Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
(٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ ﴾: ﴿لَقَدْ رَآَى مِنْ ءَايَتِ رَيِّدِ الگُ﴾﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٢)
أهل حفظ وإتقان، وكانوا يُحدّثون من حفظهم، ولم يكونوا معصومين حتى لا
يَهِموا في الروايات، والأولى في مثل هذا قبول ما يَروِي بتثُبُّت، وترك ما صح
أنه وَهِمَ فيه، ما لم يَفْحُش، فمن غلب خطؤه على صوابه استَحَقَّ الترك.
انتھی .
قال الهيثم بن عديّ: مات في ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائة،
وفيها أرّخه غير واحد.
أخرج له البخاري في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا
الكتاب (٢٥) حديثاً .
٣ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح - بفتح الراء، والموحّدة - واسم أبي رَبَاح:
أسلم، القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضل، لكنه
كثير الإرسال [٣].
رَوَى عن ابن عباس، وابن عَمْرو، وابن عُمَر، وابن الزبير، ومعاوية،
وأسامة بن زيد، وجابر بن عبد الله، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن السائب
المخزومي، وعَقِيل بن أبي طالب، وعمر بن أبي سلمة، ورافع بن خَدیج،
وأبي الدرداء، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعائشة، وأم سلمة، وأم
هانئ، وأم کرز الکعبية، وغیرهم.
ورَوَى عنه ابنه يعقوب، وأبو إسحاق السبيعي، ومجاهد، والزهري،
وأيوب السختياني، وأبو الزبير، والحكم بن عتيبة، والأعمش، والأوزاعي،
وابن جريج، وعبد الكريم الجزري، وعمرو بن دينار، وابن إسحاق، وعُبيد الله
العُمَريّ، ويزيد بن أبي حبيب، ويونس بن عبيد، وجرير بن حازم، وعليّ بن
الحكم، وخلق كثير.
قال ابن المديني: هو مولى حَبِيبة بنت مَيْسرة بن أبي خُثَيم. وقال ابن
سعد: كان من مُوَلَّدي الْجَنَد، ونشأ بمكة، وهو مولى لبني فِهْر، أو الْجُمَح،
وانتهت إليه فتوى أهل مكة، وإلى مجاهد في زمانهما، وأكثر ذلك إلى عطاء،
سمعت بعض أهل العلم يقول: كان عطاء أسود أعور أفطس أشلّ أعرج، ثم
عَمِي بَعْدُ، وكان ثقةً فقيهاً عالِماً، كثير الحديث. وقال الآجري عن أبي داود:
كان أبو عطاء نُوبِيّاً، وكان يعمل المكاتل، وذَكَرَ فيه ما تقدم من العيوب،

٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وزاد: وقُطعت يده مع ابن الزبير. وقال ضَمْرة بن ربيعة: سمعت رجلاً يقول:
اسم أم عطاء بَرَكة. وقال ابن معين: كان مُعَلِّم كُتَّاب. وقال خالد بن أبي نَوْف
عن عطاء: أدركت مائتين من الصحابة. وعن ابن عباس أنه كان يقول:
تجتمعون إلي يا أهل مكة، وعندكم عطاء؟ وكذا رُوي عن ابن عمر. وقال أبو
عاصم الثقفي: سمعت أبا جعفر يقول للناس، وقد اجتمعوا عليه: عليكم
بعطاء، هو والله خير مني. وعن أبي جعفر قال: ما بقي أحد أعلم بمناسك
الحج من عطاء. وقال عبد العزيز بن أبي حاتم عن أبيه: ما أدركت أحداً أعلم
بالمناسك منه. وقال ابن أبي ليلى: كان عالِماً بالحج، وكان يوم مات ابن مائة
سنة، ورأيته يُفطِر في رمضان، ويقول: قال ابن عباس: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ
فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]: إني أطعم أكثر
من مسكين، وقال عبد الله بن إبراهيم بن عُمر بن كَيْسان، عن أبيه: أذكر في
زمن بني أمية صائحاً يصيح: لا يفتي الناس إلا عطاء. وقال ربيعة: فاق عطاءٌ
أهلَ مكة في الْفُتُوَّة. وقال قتادة: قال لي سليمان بن هشام: هل بمكة أحدٌ؟
قلت: نعم أقدم رجل في جزيرة العرب عِلْماً، قال: مَنْ؟ قلت: عطاء بن أبي
رباح. وقال قتادة: إذا اجتمع لي أربعة، لم أَبَالِ مَن خالفهم: الحسن،
وسعيد، وإبراهيم، وعطاء، قال: هؤلاء أئمة الأمصار. وقال إسماعيل بن
أمية: كان عطاء يطيل الصمت، فإذا تكلم يُخَيَّل إلينا أنه يُؤَيَّد. وقال عبد الحميد
الْحِمَّاني عن أبي حنيفة: ما رأيت فيمن لقيتُ أفضل من عطاء، ولا لقيت فيمن
لقيت أكذب من جابر الجعفي. وقال الدَّيباج(١): ما رأيت مفتياً خيراً من
عطاء. وقال الأوزاعي: مات عطاء يوم مات، وهو أرضى أهل الأرض عند
الناس. وقال سلمة بن كُهيل: ما رأيت أحداً يريد بهذا العلم وجه الله إلا
ثلاثة: عطاء، ومجاهد، وطاووس. وقال يحيى بن سعيد عن ابن جريج: كان
المسجد فراشَ عطاء عشرين سنة، وكان من أحسن الناس صلاةً. وقال
عبد العزيز بن رُفيع: سئل عطاء عن مسألة، فقال: لا أدري، فقيل له: ألا
تقول فيها برأيك؟ فقال: إني أستحيي من الله أن يُدَانَ في الأرض برأيي. وقال
(١) هو محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان.

٢٣
(٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَلَّ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ اَلْكُبَُّ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٢)
علي ابن المديني عن يحيى القطّان: مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات
عطاء بكثير، كان عطاء يأخذ عن كل ضَرْب. وقال الفضل بن زياد عن أحمد:
مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات، ومرسلات إبراهيم لا بأس بها،
وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء، فإنهما كانا يأخذان
عن كل أحد. وقال محمد بن عبد الرحيم، عن علي ابن المديني: كان عطاء
بآخره تركه ابن جريج، وقيس بن سعد. وقال ابن عيينة عن عُمر بن قيس المكي
عنه: أعقِلُ مَقْتَل عثمان، وقال أبو حفص الباهلي، عن عمر بن قيس: سألت
عطاء: متى وُلدت؟ قال: لعامین خَلَوَا من خلافة عثمان. وذكر أحمد بن يونس
الضبي أنه وُلد سنة (٢٧). وقال أبو المليح الرَّقّيّ: مات سنة (١١٤). وقال
ميمون: ما خَلَّفَ بعده مثله. وقال يعقوب بن سفيان، والبخاري عن حيوة بن
شُريح، عن عباس بن الفضل، عن حماد بن سلمة: قَدِمت مكة، وعطاء حي،
فقلت: إذا أفطرت دخلت عليه، فمات في رمضان. وقال أحمد وغير واحد:
مات سنة (١١٤)، وقال القطان: مات سنة (١١٤) أو (١١٥)، وقال ابن جريج،
وابن عيينة، وآخرون: مات سنة (١١٥)، وقال خليفة: مات سنة (١١٧).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠٤) أحاديث.
٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َُّبه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢، وشيخه ذُكر في السند
الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َخَّلهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ، وعبد الملك أخرج له البخاريّ في التعاليق.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ: عبد الملك، عن عطاء.
٤ - (ومنها): أن عطاء، وعبد الملك هذا أول محلّ ذكرهما في هذا
الكتاب، وقد عرفت آنفاً ما لكلّ منهما عند المصنّف من الأحاديث.
٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ظله رأس المكثرين السبعة، روى
(٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم.

٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) في تفسير قوله رَى: ﴿﴿وَلَقَدْ رَءَهُ نَزْلَةً أُخْرَى
١٣
[النجم: ١٣] قَالَ) أبو هريرة ◌َظُه (رَأَى جِبْرِيلَ) عَلَّا، يعني أن المراد بالمرئيّ
هنا هو جبريل منظلّله، فهو كتفسير ابن مسعود ◌َّه السابق.
قال النوويّ كَّقُ: وهكذا قاله أيضاً أكثر العلماء، قال الواحديّ: قال
أكثر العلماء: المراد: رأى جبريل ظل في صورته التي خلقه الله تعالى عليها،
وقال ابن عباس رضيه: رأى ربه ثَلَ، وعلى هذا معنى: ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾ يعود إلى
النبيّ وَّ﴾، فقد كانت له عَرَجاتٌ في تلك الليلة لاستحطاط عدد الصلوات،
فكلُّ عَرْجة نَزْلَةٌ. انتهى.
وقال أبو عبد الله القرطبيّ ◌َخْلُهُ: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَءَهُ نَزْلَةً أُخْرَى
١٣
﴿نَزْلَةً﴾ مصدر في موضع الحال، كأنه قال: ولقد رآه نازلاً نزلةً أخرى، قال
ابن عباس: رأى محمد بَّله ربه مرة أخرى بقلبه، روى مسلم، عن أبي العالية،
عنه قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ ﴿﴿ أَقتُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ﴿﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى
[النجم: ١١ - ١٣]، قال: ((رآه بفؤاده مرتين))، فقوله: ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾ يعود
إلى محمد 18، فإنه كان له صعودٌ ونزول مراراً بحسب أعداد الصلوات
المفروضة، فلكل عَرْجةٍ نَزْلٌ، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿عِندَ سِدْرَةِ الَُّْهَى
١٤
[النجم: ١٤] أي: ومحمد ◌َل عند سدرة المنتهى، وفي بعض تلك النزلات.
وقال ابن مسعود وأبو هريرة ﴿ها في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةٌ
أُخْرَى ﴾ إنه جبريل ◌ُالَّا، ثَبَتَ هذا أيضا في ((صحيح مسلم))، وقال ابن
مسعود: قال النبيّ وَّ﴾: ((رأيتُ جبريل بالأفق الأعلى، له ستمائة جناح، يُنثر
من ريشه التهاويل(١) الدّ والياقوت))(٢)، ذكره المهدويّ. انتهى كلام
(١) ((التهاويل)): الأشياء المختلفة الألوان.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد في ((مسنده)) بإسناد صحيح، برقم (٣٧٢٠).
وفي رواية (٣٥٦١): عن عبد الله قال: ((رأى رسول الله وَلقره جبريل في صورته،
وله ستمائة جناح، كلُّ جناح منها قد سَدّ الأفق يسقط من جناحه من التهاويل
والدر والياقوت ما الله به عليم))، وفي رواية (٣٧٢٠): عن ابن مسعود، أنه قال =

٢٥
(٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ رَّ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٣)
القرطبيّ ◌َخَذُ(١).
وقال الألوسيّ ◌َخّْتُهُ: ﴿وَلَقَدْ رَءَهُ﴾ أي رأى النبيّ وَّه جبريلمنظّ في
صورته التي خلقه الله تعالى عليها ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾ أي مرّة أخرى من النزول، وهي
فَاعْلَةٌ من النزول، أُقيمت مقام المرّة، ونُصِبت نصبها على الظرفيّة؛ لأن أصل
المرّة مصدر مرّ يمُرُّ، ولشدّة اتّصال الفعل بالزمان يُعبّر به عنه، ولم يقل: ((مرّةً)»
بدلها؛ ليُفيد أن الرؤية في هذه المرّة كانت بنزول ودنوّ، كالرؤية في المرّة
الأولى الدالّ عليها ما مرّ، وقال الحوفيّ وابن عطيّة: إن ﴿نَزْلَةً﴾ منصوب على
المصدريّة للحال المقدّرة، أي نازلاً نزلةً، وجوّز أبو البقاء كونه منصوباً على
المصدريّة لرأى من معناه، أي رؤية أخرى، وفيه نظرٌ، والمراد من الجملة
القسميّة نفي الريبة والشكّ عن المرّة الأخيرة، وكانت ليلة الإسراء. انتهى كلام
الألوسيّ تَخْتُهُ(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َخَّلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤٤٢/٨٣] (١٧٥)، و(ابن منده)
في ((الإيمان)) (٧٥٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٤٣] (١٧٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ عَبْدٍ
الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: رَآهُ بِقَلْبِهِ).
= في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ رَمَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى (٣)﴾ قال رسول الله: ((رأيت جبريل عند سدرة
المنتهى، عليه ستمائة جناح، ينثر من ريشه التهاويل، الدر والياقوت)).
(١) ((تفسير القرطبيّ)) ٩٤/١٧.
(٢) ((روح المعاني)) ١٧/ ٥٠.

٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَقْصٌ) هو ابن غياث المذكور قبل حديث.
٢ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو عبد الله الحبر البحر ﴿يَا تقدّم تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وعَبْدُ الْمَلِكِ: هو ابن أبي سليمان
الْعَرْزَميّ.
وقوله: (رَآهُ بِقَلْبِهِ) وفي الرواية التالية: ((رآه بفؤاده مرّتين)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن عباس ضيًّا: من أن
النبيّ وَّ رِبِه ◌ُعَلَ بقلبه، هو الذي صحّ عنه، وعن غيره من الصحابة
وأما ما يُعزى إليه من أنه قال: إنه رآه بعينه، أو بعين رأسه، أو ببصره، فلم
يثبت عنه بسند صحيح، وإنما قاله بعض الرواة مفَسِّراً لما وقع في بعض رواياته
أنه قال: رأى ربه من غير تقييد بالفؤاد، والحقّ أن يُحْمَل ما أطلقه على ما
قيّده، فتتفق الروايتان على معنى واحد.
قال الإمام ابن كثير كَّلُهُ في ((تفسيره)) بعد إيراده رواية المصنّف هذه ما
نصّه: وكذا رواه سماك عن عكرمة، عن ابن عبّاس مثله، وكذا قال أبو صالح،
والسُّدّيّ، وغيرهما: إنه رآه بفؤاده مرتين، وقد خالفه ابن مسعود وغيره، وفي
رواية عنه: أنه أطلق الرؤية، وهي محمولة على المقيَّدة بالفؤاد، ومن رَوَى عنه
بالبَصَر، فقد أغرب، فإنه لا يصحّ في ذلك شيء عن الصحابة رضيه، وقول
البغويّ في (تفسيره)): وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس،
والحسن، وعكرمة فيه نظرٌ. انتهى كلام ابن كثير كَذَتْهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أنه قد تبيّن بما سبق أنه لم يثبت بسند
صحيح عن أحد من الصحابة فيه أنه قال: إن النبيّ وَّ رأى ربّه ببصره، وإنما
صحّ عنهم قولهم: رأى ربّه، بالإطلاق، أو رأى ربّه بقلبه، أو بفؤاده بالتقييد،
فتنبّه لهذا المهمّ، فقد اشتهر في كتب المتأخّرين نسبة هذا القول إلى
الصحابة
غلطاً منهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٢٥٦/١٣ - ٢٥٧.

٢٧
(٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ رَكَّ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُرَىَ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٤)
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّ هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤٤٣/٨٣ ٤٤٤ و٤٤٥] (١٧٦)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٣٩٨ و٣٩٩ و٤٠٠ و٤٠١)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٤٣٩
و ٤٤٠)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٧٥٤ و ٧٥٥ و٧٥٦ و٧٥٧ و٧٥٨ و٧٥٩)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٤٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُ، جَمِيعاً
عَنْ وَكِيعِ، قَالَ الْأَشَجُّ: حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحُصَيْنِ، أَبِي
جَهْمَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىّ
﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى (٣)﴾ قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) هو: عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنْدِيّ
الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٧/٤.
٢ - (وَكِيعِ) بن الْجَرّاحِ بن مَلِيح الرُّؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ
عابدٌ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ، أبو محمد الكوفيّ،
ثقةٌ حافظٌ وَرِعٌ لكنه يدلّس [٥] (ت١٤٧) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٢٩٧.
٤ - (زِيَادُ بْنُ الْحُصَيْنِ، أَبُو جَهْمَةَ) - بفتح الجيم، وسكون الهاء - هو:
زياد بن الْحُصَين بن قيس الْحَنْظليّ الْيَرْبُوعيّ، ويقال: الرِّيَاحِيّ، أبو جَهْمَة
البصريّ، ثقةٌ يُرسل [٤].
رَوَى عن أبيه، وابن عباس، وابن عمر، وأبي العالية.
ورَوَى عنه الأعمش، وعاصم الأحول، وعُبيد المكتب، وعوف
الأعرابيّ، وفُضيل بن عمرو، وفِظْر بن خليفة، ومغيرة بن مِقْسَم.

٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال العجليّ: بصريّ ثقة، وقال أبو حاتم: أبو جَهْمَة، عن ابن عباس
مرسلٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له المصنّف، والنسائيّ، وابن ماجَهْ، وله في هذا الكتاب هذا
الحديث فقط .
٥ - (أَبَوِ الْعَالِيَةِ) هو: رُفَيع - مصغّراً - بن مِهْرَان - بكسر الميم - الرِّيَاحِيّ
البصريّ، ثقةٌ، كثير الإرسال [٢] (ت٩٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في
«الإیمان)) ٤٢٥/٨٠.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن شيخ المصنّف الأشجّ أحد المشايخ
التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة،
وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، وزياد، وأبو العالية، وفيه
ابن عبّاس ◌ِّ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وبحر الأمة، وحبرها.
وقوله: (بِفُؤَادِهِ): ((الْفُؤَاد)) بالضمّ: الْقَلب، وهو مذكّر، والجمع أَفْئِدة،
قاله الفيّوميّ (١). وقال ابن منظور: الفُؤاد: القلب؛ لتفؤُّده، وتوقُّده، مذكّر لا
غيرُ، صرّح بذلك اللُّحْيانيّ، يكون ذلك لنوع الإنسان وغيره من أنواع الْحَيَوان
الذي له قَلْبٌ، قال يَصِف ناقةً [من الطويل]:
كَمِثْلِ أَتَانِ الْوَحْشِ أَمَّا فُؤَادُهَا فَصَعْبٌ وَأَمَّا ظَهْرُهَا فَرَكُوبُ
والفؤاد: القلب، وقيل: وسطه، وقيل: الفُؤاد: غِشَاءُ القلب، والقلبُ حبّته،
وسُوَيداؤُهُ، والجمع أفئدة، قال سيبويه: ولا نعلمه كُسِّرَ على غير ذلك. انتهى(٢)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الکتاب قال:
[٤٤٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ،
عَنِ الْأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا أَبُو جَهْمَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
(١) ((المصباح المنير)) ٤٨٢/٢.
(٢) ((لسان العرب)) ٣٢٨/٣ - ٣٢٩.

٢٩
(٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ رَّ: ﴿لَقَدْ رَأَ مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٦)
رجال هذا الإسناد أربعة، تقدّموا في الإسنادين السابقين.
[تنبيه]: رواية حفص، عن الأعمش هذه التي أحالها المصنّف على
الرواية السابقة، أخرجها الحافظ ابن منده كَّتُهُ في ((كتاب الإيمان))، فقال:
(٧٥٦) وأنبأ يحيى بن آدم، ثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن
زياد بن الْحُصين أبي جَهْمَة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، في قوله: ﴿مَا
كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ ﴾﴾ قال: رآه بقلبه مرتين. انتهى(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٤٦] (١٧٧) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: كُنْتُ مُتَّكِئاً عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا
عَائِشَةَ، ثَلَاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ، قُلْتُ: مَا
هُنَّ؟(٢) قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّداً وَّهِ رَأَى رَبَّهُ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ،
قَالَ: وَكُنْتُ مُتَّكِئاً، فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْظِرِ ينِي، وَلَا تَعْجَلِينِ، أَلَمْ
[التكوير: ٢٣]، ﴿وَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى
يَقُلِ اللهُ رَّ: ﴿وَلَقَدْ رَءَاءُ بِلْأُمُقِّ الْمُچِينِ
[النجم: ١٣]؟، فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ وَِّ،
١٣٦
فَقَالَ: ((إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا، غَيْرَ هَاتَيْنِ
الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ(٣) مُنْهَبِطاً مِنَ السَّمَاءِ، سَادًاً عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى
الْأَرْضِ)) (٤)، فَقَالَتْ: أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِهُ
[الأنعام: ١٠٣]؟، أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ يَقُولُ:
اٌلْأَبْصَرِّ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآبٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا
ج
فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِىُّ حَكِيمٌ ﴾﴾ [الشورى: ٥١]؟، قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ
(١) ((كتاب الإيمان)) لابن منده ٧٥٩/٢.
(٢) وفي نسخة: ((قلت: وما هنّ؟)).
(٣) وفي نسخة: ((ورأيته)) بالواو.
(٤) وفي نسخة: ((ما بين السماء والأرض)).

٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ كَتَمَ شَيْئاً مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ، وَاللهُ يَقُولُ:
﴿وَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن زَّبٌِّ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:
٦٧]، قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ،
وَاللهُ يَقُولُ: ﴿قُل لَّا يَعْلَؤُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ
المعروف بابن عُلَيّة، وهي أمه، ثقةٌ ثبتٌ حافظ [٨] (ت١٩٣) وهو ابن (٨٣)
سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٣ - (دَاوُدَ) بن أبي هند القشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد
البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت١٤٠) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢١/٢٧.
٤ - (الشَّعْبِيُّ) هو: عامر بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة
ثبتٌ فقيه فاضلٌ مشهور [٣] مات بعد المائة، وله نحو من (٨٠) سنة (ع)
تقدم في (المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٥ - (مَسْرُوق) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ،
ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ مخضرٌ [٢] (ت٢ أو٦٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧.
٦ - (عَائِشَة) بنت الصدّيق، أم المؤمنين ﴿ها، ماتت سنة (٥٧) على
الصحيح (ع) تقدمت في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣١٥، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: داود،
والشعبيّ، ومسروق.
٤ - (ومنها): أن مسروقاً، سُمي به؛ لأنه سرقه إنسان في صغره، ثم
وُجد، وغيّر عمر بن الخطّاب وظُله اسم الأجدع إلى عبد الرحمن، قال:

٣١
(٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَثّ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُرَى﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٦)
الأجدع شيطان، فأثبت في الديوان مسروق بن عبد الرحمن(١).
٥ - (ومنها): أن عائشة يؤثّا أفقه النساء مطلقاً، وأفضل أزواج النبيّ وَّ،
إلا خديجة طيّا، ففيها خلاف شهيرٌ، وهي من المكثرين السبعة، روت
(٢٢١٠) أحاديث، ومن المشهورين بالفتوى، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مَسْرُوقٍ) في رواية الترمذي زيادة قصة في سياقه، فقد أخرج من
طريق مُجالد، عن الشعبيّ، قال: لَقِيَ ابن عباس كعباً بعرفة، فسأله عن شيء،
فَكَبَّرَ كعبٌ حتى جاوبته الجبال، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم، فقال له
كعب: إن الله قسم رؤيته وكلامه، هكذا في سياق الترمذيّ، وعند عبد الرزاق
من هذا الوجه: فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم نقول: إن محمداً رأى ربه
مرتين، فكَبَّر كعب، وقال: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين موسى ومحمد، فكلّم
موسى مرتين، ورآه محمد مرتين، قال مسروق: فدخلت على عائشة، فقلت:
هل رأى محمد ربه ... الحديث، ولابن مردويه من طريق إسماعيل بن أبي
خالد، عن الشعبيّ، عن عبد الله بن الحارث بن نَوْفل، عن كعب مثله، قال
- يعني الشعبيّ -: فأتى مسروق عائشة، فذكر الحديث، فظهر بذلك سبب سؤال
مسروق لعائشة ﴿ثنا عن ذلك، قاله في ((الفتح))(٢).
(قَالَ: كُنْتُ مُتَّكِئاً) قال الأبيّ تَخْتُ: يحتمل أنه لعذر. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى هذا الاحتمال؛ لأن الاتّكاء من
الأمور المباحة، فهي جائزة بدون عذر، فقد كان النبيّ وَلّ يجلس متكئاً، فقد
ثبت في ((الصحيحين)) حديث أبي بكرة حظُبته: وكان قدَّ متّكئاً، فجلس، فقال:
((ألا وقول الزور))، فما زال يكرّرها، وإنما كره الاتّكاء في حال الأكل، فقال:
((لا آكل متكئاً))، رواه البخاريّ، وقد فُسّر المتكئ هنا بالجالس المتمكّن في
جلوسه، كالذي يتربّع(٤)، والله تعالى أعلم.
(١) راجع: ((تهذيب الكمال)) ٤٥٢/٢٧ - ٤٥٤.
(٢) ((الفتح)) ٨/ ٤٧٢ - ٤٧٣.
(٤) راجع: ((النهاية)) ١٩٣/١.
(٣) ((شرح الأبيّ)) ٣٢٧/١.

٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(عِنْدَ عَائِشَةَ) ◌ُؤُّْنَا (فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَائِشَةَ) كنية مسروق (ثَلَاثٌ) مبتدأ سوّغْ
الابتداء به مع كونه نكرةً مراعاة الوصف، أو الإضافة، أي: من الخصال، أو
ثلاث خصال، (مَنْ) بفتح الميم شرطية (تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ
الْفِرْيَةَ) بكسر الفاء، وسكون الراء: هي الكذب، يقال: فَرَى الشيءَ يَفْرِي فَرْياً،
من باب رَمَى، وافترى يفتري افتراء: إذا اختلقه، وجَمْعُ الفِرْية فِرَى بكسر،
ففتح، قال مسروقُ (قُلْتُ: مَا هُنَّ؟) وفي نسخة: ((وما هنّ)) بالواو (قَالَتْ)
عائشة ◌َّا (مَنْ) شرطيّة (زَعَمَ) من باب قَتَلَ، وأكثر ما يُطلق فيما كان باطلاً،
أو فيه ارتياب، كما هنا، فإن بعض هذه الأشياء من الأمور الباطلة بلا خلاف،
وهي ما عدا الرؤيةَ، والرؤية منها على ما رأته عائشة خْتَّا (أَنَّ مُحَمَّداً وَِّ رَأَى
رَبَّهُ) أي يقظةً، ببصره؛ لأنه الذي نفته عائشة ◌َّا، فأما ما كان مناماً فلم تنفه
فقد ثبت ذلك عن النبيّ و ◌َل﴿، فقد أخرج الترمذيّ بسند صحيح عن ابن
عباس ضيًّا قال: قال رسول الله وَّ: ((أتاني الليلةَ ربي تبارك وتعالى، في
أحسن صورة - قال: أحسبه قال: في المنام - فقال: يا محمد، هل تدري فيم
يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: لا، قال: فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت
بَرْدَها بين ثدييّ - أو قال: في نحري - فعلمت: ما في السماوات وما في
الأرض، قال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم،
قال: في الكفارات، والكفارات: المكثُ في المساجد بعد الصلوات، والمشي
على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره، ومن فعل ذلك
عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، وقال: يا محمد،
إذا صليتَ فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبَّ
المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنةً، فاقبضني إليك غير مفتون، قال:
والدرجات: إفشاءُ السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل، والناس نيام))(١).
(فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ) أي الكذب (قَالَ) مسروق (وَكُنْتُ مُتَّكِئاً،
فَجَلَسْتُ) أي حتى يتمكّن من مراجعتها (فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْظِرِينِي) بقطع
الهمزة، أمرٌ من الإنظار، وهو الإمهال، أي أمهليني، يقال: أنظرته الدَّين بالألف:
(١) حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ في ((جامعه)) (٣١٥٧)

٣٣
(٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَتَّ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٦)
إذا أخّرته، والنَّظِرَةُ مثلُ كَلِمَةٍ بالكسر: اسم منه، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَنَظِرَةُ إِلَى
مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، أي فتأخيرٌ، ونَظَرته الدينَ ثلاثيّاً لغة، قاله الفيّوميّ(١).
وقال المجد تَّتُهُ: نَظَرَه، وانتظره، وتنظّره، تَأَنَّى عليه، قال: وأنظره:
أخّره، والنَّظِرة كفَرِحة: التأخير في الأمر. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أفاد ما ذُكر أنه يجوز في ((أنظريني)) قطع
الهمزة، ووصلها، فالقطع على أنه من ((أنظر)) الرباعيّ بمعنى أخّر، فيكون
المعنى أخّريني حتّى أتمكّن من سؤالي إياك، والوصلُ على أنه من ((نظر))
الثلاثيّ بمعنى تأنّى، ويكون المعنى تأَنَّيْ، وتمهّلي في شأني، وعلى كلّ فقوله:
(وَلَا تُعْجِلِيني) عطف مؤكِّد على مؤَّد.
[تنبيه]: (تُعْجِليني)) هنا بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإعجال رباعيّاً،
يقال: أعجله، وعجّله: إذا استحثّه على الإسراع، وحمله عليه، هذا هو
الصواب في ضبطه، وأما ما وقع في النسخ المطبوعة من ضبطه بالقلم بفتح
أوّله، وثالثه، مضارعاً لعَجِلَ الثلاثيّ، كفَرِحَ، فغلطٌ؛ لأن عَجِل الثلاثيّ لازم،
لا يتعدّى، وما هنا متعدّ إلى المفعول به، وهو ياء المتكلّم، فراجع كتب
اللغة(٣)، تعلم صحّة ما قلت لك، والله تعالى أعلم.
(٣)﴾؟) ذكر مسروق هذا
(أَلَمْ يَقُلِ اللّهُ رَّتِ: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ بِلْأُفُقِّ الْمُِينِ
استدلالاً على أن النبيّ وَله رأى ربه على ليلة المعراج، وذلك لظنّه أن الضمير
المنصوب في ﴿رََّاهُ﴾ الله ◌ُعَلَ، مع أن الصواب في معناه: أنه رأى جبريل
في صورته التي خلقه الله تعالى عليها، كما هو واضح من سياق الآيات،
وهي: ﴿إِنَُّ لَقَوَّلُ رَسُولٍ كَرٍِ ﴿ ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَشِ مَّكِينٍ (٣٥) قُطَاعِ ثَمَّ أَمِينٍ
٢١
: [التكوير: ١٩ - ٢٣] الآيات.
وَمَا صَاِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ﴿ وَلَقَدّ رَءَاهُ بِلْأُفُقِ آلْمُِينِ
قال الحافظ ابن كثير كَّلُهُ: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ بِلْأُفُقِّ الْمُچِينِ
يعني ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله ريك على الصورة التي
خلقه الله عليها، له ستمائة جناح ﴿بَلْأَفُقِّ الْبِينِ﴾ أي البيّن، وهي الرؤية الأولى
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦١٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٤٣٦.
(٣) راجع: ((الصحاح)) ١٤٣٥/٤ - ١٤٣٦، و((القاموس)) ص٩٢٧، و((المصباح)) ٣٩٤/٢.

٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ذُو مِرَّةِ
التي كانت بالبطحاء، وهي المذكورة في قوله: ﴿عَلََّهُ شَدِيدُ الْقُوَى
وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَِ ﴿٣ ثُمَّ دَنَا فَدَلَّ ﴿ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْفَ
فاسْتَوى
[النجم: ٥ - ١٠]، قال: والدليل على أن المراد
فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى (٣)،
بذلك جبريل منظلل*، والظاهر - والله أعلم - أن هذه السورة نزلت قبل ليلة
الإسراء؛ لأنه لم يُذكر فيها إلا هذه الرؤية، وهي الأولى، وأما الثانية، وهي
المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىِ ﴿٣) عِندَ سِدْرَةِ الْنُنَفَى ( عِندَهَا
جَنَّةُ الْوَى ﴿ إِذْ يَغْثَى السّدْرَةَ مَا يَغْشَى (٣)﴾ [النجم: ١٣ - ١٦]، فتلك إنما ذُكرت
في سورة النجم، وقد نزلت بعد الإسراء. انتهى كلام ابن كثير تَخْذَهُ(١).
وقال الألوسيّ ◌َّتُهُ: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ﴾ أي وبالله تعالى لقد رأى صاحبُكم
رسولُ اللهِ وَّهُ الرسول الكريم جبريل علّ على كُرسيّ بين السماء والأرض
بالصورة التي خلقه الله تعالى عليها، له ستمائة جناح ﴿بِالْأَفُقِ الْمُبِينِ﴾ وهو الأفق
الأعلى من ناحية المشرق، كما روي عن الحسن، وقتادة، ومجاهد، وسفيان،
وفي رواية عن مجاهد: أنه وَلَّ رآه علّ* نحو جياد، وهو مشرق مكة، وقيل:
المراد به مطلع رأس السرطان، فإنه أعلى المطالع لأهل مكة، وهذه الرؤية
كانت فيما بعد أمر غار حراء، وحكى ابن شجرة: أنه أفق السماء الغربيّ،
وليس بشيء، وأخرج الطبرانيّ، وابن مردويه عن ابن عبّاس أنه قال في الآية:
رآه في صورته عند سدرة المنتهى، والأفق على هذا قيل: بمعنى الناحية،
وقيل: سُمّي ذلك أفقاً مجازاً. انتهى كلام الألوسيّ كَذُ(٢).
(﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى (٣)﴾؟) هذا أيضاً مما استدلّ به مسروق على
رؤيته ◌َّ ربّه حيث ظنّ أيضاً أن الضمير الله ◌ُعَلَ، مع أن الصواب أنه
لجبريل ظلّل، كما بيّنه النبيّ وَ﴿ لعائشة ضِؤُنَا لَمّا سألته عنه، كما أوضحه
بقوله: (فَقَالَتْ) عائشة ◌ِّنَا (أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ) أي عن المعنى
المراد بالآية (رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ) وَلِ: ((إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ) أي إن الذي أريد
بالضمير في ﴿رَءَهُ﴾ هو جبريل،عَلَّا (لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ) بالبناء
للمفعول، أي خلقه الله تعالى (عَلَيْهَا، غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ) أي المرة التي وقعت
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٢٧١/١٤.
(٢) (روح المعاني)) ٦٠/٣٠ - ٦١.

٣٥
(٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ رَى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٦)
له في الأرض قبل الإسراء، والمرة التي وقعت له في السماء عند سدرة
المنتهى، كما بيّنته الآية (رَأَيْتُهُ) وفي نسخة: ((ورأيته)) بالواو، والظاهر أن
الأولى هي الصحيحة (مُنْهَبِطاً) أي حال كونه نازلاً (مِنَ السَّمَاءِ، سَادًاً) أي
مغطّياً (عِظَمُ خَلْقِهِ) قال النوويّ ◌َخْذُهُ: ضُبط بوجهين: أحدهما بضمّ العين،
وإسكان الظاء، والثاني بكسر العين، وفتح الظاء، وكلاهما صحيح. انتهى(١).
والمعنى: قد غطّى كبر ذاته (مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ))) قال النوويّ تَخُّْهُ:
هكذا هو في الأصول: ((ما بين السماء إلى الأرض))، وهو صحيح. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر النوويّ صحّة هذا الوجه، ولم يُبيّن
ما فيه من الإشكال، ووجهه أن لفظ ((بين)) يقتضي الدخول على متعدد، فتقول:
جلست بين زيد وعمرو، ولا تقول: جلست بين زيد، فكيف قال: ((ما بين
السماء إلى الأرض))، مع أن القياس أن يقول: ما بين السماء والأرض؟.
والجواب: أن في الكلام محذوفاً؛ لدلالة السياق عليه، تقديره: ((فما
تحتها))، أي سادّاً عظم خلقه ما بين السماء، فما تحتها إلى الأرض، وسيأتي
نظير هذا في ((الصلاة))(٢) في حديث أبي بَرْزَة الأسلميّ رَضُه: ((كان
رسول الله ﴿ يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المائة آية))، أي فما فوقها إلى
المائة، وسنتكلّم عليه هناك - إن شاء الله تعالى -.
وأشار في هامش نسخة محمد ذهني بلفظ: ((ما بين السماء والأرض))،
وهو واضح.
(فَقَالَتْ) عائشة ◌َّا محتجّةً على تأكيد ما نفته من رؤيته ﴿ ﴿ه ربه ببصره
(أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِلُ الْأَبْصَرِّ وَهُوَ
[الأنعام: ١٠٣]؟) قال النوويّ تبعاً لغيره: لم تَنْفِ عائشة
اَللَّطِيفُ الْخَبِيُرُ
وقوع الرؤية بحديث مرفوع، ولو كان معها لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط
على ما ذكرته من ظاهر الآية، وقد خالفها غيرها من الصحابة، والصحابيّ إذا
قال قولاً، وخالفه غيره منهم، لم يكن ذلك القول حجةً اتفاقاً، والمراد
بالإدراك في الآية الإحاطة، وذلك لا ينافي الرؤية. انتهى.
(١) (شرح النوويّ)) ٩/٣ - ١٠.
(٢) سيأتي برقم (٤٦١).

٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وتعقّبه في ((الفتح))، فقال: جزمه بأن عائشة لم تَنْفِ الرؤية بحديث مرفوع
تبع فيه ابن خزيمة، فإنه قال في ((كتاب التوحيد)): النفي لا يوجب علماً، ولم
تَحْك عائشة أن النبيّ وَّوَ أخبرها أنه لم يَرَ ربه، وإنما تأولت الآية. انتهى.
وهو عجيبٌ، فقد ثبت ذلك عنها في ((صحيح مسلم)) الذي شرحه الشيخ
- يعني النوويّ - فعنده من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن مسروق
في الطريق المذكورة، قال مسروق: وكنت متكئاً، فجلست، فقلت: ألم يقل
الله: ﴿وَلَقَدْ رَءَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (٣)﴾؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة، سأل رسول الله وَليه
عن ذلك، فقال: ((إنما هو جبريل))، وأخرجه ابن مردويه، من طريق أخرى،
عن داود بهذا الإسناد، فقالت: أنا أوَّلُ من سأل رسول الله وَ له عن هذا،
فقلت: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ فقال: ((لا، إنما رأيت جبريل،
منهبطاً)).
قال الإمام ابن كثير دَّثُ: ومن قال: إنه ◌َي خاطبها - يعني عائشة خُيّا -
على قدر عقلها، أو حاول تخطئتها فيما ذهبت إليه، كابن خزيمة في ((كتاب
التوحيد))، فإنه هو المخطئ، والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن المحاولة في الردّ على
عائشة ها بأنها لم تسمع في هذا من النبيّ وَلير شيئاً غير صحيحة؛ لأنها ما
نفت إلا بما ثبت لديها، وسمعته من النبيّ وَّ، فبطل ما ذكره النوويّ وغيره
من نفيهم سماعها منه وَله، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله
تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال الإمام ابن كثير تَُّ: في هذه الآية - يعني ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ﴾ الآية - أقوال للسلف:
[أحدهما]: لا تدركه في الدنيا، وإن كانت تراه في الآخرة، كما تواترت
به الأخبار عن رسول الله ◌َ﴿ من غير ما طريق ثابت في ((الصحاح))،
و((المسانيد))، و((السنن))، كما قال مسروق، عن عائشة أنها قالت: ((من زعم أن
محمداً وَ الر أبصر ربه، فقد كذب))، وفي رواية: ((على الله، فإن الله تعالى قال:
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٢٦٣/١٣.

٣٧
(٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ مَكّ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُرَ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٦)
لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ﴾))، رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي
بكر بن عَيّاش، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق،
وغير واحد عن مسروق، وثبت في الصحيح وغيره عن عائشة من غير وجه.
وخالفها ابن عباس، فعنه إطلاق الرؤية، وعنه: ((رآه بفؤاده مرتين)).
وقال ابن أبي حاتم: ذكر محمد بن مسلم، حدثنا أحمد بن إبراهيم
الدَّوْرقيّ، حدثنا يحيى بن معين، قال: سمعت إسماعيل ابن علية، يقول في
قول الله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ قال: هذا في الدنيا، وذكر أبي عن هشام بن
عبيد الله أنه قال نحو ذلك.
[وقال آخرون]: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ وهذا مُخَصَّصٌ بما ثبت من رؤية
المؤمنين له في الدار الآخرة.
[وقال آخرون] من المعتزلة بمقتضى ما فَهِمُوه من الآية: إنه لا يُرَى في
الدنيا ولا في الآخرة، فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه
من الجهل بما دَلَّ عليه كتاب الله من، وسنة رسوله ول﴾، أما الكتاب فقوله
[القيامة: ٢٢، ٢٣]، وقال تعالى
تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ نَاضِرَةُ (٧) إِلَى رِهَا نَاظِرَةٌ
عن الكافرين: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُونَ
[المطففين: ١٥] قال الإمام
الشافعيّ تَخْتُهُ: فدَلّ هذا على أن المؤمنين لا يُحجبون عنه تبارك وتعالى.
وأما السنة: فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس،
وجَرِير، وصُهَيب، وبلال، وغير واحد من الصحابة ﴿ه، عن النبيّ وَّ: أن
المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة، في العَرَصات، وفي رَوْضَات الجنات،
جعلنا الله تعالى منهم بمنّه وكرمه آمين.
[وقيل]: المراد بقوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾: أي العقول، رواه ابن
أبي حاتم عن علي بن الحسين، عن الفلاس، عن ابن مهديّ، عن أبي
الحصين يحيى بن الحصين، قارئ أهل مكة، أنه قال ذلك.
وهذا غريبٌ جدّاً، وخلاف ظاهر الآية، وكأنه اعتَقَد أن الإدراك في معنى
الرؤية، والله تعالى أعلم.
[وقال آخرون]: لا منافاة بين إثبات الرؤية، ونفي الإدراك، فإن الإدراك
أخصّ من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم، ثم اختَلَفَ هؤلاء

٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
في الإدراك المنفي ما هو؟ فقيل: معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلا هو،
وإن رآه المؤمنون، كما أن مَنْ رَأَى القمر، فإنه لا يُدرك حقيقته، وكُنْهه،
وماهيّته، فالعظيم أولى بذلك، وله المثل الأعلى.
[وقال آخرون]: المراد بالإدراك الإحاطة، قالوا: ولا يلزم من عدم
الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم، قال
تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، وفي ((صحيح مسلم)): ((لا أحصي
ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك))، ولا يلزم منه عدم الثناء، فكذلك هذا.
قال الْعَوْفِيّ، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ
يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ﴾ قال: لا يحيط بصر أحد بالْمَلِك(١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة
الْقَنّاد، حدثنا أسباط، عن سماك، عن عكرمة، أنه قيل له: ﴿لَا تُدْرِكُهُ
الْأَبْصَرُ﴾ قال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى، قال: فكلَّها تَرَى؟، وقال
سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في الآية: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرُِ
اْأَبْصَرّ﴾ وهو أعظم من أن تدركه الأبصار.
وقال ابن جرير: حدثنا سَعْد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا خالد بن
عبد الرحمن، حدثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي، في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِدٍ
قال: هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من
تَّاضِرَةُ ﴿َ إِلَى بِهَا نَاظِرَةٌ
عظمته، وبصره محيط بهم، فذلك قوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ اْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرُِ
الأَبْصَرّ﴾ .
[وقال آخرون] في الآية بما رواه الترمذي في ((جامعه)) (٣٢٧٩) وابن أبي
عاصم في ((كتاب السنة)) (٤٣٧)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره))، وابن مردويه
أيضاً، والحاكم في ((مستدركه)) (٢٣٠٦) من حديث الحكم بن أبان، قال:
سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه تبارك وتعالى،
فقلت: أليس الله يقول: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرّ﴾ الآية؟ فقال
لي: لا أُمَّ لك، ذلك نوره الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء، وفي
(١) أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) (١٣٦٩٤/١٢)، وعطيّة العوفيّ ضعيف.

٣٩
(٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ رَّ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبُرَ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٦)
رواية: لا يقوم له شيء، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم
يخرجاه.
وفي معنى هذا الأثر ما ثبت في ((صحيح مسلم)) (١٧٩) من حديث أبي
موسى الأشعري وظيفته، مرفوعاً: ((إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخفض
القسط، ويرفعه، يُرفَع إليه عمل النهار قبل الليل، وعمل الليل قبل النهار،
حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من
خلقه)) .
قال الإمام ابن كثير تَّتُهُ ما حاصله: نفيُ الإدراكِ الخاصِّ لا ينفي الرؤية
يوم القيامة، يتجلى لعباده المؤمنين كما يشاء، فأما جلاله وعظمته على ما هو
عليه تعالى وتقدس وتنزه، فلا تدركه الأبصار، ولهذا كانت أم المؤمنين
عائشة رضيّا تثبت الرؤية في الدار الآخرة، وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية
﴿لَا تُدْرِكُهُ اٌلْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِ﴾ فالذي نفته الإدراك الذي بمعنى رؤية
العظمة والجلال على ما هو عليه، فإن ذلك غير ممكن للبشر، ولا للملائكة،
ولا لشيء.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرّ﴾ أي يحيط بها، ويعلمها على ما هي
عليه؛ لأنه خلقها، كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
١٤
[الملك: ١٤]، وقد يكون عَبَّر بالأبصار عن المبصرين، كما قال السُّدّيّ في قوله:
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرّ﴾: لا يراه شيء، وهو يرى الخلائق.
وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ قال: اللطيف
باستخراجها، الخبير بمكانها، والله أعلم.
وهذا كما قال تعالى إخباراً عن لقمان فيما وعظ به ابنه: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَا إِن
تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَتِ أَوْ فِ اُلْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ
[لقمان: ١٦]. انتهى كلام ابن كثير تَخّْتُهُ(١)، وهو نفيسٌ
إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ ﴾
جدّاً، والله تعالى أعلم.
إذا أيضاً بآية أخرى على ما قالته من نفي الرؤية،
ثم استدلّت عائشة .
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٦/ ١٢٢ - ١٢٨.

٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فقالت: (أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيًّا أَوْ
٥١
مِن وَرَآٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِىٌّ حَكِيمٌ
[الشورى: ٥١]؟) هكذا في النسخ التي عندي، ﴿وَمَا كَانَ﴾ بالواو كما هو
التلاوة، وقال النوويّ في ((شرحه)): قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ هكذا هو في معظم
الأصول بحذف الواو، والتلاوةُ: ﴿وَمَا كَانَ﴾ بإثبات الواو، ولكن لا يضرّ هذا
في الرواية، والاستدلال؛ لأن المستدل ليس مقصوده التلاوة على وجهها،
وإنما مقصوده بيان موضع الدلالة، ولا يؤثِّر حذف الواو في ذلك، وقد جاء
لهذا نظائر كثيرة في الحديث، منها: قوله: ((فأنزل الله تعالى: ﴿أقم الصلاة
طرفي النهار﴾، وقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾)). هكذا هو في روايات
الحديثين في ((الصحيحين))، والتلاوة بالواو فيهما. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال النوويّ: في معظم النسخ، لكن
الواقع في النسخ الموجودة عندي بالواو كما هو التلاوة، حتى في النسخة التي
عليها شرح النوويّ، والنسخ التي شرحها الأبيّ، والسنوسيّ، ونسخة محمد
ذهني، وهي أحسن النسخ التي اعتمدت عليها في هذا الشرح غالباً، فكلها وقع
فيها كالتلاوة، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال الإمام ابن كثير تَخُّْ في تفسير هذه الآية ما نصّه: هذه مقامات
الوحي بالنسبة إلى جناب الله رَ، وهو أنه تبارك وتعالى تارةً يَقْذِف في رُوع
النبيّ وَ ﴿ شيئاً، لا يتمارى فيه أنه من الله رَّت، كما جاء في ((صحيح ابن
حبان)) عن رسول الله وَّر أنه قال: ((إن رُوح القدس نَفَثَ في رُوعي أن نفساً لن
تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله، وأجملوا الطلب)).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ﴾ كما كان لموسى عليه الصلاة
والسلام، فإنه سأل الرؤية بعد التكليم، فحُجِب عنها، وفي ((الصحيح)): أن
رسول الله و 8* قال لجابر بن عبد الله رؤيتها: ((ما كلَّم الله أحداً إلا من وراء
حجاب، وإنه كلَّم أباك كِفَاحاً(١))، كذا جاء في الحديث، وكان قد قُتل يوم
أُحُد، ولكن هذا في عالم البرزخ، والآية إنما هي في الدار الدنيا .
(١) أي مواجهةً، ليس بينهما حجاب، ولا رسول. اهـ. ((النهاية)) ١٨٥/٤.