأكيد. (٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٥٠٩/١١. (٥) ((المصباح المنير)) ٣٤٩/١. ١٧٥ (٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٦١) نُصُب بضمّتين: حجرٌ نُصِبَ، وعُبد من دون الله، وقيل: النُّصبُ جمع واحدها نِصَابٌ، قيل: هي الأصنام، وقيل: غيرها، فإن الأصنام مصوَّرةٌ منقوشةٌ، والأنصاب بخلافها(١). (إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ) أي يقعِون فيها (حَتَّى إِذَا لَمْ يَيْقَ) بفتح أوله وثالثه، وسكون الموحّدة: مضارع بَقِيَ (إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرِّ) بفتح الموحّدة، وتشديد الراء، يقال: بَرّ الرجل يَبَرّ بِرّاً، وزانُ عَلِمَ يَعْلَمُ علْماً، فهو بَرّ بالفتح، وبارّ: أي صادق، أو تقيّ، وهو خلاف الفاجر، وجمع الأول: أبرار، وجمع الثاني: بَرَرَةُ، مثلُ كافر وكفرة(٢). (وَفَاجِرٍ) أي فاسق، وهو خلاف البرّ (وَغُبَّرِ أَهْلِ الْكِتَابِ) - بضم الغين المعجمة، وفتح الباء الموحدة المشددة -: جمع غابر، كما قال في ((الخلاصة)): وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ وَصْفَيْنٍ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ ومعناه: بقاياهم (فَيُدْعَى الْيَهُودُ) بالبناء للمفعول، وقدم اليهود بسبب تقدم ملتهم على ملة النصارى (فَيُقَالُ لَهُمْ) قال الحافظ تَّتُهُ: لم أقف على تسمية قائل ذلك لهم، والظاهر أنه الملك الموكل بذلك (مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟) ((ما)) استفهاميّة، أي: أيّ شيء كنتم تعبدون في الدنيا؟ (قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ) قال في ((الفتح)): هذا فيه إشكال؛ لأن المتصف بذلك بعض اليهود، وأكثرهم ينكرون ذلك، ويمكن أن يجاب بأن خصوص هذا الخطاب لمن كان مُتَصِفاً بذلك، ومَن عداهم يكون جوابهم ذِكْرُ مَن كفروا به، كما وقع في النصارى، فإن منهم من أجاب بالمسيح ابن الله مع أن فيهم من كان بزعمه يعبد الله وحده، وهم الاتحادية الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم (فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ) قال الكرمانيّ ◌َخْتُ: التصديق والتكذيب لا يرجعان إلى الحكم الذي أشار إليه، فإذا قيل: جاء زيد بن عمرو بكذا، فمن كَذَّبه أنكر مجيئه بذلك الشيء، لا أنه ابن عمرو، وهنا لم ينكر عليهم أنهم عَبَدُوا، وإنما أنكر عليهم أن المسيح ابن الله. قال: والجواب عن هذا أن فيه نفي اللازم، وهو كونه ابن الله؛ ليلزم نفي الملزوم وهو عبادة ابن الله. (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٠٧. (٢) المصدر السابق ٤٣/١. ١٧٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال: ويجوز أن يكون الأول بحسب الظاهر، وتحصل قرينة بحسب المقام، تقتضي الرجوع إليهما جميعاً، أو إلى المشار إليه فقط. وقال ابن بطال كَّتُهُ: في هذا الحديث: أن المنافقين يتأخرون مع المؤمنين، رجاءً أن ينفعهم ذلك، بناء على ما كانوا يظهرونه في الدنيا، فظنوا أن ذلك يستمرّ لهم، فميّز الله تعالى المؤمنين بالغرّة والتحجيل؛ إذ لا غُرّة للمنافق، ولا تحجیل. قال الحافظ تَخْذَلُهُ: قد ثبت أن الغرّة والتحجيل خاصّ بالأمة المحمدية، فالتحقيق أنهم في هذا المقام يتميزون بعدم السجود، وبإطفاء نورهم بعد أن حَصَلَ لهم، ويَحْتَمِل أن يحصل لهم الغرة والتحجيل، ثم يسلبان عند إطفاء النور. وقال القرطبيّ تَظُّ: ظَنّ المنافقون أن تستُّرهم بالمؤمنين ينفعهم في الآخرة، كما كان ينفعهم في الدنيا؛ جهلاً منهم. ويَحْتَمِل أن يكونوا حُشِروا معهم؛ لما كانوا يُظهِرونه من الإسلام، فاستمرّ ذلك حتى ميّزهم الله تعالى منهم. قال: ويَحْتَمِل أنهم لَمّا سَمِعوا: ((لِتَتَّبِعْ كلُّ أمة مَن كانت تعبد))، والمنافق لم يكن يعبد شيئاً بَقِي حائراً حتى مُيِّز. انتهى (١). قال الحافظ نَظْدَتُهُ: هذا ضعيفٌ؛ لأنه يقتضي تخصيص ذلك بمنافق كان لا يعبد شيئاً، وأكثر المنافقين كانوا يعبدون غير الله من وثن وغيره. انتهى(٢). (مَا أَتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ، وَلَا وَلَدٍ) هو معنى قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُّ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْدُ اللَّهَّ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمٌ يُضَهُونَ قَوَّلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلَّ قَنَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة: ٣٠]. (فَمَاذَا تَبْغُونَ؟) أي أيّ شيء تطلبون؟ (قَالُوا: عَطِشْنَا) بكسر الطاء، من باب تَعِبَ (يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا) يحتمل أن تكون الهمزة للوصل، مِن سقى ثلاثيّاً، من قوله تعالى: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، ويحتمل أن تكون للقطع مِن أسقى رباعيّاً، من قوله تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَهُم مَّءُ غَدَقًا﴾ الآية [الجن: ١٦]. (١) ((المفهم)) ٤١٦/١. (٢) ((الفتح)) ٤٥٨/١١. ١٧٧ (٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٦١) ﴿أَلَا (فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ، أَلَا) هي هنا أداة تحضيض، كما في قوله تعالى: تُقَائِلُونَ قَوْمَا نَّكَثُواْ أَيْمَنَهُمْ وَهَمُواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَهُوكُمْ أَوَّلَـ مَزَّةَّ أَتَخْشَوْنَهُمَّ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِن كُمْ مُؤْمِنِينَ ١١٣ ﴾ [التوبة: ١٣]، والتحضيض: هو طلب الشيء بحثّ وإزعاج، وأما الْعَرض، فهو طلبه بلين ورفق(١). (تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ) بالبناء للمفعول (إِلَى النَّارِ، كَأَنَّهَا سَرَابٌ) - بفتح السين المهملة، وتخفيف الراء -: قال المجد: هو ما تراه نصف النهار، كأنه (٢) ماء. انتهى ٠ وقال النوويّ: ((السَّرَابُ)): هو الذي يتراءى للناس في الأرض القفر، والقاع المستوي وسط النهار في الحر الشديد، لامعاً مثل الماء، يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، فالكفار يأتون جهنم - أعاذنا الله الكريم، وسائر المسلمين منها، ومن كل مكروه - وهم عِطاشٌ، فيحسبونها ماءً، فيتساقطون فيها. انتهى(٣). وقال ابن منظور: السّرَابُ: الآلُ، وقيل: السرَابُ: الذي يكون نصف النهار لاطئاً بالأرض، لاصقاً بها، كأنه ماءٌ جارٍ، والآلُ: الذي يكون بالضحى، يَرفع الشُّخُوصَ، ويَزهاها كالملا بين السماء والأرض، وقال ابن السّكّيت: السرابُ: الذي يجري على وجه الأرض كأنه الماء، وهو يكون نصف النهار، وقال الأصمعيّ: الآل والسراب واحدٌ، وخالفه غيره، فقال: الآل من الضحى إلى زوال الشمس، والسراب بعد الزوال إلى صلاة العصر، واحتجّوا بأن الآل يرفَعُ كلَّ شيء حتى يصير آلاً: أي شَخْصاً، وأن السراب يَخِفِض كلّ شيء حتى يصير لازقاً بالأرض، لا شخص له، وقال يونس: تقول العرب: الآل من غُدْوة إلى ارتفاع الضحى الأعلى، ثم هو سرابٌ سائرَ اليوم، وقال أبو الهيثم: سُمّي السراب سَرَاباً؛ لأنه يَسْرِبُ سُرُوباً: أي يجري جَرْياً. (٤) انتهى (٤). (يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضاً) بكسر الطاء، يقال: حَطِمَ الشيءُ حَطَماً، من باب (١) راجع: ((مغني اللبيب)) ٦٩/١ - ٧٠. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢٦/٣. (٢) ((القاموس المحيط)) ص ٩٠. (٤) ((لسان العرب)) ٤٦٥/١. ١٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان تَعِبَ، فهو خَطِمٌ: إذا تگَسّر، ویتعدّی بالحركة، فيقال: حطمته حَطْماً، من باب ضَرَبَ، فانحطم، وحطّمته بالتشديد مبالغةٌ، قاله الفيّوميّ(١). وقال النوويّ كَّتُهُ: ((الْحَظْمُ)): الكسر، والإهلاك، و((الْحُطَمة)): اسم من أسماء النار؛ لكونها تَخْطِم ما يُلْقَى فيها (٢). (فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ، وَلَا وَلَدٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَيَقُولُونَ: عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ، أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ، كَأَنَّهَا سَرَابٌ، يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضاً، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ تَعَالَى مِنْ بَرِّ وَفَاجِرٍ، أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا) قال النوويّ: معنى («رأوه فيها)): عَلِمُوها له، وهي صفته المعلومة للمؤمنين، وهي أنه لا يُشبهُهُ شيء، وقد تقدم الإتيان والصورة. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن النوويّ تبعاً للقاضي عياض، وغيره ممن يؤوّلون صفة الإتيان والصورة، وقدّمنا أن هذا مذهب غير صحيح، وأن الحقّ ثبوتهما له لل كما أثبتها هذا الحديث الصحيح، على ما يليق بجلاله ريال، ولا يلزم من ذلك تشبيه، كما زعمت المعطّلة، والمؤوّلة، فنثبتهما ونعتقد أنهما ثابتان له على ما يليق به إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، والله تعالى أعلم. (قَالَ: فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا: يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا، أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ) قال النوويّ تَخْتُهُ: معنى قولهم هذا: التضرّع إلى الله تعالى في كشف هذه الشدّة عنهم، وأنهم لَزِمُوا طاعته ®، وفارقوا في الدنيا الناس الذين زاغوا عن طاعته سبحانه، من قراباتهم وغيرهم، ممن كانوا يَحتاجون في معايشهم، ومصالح دنياهم إلى معاشرتهم؛ للارتفاق بهم، وهذا كما جَرَى للصحابة المهاجرين وغيرهم، ومن (١) ((المصباح المنير)) ١٤١/١. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢٧/٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٦/٣. ١٧٩ (٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٦١) أشبههم من المؤمنين في جميع الأزمان، فإنهم يُقاطعون مَن حادّ الله تعالى ورسوله ق مع حاجتهم في معايشهم إلى الارتفاق بهم، والاعتضاد بمخالطتهم، فآثروا رِضَى الله تعالى على ذلك، وهذا معنًى ظاهرٌ في هذا الحديث، لا شكّ في حسنه، وقد أنكر القاضي عياض ◌َّهُ هذا الكلام الواقع في ((صحيح مسلم))، وادَّعَى أنه مُغَيَّرٌ، وليس كما قال، بل الصواب ما ذكرناه. انتهى كلام النوويّ كَّتُهُ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، لَا نُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ) هكذا هو في الأصول: ((ليكاد أن ينقلب)) بإثبات ((أن))، وإثباتُها مع ((كاد)) لغة قليلة، كما أن حذفها مع ((عسى)) لغة قليلة بالعكس، كما قال في ((الخلاصة)): وَكَوْنُهُ(١) بِدُونِ ((أَنْ)) بَعَدَ ((عَسَى)) نَزْرٌ وَ(كَادَ)) الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا وقوله: (ينقلب)) - بياء مثناة من تحتُ، ثم نون، ثم قاف، ثم لام، ثم باء موحدة - ومعناه - والله أعلم - ينقلب عن الصواب، ويرجع عنه للامتحان الشديد الذي جرى، قاله النوويّ(٢). (فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ، فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) قال النوويّ: ضُبط ((يكشف)) بفتح الياء، وضمّها، وهما صحيحان. وقال في ((الفتح)): هذا يحتمل أن الله عَرّفهم على ألسنة الرسل من الملائكة، أو الأنبياء أن الله جَعَل لهم علامة تجليه الساق، وذلك أنه يمتحنهم بإرسال مَن يقول لهم: أنا ربكم، والى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِ الْآَخِرَةِ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧]، وهي وإن ورد أنها في عذاب القبر، فلا يبعد أن تتناول يوم الموقف أيضاً. قال: وأما الساق: فجاء عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُّكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: عن شِدّة من الأمر، والعرب تقول: قامت الحرب على ساق: إذا اشتدّت، ومنه: قَدْ سَنَّ أَصْحَابُكَ ضَرْبَ الأَعْنَاقْ وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَلَى سَاقْ (١) أي الخبر. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٧/٣. ١٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وجاء عن أبي موسى الأشعريّ في تفسيرها: ((عن نور عظيم))، قال ابن فُورك: معناه ما يتجدد للمؤمنين من الفوائد والألطاف، وقال المهلب: كشف الساق للمؤمنين رحمة، ولغيرهم نقمةٌ، وقال الخطابيّ: تَهِيب كثير من الشيوخ الخوض في معنى الساق، ومعنى قول ابن عباس: إن الله يكشف عن قُدرته التي تظهر بها الشدة، وأسند البيهقيّ الأثر المذكور عن ابن عباس بسندين كلُّ منهما حسن، وزاد: ((إذا خَفِي عليكم شيء من القرآن فأتبعوه من الشعر))، وذكر الرجز المشار إليه، وأنشد الخطابيّ في إطلاق الساق على الأمر الشديد: فِي سَنَةٍ قَدْ كَشَفَتْ عَنْ سَاقِهَا وأسند البيهقيّ من وجه آخر صحيح عن ابن عباس قال: يريد يوم القيامة، قال الخطابيّ: وقد يُطلَق ويراد النفس. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مسألة الساق قد اختلف فيها السلف هل هي من الصفات أم لا؟، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيميّة كَّتُهُ إجماع السلف على عدم تأويل آيات الصفات وأحاديثها، وأنه طالع أكثر من مائة تفسير نُقِلت عن الصحابة، فلم يجد في شيء منها أن أحداً تأوّل نصوص الصفات، ثم قال: وتمام هذا أني لم أجدهم تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُّكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾، فُرُوي عن ابن عبّاس وطائفة: أن المراد به الشدّة، أن الله يكشف عن الشدّة في الآخرة، وعن أبي سعيد، وطائفة أنهم عدّوها من الصفات؛ للحديث الذي رواه أبو سعيد في ((الصحيحين)) - يعني هذا الحديث - قال: ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدلّ على أن هذه من الصفات، فإنه قال: ﴿يَوْمَ يَّكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾، نكرة في الإثبات لم يُضفها إلى الله، ولم يقل: عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف. انتهى كلام شيخ الإسلام تَظُّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: كون الآية من الصفات هو الظاهر، ولذلك أورد الحديث الإمام البخاريّ في ((التفسير)) عند قوله: ((باب يوم يُكْشَف عن ساق)) مستدلّاً على أن ما دلّت عليه الآية هو الذي دلّ عليه الحديث، وإذا قلنا: إن (١) ((مجموع الفتاوى)) ٣٩٤/٦ - ٣٩٥.