Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَله - حديث رقم (٤١٠)
بلال ... إلخ، فقال: هذا وَهَمٌ؛ لأن ورقة قال: ((وإن أدركني يومك حيّاً
لأنصرنك نصراً مؤزراً)، فلو كان حيّاً عند ابتداء الدعوة، لكان أوّل من
استجاب، وقام بنصر النبيّ بَّ كقيام عمر وحمزة.
وتعقّبه الحافظ، بأن ورقة إنما أراد بقوله: ((فإن يدركني يومك حيّاً
أنصرك)) اليوم الذي يُخرجونك فيه؛ لأنه قال ذلك عند قوله: ((أوَ مخرجيّ
هم؟))، وتعذيب بلال كان في أول الدعوة، وبين ذلك وبين إخراج المسلمين
من مكة للحبشة، ثم للمدينة مدةٌ متطاولةٌ، والله تعالى أعلم(١) .
[الثالث]: وقع في ((تاريخ أحمد بن حنبل)) عن الشعبي أن مُدّة فترة الوحي،
كانت ثلاث سنين، وبه جزم ابن إسحاق، وحَكَى البيهقيُّ أن مُدّة الرؤيا كانت ستة
أشهر، وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده، وهو ربيع الأول، بعد
إكماله أربعين سنة، وابتداء وحي اليقظة وقع في رمضان، وليس المراد بفترة
الوحي المقدرة بثلاث سنين، وهي ما بين نزول: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١]، و﴿يَأَيُّهَا
اُلْمُدَِّرُ ﴾﴾ [المدثر: ١] عدمُ مجيء جبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن فقط.
قال الحافظ: ثم راجعت المنقول عن الشعبي من ((تاريخ الإمام أحمد))،
ولفظه من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبيّ: ((أَنزلت عليه النبوة، وهو ابن
أربعين سنة، فقُرِن بنبوّته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يُعَلِّمه الكلمةَ والشيءَ،
ولم يَنْزِل عليه القرآن على لسانه، فلما مَضَت ثلاث سنين قُرِن بنبوته جبريل،
فَتَزَل عليه القرآنُ على لسانه عشرين سنة)).
وأخرجه ابن أبي خيثمة من وجه آخر مختصراً، عن داود بلفظ: ((ُبُعِث
الأربعين، وؤُكِل به إسرافيل ثلاث سنين، ثم وُكِل به جبريل))، فعلى هذا فيحسن
- بهذا المرسل إن ثبتَ ـ الجمع بين القولين في قدر إقامته بمكة بعد البعثة، فقد
قيل: ثلاث عشرة، وقيل: عشر، ولا يتعلّق ذلك بقدر مدّة الفترة، والله أعلم.
وقد حكى ابن التين هذه القصّة، لكن وقع عنده میکائیل بدل إسرافیل،
وأنكر الواقديّ هذه الرواية المرسلة، وقال: لم يُقْرَن به من الملائكة إلا
جبريل. انتھی.
(١) راجع: ((الفتح)) ٨/ ٥٩٢.

٤٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ولا يخفى ما فيه، فإن المثبت مُقَدَّم على النافي، إلا إن صَحِبَ النافي
دليلُ نفيه فيُقَدَّم، والله أعلم.
وأخذ السُّهَيليّ هذه الرواية، فجَمَع بها المختلف في مكثه وَّر بمكة، فإنه
قال: جاء في بعض الروايات المسندة أنّ مدة الفترة سنتان ونصف، وفي رواية
أخرى أن مدة الرؤيا ستة أشهر، فمن قال: مَكَثَ عشر سنين حذف مدة الرؤيا
والفترة، ومن قال: ثلاث عشرة أضافهما، وهذا الذي اعتمده السهيليّ من
الاحتجاج بمرسل الشعبيّ لا يثبت، وقد عارضه ما جاء عن ابن عباس أن مدة
الفترة المذكورة كانت أياماً، قاله في ((الفتح))(١).
[الرابع]: زاد البخاريّ في ((كتاب التعبير)) (٦٩٨٢) من رواية معمر عن
الزهريّ بعد قوله: ((ثم لم يَنْشَب ورقة أن تُوفِّي، وفتر الوحي)) ما نصّه: ((فترةً
حتى حَزِن النبيّ ◌َ ج ﴿ فيما بلغنا حُزْناً غَدَا منه مراراً كي يَتَرَّدى من رؤوس شواهق
الجبال، فكلما أوفى بذِرْوَة جبل لكي يُلقي منه نفسه تَبَدَّی له جبريل، فقال: یا
محمد إنك رسول الله حقّاً، فيسكن لذلك جَأْشُهُ(٢)، وتَقَرّ نفسه، فيرجع، فإذا
طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل، تبدى له
جبريل، فقال له مثل ذلك)).
[تنبيه]: زاد أبو عوانة في ((مسنده)) في آخر هذا الحديث ما نصّه: قال:
فأخبرني عروة بن الزبير، قال: وقد كانت خديجة تُوفّيت قبل أن يُفرض من
الصلاة، فقال رسول الله وَ له: ((أُريتُ لخديجة بيتاً من قَصَبٍ لا سَخَبَ فيه،
ولا نصب))، وهو قصب اللؤلوء. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((الفتح)) ٣٦/١ - ٣٧.
(٢) ((الجأش)): النفس، فيكون قوله: ((وتقرّ نفسه)) تأكيداً.

٤٠٣
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرِ إِلَى رَسُولِ اللهِوَ طِّ ـ حديث رقم (٤١٠)
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٧٩/ ٤١٠ و٤١١ و٤١٢] (١٦٠)،
و(البخاريّ) في ((بدء الوحي)) (٣)، و((أحاديث الأنبياء)) (٣٣٩٢)، و((التفسير))
(٤٩٥٣ و٤٩٥٥ و٤٩٥٦ و٤٩٥٧)، و((التعبير)) (٦٩٨٢)، و(عبد الرزاق) في
(مصنّفه)) (٩٧١٩)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٤٦٧)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٢٣٢/٦ - ٢٣٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٣)، وأبو عوانة في
((مسنده)) (٣٢٧)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٤٠٥ و٤٠٦ و٤٠٧)، وفي
((دلائل النبوّة)) (٢٧٥/١ - ٢٧٧)، و(البيهقيّ) في ((دلائل النبوّة)) (١٣٥/٢ -
١٣٦)، و(الآجريّ) في ((الشريعة)) (ص٤٣٩ - ٤٤٠)، و(ابن جرير) في ((تفسيره))
(١٦١/٣٠ - ١٦٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٧٣٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان بدء الوحي إلى رسول الله رضطل، ومناسبته لذكره في
أبواب الإيمان من حيث إن الإيمان هو التصديق بالجنان، والقول باللسان،
والعمل بالجوارح والأركان بكلّ ما جاء الرسول وَلّ من عند الرحمن، وذلك
لا يكون إلا عن طريق الوحي، فتأمله بالإيقان.
٢ - (ومنها): التصريح من عائشة رؤيًُّا بأن رؤيا النبيّ وَّ من جملة أقسام
الوحي، وهو محلّ وفاق.
٣ - (ومنها): مشروعيّة اتّخاذ الزاد، وأنه لا ينافي التوكّل، فقد اتّخذه
سيّد المتوكلين مَل اله
وَعَيْلٌ .
٤ - (ومنها): الحضّ على التعليم ثلاثاً بما فيه مشقّة، كما فتل النبيّ وَل
أذن ابن عبّاس ◌ًُّا في إدارته إلى جهة اليمين في الصلاة.
٥ - (ومنها): ما استنبطه منه شُريح القاضي تَّتُ أنه لا يُضرب الصبيّ
على القرآن إلا ثلاثاً، كما غطّ جبريل لعلَّه النبيّ وَّ ثلاثاً.
٦ - (ومنها): بيان كمال كرمه ◌ُقَالَ بأنه علّم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم
من ظلمة الجهل إلى نور العلم.
٧ - (ومنها): بيان فضل علم الكتابة؛ لما فيه من المنافع العظيمة التي لا
تُحصى؛ إذ بها دُوِّنت العلوم، وقُيِّدت الحِكَم، وضُبطت أخبار الأولين،
وحُفظت كُتب الله المنزّلة، واستقامت أمور الدين والدنيا .

٤٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٨ - (ومنها): بيان أن أول ما نزل من القرآن ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] وبه
يقول الجمهور، قال النوويّ تَخْلَتُهُ: هذا هو الصواب الذي عليه الجماهير من
: [المدثر: ١] وليس بشيء. انتهى.
﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثَّرُ
السلف والخلف، وقيل: أوله
﴾))،
وأما قول جابر ظله الآتي: ((فأنزل الله تعالى ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَِّرُ
فمحمول على أنه أول ما نزل بعد فترة الوحي، وقيل: إن أول ما نزل الفاتحة،
وهو قول شاذّ، لا يُلتفت إليه.
وقال الحافظ ابن كثير تَخْذَلُهُ: أول شيء نزل من القرآن هذه الآيات
الكريمات المباركات، وهي أول رحمة رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله
بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى
أن علّم الإنسان ما لم يعلم، فشرّفه وكرّمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به أبو
البريّة آدم على الملائكة، والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة في اللسان،
وتارة يكون في الكتابة بالبنان، ذهنيّ، ولفظيّ، ورسميّ، والرسميّ يستلزمهما
من غير عكس، فلهذا قال: ﴿أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ جَ عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا
لَ يَعَم @﴾ [العلق: ٣ - ٥]، وفي الأثر: ((قيّدوا العلم بالكتابة))(١)، وفيه أيضاً:
((من عَمِلَ بما عَلم رزقه الله عِلم ما لم يعلم))(٢). انتهى كلام ابن كثير تَغْذُهُ(٣).
٩ - (ومنها): أنه استدلّ به بعض من يقول: إن ((بسم الله الرحمن
الرحيم)) ليست من القرآن في أوائل السور؛ لكونها لم تُذكر هنا، وأجاب
المثبتون لها بأن البسملة لم تنزل أوّلاً، بل نزلت في وقت آخر، كما نزل باقي
السور.
وقال السهيليّ تَخْتُهُ: في قوله: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ دليلٌ من الفقه على
(١) أخرجه ابن عبد البرّ في ((جامع العلم وفضله)) (٣٩٥)، وروي موقوفاً ومرفوعاً،
وصححه الشيخ الألباني بمجموع طرقه، راجع: ((صحيح الجامع)) ٨١٦/٢
(٤٤٣٤)، و((السلسلة الصحيحة)) رقم (٢٠٢٦).
(٢) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٤/١٠ - ١٥) بنحوه، وحكم الشيخ الألباني بوضعه
في ((الضعيفة)) (٤٢٢).
(٣) ((تفسير ابن كثير)) ٣٩٨/١٤.

٤٠٥
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْيٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ - حديث رقم (٤١٠)
وجوب استفتاح القراءة ببسم الله، غير أنه أمر مبهم، لم يتبيّن له بأي اسم مِن
أسمائه يستفتح حتى جاء البيان بعدُ في قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ يَجْرِئِهَا وَمُرْسَهَاً﴾
[هود: ٤١]، ثم في قوله: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]، ثم بعد
ذلك كان ينزل جبريل علَّله بـ((بسم الله الرحمن الرحيم)) مع كلّ سورة، وقد
ثبتت في سواد المصحف بإجماع الصحابة ره على ذلك، وحين نزلت
((بسم الله الرحمن الرحيم)) سبّحت الجبال، فقالت قريش: سحر محمد الجبال،
ذكره النقاش.
وتعقّبه العينيّ كَّتُهُ، فقال: دعوى الوجوب تحتاج إلى دليل، وكذلك
دعوى نزول جبريل لعلَّ بـ((بسم الله الرحمن الرحيم)) مع كلّ سورة، وثبوتها في
سواد المصحف لا يدلّ على وجوب قراءتها، وما ذكره النقّاش في ((تفسيره))
فقد تكلّموا فيه. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أنه لا دليل على وجوب قراءتها،
بل هي على الاستحباب، ومما يدلّ على عدم الوجوب حديث أبي هريرة .
ته
الذي أخرجه المصنّف: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ... )) وفيه: ((فإذا قال
العبد: الحمد لله رب العالمين ... )) الحديث، وما أخرجه أحمد، وأصحاب
السنن، وصححه الترمذيّ من حديث أبي هريرة ◌َظ ◌ُه عن النبيّ وَّو قال: ((سورة
من القرآن، ثلاثون آية، تشفع لصاحبها حتى يُغفَر له: ﴿تَبَرَّكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾
[الملك: ١]))؛ إذ لم يبدأها بالبسملة.
والحاصل أن قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) مستحبّ، لا واجب،
فتبصّر، والله تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): أن من فَزِع لا ينبغي أن يسأل عن شيء حتى يزول عنه
فَزَعه، ومن ثَمّ قال الإمام مالك تَّتُهُ: إن المذعور لا يلزمه بيعٌ، ولا إقرار،
ولا غيره.
١١ - (ومنها): أن مكارم الأخلاق، وخصال الخير سبب للسلامة من
(١) ((عمدة القاري)) ١١٤/١.

٤٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
مصارع السوء، وأنواع المكاره، فمن كثر خيره، حسُنت عاقبته، ورُجي له
سلامة الدين والدنيا .
١٢ - (ومنها): جواز مدح الإنسان في وجهه؛ لمصلحة، ولا يعارضه ما
أخرجه المصنّف من حديث المقداد ◌ُبه، مرفوعاً: ((إذا رأيتم المداحين،
فاحثوا في وجوههم التراب))؛ لأن هذا فيما إذا كان المدح بباطل، أو يؤدّي
إلى باطل، كالعجب، ورؤية النفس.
١٣ - (ومنها): أنه ينبغي تأنيس من حصلت له مخافة، وتبشيره، وذكر
أسباب السلامة له.
١٤ - (ومنها): أن فيه أعظم دليل وأبلغ حجة على كمال خديجة ◌َؤُنًا،
وجَزَالة رأيها، وقوّة نفسها، وعَظيم فقهها، فقد جمعت في وصفها للنبيّ وَل
جميع أنواع أصول المكارم، وأمهاتها؛ لأن الإحسان إما إلى الأقارب، وإما
إلى الأجانب، وإما بالبدن، وإما بالمال، وإما على من يستقلّ بأمره، وإما على
غيره.
١٥ - (ومنها): جواز ذكر الشخص بالعاهة التي فيه، ككونه أعمى، أو
أعرج، أو أشلّ، أو نحو ذلك، وأنه لا يكون من الغيبة المحرّمة، لكن بشرط
أن لا يقصد تنقيصه، بل لمجرّد التعريف بها؛ لاشتهاره بها، وإلى هذا أشار
في ((ألفيّة الحديث))، حيث قال:
وَذِكْرُهُ بِالوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَبِ أَوْ حِرْفَةٍ لَا بَأُسَ إِنْ لَمْ يَعِبٍ
١٦ - (ومنها): أن من نزل به أمرٌ يُستحبّ أن يُطلِعِ من يَثِقُ بنصحه،
وصحّة رأيه.
١٧ - (ومنها): أنه يدلّ على أن المجيب يقيم الدليل على ما يُجيب به إذا
اقتضى المقام؛ فإن خديجة ◌ّا أقامت على قولها: ((ما يُخزيك الله أبداً))
دليلاً، وهو قولها: ((إنك لتصل الرحم ... إلخ)).
١٨ - (ومنها): الإرشاد إلى أن صاحب الحاجة يُقَدِّم بين يديه من يعرف
بقدره، ممن يكون أقرب منه إلى المسؤول، وذلك مستفاد من قول خديجة .
ضُحى
الورقة: اسمع من ابن أخيك، أرادت بذلك أن يتأهب لسماع كلام النبيّ وَّ،
وذلك أبلغ في التعليم.

٤٠٧
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ الله ◌ِصَ لِ - حديث رقم (٤١٠)
١٩ - (ومنها): أنه يؤخذ من قوله: ((فغطني الثالثة)) أن مَن يريد التأكيد في
أمر، وإيضاح البيان فيه ينبغي له أن يكرره ثلاثاً، كما كان وَلّ يفعل ذلك، فقد
أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) عن أنس رَظُه عن النبيّ وَّ ((أنه كان إذا تكلم بكلمة
أعادها ثلاثاً، حتى تُفْهَم عنه، وإذا أتى على قوم، فسَلَّم عليهم، سلَّم عليهم ثلاثاً)).
قال في ((الفتح)): ولعل الحكمة في تكرير الإقراء الإشارة إلى انحصار
الإيمان الذي ينشأ الوحي بسببه في ثلاث: القول، والعمل، والنية، وأن
الوحي يشتمل على ثلاث: التوحيد، والأحكام، والقَصَص، وفي تكرير الغطّ
الإشارة إلى الشدائد الثلاث التي وقعت له، وهي الحصر في الشِّعب، وخروجه
في الهجرة، وما وقع له يوم أُحُد، وفي الإرسالات الثلاث إشارة إلى حصول
التيسير له عقب الثلاث المذكورة، في الدنيا، والبرزخ، والآخرة. انتهى (١)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قد نظم الحافظ أبو الفضل زين الدين العراقيّ تَخْلهُ قصة بدء
الوحي في ((ألفيّة السيرة»، فقال:
حَتَّى إِذَا مَا بَلَغَ الرَّسُولُ
وَهْوَ بِغَارٍ بِحِرَاءٍ مُخْتَلِي
فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ وَكَانَ قَدْ خَلَتْ
وَقِيلَ فِي سَابِعِ عِشْرِي رَجَبٍ
قَالَ اقْرَأْ وَهْوَ فِي المِرَارِ
فَغَظَّهُ ثَلَاثَةً حَتَّى بَلَغْ
أَقْرَأَهُ جِبْرِيلُ أَوَّلَ العَلَقْ
وَكَوْنُ ذَا الأَوَّلَ فَهْوَ الأَشْهَرُ
وَقِيلَ بَلْ فَاتِحَةُ الكِتَابِ
جَاءَّ إِلَى خَدِيجَةَ الأَمِينَهْ
فَثَبَّتَتْهُ إِنَّهَا مُوَفَّقَهْ
ثُمَّ أَتَتْ بِهِ تَؤُمُّ وَرَقَهْ
الأَرْبَعِينَ جَاءَهُ جِبْرِيلُ
فَجَاءَهُ بِالوَحْي مِنْ عِنْدِ العَلِي
مِنْ شَهْرٍ مَوْلَدٍ ثَمَانٌ إِنْ ثَبَتْ
وَقِيلَ بَلْ فِي رَمَضَانَ الطَّيِّبِ
يُجِيبُ نُطْقاً مَا أَنَا بِقَارِي
الجُهْدَ فَاشْتَدَّ لِذَاكَ وَانْصَبَغْ
قَرَأَهُ كَمَا لَهُ بِهَا نَطَقْ
وَقَيلَ بَلْ يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ
وَالأَوَّلُ الأَقْرَبُ لَلصَّوَابٍ
يَشْكُولَهَا مَا قَدْ رَآهُ حِينَهْ
أَوَّلَ مَا قَدْ آمَنَتْ مُصَدِّقَهْ
قَصَّ عَلَيْهِ مَا رَأَى فَصَدَّقَهْ
(١) ((الفتح)) ٥٨٩/٨ ((كتاب التفسير)) رقم (٤٩٥٤).

٤٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فَهْوَ الَّذِي آمَنَ بَعْدُ ثَانِيَاً
وَالصَّادِقُ المَصْدُوقُ قَالَ إِنَّهْ
أَقَامَ فِي مَكَّةَ بَعْدَ البِعْئَةِ
وَقِيلَ عَشْراً أَوْ فَخَمْسَ عَشْرَهْ
فَكَانَ فِي صَلَاتِهِ يَسْتَقْبِلُ
البَيْتَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أَيْضاً
وَبَعْدَ هِجْرَةٍ كَذَا لِلْقُدْسِ
وَحُوَّلَتْ مِنْ بَعْدٍ ذَاكَ القِبْلَةُ
وَكَانَ بَرّاً صَادِقاً مُوَافِيَا(١)
رَأَى لَهُ تَخْضُخاً (٢) فِي الجَنَّهْ
ثَلَاثَ عَشْرَةَ بِغَيْرٍ مِرْيَةٍ
قَوْلَانِ وَهَّمُوهُمَا بِمَرَّهْ
بِمَكَّةَ القُدْسَ وَلَكِنْ يَجْعَلُ
فِيمَا أَتَى تَطَوُّعاً أَوْ فَرْضًا
عَاماً وَثُلْئاً أَوْ وَنِصْفَ سُدْسِ
لِكَعْبَةِ اللهِ وَنِعْمَ الجِهَةُ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم بأيّ عبادة تعبّد النبيّ وَّ في
حراء؟ :
(اعلم): أن الذي يجب القطع به أن نبيّنا وَّه لم يكن قبل البعثة على دين
قريش، وأهل الشرك، ولا يجوز اعتقاد خلاف هذا، فقد قطع بهذا أئمة
الإسلام، قال الإمام أحمد رَّتُهُ: من زعمه، فقول سوء، وما حُكي عن بعضهم
بخلاف هذا فقد أنكروه، قال في ((شرح التحرير)): الذي يُقطع به أن هذا القول
خطأ، وقال ابن عَقِيل: لم يكن قبل البعثة على دين سوى الإسلام، ولا كان
على دين قومه قطّ، بل وُلد مؤمناً نبيّاً صالحاً على ما كتبه الله تعالى، وعَلِمه
من حاله وخاتمته لا بدايته. انتهى(٣).
ولكن اختلفوا هل كان ◌َّ قبل البعثة متعبداً بشرع أم لا؟ على مذاهب؛
فقيل: إنه وَ﴿ كان متعبداً قبل البعثة بشريعة آدم عليّا؛ لأنها أول الشرائع،
وقيل: بشريعة نوح علّلا؛ لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا﴾
[الشورى: ١٣]، وقيل: بشريعة إبراهيم لا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ
بِرَهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ﴾ [آل عمران: ٦٨]، وقوله: ﴿أَنِ أُتَّبِعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ﴾
(١) وفي نسخة الشرح: ((مُوَاتِيَاً))، وعليه شرحه الشارح.
(٢) أي تحركاً.
(٣) ((شرح الكوكب النير)) ٤٠٨/٤ - ٤٠٩.

٤٠٩
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْي إِلَى رَسُولِ اللهِ لَّه ــ حديث رقم (٤١٠)
[النحل: ١٢٣]، قال الواحدي: وهذا هو الصحيح، قال ابن القشيري في
((المرشد)): وعُزِيَ إلى الشافعيّ، قال الأستاذ أبو منصور: وبه نقول، وحكاه
صاحب ((المصادر)) عن أكثر أصحاب أبي حنيفة، وإليه أشار أبو علي الجبائي.
وقيل: كان متعبداً بشريعة موسى لعلّها، وقيل: بشريعة عيسى ظلّا؛ لأنه
أقرب الأنبياء، ولأنه الناسخ لما قبله من الشرائع، وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق
الإسفراييني كما حكاه عنه الواحدي، وقيل: كان على شرع من الشرائع، ولا
يقال: كان من أمة نبي من الأنبياء، أو على شرعه، قال ابن القشيري في
((المرشد)): وإليه كان يميل الأستاذ أبو إسحاق، وقيل: كان متعبداً بشريعة كل
من قبله من الأنبياء إلا ما نُسِخ منها واندرس، حكاه صاحب ((الملخص))،
وقيل: كان متعبداً بشرع، ولكن لا نَدرِي بشرع مَن تعبده الله، حكاه ابن
القشيري، وقيل غير ذلك من الأقوال التي يُستبشع حكايتها .
واختار النووي في ((الروضة)) تبعاً لإمام الحرمين، وابن القشيريّ،
وإِلْكِيا، والغزالي، والآمدي، وغيرهم الوقفَ؛ إذ ليس فيه دلالة عقل، ولا
ثبت فيه نصّ ولا إجماع، قال ابن القشيري في ((المرشد)) بعد حكاية الاختلاف
في ذلك: وكل هذه أقوال متعارضة، وليس فيها دلالة قاطعة، والعقل يُجَوِّز
ذلك، لكن، أين السمع فيه؟. انتهى.
وقال إمام الحرمين: هذه المسألة لا تظهر لها فائدة، بل تجري مَجْرَى
التواريخ المنقولة، ووافقه المازري، والماوردي، وغيرهما .
قال الشوكانيّ: وهذا صحيح، فإنه لا يتعلق بذلك فائدة باعتبار هذه
الأمة، ولكنه يعرف به في الجملة شرف تلك الملة التي تعبد بها، وفضلها على
غيرها من الملل المتقدمة على ملته، قال: وأقرب هذه الأقوال قول من قال:
إنه كان متعبداً بشريعة إبراهيم عليّ*، فقد كان ◌َّ كثير البحث عنها، عاملاً بما
بلغ إليه منها، كما يُعرَف ذلك من كتب السير، وكما تفيده الآيات القرآنية من
أمره وهو بعد البعثة باتباع تلك الملة، فإن ذلك يُشعر بمزيد خصوصية لها، فلو
قدّرنا أنه كان على شريعة قبل البعثة لم يكن إلا عليها. انتهى (١).
(١) ((إرشاد الفحول)) ٢٥٣/٢ - ٢٥٥.

٤١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول بالتوقّف هو الأرجح؛ لعدم
حجة مقنعة، وما ذكروه من الأدلّة فإنها متعارضة متساقطة، على أن الخوض
في هذه المسألة ونحوها من فضول الكلام، لا ينبغي شغل الوقت به، إلا أنهم
خاضوا كما رأيت، فما وسعنا إلا المشاركة في ترجيح ما يظهر حجته، وقد
أشرت إلى هذا في ((التحفة المرضية))(١)، حيثُ قلت:
وَلَمْ يَكُنْ نَبِيُّنَا مُتَّبِعَاً دِينَ قُرَيْشٍ قَبْلَ بَعْثٍ فَاقْطَعَا
نَوْعُ العِبَادَةِ فَصَوِّبْ مَنْ سَكَت
بَلْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَكِنْ مَا ثَبَتْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع المآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤١١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَّائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِىَ
بِهِ رَسُولُ اللهِ نَّهِ مِنَ الْوَحْي ... وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّهُ
قَالَ: فَوَ اللهِ لَا يُحْزِئُكَ اللهُ أَبَداً، وَقَالَ: قَالَتْ خَدِيجَةُ: أَي ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنٍ
ابْنِ أَخِيكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابدٌ
[١١] (ت٢٤٥) (خ م « تَ س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، أبو بكر الحميريّ مولاهم، ثقةٌ حافظٌ
تغيّر بعد أن عمي، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
(١) ((التحفة المرضيّة في نظم المسائل الأصوليّة على مذهب أهل السنة السنيّة))، وهي
(٣٠٧٢) بيتاً .

٤١١
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ - حديث رقم (٤١١)
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ) هكذا هو في الأصول: ((وأخبرني عروة)) بالواو،
وهو صحيح، والقائل: ((وأخبرني)) هو الزهريّ، وفي هذه الواو فائدة لطيفة،
وقد تقدّمت في مواضع، وهي أن معمراً سمع من الزهريّ أحاديث، قال
الزهريّ فيها: أخبرني عروة بكذا، وأخبرني عروة بكذا ... إلى آخرها، فإذا
أراد معمر رواية غير الأول قال: قال الزهريّ: وأخبرني عروة، فأتى بالواو
ليكون راوياً كما سمع، وهذا من الاحتياط والتحقيق، والمحافظة على الألفاظ
والتحرّي فيها، أفاده النوويّ دَدْتُهُ(١).
وقال في (الفتح)) عند قوله: ((قال: قال الزهريّ: فأخبرني عروة)) ما نصّه:
وقع عند مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق مثله، لكن فيه: ((وأخبرني))
بالواو، لا بالفاء، وهذه الفاء معقّبة لشيء محذوف، وكذلك الواو عاطفة عليه،
وقد بيّنه البيهقيّ في ((الدلائل)) حيث أخرج الحديث من وجه آخر عن الزهريّ،
عن محمد بن النعمان بن بشير مرسلاً، فذكر قصّة بدء الوحي مختصرةً، ونزول
﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] إلى قوله: ﴿خَلَقَ اُلْإِنسَنَ مِنْ عَلَقِ ﴾﴾ [العلق: ٢]،
وقال محمد بن النعمان: فرجع رسول الله وس18 بذلك، قال الزهريّ: فسمعت
عروة ابن الزبير يقول: قالت عائشة ... فذكر الحديث مطوّلاً. انتهى(٢).
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ ... إلخ) الضمير لمعمر، يعني: أن معمراً ساق
الحديث بمثل لفظ يونس المتقدّم.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ ... إلخ) بنصب ((غير)) على الاستثناء، كما قال في
(الخلاصة)» :
وَاسْتَثْنِ مَجْرُوراً بِـ(غَيْرٍ)) مُعْرَبَا بِمَا لِمُسْتَثْنَّى بِـ((إِلَّا)) وَجَبَا
وقوله: (فَوَ اللهِ لَا يُحْزِنُكَ اللهُ أَبَداً) أي: أن معمراً قال بدل قول يونس:
((لا يُخزِيك الله أبداً)) بخاء معجمة، وياء تحتانية: ((لا يحزنك الله أبداً)) بالحاء
المهملة، والنون، وهو بفتح أوله، وضمّ ثالثه، ثلاثياً، أو بضمّ أوله، وكسر
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٤/٢.
(٢) ((الفتح)) ٣٧١/١٢ ((كتاب التعبير)) رقم (٦٩٨٢).

٤١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ثالثه رباعيّاً، قال الفيّوميّ تَخْلَتُهُ: حَزِنَ حَزَناً، من باب تَعِبَ، والاسم الْحُزْنُ
بالضمّ، فهو حَزِينٌ، ويتعدّى في لغة قُريش بالحركة، يقال: حَزَنَني الأمرُ
يَحْزُنُني، من باب قَتَلَ، قاله ثَعْلَبُّ، والأزهريّ، وفي لغة تميم بالألف، ومثّلَ
الأزهريّ باسم الفاعل والمفعول في اللغتين على بابهما، ومنع أبو زيد استعمال
الماضي من الثلاثيّ، فقال: لا يقال: حَزَنَهُ، وإنما يُستعمل المضارع من
الثلاثيّ، فيقال: يَحْزُنُهُ. انتهى(١).
و(الخِزْيُ)) بكسر، فسكون: الذّلُّ والهَوَانُ(٢)، وفي ((القاموس)): خَزِيَ
كَرَضِيَ خِزْياً بالكسر، وخَزَّى: وَقَعَ في بليّة وشُهْرة، فذلَّ بذلك. انتهى (٣).
و((الحُزنُ»: بضمّ، فسكون، و((الحَزَنُ» بالتحريك: الهَمّ (٤).
وقوله: (وَقَالَ: قَالَتْ خَدِيجَةُ: أَي ابْنَ عَمِّ ... إلخ) يعني: أن معمراً أيضاً
قال في روايته: ((أي ابن عمّ)) بدل قول يونس: ((أي عمّ))، وقد تقدّم أنه قيل:
إن قوله: ((عمّ)) وَهَمِّ، ولكن الصواب أنه لا وَهَمَ، بل له وجه صحيح، كما
أسلفت تحقيقه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية معمر هذه التي أحالها المصنّف تَظّتُ أخرجها الإمام
أحمد دخلتُ في ((مسنده))، فقال:
(٢٤٧٦٨) حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهريّ، فذكر حديثاً،
ثم قال: قال الزهري: فأخبرني عروة، عن عائشة، أنها قالت: أوّل ما بدئ به
رسول الله ﴿ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا
جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبّب إليه الخلاء، فكان يأتي حراءً، فيتحنث فيه
- وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة،
فتزوّده لمثلها، حتى فَجِئه الحقّ، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه، فقال:
اقرأ، فقال رسول الله وَلجر: ((ما أنا بقارئ))، قال: ((فأخذني، فغطّني، حتى بلغ
مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني، فغطني
الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ،
(١) ((المصباح المنير)) ١٣٤/١.
(٣) ((القاموس)) ص١١٥١.
(٢) ((المصباح)) ١٦٨/١.
(٤) ((القاموس)) ص١٠٧١.

٤١٣
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّرِ - حديث رقم (٤١١)
فأخذني، فغطني الثالثة، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ
رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ ﴾﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعَ﴾ [العلق: ٥])، قال: فرجع
بها، تَرْجُف بوادره، حتى دخل على خديجة، فقال: ((زمّلوني، زملوني))،
فزملوه، حتى ذهب عنه الرَّوْعُ، فقال: ((يا خديجة، ما لي؟)» فأخبرها الخبر،
قال: ((وقد خشيت عليّ))، فقالت له: كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً،
إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتقري الضيف، وتعين
على نوائب الحقّ، ثم انطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن
أسد بن عبد العزى بن قُصَيْ، وهو ابن عم خديجة، أخي أبيها، وكان امرأً
تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربيّ، فكتب بالعربية من الإنجيل ما
شاء الله أن يَكْتُب، وكان شيخاً كبيراً، قد عَمِي، فقالت خديجة: أي ابن عمّ،
اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله وَله ما
رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى لعلّ*، يا ليتني فيها
جذعاً، أكون حيّاً حين يخرجك قومك، فقال رسول الله وَ له: ((أوَ مُخْرِجِيَّ
هم؟)) فقال ورقة: نعم، لم يأتِ رجل قطّ بما جئت به إلا عُودي، وإن يدركني
يومُك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم يَنشَب ورقة، أن تُوفي، وفتر الوحي فترةً،
حتى حزن رسول الله وَّ فيما بلغنا حزناً غَدَا منه مراراً كي يَتَرَدَّى من رؤوس
شواهق الجبال، فكلما أوفى بذِرْوَة جبل لكي يُلقي نفسه منه، تَبَدَّى له
جبريل علّل، فقال له: يا محمد، إنك رسول الله حقّاً، فيسكن ذلك جَأُشَهُ،
وتَقَرّ نفسه عليه الصلاة والسلام، فيرجع: فإذا طالت عليه، وفتر الوحي غَدَا
لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تَبَدَّى له جبريل علَّلا، فقال له مثل ذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ساق الإمام أحمد رواية معمر،
وفيها هذه الزيادة، ((ثم لم يَنْشَب ورقة ... إلخ))، وهو أيضاً كذلك في ((مصنّف
عبد الرزاق)) ٣٢١/٥ - ٣٢٣ رقم (٩٧١٩)، وهكذا ساقه البخاريّ في
((صحيحه))، فقال:
(٦٩٨٢) حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن
شهاب، (ح) وَحدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، قال
الزهري: فأخبرني عروة، عن عائشة ﴿ّ أنها قالت: ((أول ما بدئ به

٤١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رسول الله وَل﴾ .... )) بلفظ أحمد وفيه هذه الزيادة، وهكذا ساقه الإمام ابن
حبّان في ((صحيحه)) (٣٣)، وفيه هذه الزيادة أيضاً.
والظاهر أن المصنّف وقعت له رواية معمر هذه مختصرة دون هذه
الزيادة، ومما يؤكّد هذا استثناؤه بقوله: ((غير أنه قال ... إلخ))، فإن قوله: ((لا
يخزيك الله)) وقع عند جميعهم بلفظ: ((لا يُخزيك الله)) بالخاء المعجمة والزاي،
إلا أن في ((الفتح)) أشار إلى أنه وقع في رواية الكشميهني بالحاء المهملة
والنون(١)، كما قال المصنّف، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
المآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أُولَ الكتاب قال:
[٤١٢] (.) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي
أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ
الزُّبَيْرِ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ◌َّهِ: فَرَجَعَ إِلَى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، وَاقْتَصَّ
الْحَدِيثَ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ حَدِيثِهِمَا مِنْ قَوْلِهِ: ((أَوَّلُ مَا
بُدِينَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَهِ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ))، وَتَابَعَ يُونُسَ عَلَى قَوْلِهِ: ((فَوَ اللهِ
لَا يُخْزِيَكَ اللهُ أَبَداً))، وَذَكَرَ قَوْلَ خَدِيجَةَ: أَيِ ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيَكَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ) الفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله
المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٨) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦.
٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك
المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت١٩٩) (م د س) تقدم في ((الإيمان))
٢٦/ ٢١١.
٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢.
(١) راجع: ((الفتح)) ٣٧٥/١٢ ((كتاب التعبير)).

٤١٥
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ الله ◌ِ - حديث رقم (٤١٢)
٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) - بضمّ العين - ابن عَقَيل - بالفتح - الأيليّ، أبو
خالد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦]
(ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٣/٨.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ ... إلخ) الضمير لعُقيل، يعني: أن عقيلاً روى
هذا الحديث، عن الزهريّ، وساقه بمثل رواية يُونُسَ وَمَعْمَرٍ، عن الزهريّ.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ حَدِيثِهِمَا مِنْ قَوْلِهِ: ((أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَله
مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ))) يعني: أنه اختصر الحديث من أوله، فحذفه إلى
قوله: ((فرجع إلى خديجة ... إلخ)).
وقوله: (وَتَابَعَ يُونُسَ عَلَى قَوْلِهِ: ((فَوَ اللهِ لَا يُخْزِيَكَ اللهُ أَبَداً))) يعني: أن
عُقيلاً وافق يونس في قوله: ((لا يُخزيك الله)) بالخاء، والياء، بدل قول معمر:
((لا يَحزنك الله)) بالحاء والزاي.
وقوله: (وَذَكَرَ قَوْلَ خَدِيجَةَ: أَي ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ) يعني:
أنه وافق معمراً في قوله: ((أي ابن عمّ ... إلخ))، مخالفاً لقول يونس: ((أي
عمّ ... إلخ))، هكذا قال، لكن التي من رواية أحمد: ((قالت: أي عمّ)) مثل
رواية يونس، والظاهر أن المصنّف وقع له هكذا، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية عُقيل التي أحالها المصنّف هنا، ساقها الإمام أحمد في
((مسنده))، فقال :
(٢٤٦٨١) حدثنا حجاج، أخبرنا ليث بن سعد، قال: حدثني عُقَيل بن
خالد، قال: وقال محمد بن مسلم: سمعت عروة بن الزبير، يقول: قالت
عائشة زوج النبيّ وَّر: فرجع إلى خديجة يَرْجُفُ فؤاده، فدخل، فقال:
((زَمِّلُوني، زملوني))، فزُمِّلَ، فلمّا سُرِّي عنه قال: ((يا خديجة، لقد أشفقت على
نفسي بلاءً، لقد أشفقت على نفسي بلاءً))، قالت خديجة: أبشر، فوالله لا
يُخزيك الله أبداً، إنك لتصدق الحديث، وتَصِلُ الرحم، وتَحْمِل الكَلَّ، وتَقْرِي
الضيف، وتُعين على نوائب الحقّ، فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل بن
أسد، وكان رجلاً قد تنصّر، شيخاً أعمى، يقرأ الإنجيل بالعربية، فقالت له
خديجة: أي عَمِّ، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا

٤١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ترى؟ فأخبره رسول الله وَليل بالذي رأى من ذلك، فقال له ورقة: هذا الناموس
الذي نُزّل على موسى، يا ليتني فيها جذعاً، يا ليتني أكون حيّاً حين يخرجك
قومك، قال رسول الله وَله: ((أوَ مخرجيَّ هم؟)) قال: نعم، لم يأتِ رجل بمثل
ما جئت به قطّ إلا عُودي، وإن يُذْركني يومك أَنْصُرْك نصراً مؤزراً. انتهى،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع المآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤١٣] (١٦١) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي
يُونُسُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ
عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيَّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَلَ كَانَ يُحَدِّثُ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْي - قَالَ فِي حَدِيثِهِ: (فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي،
سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِساً
عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ))، قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((فَجُثِنْتُ مِنْهُ فَرَقاً،
فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَّلَ اللهُ تَبَارََكَ وَتَعَالَى: ﴿يَأََّا
الْمُدَّفِرُ ﴿ قُرْ فَأَذِرْ ﴿ وَرَبَّكَ فَكَّتِرْ ﴿﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴿ وَالرُّجْزَ فَلَهْجُزْ ﴾﴾ [المدّثّر:
١ - ٥]))، وَهِيَ الْأَوْثَانُ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْيُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه
عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((شرح
المقدمة) جـ٢ ص٤٢٣.
٢ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنَّصَارِيَّ) هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام
السَّلَميّ - بفتحتين - الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌َّ، تُوقّي بعد السبعين، وهو ابن
(٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
والباقون تقدّموا في أول حديث الباب.
ومن لطائف هذا الإسناد أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة من التابعين
على بعض الأقوال، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه جابر بن عبد الله

٤١٧
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْيٍ إِلَى رَسُولِ الله ◌َِّ - حديث رقم (٤١٣)
صحابيّ ابن صحابيّ، غزا تسع عشرة غزوةً، وهو أحد المكثرين السبعة من
الصحابة ﴿، روى (١٥٤٠) حديثاً، وبقيّة اللطائف تقدّمت في سند أول
الباب، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفَ، أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال (أَنَّ جَابِرَ بْنَ
(وَكَانَ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَّ) قال النوويّ دَّثُ:
عَبْدِ اللهِ الأنْصَارِيَّ)
هذا نوعٌ مما يَتَكَرَّر في الحديث، ينبغي التنبيه عليه، وهو أنه قال: ((عن جابر،
وكان من أصحاب النبيّ و9َّ))، ومعلوم أن جابر بن عبد الله الأنصاريّ ظَّ من
مشهوري الصحابة، أشَدُّ شهرةً، بل هو أحدُ الستة الذين هم أكثر الصحابة
روايةً عن رسول الله وَّهِ. وجوابه أن بعض الرُّواة خاطب به مَن يَتَوَهَّم أنه
يَخْفَى عليه كونه صحابيّاً، فبيّه إزالةً للوهم، واستمرّت الرواية به.
[فإن قيل]: فهؤلاء الرُّواة في هذا الإسناد أئمة جِلّةٌ، فكيف يُتَوَّهم خفاء
صحبة جابر رضيالله في حقهم؟.
[فالجواب]: أن بيان هذا لبعضهم كان في حالة صغره، قبل تمكّنه
ومعرفته، ثم رواه عند کماله کما سمعه.
قال: وهذا الذي ذكرته في جابر يتكرر مثله في كثيرين من الصحابة
،
وجوابه كلِّهِ ما ذكرته. انتھی.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره النوويّ تَخْذُهُ، بحثٌ نفيسٌ جدّاً،
وأما قوله: ((من الستة ... إلخ))، الصواب من السبعة، وهم الذين جمعتهم في
قولي :
مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الغُرَرْ
المُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الخَبَرْ
فَأَنَسُ فَزَوْجَةُ الهَادِي الأَبَرْ
أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عَمَرْ
وَبَعْدَهُ الخُدْرِيُّ فَهْوَ الآخِرُ
ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ
(كَانَ يُحَدِّثُ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير جابر عظُه، وقوله: (قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ) بيان لمعنى ((يُحدّث)) - قال في ((الفتح)): وهو من مراسيل

٤١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الصحابة كحديث عائشة رضيها الماضي؛ لأن جابراً مظلته، لم يدركه زمان
القصّة، فيحتمل أن يكون سمعها من النبيّ وَلّ، أو من صحابيّ آخر حضرها.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر الاحتمال في ((الفتح))، لكن صرّح
جابر رَظُه في الرواية التالية بأنه سمعه من رسول الله وَ له، فزال الاحتمال،
حيث ثبت سماعه له منه وَّة، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَهُوَ) أي: النبيّ نَّهِ (يُحَدِّثُ) جملة في محلّ نصب على الحال
من ((رسول الله))، وفي رواية للبخاريّ في ((بدء الخلق)): ((ثم فَتَرَ عنّي الوحي
فَتْرَةً)) (عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْي) أي عن احتباسه وعدم تتابعه، وتواليه في النزول، قال
في ((الفتح)): ودلّ قوله: ((عن فترة الوحي))، وقوله: ((الملك الذي جاءني
بحراء)) على تأخّر نزول ((سورة المدّثّر)) عن ﴿اقْرَأْ﴾(١). (قَالَ) وَّ (فِي حَدِيثِهِ:
((فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي) تقدّم الكلام في ((فبينا)) مستوفّى في شرح المقدّمة، وخلاصته:
أن أصلها ((بين)) الظرفيّة، أُشبعت فتحتها، فصارت ألفاً، ويقال أيضاً: ((بينما))،
وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ
وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتمّ به المعنى، وجاء كثيراً اقتران جوابهما بـ((إذ))،
و ((إذا))، وليس لازماً، تقول: بينا زيد جالسٌ إذ دخل عليه عمرو، أو: إذا دخل
عليه، أو: دخل عليه، ومما دخل عليه ((إذا)) قوله:
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
ومما لم يقترن بهما هذا الحديث حيث قال: (سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السَّمَاءِ،
فَرَفَعْتُ رَأْسِي) وفي رواية البخاريّ: ((فرفعت بصري))، ويؤخذ منه جواز رفع
البصر إلى السماء عند وجود حادث من قبلها، وقد ترجم له البخاريّ في ((كتاب
الأدب))، ويُستثنى من ذلك رفع البصر إلى السماء في الصلاة؛ لثبوت النهي عنه.
(فَإِذَا الْمَلَُّك) ((إذا)) هي الفجائيّة، أي: ففاجأني رؤية الملك (الَّذِي جَاءَنِي
بِحِرَاءٍ) هو جبريل عَلَّا كما تقدّم، وقوله: (جَالِساً) بالنصب هكذا على الحال،
وفي رواية البخاريّ: ((جالس)) بالرفع، وهو على تقدير مبتدأ، أي: فإذا صاحب
الصوت هو الملك الذي جاءني بحراء، وهو جالس (عَلَى كُرْسِيٍّ) - بضم
(١) ((الفتح)) ٣٧/١.

٤١٩
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ الله ◌ِلَّهِ - حديث رقم (٤١٣)
الكاف، وكسرها -: السرير، جمعه كراسيّ(١)، وفي رواية يحيى بن أبي كثير
الآتية: ((فإذا هو على العرش في الهواء))، وفي لفظ: ((فإذا هو جالس على
عرش بين السماء والأرض)).
قال القاضي عياض نَّلهُ: قوله: ((على كرسيّ)) هذا يُفسّر معنى العرش
في الرواية الأخرى، وأنه كالكرسيّ والسرير، وليس بعرش الرحمن، قال الله
تعالى: ﴿وَا عَرْشُ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]، قال أهل اللغة: العرش: السرير،
وقيل: سرير الملك. انتهى (٢).
(بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ») الظرف متعلّق بصفة لـ((كرسيّ)»، أي: كائن بينهما
(قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((فَجُثِقْتُ) قال النوويّ كَّتُهُ: رواه مسلم من رواية يونس،
وعُقيل، ومعمر، ثم كلهم عن ابن شهاب، وقال في رواية يونس: ((فَجُئِّثْتُ)) - بجيم
مضمومة، ثم همزة مكسورة، ثم ثاء مثلّثة ساكنة، ثم تاء الضمير - وقال في رواية
عُقيل، ومعمر: ((فَجُثِثْتُ)) بعد الجيم ثاءان مثلّئتان، هكذا هو الصواب في ضبط
رواية الثلاثة، وذكر القاضي عياض تَّتُ أنه ضُبِط على ثلاثة أوجه: منهم مَن
ضبطه بالهمزة في المواضع الثلاثة، ومنهم مَن ضبطه بالثاء في المواضع الثلاثة،
قال القاضي: وأكثر الرواة للكتاب على أنه بالهمز في الموضعين الأوّلين، وهما
رواية يونس، وعُقيل، وبالثاء في الموضع الثالث، وهي رواية معمر، قال
النوويّ: وهذه الأقوال التي نقلها القاضي كلها خطأٌ ظاهرٌ، فإن مسلماً دَّثُ، قال
في رواية عُقيل: ثم ذكر بمثل حديث يونس، غير أنه قال: ((فَجُئِثْتُ منه فَرَقاً))، ثم
قال مسلم في رواية معمر: إنها نحو حديث يونس، إلا أنه قال: ((فجُثِثْت منه))،
كما قال عُقَيل، فهذا تصريح من مسلم بأنّ رواية معمر وعُقيل متفقتان في هذه
اللفظة، وأنهما مخالفتان لرواية يونس فيها، فبطل بذلك قولُ مَن قال: الثلاثة
بالثاء، أو الهمزة وبطل أيضاً قول مَن قال: إن رواية يونس وعُقيل متفقة، ورواية
معمر مخالفة لرواية عُقيل، وهذا ظاهرٌ لا خفاء به ولا شكّ فيه.
قال: وقد ذكر صاحب ((المطالع)) أيضاً رواياتٍ أُخَر باطلة مُصَحَّفَةً،
تركتُ حكايتها؛ لظهور بطلانها .
(١) ((القاموس)) ص ٥١٣.
(٢) ((إكمال المعلم)) ١/ ٦٥٢.

٤٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال: وأما معنى هذه اللفظة، فالروايتان بمعنى واحد، أعني: رواية الهمز
ورواية الثاء، ومعناها: فَزِعْتُ، ورُعِبْتُ.
وقد جاء في رواية البخاريّ: ((فَرُعِبْتُ))، قال أهل اللغة: جُئِثَ الرجلُ:
إذا فَزِعَ، فهو مَجْؤوثٌ، قال الخليل والكسائيّ: جُئِثَ، وجُثَّ، فهو مجؤوثٌ،
ومَجْثُوثٌ، أي: مذعورٌ، فَزِعٌ. انتهى(١).
وفي رواية يحيى بن أبي كثير: ((فأخذتني رَجْفةٌ شديدةٌ)).
(مِنْهُ) أي: من الملك الجالس على الكرسيّ (فَرَقاً) منصوب على أنه
مفعول مطلق لـ((جُئِثتُ)) من غير لفظه، كقدت جلُوساً، وهو بفتحتين مصدر فَرِقَ
بكسر الراء، من باب تَعِبَ: إذا خاف وفزع(٢). (فَرَجَعْتُ) أي: إلى أهله، ففي
رواية يحيى: («فأتيت خديجة، فقلت: دثّروني ... )) (فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي)
أمر من التزميل، أي: التلفيف، فهو بمعنى دّروني، وفي رواية للبخاريّ:
((فقلت: دثّروني)) (فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
[المدثر: ١]) قال العلماء: ((المدثر))، و((المزمل))، و((المتلفف))، و((المشتمل))
بمعنى واحد، ثم الجمهور على أن معناه: المدثر بثيابه، وحَكَى الماورديّ قولاً
عن عكرمة أن معناه: المدثر بالنبوة وأعبائها .
(﴿قُرْ فَأَنْذِرْ ﴾﴾ [المدثر: ٢]) أي: خَوِّف أهل مكة وحَذِّرهم العذاب إن
لم يُسْلِموا، وقيل: الإنذار هنا إعلامهم بنبوته؛ لأنه مقدمة الرسالة، وقيل: هو
دعاؤهم إلى التوحيد؛ لأنه المقصود بها، وقال الفراء: قُمْ، فَصَلِّ، وأُمر
بالصلاة (﴿وَرَبَّكَ فَكَّتِّرْ ﴾﴾ [المدثر: ٣]) أي: سَيِّدك، ومالكك، ومُصْلِح أمرك
فعَظّمه، وصِفْهُ بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة أو ولد، وقيل: إنهم قالوا: بم
تفتتح الصلاة؟ فنزلت: ﴿وَرَبَّكَ فَكَتِّرْ ﴾﴾ أي: وَصِفْه بأنه أكبر، قال ابن
العربي: وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة، فإنه مراد به التكبير
والتقديس والتنزيه، لخلع الأنداد والأصنام دونه، ولا تَتّخِذ وليّاً غيره، ولا تعبد
سواه، ولا تَرَ لغيره فعلاً إلا له، ولا نعمة إلا منه.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٧/٢.
(٢) ((المصباح)) ٤٧١/٢، و((القاموس)) ص٨٢٥.