Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْيٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ - حديث رقم (٤١٣)
وقد رُوِي أن أبا سفيان قال يوم أُحُد: اعْلُ هُبَلُ، فقال النبيّ وَّهِ: ((قولوا: الله
أعلى وأجل))، وقد صار هذا اللفظ بعرف الشرع في تكبير العبادات كلها، أذاناً،
وصلاةً، وذكراً بقوله: الله أكبر، وحُمِل عليه لفظ النبيّ وَّ الوارد على الإطلاق في
مواردَ، منها قوله: ((تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)) (١)، والشرع يقتضي بعرفه
ما يقتضي بعمومه، ومن موارده أوقات الإهلال بالذبائح لله؛ تخليصاً له من
الشرك، وإعلاناً باسمه في النسك، وإفراداً لِمَا شُرع منه لأمره بالسفك، وهذا
اللفظ ((الله أكبرُ)) هو المتعبَّد به في الصلاة، المنقول عن النبيّ وَلَّ(٢).
دخلت على معنى جواب
[تنبيه]: الفاء في قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَلِرْ
الجزاء، كما دخلت في ﴿فَأَذِرٌ﴾ أي: قُمْ، فأنذر، وقُمْ فكبّر ربك، قاله الزجاج،
وقال ابن جني: هو كقولك: زيداً فاضرب، أي: زيداً اضرب، فالفاء زائدة. انتهى.
(﴿وَثِيَكَ فَطَهِرْ ج﴾ [المدثر: ٤]) قال أبو عبد الله القرطبيّ تَخْذّتُهُ: فيه ثمانية
أقوال :
[أحدهما]: أن المراد بالثياب العمل.
[الثاني]: القلب.
[الثالث]: النفس.
[الرابع]: الجسم.
[الخامس]: الأهل.
[السادس]: الخُلُق.
[السابع]: الدين.
[الثامن]: الثياب الملبوسات على الظاهر.
فمن ذهب إلى القول الأول قال: تأويل الآية: وعَمَلك فأصلح، قاله
مجاهد، وابن زيد، ورَوَى منصور، عن أبي رَزِين قال: يقول: وعملك
فأصلح، قال: وإذا كان الرجل خبيث العمل قالوا: إن فلاناً خبيث الثياب،
وإذا كان حَسَن العمل قالوا: إن فلاناً طاهر الثياب، ونحوه عن السُّدّيّ، ومنه
قول الشاعر [من الرجز]:
(١) حديثٌ صحیح، رواه أبو داود.
(٢) راجع: ((تفسير القرطبيّ ١٩/ ٦٢.

٤٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أَوْذَمَ حَجّاً فِي ثِيَابِ دُسْم(١)
لَا هُمَّ إِنَّ عَامِرَ بْنَ جَهْم
ومن ذهب إلى القول الثاني قالَ: إن تأويل الآية: وقلبك فطهّر، قاله ابن
عباس، وسعيد بن جبير، ودليله قول امرئ القيس: [من الطويل]:
أَفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا الَّدَلُّلِ
وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ هَجْرِي فَأَجْمِلِي
وَإِنْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ
فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلٍ
أي: قلبي من قلبك، قال الماورديّ: ولهم في تأويل الآية وجهان:
أحدهما: معناه: وقلبك فطهِّر من الإثم والمعاصي، قاله ابن عباس وقتادة،
والثاني: وقلبك فطَهِّر من الغَدْر، أي: لا تَغْدِر، فتكون دَنِسَ الثياب، وهذا
مروي عن ابن عباس، واستشهد بقول غيلان بن سَلَمَة الثقفيّ [من الطويل]:
فَإِنِّي بِحَمْدِ الله لَا تَوْبَ فَاجِرٍ لَبِسْتُ وَلَا مِنْ غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ
ومن ذهب إلى القول الثالث قال: تأويل الآية: ونفسك فطَهِّر، أي: من
الذنوب، والعرب تَكْنِي عن النفس بالثياب، قاله ابن عباس، ومنه قول عنترة
[من الكامل]:
لَيْسَ الکَرِیمُ عَلَى القَنَا بِمُحَرَّمِ
فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَِّيلِ ثِيَابَهُ
وقال امرؤ القيس :
فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ
وقال [من الطويل]:
وَأَوْجُهُهُمْ بِيضُ المَسَافِرِ غُرَّانُ
ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ
أي: أنفس بني عوف.
ومن ذهب إلى القول الرابع قال: تأويل الآية: وجسمك فطهِّر، أي: عن
المعاصي الظاهرة، ومما جاء عن العرب في الكناية عن الجسم بالثياب قول
ليلى، وذكرت إيلاً [من الطويل]:
لَهَا شَبَهاً إِلَّ النَّعَامَ المُنَفَّرَا
رَمَوْهَا بِأَثْيَابٍ خِفَافٍ فَلَا تَرَى
أي رَكِبُوها، فرَمَوها بأنفسهم.
(١) ومعنى ((أوذم الحجّ)): أوجبه، ومعنى ((ثياب دُسْم)): متلطّخة بالذنوب؛ أي: إنه
حجّ، وهو متدنّس بالذنوب.

٤٢٣
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِّ - حديث رقم (٤١٣)
ومن ذهب إلى القول الخامس قال: تأويل الآية: وأهلك فطهّرهم من
الخطايا بالوعظ والتأديب، والعرب تسمي الأهل ثوباً، ولباساً، وإزاراً، قال الله
تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
قال الماورديّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما: معناه: ونساءك
فطهِّر باختيار المؤمنات العفائف، والثاني: الاستمتاع بهن في القبل دون الدبر،
في الطهر لا في الحيض.
ومن ذهب إلى القول السادس قال: تأويل الآية: وخُلُقك فَحَسِّن، قاله
الحسن، والقرظيّ؛ لأن خُلُق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على
نفسه، وقال الشاعر:
وَيَحْيَى لَا يُلَامُ بِسُوءِ خُلْقٍ
وَيَحْيَى طَاهِرُ الأَتْوَابِ حُرُّ
أي: حَسَنُ الأخلاق.
ومن ذهب إلى القول السابع قال: تأويل الآية: ودينك فطَهِّر، وفي
(الصحيحين)) عنه وَّل قال: ((ورأيت الناس، وعليهم ثياب، منها ما يبلغ الثدي،
ومنها ما دون ذلك، ورأيت عمر بن الخطاب وعليه إزار يجرُّه))، قالوا: يا
رسول الله، فما أوَّلت ذلك؟ قال: ((الدين))(١).
ورُوي عن مالك بن أنس رَظُه في قوله تعالى: ﴿وَثَكَ فَطِفِرْ
[المدثر: ٤] أي: لا تلبسها على غَدْرة، ومنه البيت المتقدّم:
ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى ... البيت.
يعني بطهارة ثيابهم سلامتهم من الدناءات، ويعني بغُرّة وجوههم تنزيهم
عن المحرمات، أو جَمَالهم في الخِلقة، أو كليهما، قاله ابن العربيّ.
وقال سفيان بن عيينة: لا تلبس ثيابك على كَذِب، ولا جَوْر، ولا غَدْر،
ولا إثم، قاله عكرمة، ومنه قول الشاعر:
(١) أخرجه الشيخان بلفظ ((القميص))، من حديث أبي سعيد الخدريّ ظ ◌ُبه: قال
رسول الله وَلجه: ((بينا أنا نائم رأيت الناس يُعْرَضون عليّ، وعليهم قُمُصِّ، منها ما
يبلغ الثُّدِيّ، ومنها ما دون ذلك، وعُرِض عليّ عمر بن الخطاب، وعليه قميص
يَجُرُّه))، قالوا: فما أوّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: ((الدين)).

٤٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أَوْذَمَ جَحّاً فِي ثِيَابٍ دُسْمٍ
أي: قد دَنَّسها بالمعاصي.
ومن ذهب إلى القول الثامن قال: إن المراد بها الثياب الملبوسات، فلهم
في تأويله أربعة أوجه:
[أحدهما]: معناه: وثيابك فَأَنْقِ.
[الثاني]: وثيابك فشَمِّر، وقَصِّر، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة،
فإذا انجرّت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها ما ينجسها، قاله الزجاج،
وطاوس.
[الثالث]: وثيابك فطهر من النجاسة بالماء، قاله محمد بن سيرين، وابن
زيد، والفقهاء.
[الرابع]: لا تلبس ثيابك إلا من كسب حلال؛ لتكون مُطَهَّرة من الحرام،
وعن ابن عباس: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طاهر.
قال ابن العربي بعدما ذكر بعض ما تقدّم: ليس بممتنع أن تُحْمَل الآية
على عموم المراد، فيها بالحقيقة والمجاز، وإذا حملناها على الثياب المعلومة
الطاهرة، فهي تتناول معنيين:
[أحدهما]: تقصير الأذيال؛ لأنها إذا أُرسلت تَدَنَّست.
[والثاني]: غسلها من النجاسة، وهو ظاهر(١).
وقال الحافظ ابن كثير ◌َُّ بعد ذكر بعض هذه الأقوال: وقال محمد بن
سيرين: ﴿وَثِيَبَكَ فَطَّهِرْ ﴾﴾ [المدثر: ٤]؛ أي: اغسلها بالماء، وقال ابن زيد:
كان المشركون لا يتطهرون، فأمره الله أن يتطهر، وأن يُطَهِّر ثيابه، قال: وهذا
القول اختاره ابن جرير، وقد تَشْمَل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب، فإن
العرب تُطْلِقٍ الثياب عليه، كما قال امرؤ القيس [من الطويل]:
وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ هَجْرِي فَأَجْمِلِي
أَفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا الَّدَلُّلِ
فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسَلِ
وَإِنْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مِنِّي خَلِيفَةٌ
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن أن الأحسن حمل الآية على هذه
(١) راجع: ((تفسير القرطبيّ)) ٦١/١٩ - ٦٦ ((تفسير سورة المدثّر)).

٤٢٥
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ الله ◌ِ - حديث رقم (٤١٣)
المعاني كلّها، كما سبقت الإشارة في كلام ابن العربيّ، وابن كثير؛ لأنها
تحتملها، فحملها على الجميع أولى، والله تعالى أعلم.
﴿﴿وَاَلُّجْزَ فَأَهْجُرْ جَ﴾ [المدثر: ٥]))) قرأ الأكثرون بكسر الراء، وقرأ حفص
بضمها، وفسّره في الكتاب هنا بالأوثان، وكذا قاله جماعات من المفسرين،
والرِّجز في اللغة: العذاب، وسُمِّي الشرك وعبادة الأوثان رِجْزاً؛ لأنه سبب
العذاب، وقيل: المراد بالرجز في الآية: الشرك، وقيل: الذنب، وقيل:
الظلم، ذكر هذه الأقوال كلها النوويّ.
وقال البخاريّ في (صحيحه)): يقال: الرجز: العذاب، قال في ((الفتح)):
هو قول أبي عُبيدة. انتهى.
وقال ابن كثير نَّتُهُ: قوله تعالى: ﴿وَاَلُّجْزَ فَأَهْجُرُ ﴾﴾ قال علي بن أبي
طلحة، عن ابن عباس ظًا: والرجز، وهو الأصنام، فاهجر، وكذا قال
مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والزهريّ، وابن زيد: إنها الأوثان، وقال إبراهيم
والضحاك: ﴿وَالرُّجْزَ فَأَهْجُرْ ﴾﴾: أي: اترك المعصية.
وعلى كل تقدير فلا يَلْزم تَلَبُّسه بشيء من ذلك، كقوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ أَتَّقِ
اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١]، وقال موسى لأخيه هارون: ﴿اَخْلُفْنِى
فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢]. انتهى كلام ابن كثير نَّتُهُ.
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: قوله تعالى: ﴿وَاَلُّجْزَ فَأَهْجُزْ ®]﴾ قال مجاهد،
وعكرمة: يعني الأوثان، دليله قوله تعالى: ﴿فَاجْتَلِبُواْ الرَّحْسَ مِنَ اُلْأَوْثَانِ﴾
[الحج: ٣٠]، قاله ابن عباس، وابن زيد، وعن ابن عباس أيضاً: والمآثمَ فاهجر،
أي: فاترك، وكذا رَوَى مغيرة عن إبراهيم النخعيّ قال: الرجز: الإثم، وقال
قتادة: الرجز: إِسَاف ونائلة، صنمان كانا عند البيت، وقيل: الرجز: العذاب،
على تقدير حذف مضاف، والمعنى: وعمل الرجز فاهجر، أو العمل المؤدي إلى
العذاب، وأصل الرجز: العذابُ، قال الله تعالى: ﴿لَبِن كَشَفْتَ عَنَّا الْرِّجْزَ لَتُؤْمِنَنَّ
لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، وقال تعالى: ﴿فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَآءِ﴾
[الأعراف: ١٦٢]، فسُمِّيت الأوثان رجزاً؛ لأنها تؤدي إلى العذاب.
وقراءة العامة ﴿الرِّجْزُ﴾ بكسر الراء، وقرأ الحسن، وعكرمة، ومجاهد،
وابن مُحَيصن، وحفص عن عاصم: ﴿وَاَلُّجْزَ﴾ بضم الراء، وهما لغتان، مثل

٤٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الذِّكْر والذُّكْر، وقال أبو العالية والربيع: رَوَينا الرجز بالضم: الصنم، وبالكسر:
النجاسة والمعصية، وقال الكسائيّ أيضاً: بالضم: الوَثَن، وبالكسر: العذاب(١).
وقوله: (وَهِيَ الْأَوْثَانُ) هذا التفسير من قول أبي سلمة، كما صرّح به في
رواية عُقيل التالية، ولفظه: ((وقال أبو سلمة: والرجز: الأوثان)).
قال في ((الفتح)): تفسير الأوثان بالرجز تفسير معنًى، أي: اهجُر الرجز،
أي العذاب، وهي الأوثان، وقال الكرمانيّ: فسّر المفرد بالجمع؛ لأنه اسم
جنس، وعند ابن مردويه من طريق محمد بن كثير، عن معمر، عن الزهريّ في
هذا الحديث: و((الرجز)) بضم الراء، وهي قراءة حفص عن عاصم، قال أبو
عبيدة: هما بمعنى، ويُروى عن مجاهد، والحسن: بالضمّ اسم الصنم،
وبالکسر اسم العذاب. انتھی(٢).
(قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْيُ) أي: استمرّ نزوله، ولفظ عُقيل: ((ثمّ حَمِيَ الوحيُّ
بَعْدُ وتتابع))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ظنّها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤١٣/٧٩ و٤١٤ و٤١٥ و٤١٦
و٤١٧] (١٦١)، و(البخاريّ) في ((بدء الوحي)) (٤)، و((بدء الخلق)) (٣٢٣٨)،
و((التفسير)) (٤٩٢٣ و٤٩٢٤ و٤٩٢٥ و٤٩٢٦ و٤٩٥٤)، و((الأدب)) (٦٢١٤)،
و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٣٢٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٤ و٣٥)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٢٩ و٣٣٠ و٣٣١ و٣٣٢ و٣٣٣ و٣٣٤ و٣٣٥)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤٠٨ و٤٠٩ و٤١٠ و٤١١ و٤١٢)، وفي ((دلائل
النبوّة)) (٢٧٨/١)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (٩٠/٢٩)، و(البيهقيّ) في ((دلائل
النبوّة)) (١٣٨/٢ - ١٥٥ - ١٥٦)، والله تعالى أعلم.
(١) المصدر السابق ٦٦/١٩ - ٦٧.
(٢) ((الفتح)) ٥٤٧/٨ (كتاب التفسير))، ((سورة المدّثّر)).

٤٢٧
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّرِ - حديث رقم (٤١٣)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (ومنها): بيان انقطاع الوحي عن رسول الله وَلاول بعد نزول قوله ريحمن:
﴿ اقْرَأْ﴾
٢ - (ومنها): جواز تحدّث الإنسان بما حصل له من المِحن بعد زوالها؛
شكراً لله تعالى.
٣ - (ومنها): بيان أن أوّل ما نزل قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
[المدثر: ١] بعد نزول ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وهذا هو الصواب؛ لأن
حديث عائشة ◌ُها نصّ صريح في ذلك.
٤ - (ومنها): جواز رفع البصر إلى السماء عند وجود حادث من قبلها،
وقد ترجم له البخاريّ في ((كتاب الأدب))، ويدلّ عليه قوله رَتْ: ﴿أَفَلاَ يَنْظُرُونَ
إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٣) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ
[الغاشية: ١٧ - ١٨]، فقد
حثّ الله وَلَ على النظر إلى السماء، والتفكّر فيها.
وفيه ردّ على من كره ذلك، كما أخرجه الطبريّ عن إبراهيم التيميّ، وعن
عطاء السلميّ أنه مكث أربعين سنة لا ينظر إلى السماء تخشّعاً، وهذا تنطّع غير
مرضيّ، فإن هدي النبيّ وَل خلافه، فقد كان يرفع رأسه إلى السماء كما في
هذا الحديث، وكما في رفعه عند قراءته بَ ﴿ في الليل لآية ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَاْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] الآيات، وغير ذلك، ويُعتذر عن عطاء وغيره بأنه لم
تصل إليه هذه السنّة، والله تعالى أعلم.
نعم يُستثنى من ذلك رفع البصر إلى السماء في الصلاة؛ لثبوت النهي
عنه، فقد أخرج البخاريّ، عن أنس بن مالك ظُه قال: قال النبيّ وَّ: ((ما
بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم))، فاشتَدّ قوله في ذلك حتى
قال: ((لَيَنْتَهُنّ عن ذلك، أو لَتُخطَفَنّ أبصارهم)).
وأخرج المصنّف، عن أبي هريرة ◌َظُهُ أن رسول الله وَله قال: ((لَيَنْتَهِيَنّ
أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء، أو لَتُخْطَفَنَّ
أبصارهم)).
ورَوَى ابن السنيّ بإسناد ضعيف، عن ابن مسعود ◌َُّه قال: ((أُمِرنا أن لا
نُتْبع أبصارنا الكواكب إذا انقَضَّت)).

٤٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٥ - (ومنها): كرامة جبريلنُلَّه حيث يقدر أن يجلس على كرسيّ في
الهواء دون أن يكون تحته شيء من الأعمدة ونحوها .
٦ - (ومنها): ما قال القاضي عياض نَّهُ: في هذا الحديث تحقيقُ العلم
بتصوّر الملائكة على صور مختلفة، وإقدار الله تعالى لهم على التركيب في أيّ
شكل شاؤوا من صُور بني آدم وغيرها، وأن لهم صُوَراً في أصل خِلْقتهم
مخصوصة بهم، كلّ منهم على ما خُلق عليه وشُكّل. انتهى(١).
٧ - (ومنها): بيان كيفيّة معالجة من أصابه فزع، وهو أن يلفّف بالثوب،
ويُصبّ عليه ماء بارد، حيث قال ◌َل# في رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي
سلمة الآتية: ((فَدَثَّرُوني، فصبّوا عليّ ماءً بارداً)).
٨ - (ومنها): جواز مناداة الشخص بما هو متلبّسٌ به، كأن يكون نائماً،
فيقال له: يا نائم، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾﴾ [المدثر: ١]، وقال:
﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴾﴾ [المزمل: ١]، فقد نادى الكريم ◌ُعَلَ حبيبه وَّل بما تلبّس به،
وعَبّر عنه بصفته ملاطفة في الخطاب، ولم يقل: يا محمد، ويا فلان؛ ليستشعر
اللِّين والملاطفة من ربه، ومثله قول النبيّ وَّ لعلي ظُّه؛ إذ نام في المسجد:
((قُمْ أبا تراب))، وكان خرج مغاضِباً لفاطمة ◌ّا، فسقط رداؤه، وأصابه ترابه،
ليلة الخندق: «قُمْ يا
وقصّته في ((الصحيحين))، ومثله قوله ﴿ لحذيفة
نَومان)»، وقصته في ((صحيح مسلم)).
٩ - (ومنها): وجوب القيام بالدعوة إلى الله تعالى، وإنذار المعرضين
وتبشير المطيعين.
١٠ - (ومنها): وجوب التكبير في الصلاة، كما حَمَل عليه بعض العلماء
[المدثر: ٣].
قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَتِرْ
١١ - (ومنها): وجوب تطهير الثياب للصلاة، وقد استدلّ الإمام
الشافعيّ كَثْتُهُ وغيره على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَثَابَكَ فَطَِّرْ ﴾﴾ [المدثر: ٤]،
وقال ابن سيرين، وابن زيد: لا تصلّ إلَّا في ثوب طاهر، قال القرطبيّ:
(١) ((إكمال المعلم)) ١/ ٦٥٢.

٤٢٩
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَطِّـــ حديث رقم (٤١٣)
وليست عند مالك وأهل المدينة بفرض، وكذلك طهارة البدن، ويدل على ذلك
الإجماع على جواز الصلاة بالاستجمار من غير غسل. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالوجوب هو الحقّ، وأما
الاستدلال بمسألة الاستجمار، فغير صحيح؛ لأن الشارع جعل الاستجمار
طهارة صحيحة، وإن بقي أثر الخارج؛ تخفيفاً على الناس، فتبصّر، ولا تكن
أسير التقليد.
١٢ - (ومنها): تقصير الثوب وعدم إرساله تحت الكعبين؛ لأنه أنقى
وأتقى، كما صحّ عن عمر بن الخطاب رؤيته أنه قال لشابّ من الأنصار، وقد
رَآه يمسّ إزاره الأرض: يا ابن أخي ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى
لربّك(١) .
وقد قال النبيّ وَله: ((إِزْرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما
بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من ذلك ففي النار))(٢).
فقد جعل النبيّ * الغاية في لباس الإزار الكعب، وتوعد ما تحته
بالنار، فما بال رجال يُرسلون أذيالهم، ويطليون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها
بأيديهم، وهذه حالة الكبر، وقائدة العُجب، وأشدّ ما في الأمر أنهم يَعصُون،
ويُنَجِّسون، ويلحقون أنفسهم بمن لم يجعل الله معه غيره، ولا ألحق به سواه،
قال النبيّ وَّرِ: ((لا ينظر الله إلى مَن جَرّ ثوبه خيلاء))، ولفظ ((الصحيح)): ((مَن
جَرَ إزاره خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة))، قال أبو بكر تظله: يا رسول الله
إن أحد شقي إزاري يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه، قال رسول الله وَله :
(لست ممن يصنعه خيلاء))، فَعَمَّ رسول الله وَّر بالنهي، واستثنى الصدّيق، فأراد
الأدنياء إلحاق أنفسهم بالرفعاء، وليس ذلك لهم.
(١) رواه البخاريّ في ((صحيحه)) في ((المناقب)) رقم (٣٧٠٠).
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد في ((مسنده)) بلفظ (١١٤٨٩): ((إِزْرة المؤمن إلى
نصف الساق، ولا حرج، - أو لا جُناح - فيما بينه وبين الكعبين، ما كان أسفل
من الكعبين فهو في النار، ومن جرَّ إزاره بطراً لم ينظر الله إليه))، وأصله في
((الصحيح)).

٤٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
١٣ - (ومنها): وجوب هجر الأوثان، وسائر المعبودات من دون الله
تعالى، ووجوب إخلاص التوحيد لله ◌ُعَلَ .
١٤ - (ومنها): بيان فضل الله ◌ُعَلَ على نبيّه ◌َليل حيث أفاض عليه وحيه
دون انقطاع حتى فارق الدنيا، قال رَى: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ
وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمَّ وَكَانَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤١٤] (.) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي
أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا
سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَلـ
يَقُولُ: (ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِّي فَتْرَةً، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي))، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثٍ يُونُسَ،
غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَجُثِنْتُ مِنْهُ فَرَقاً، حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ»، قَالَ: وَقَالَ أَبُو
سَلَمَةَ: ﴿وَلُّجْزَ﴾ الْأَوْثَانُ، قَالَ: ((ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ بَعْدُ، وَتَتَابَعَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة، وكلهم تقدّموا قبل حديث، سوى الصحابيّ،
وأبي سلمة، فقد ذكرا في الحديث الماضي.
وقوله: (فَبَيْنَا أَنَا) وفي نسخة: ((فبينما أنا)).
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثٍ يُونُسَ) وفي نسخة: ((ثم ذَكَر بمثل ...
إلخ))، والضمير لعُقيل.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَجُثِئْتُ مِنْهُ فَرَقاً) بضم الجيم، ثم همزة
مكسورة، ثم ثاء مثلّثة، مبنيّاً للمفعول، هو بمعنى ((جُثِئْتُ)) بثاءين؛ أي:
فَزِعتُ وخِفْتُ.
وقوله: (حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ))) - بفتح الهاء، وفتح الواو - بمعنى
سقطت، وقال النوويّ كَّتُهُ: قوله: هَوَيْتُ إلى الأرض هكذا في الرواية:
((هَوَيْتُ))، وهو صحيح، يقال: هَوَى إلى الأرض، وأهوى إليها لغتان؛ أي:

٤٣١
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْي إِلَى رَسُولِ اللهِ وَارِ - حديث رقم (٤١٤)
سَقَطَ، وقد غَلِطَ، وجَهِلَ مَن أنكر ((هَوَى))، وزَعَم أنه لا يقال: إلا أهوى.
(١)
انتھی(١).
وقال المجد رَّتُهُ: هَوَى الشيءُ: سَقَطَ، كَأَهْوَى، وانْهَوَى. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ كَّتُ: هَوَى يَهْوِي، من باب ضَرَبَ هُوِيّاً بضمّ الهاء،
وفتحها، وزاد ابن القُوطيّة: هَوَاءً بالمدّ: سَقَطَ من أعلى إلى أسفل، قاله أبو
زيد وغيره، قال الشاعر:
هُوِيَّ الدَّلْوِ أَسْلَمَهَا الرِّشَاءُ
يُروَى بالفتح، والضمّ، واقتصر الأزهريّ على الفتح، وهَوَى يَهْوِي أيضاً
هُوِيّاً بالضمّ لا غيرُ: إذا ارتفع، قال الشاعر:
يَهْوِي مَخَارِمَهَا هُوِيَّ الأَجْدَلِ
وقال الآخر:
وَالدَّلْوُ فِي إِصْعَادِهَا عَجْلَى الهُوِي
وَهَوَت العُقَابُ تَهْوِي هَوِيّاً، وهُوِيّاً: انْقَضَّت على صيد أو غيره ما لم
تُرِغْهُ، فإذا أراغته قيل: أهْوَت له بالألف، والإراغة ذهاب الصيد هكذا
وهكذا، وهي تتبعه، وهَوَى يَهْوِي: مات، وسَقَطَ في مَهْوَاةٍ من شَرَفٍ هَوِيّاً
وهُوِيّاً وهَوَاءً بالمدّ. انتهى (٣).
[تنبيه]: هذا الذي سبق من أن ضبط هَوَى بفتح الواو، من باب ضرب
إذا لم يكن بمعنى أحبّ، وإلا فهو بكسر الواو، يقال: هَوِيتُ الشيءَ أَهواه،
من باب تَعِبَ: إذا أحببته، وعَلِقتَ به، وهو لا يناسب هنا، فما يوجد في
بعض نسخ مسلم مضبوطاً بكسر الواو، فهو غلط، إلا أن يُحمل على لغة طيء
الذين يقولون: بَقَى يبقَى، وفَنَى يفنَى بفتح العين في الماضي والمضارع، فتنبّه،
والله تعالى أعلم.
وقوله: (ثُمَّ حَمِيَ بَعْدُ الوحيُّ) - بفتح الحاء المهملة، وكسر الميم -
و((الوحيُ)) مرفوع على الفاعليّة؛ أي: جاء كثيراً.
(١) ((شرح النوويّ)) ص٢٠٧.
(٣) ((المصباح)) ٢/ ٦٤٣.
(٢) ((القاموس)) ص١٢١١.

٤٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقوله: (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها، أي:
بعد نزول هذه الآية، وهو ظرف متعلّق بـ(حَمِيَ)).
قال في ((الفتح)): فيه مطابقة لتعبيره عن تأخّره بالفتور؛ إذ لم ينتهِ إلى
انقطاع كليّ، فيوصف بالضدّ، وهو البرد.
وقوله: (وتتابع))) تأكيد معنويّ لـ((حَمِي))، ويحتمل أن يراد بـ((حَمِي)):
قَوِي، وبـ((تتابع)): تكاثر، ووقع في رواية الكشميهني، وأبي الوقت: ((وتواتر))،
والتواتر: مجيء الشيء يتلو بعضه بعضاً من غير تخلّل(١).
وقال القاضي عياض تَخْلُهُ: قوله: ((ثم حَمِيَ الوحيُّ، وتتابع)) الكلمتان
هما بمعنَى واحد، فأَكَّد أحدهما بالآخر، ومعنى حَمِيَ: كثر نزوله، وقوي
أمره، وازداد، من قولهم: حَمِيَتِ النارُ والشمسُ؛ أي: قَوِيَتْ حرارتُها، ومنه
حَمِيَ الوَطِيسُ؛ أي: قَوِيَ حرّه واشتدّ، ثم استُعير في الحرب. انتهى(٢).
[تنبيه]: رواية عُقيل هذه التي أحالها المصنّف على رواية يونس، ساقها
الإمام البخاريّ كَُّ في ((صحيحه))، فقال:
(٣٢٣٨) حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا الليث، قال: حدثني عُقَيل، عن
ابن شهاب، قال: سمعت أبا سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله مثبتًا أنه سمع
النبيّ وَّهِ يقول: ((ثم فَتَرَ عني الوحي فَتْرَةً، فبينا أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء،
فرَفَعْتُ بصري قِبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعدٌ على كرسيّ بين
السماء والأرض، فجُثِثت(٣) منه حتى هَوَيْتُ إلى الأرض، فجِئْتُ أهلي، فقلت:
زَمِّلوني زملوني، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ قُرْ فَأَذِرْ ﴾﴾ [المدثر: ٢،١]
@﴾ [المدثر: ٥]))، قال أبو سلمة: والرجزُ الأوثانُ. والله
إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((الفتح)) ٣٨/١.
(٢) ((إكمال المعلم)) ١/ ٦٥٢.
(٣) وقع في رواية أبي ذرّ: ((فَجُئِئْتُ)) بثاءين، وهو الموافق لرواية مسلم، ووقع في
رواية غيره: ((فَجُئِئتُ)) بهمزة، ثم ثاء مثلّثة، ومعلوم لدى المحقّقين أن أبا ذرّ
الهرويّ أتقن من روى صحيح البخاريّ، ولذا اعتمد عليها الحافظ في شرحه ((فتح
الباري))، فينبغي الاعتماد عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

٤٣٣
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْي إِلَى رَسُولِ الله وَّهِ - حديث رقم (٤١٥)
ـســ
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤١٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ يُّونُسَ، وَقَالَ: ((فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارََ
[المدثر:
﴾﴾ [المدثر: ١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَآَلُّجْزَ فَلَهْجُرْ
وَتَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (
٥]))، قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ، وَهِيَ الْأَوْثَانُ، وَقَالَ: ((فَجُثْتُ مِنْهُ) كَمَا قَالَ عُقَيْلٌ).
رجال هذا الإسناد: أربعة، كلّهم تقدّموا قريباً.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد الزهريّ الماضي، وهو: عن أبي
سلمة، عن جابر بن عبد الله پا.
وقال: (وَقَالَ: ((فَأَنْزَلَ اللهُ ... إلخ) الضمير لمعمر، يعني: أن معمراً خالف
يونس، وذلك أن يونس ساق الآيات كلّها، وأما معمر، فقال: إلى قوله:
﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾﴾، وزاد: ((قبل أن تُفرض الصلاة)).
وقوله: (قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ) يعني: أن هذه الواقعة كانت قبل أن
يَفرض الله تعالى الصلوات الخمس؛ لأن فرضها كان ليلة الإسراء، وذلك بعد
البعثة بخمس سنين.
وقال في ((الفتح)): وكأنه أشار بقوله: ((قبل أن تُفرض الصلاة)) إلى أن
تطهير الثياب كان مأموراً به قبل أن تُفرض الصلاة. انتهى.
وقوله: (وَهِيَ الْأَوْثَانُ) هذا من قول أبي سلمة تَخْتُهُ، كما صُرّح به في
الرواية التي قبله.
وقوله: (فَجُثِثْتُ مِنْهُ) يعني بثاءين مثلثتين، مبنيّاً للمفعول، كما سبق في
رواية عُقيل بن خالد التي قبله.
[تنبيه]: رواية معمر هذه التي أحالها المصنّف على رواية يونس ساقها
الإمام البخاريّ تَظْتُ في (صحيحه))، فقال:
(٤٩٢٥) حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن
شهاب، (ح) وحدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر،
قال الزهري: فأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله

٤٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال: سمعت النبيّ وَ ◌ّر، وهو يُحَدِّث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: ((فبينا
أنا أمشي، إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني
بحراء جالسٌ على كرسي بين السماء والأرض، فجُثِئت(١) منه رعباً، فرَجَعْت،
فقلت: زمّلوني زملوني، فَدَثَّروني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾﴾ [المدثر:
١] إلى ﴿وَاُلُّجْزَ فَأَهْجُزْ ﴾﴾ [المدثر: ٥]))، قبل أن تُفْرَض الصلاة، وهي الأوثان،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤١٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا(٢)
الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ: أَُّّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟
[المدثر: ١]، فَقُلْتُ: أَوِ ﴿أَقْرَأْ﴾، فَقَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ
قَالَ: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّغِّرُ
عَبْدِ اللهِ: أَُّ الْقُرْآنِ أَنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿وَيُّهَا الْمُدَّثُِّ ﴾﴾ [المدّثّر: ١]، فَقُلْتُ: أَوِ
﴿أَقْرَأْ﴾، قَالَ جَابِرٌ: أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ وَّةِ، قَالَ: ((جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ
شَهْراً، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي، نَزَلْتُ، فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي، فَنُودِيتُ، فَتَظَرْتُ
أَمَامِي، وَخَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، فَلَمْ أَرَ أَحَداً، ثُمَّ نُودِيتُ، فَتَظَرْتُ،
فَلَمْ أَرَ أَحَداً، ثُمَّ نُودِيتُ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ - يَعْنِي:
جِبْرِيلَ عَّهِ - فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَقِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي،
فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءَ، فَأَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿وَيُّهَا الْمُدَِّرُ ﴿ قُرْ فَذِرْ ﴿ وَرَبَّكَ فَكَّيِّرْ
٣
وَثِيَبَكَ فَطَهِّرْ ﴾﴾ [المدّثّر: ١ - ٤]))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
(١) هكذا وقع في رواية أبي ذرّ: ((فَجُثئتُ)) بثاءين، وهو الموافق لرواية مسلم، ووقع
في رواية غيره: ((فَجُئِئْت)) بهمزة، ثم ثاء؛ فَلْيُتَنِبَّه.
(٢) وفي نسخة: ((حدّثني)).

٤٣٥
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ◌ّر - حديث رقم (٤١٦)
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة،
يدلّس تدليس التسوية [٨] (ت١٩٤َّ) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٨/١٠.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) هو: عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عَمرو
الفقيه، ثقةٌ ثبت إمام [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ،
يدلّس، ويُرسل [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(قَالَ) الأوزاعيّ (سَمِعْتُ يَحْيَى) بن أبي كثير (يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن
عبد الرحمن بن عوف (أَيُّ الْقُرْآنِ أَنْزِلَ قَبْلُ؟) هي من الظروف المبنيّة على
الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها، كما سبق قريباً في ((بَعْدُ))، أي: في
أول الأمر، وفي رواية البخاريّ: أي القرآن أُنزل أول؟. (قَالَ) أبو سلمة: أول
[المدثر: ١]) قال يحيى بن
ما نزل من القرآن قوله تعالى: (﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
أبي كثير: (فَقُلْتُ: أَوِ ﴿اقْرَأْ﴾) أي: بل الأول سورة ﴿اقْرَأْ﴾، فـ((أو)) بمعنى (بل))
الإضرابيّة.
وفي رواية البخاريّ من طريق حرب بن شدّاد، عن يحيى: ((فقلت: أُنبئت
أنه ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]»، وفي رواية أبي داود الطيالسيّ، عن حرب:
((قلت: إنه بلغني أنه أول ما نَزَل ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾)).
قال في ((الفتح)): ولم يُبَيِّن يحيى بن أبي كثير مَن أنبأه بذلك، ولعله يريد
عروة بن الزبير، كما لم يبيّن أبو سلمة مَن أنبأه بذلك، ولعله يريد عائشة، فإن
الحديث مشهور عن عروة، عن عائشة كما تقدم من طريق الزهريّ عنه مُطَوَّلاً .
انتھی .
(فَقَالَ) أبو سلمة (سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) عَّا (أَيُّ الْقُرْآنِ أَنْزِلَ قَبْلُ؟
قَالَ: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾﴾ [المدّثّر: ١]) هذا محمول على أن المراد بالأولية أولية
مخصوصة بما بعد فترة الوحي، بدليل قوله: ((فإذا الملك الذي جاءني بحراء
جالس على كرسيّ بين السماء والأرض)»، أو مخصوصة بالأمر بالإنذار، لا أن

٤٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
المراد أنها أولية مطلقة، فيُحمل قول من قال: أول ما نزل ﴿اقْرَأَ﴾ على أنه أراد
أولية مطلقة، ومن قال: إنها المدثر أراد بقيد التصريح بالإرسال.
[المدثر: ١ ]
قال الكرمانيّ: استَخْرَج جابر أول ما نزل ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّ (١)
باجتهاد، وليس هو من روايته، والصحيح ما وقع في حديث عائشة
.
بقید السبب،
وقيل: يحتمل أن تكون الأولية في نزول ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّفِرُ
أي: هي أول ما نزل من القرآن بسببٍ مُتَقَدِّم، وهو ما وقع من التدثر الناشئ
عن الرُّعْب، وأما ﴿اقْرَأْ﴾ فنزلت ابتداءً بغير سبب متقدم، ولا يخفى بُعْدُ هذا
الاحتمال، ذكره في ((الفتح)) (١).
وقال النوويّ تَخْدَثُ: القول بأن أول ما أُنزل قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
ضعيف، بل باطل، والصواب أن أول ما أنزل على الإطلاق ﴿اقْرَأْ بِأَسْرٍ
رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] كما صُرِّح به في حديث عائشة ◌َّنَا، وأما ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
فكان نزولها بعد فترة الوحي، كما صُرِّح به في رواية الزهريّ، عن أبي سلمة،
عن جابر نظُه. والدلالة صريحة فيه في مواضع، منها: قوله: ((وهو يحدِّث عن
فترة الوحي)) ... إلى أن قال: ((فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَِّرُ ﴾﴾))، ومنها:
قوله وَّير: ((فإذا الملك الذي جاءني بحراء)»، ثم قال: ((فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الْمُدَّفِرُ ﴾﴾))، ومنها: قوله: ((ثم تتابع الوحي))، يعني: بعد فترته، فالصواب أن
أوّلَ ما نَزَل ﴿اقْرَأَ﴾، وأن أول ما نَزَل بعد فترة الوحي ﴿وَأَتُهَا الْمُدَُّ ﴾﴾، وأما
قول من قال من المفسرين: إنّ أول ما نزل الفاتحة، فبطلانه أظهر من أن
يُذْكَر. انتهى كلام النوويّ كَّفُ(٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وفي أول سورة نزلت قول آخرُ نُقِل عن عطاء الخراسانيّ قال: ((المزمل))
نزلت قبل ((المدثر))، وعطاءٌ ضعيف، وروايته مُعْضَلَةٌ؛ لأنه لم يثبت لقاؤه
الصحابي معين، وظاهر الأحاديث الصحيحة تدلّ على تأخّر المزمل؛ لأن فيها
ذكر قيام الليل وغير ذلك مما تراخى عن ابتداء نزول الوحي، بخلاف المدثر،
﴾ [المدثر: ٢].
فإن فيها ﴿قُرْ نَذِرْ
(١) ((الفتح)) ٥٤٦/٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠٧/٢ - ٢٠٨.

٤٣٧
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْيٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ - حديث رقم (٤١٦)
وعن مجاهد: أول سورة نزلت ﴿تْ وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]، وأول سورة
﴾ [المطففين: ١]، وهذا أيضاً ضعيف.
نزلت بعد الهجرة ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
(أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ،
(فَقُلْتُ: أَوِ ﴿اقْرَأْ﴾، قَالَ جَابِرٌ)
قَالَ: ((جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْراً) وفي مرسل عُبيد بن عُمير ما يدلّ على أنه شهر
رمضان (فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي) بكسر الجيم مصدر جاور، يقال: جاور جِوَاراً،
ومجاورةً، قال في ((الخلاصة)):
لِفَاعَلَ الفِعَالُ وَالمُفَاعَلَهْ وَغَيْرُ مَا مَرَّ السَّمَاعُ عَادَلَهْ
(نَزَلْتُ) أي: من جبل حراء (فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي) أي: صِرتُ في باطنه
(فَنُودِيتُ) أي: ناداني الملك (فَتَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَلَمْ
أَرَ أَحَداً، ثُمَّ نُودِيتُ، فَنَظَرْتُ، فَلَمْ أَرَ أَحَداً، ثُمَّ نُودِيتُ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي) أي: إلى
السماء (فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ) وفي رواية عليّ بن المبارك التالية: ((فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ
عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ))، و((إذا)) هي الفُجائيّة، والمراد بالعرش هو
الكرسيّ الذي سبق في الرواية الماضية، قال أهل اللغة: العرش هو السرير، وقيل:
سرير الملك، قال الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] (فِي الْهَوَاءِ) بالمدّ،
ويُكتب بالألف: هو الجَوّ الذي بين السماء والأرض، والهواء: الخالي، قال الله
تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، وقوله: (- يَعْنِي جِبْرِيلَ ظلّها -) هذه العناية
من بعض الرواة، ويحتمل أن تكون من جابر رظله أو من دونه، والله تعالى أعلم
(فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ) بفتح الراء، وسكون الجيم: المرّة من الرّجف، يقال:
رَجَفَ الشيءُ رَجْفاً، من باب نصر، ورَجِيفاً، ورَجَفَاناً: إذا تحرّك، واضطرب.
وقال النوويّ كَّثُهُ: قوله: ((فأخذتني رَجْفة شديدة)) هكذا هو في الروايات
المشهورة: ((رَجْفة)) بالراء، قال القاضي: ورواه السمرقنديّ: ((وَجْفَةٌ)) بالواو،
وهما صحيحان، متقاربان، ومعناهما الاضطراب، قال الله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَهِدٍ
[النازعات: ٨]، وقال تعالى:
وَاجِفَةٌ
(٦)) [النازعات:
الرَّاجِفَةُ
٦]، وقال: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَاَلْجِبَالُ﴾ الآية [المزمل: ١٤]. انتهى (١).
(فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ) ◌َّا (فَقُلْتُ: دَفِّرُونِي) هو بمعنى زمّلوني، أي: لَفّفوني
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٨/٢.

٤٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(فَدَثَرُونِي، فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً) هكذا رواية المصنّف بصيغة الماضي، وفي رواية
البخاريّ: ((وصُبُّوا عليّ ماءً بارداً)، فيكون معنى ما هنا أنه أمرهم بالصبّ،
فصبّوا عليه، وفيه أنه ينبغي أن يُصَبّ على الفَزِعِ الماء؛ ليسكن فَزَعه(١).
(فَأَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿ قُمِ اَلَّيْلَ إِلَّا قِيلًا ﴾ نِصْفَهُ أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ
قَلِيلًا ﴿ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ نَّرِلًا ﴾﴾ [المزمل: ١ - ٤]))) تقدّم شرح الآيات
مفصّلاً قريباً، فلا تنسَ.
[تنبيه]: استشكل في ((الفتح)) رواية يحيى هذه، فقال: والمشكل من رواية
يحيى بن أبي كثير قوله: ((جاورت بحراء شهراً، فلما قَضَيتُ جواري نزلت،
فاستبطنت الوادي، فنوديت ... إلى أن قال: فرفعت رأسي، فإذا هو على
العرش في الهواء - يعني: جبريل - فأتيت خديجة، فقلت: دَثِّروني)).
قال: ويزيل الإشكال أحد أمرين: إما أن يكون سقط على يحيى بن أبي
كثير وشيخه من القصة مجيء جبريل بحراء بـ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وسائر
ما ذكرته عائشة ﴿يا، وإما أن يكون جاور وَ له بحراء شهراً آخر، فقد تقدم أن في
مرسل عُبيد بن عُمير عند البيهقيّ أنه كان يجاور في كل سنة شهراً، وهو رمضان،
وكان ذلك في مُدّة فترة الوحي، فعاد إليه جبريل بعد انقضاء جواره. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تخريج الحديث، وفوائده تقدّمت قريباً، فلا
حاجة إلى إعادتها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجَّاجِ تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٤١٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا
عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنٍ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ(٣): ((فَإِذَا هُوَ
جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ))).
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٨/٢.
(٢) ((الفتح)) ٥٤٦/٨ ((كتاب التفسير)) رقم (٤٩٢٤).
(٣) وفي نسخة: ((قال: فإذا هو)).

٤٣٩
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِّـــ حديث رقم (٤١٧)
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى) الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن، أبو موسى البصريّ،
ثقة ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) وهو أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم
أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة، وقد تقدّم غير مرّة.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارس بن لَقِيط العبديّ، أبو محمد، وقيل: أبو
عديّ، وقيل: أبو عبد الله البصريّ، قيل: أصله من بخارى، ثقة [٩].
رَوَى عن ابن عون، وكَهْمس بن الحسن، وأبي مَعْشر السِّنديّ، ويونس بن
يزيد الأيليّ، وإسرائيل بن يونس، ومعاذ بن العلاء، وفُليح بن سليمان، وابن
أبي ذئب، وشعبة، وعلي بن المبارك، وداود بن قيس الفراء، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وبُندار، وأبو موسى، وعبد الله بن محمد
المُسْنَديّ، وأحمد بن سعيد الدارمي، وإبراهيم بن يونس بن محمد المؤدب،
وحجاج بن الشاعر، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، وابن سعد: ثقة، وقال العجليّ: ثقة ثبتٌ في
الحديث، وقال أبو حاتم: صدوق، وكان يحيى بن سعيد لا يرضاه، وذكره ابن
حبان في ((الثقات))، وقال ابن قانع: صالح، وقال البخاريّ في ((تاريخه)): قال
عليّ: احتَجّ يحيى بن سعيد بكتاب عثمان بن عمر بحديثين، عن أسامة، عن
عطاء، عن جابر: ((عرفةُ كلها موقف)).
قال عمرو بن علي، وغير واحد: مات سنة (٢٠٩) في ربيع الأول،
وقيل: سنة (٧)، وقيل: سنة (٨).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثاً.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ) الهُنَائِيُّ - بضم الهاء، وتخفيف النون الممدودة -
البصريّ، ثقة، في حديث الكوفيين عنه شيء، من كبار [٧].
رَوَى عن عبد العزيز بن صهيب، وأيوب، وهشام بن عروة، ويحيى بن
أبي كثير، وحسين المعلم، ومحمد بن واسع، والحسن بن مسلم العبدي،
وغيرهم.
وروى عنه وكيع، والقطان، وابن المبارك، وابن علية، ومسلم بن قتيبة،
ويحيى بن كثير العنبري، ومحمد بن عباد الهنائي، وهارون الخزاز، وغيرهم.

٤٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة، كانت عنده كتبٌ عن يحيى بن أبي
كثير، بعضها سمعها، وبعضها عرض. وقال الدُّوري عن ابن معين: قال بعض
البصريين: عَرَض علي بن المبارك على يحيى بن أبي كثير عَرْضاً، وهو ثقة،
وليس أحد في يحيى مثل هشام الدستوائي والأوزاعي، وهو بعدهما. وقال
يعقوب بن شيبة: علي والأوزاعي ثقتان، والأوزاعي أثبتهما، ورواية الأوزاعي
عن الزهري خاصة فيها شيء، ورواية علي عن يحيى بن أبي كثير فيها وَهَاء.
وقال ابن المديني: قال يحيى - يعني: القطان -: كان عنده كتاب واحد سمعه
من يحيى، والآخر تركه عنده، قيل له: فرواية يحيى بن سعيد عنه؟ قال: لم
يسمع منه يحيى إلا ما سمعه من يحيى. قال يعقوب بن شيبة: وسمعت علي بن
عبد الله يقول: علي بن المبارك أحب إليَّ من أبان. وقال الآجري عن أبي
داود: ثقة، وقال أيضاً: كان عنده كتابان: كتاب سماع، وكتاب إرسال، قلت
لعباس العنبري: كيف يُعْرَف كتاب الإرسال؟ قال: الذي عند وكيع عنه، عن
عكرمة، من كتاب الإرسال، وكان الناس يكتبون كتاب السماع. وقال النسائي:
ليس به بأس. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان ضابطاً متقناً. وقال
ابن عَمّار عن يحيى بن سعيد: أما ما رويناه نحن عنه فما سمع، وأما ما رَوَى
الكوفيون عنه، فمن الكتاب الذي لم يسمعه. وقال ابن عديّ: ولعليّ أحاديث،
وهو تَبْتٌ في يحيى، متقدم فيه، وهو عندي لا بأس به. ووثقه ابن المديني،
وابن نمير، والعجلي.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.
[تنبيه]: رواية عليّ بن المبارك هذه التي أحالها المصنّف على رواية
الأوزاعيّ ساقها الإمام البخاريّ رَُّهُ في ((صحيحه))، فقال:
(٤٩٢٢) حدثنا يحيى (١)، حدثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن
يحيى بن أبي كثير، سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن، عن أول ما نزل من
: [المدثر: ١]، قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ
القرآن، قال: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ )،
الَّذِى خَلَقَ ﴾ [العلق: ١]، فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله فيها عن
(١) هو أبو جعفر يحيى بن موسى البلخيّ، المعروف بخَتّ.