Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
(٧٨) - بَابُ بَيَانِ الزَّمَانِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ فِيهِ الإِيمَانُ - حديث رقم (٤٠٦)
نصف الليل، صارت أبعد ما تكون إلى العرش، فحينئذ تسجد، وتستأذن في
الطلوع، كما جاءت في ذلك الأحاديث.
وقيل: المراد بِمُستقرِّها هو انتهاء سيرها، وهو غاية ارتفاعها في السماء
في الصيف، وهو أَوْجُها، ثم غاية انخفاضها في الشتاء، وهو الحضيض.
والقول الثاني: أن المراد بمستقرها هو منتهى سيرها، وهو يوم القيامة،
يَبطُل سيرها، وتسكن حركتها، وتُكَوَّر، ويَنتهِي هذا العالم إلى غايته، وهذا هو
مستقرها الزمانيّ.
قال قتادة: ﴿لِمُسْتَقَرِ لَّهَا﴾ [يسّ: ٣٨] أي: لوقتها لأَجَلِ لا تعدوه، وقيل:
المراد أنها لا تزال تنتقل في مطالعها الصيفية إلى مُدَّة لا تزيد عليها، ثم تنتقل في
مطالع الشتاء إلى مدة لا تزيد عليها، يُرْوَى هذا عن عبد الله بن عمرو رضيًّا.
وقرأ ابن مسعود، وابن عباس ظنّه: ((والشمس تجري لا مُسْتَقَرَّ لها))؛
أي: لا قَرَارَ لها، ولا سكون، بل هي سائرة ليلاً ونهاراً، لا تَفْتُر، ولا تَقِفُ،
كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣] أي:
لا يفتران، ولا يقفان إلى يوم القيامة. انتهى كلام ابن كثير دَّتُهُ باختصار(١).
وقال في ((الفتح)): وأما قوله: ((تحت العرش)) فقيل: هو حين محاذاتها، ولا
يخالف هذا قوله تعالى: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِ عَيْنٍ حَمِثَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]، فإن المراد بها
نهاية مُدْرَك البصر إليها حال الغروب، وسجودُها تحت العرش إنما هو بعد الغروب.
قال: وفي الحديث رَدٌّ على من زَعَمَ أن المراد بمستقرّها غاية ما تنتهي
إليه في الارتفاع، وذلك أطول يوم في السنة، وقيل: إلى منتهى أمرها عند
انتهاء الدنيا .
وقال الخطابيّ: يحتمل أن يكون المراد باستقرارها تحت العرش أنها
تستقر تحته استقراراً لا نحيط به نحن، ويحتمل أن يكون المعنى: أنّ عِلْمَ ما
سألت عنه(٢) من مُستقرِّها تحت العرش في كتاب كُتِب فيه ابتداءُ أمور العالم
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٣٦١/١١ - ٣٦٢.
(٢) هذا الكلام قاله الخطابيّ في شرحٍ قول أبي ذرّ ◌َُّه: سألت النبيّ وَله عن قول الله
تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأ ... ﴾، كما سيأتي آخر الباب.

٣٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ونهايتها، فيُقطع دورانُ الشمس، وتستقرّ عند ذلك، ويبطل فعلها، وليس في
سجودها كلَّ ليلة تحت العرش ما يُعِيق عن دورانها في سيرها .
قال الحافظ: وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار وقوعه في كل يوم
وليلة عند سجودها، ومقابل الاستقرار المسير الدائم المعبَّرُ عنه بالجَرْي، والله
أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى: القول بما دلّ عليه ظاهر الحديث من أن معنى
مستقرّها، أي: موضع استقرارها تحت العرش هو الحقّ؛ إذ لا يُنكَر أن يكون
لها استقرارٌ تحت العرش من حيث لا نُدركه، ولا نشاهده، وإنما أخبرنا عن
غيب، فلا نكذّبه، ولا نُكيّفه؛ لأن علمنا لا يُحيط به.
والحاصل أن كون مُستقرّها تحت العرش، وسجودها فيه على ظاهره؛ إذ
لا مانع من ذلك، فلا تلتفت إلى الأقوال المخالفة لظواهر النصوص حتى تكون
من ذوي الخصوص، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: استدلّ الطحاويّ تَخّْتُهُ بهذا الحديث على أن الشمس تغرُب في
السماء، وذكر قراءة من قرأ ((حامية)) يعني: حارّة، و﴿حَمنَةٍ﴾ من الحمأة
والطين، وقال: لا يبعد أن يوجد الطين في السماء، واستشهد بقوله تعالى:
﴿لِتُسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّنْ طِينٍ (٣)﴾ الآيتين [الذاريات: ٣٣].
وتعقّبه القاضي عياض، فقال: ولا حجة في هذا، فقد جاءت الآثار أن
العين الحَمِئة في الأرض، وهو ظاهر في القرآن في قوله تعالى: ﴿حَتٍَّ إِذَا بَلَغَ
مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِنَّةٍ﴾ الآية [الكهف: ٨٦]، وأما إرسال
الحجارة، فيُرسلها الله تعالى من حيث شاء، ويخلقها حيث يشاء. انتهى (٢).
(فَلَا تَزَالُ) الشمس (كَذَلِكَ)(٣) أي: على هذه الحالة، من سجودها تحت
العرش، وفي نسخة: ((فلا يزال كذلك)) بالياء التحتانيّة، أي: لا يزال الأمر
على ما ذُكر (حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي) أي: عن السجود (ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ
جِئْتِ) أي: من المكان الذي جئت منه، وهو مطلعها كلّ يوم (فَتَرْجِعُ) بفتح
(١) ((الفتح)) ٤٠٣/٨ ((كتاب التفسير)) رقم (٤٨٠٢ - ٤٨٠٣).
(٢) راجع: ((الإكمال)) ٦١٨/١ - ٦١٩.
(٣) وفي نسخة: ((فلا يزال كذلك)).

(٧٨) - بَابُ بَيَانِ الزَّمَانِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ فِيهِ الإِيمَانُ - حديث رقم (٤٠٦)
٣٤٣
أوله، وكسر ثالثه، يقال: رجع من سفره، وعن الأمر رَجْعاً، ورُجُوعاً،
ورُجْعَى، ومَرْجِعاً، قال ابن السّكِّيت: هو نقيض الذهاب، ويتعدّى بنفسه في
اللغة الفُصْحَى، فيقال: رَجَعته عن الشيء، وإليه، ورَجَعتُ الكلامَ وغيره؛ أي:
رددتُهُ، وبها جاء القرآن، قال تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٣] الآية،
وهُذَيلٌ تُعدّيه بالألف، قاله الفيّوميّ(١).
(فَتُصْبِحُ) بضم أوله، وكسر ثالثه، من الإصباح، وقوله: (طَالِعَةً) منصوب
على أنه خبر ((تُصبح))؛ لأنها من أخوات كان، ترفع الاسم، وتنصب الخبر،
واسمها ضمير الشمس، وقد ذكرها ابن مالك تَخّتُهُ في ((الخلاصة)) بقوله:
تَنْصِبُهُ كَـ«كَانَ سَيِّداً عُمَرْ))
تَرْفَعُ («كَانَ» المُبْتَدَا اسْماً وَالخَبَرْ
((أَمْسَى)) وَ((صَارَ)) (لَيْسَ)) ((زَالَ)) ((بَرِ حَا))
كَ(كَانَ))((ظَلَّ) (بَاتَ)) ((أَضْحَى)) ((أَصْبَحَا))
لِشِبْهِ نَفْي أَوْ لِنَفْي مُتْبَعَهْ
(فَتِئَ)) وَ((انْفَكَّ)) وَهَذِي الأَرْبَعَهْ
كَ ((أَعْطِ مَا ذُّمْتَ مُصِيبًاً دِرْهَمَا))
وَمِثْلُ ((كَانَ)) ((دَامَ)) مَسْبُوقاً بِـ ((مَا))
(مِنْ مَطْلِعِهَا) بكسر اللام، وفتحها، اسم مكان الطلوع، من طَلَعَ يطلُعُ،
من باب قعد، أي: محلّ طلوعها، وهو المشرق (ثُمَّ تَجْرِي) أي: تذهب سريعةً
(حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ، حَتَّى
يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتٍ، فَتَرْجِعُ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا،
ثُمَّ تَجْرِي، لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئاً) أي: لا يجهلون من حال الشمس شيئاً،
يقال: نَكِرَ فلانٌ الأمرَ، كفَرِحَ نَكَراً، محرَّكةً، ونُكْراً، ونُكُوراً بضمّهما،
ونكيراً، وأنكره، واستنكره، وتناكره: إذا جهله، قاله المجد(٢).
(حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي) وفي
نسخة: ((ارجعي)) (أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِك) بفتحِ أوّله، وكسر ثالثه: أي:
محلّ غروبك (فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا))، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((أَتَدْرُونَ) بهمزة
الاستفهام، وفي نسخة: ((تدرون)) بحذفها، أي: تعلمون؟ (مَتَى ذَاكُمْ؟) أيْ: في
أيِّ وقت يقع هذا الأمر (ذَاكَ حِينَ: ﴿لَا يَنَفَعُ نَفْسًا إِيَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ
كَسَبَتْ فِيَ إِيَنِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨])) قد تقدّم شرح هذه الآية مستوفّى في
(١) ((المصباح المنير)) ٢٢٠/١.
(٢) (القاموس المحيط)) ص٤٣٩.

٣٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
حديث أبي هريرة ربه الماضي أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ظُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) (٤٠٦/٧٨ و٤٠٧ و ٤٠٨ و٤٠٩]
(١٥٩)، و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٨٠٢ و٤٨٠٣)، و((التوحيد)) (٧٤٣٣)،
و(أحمد) في («مسنده)) (١٥٨/٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٢٠ و٣٢١
و٣٢٢ و٣٢٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٩٧ و ٣٩٨ و٣٩٩ و٤٠٠)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦١٥٢ و٦١٥٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(٤٢٩٣)، و(البيهقيّ) في ((الأسماء والصفات)) (ص٣٩٣)، و(الطحاويّ) في
((مشكل الآثار)) (٢٨١)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (١٤٢٠٤ و١٤٢٠٥
و١٤٢٢١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الوقت الذي لا يُقبل فيه الإيمان، وهذا هو وجه
المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): بيان أن النبيّ وَر أطلعه الله ◌ُعَلَ على بعض المغيّبات،
فحدّث به أمته حتى تؤمن به، وتستضيء بمعرفته؛ لأن بقدر سعة العرفان يتقوّى
إيقان الإنسان.
٣ - (ومنها): بيان بديع صنع الله تعالى، وعظيم حكمته، حيث سخّر
الشمس لإضاءة العالم كلّه على الدوام، حيث يستمرّ سيرها ودورها فيه.
٤ - (ومنها): إثبات العرش، وأنه فوق العالم كلّه؛ إذ هو سقفه.
٥ - (ومنها): إثبات سجود الشمس لله تعالى؛ كسائر المخلوقات، كما
قال الله وَى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِ السَّمَوْتِ وَالْأَرْضِ طَوَّعًا وَكَرْهَا وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُوِّ وَاْلَْصَالِ﴾
﴾ [الرعد: ١٥]، وقال: ﴿أَمَّ تَرَ أَتَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِى
الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجُ وَالدَّوَآتُ وَكَثِرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ

٣٤٥
(٧٨) - بَابُ بَيَانِ الزَّمَانِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ فِيهِ الإِيمَانُ - حديث رقم (٤٠٧)
(٨)﴾ [الحج:
عَلَيْهِ الْعَذَابُّ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن تُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾
١٨]، وقال: ﴿وَلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ مِن دَآبَةٍ وَالْمَلَكَةُ وَهُمْ لَا
يَسْتَكْبِرُونَ ﴾﴾
[النحل: ٤٩].
٦ - (ومنها): شدة حرص النبيّ وَ﴿ل على تعليم أمته ما ينفعهم، وإن لم
يوجّهوا السؤال إليه، حيث قال لهم: ((أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ ... )).
٧ - (ومنها): بيان تغيّر الأحوال في آخر الزمان، حيث ينعكس الأمر،
فتطلع الشمس من مغربها؛ إيذاناً بزوال هذه الدنيا.
٨ - (ومنها): بيان أن الإيمان والأعمال الصالحة لها وقت محدّد تنفع
فيه، فإذا انقضى ذلك الوقت لا تنفع، وهو طلوع الشمس من مغربها، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الکتاب قال:
[٤٠٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ
- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللهِ - عَنْ يُونُسَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ،
أَنَّ النَّبِيَّ وَ ﴿ قَالَ يَوْماً: ((أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ ... ))، بِمِثْلٍ مَعْنَى
حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ) (١).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ) هو: عبد الحميد بن بيان بن
زكريّا بن خالد بن أسلم، وقيل: بيان بن أبان، أبو الحسن بن أبي عيسى
العطار(٢) الواسطيّ السُّكَّريّ، صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن أبيه، وهُشيم، وخالد الطحان الواسطيّ، وإسحاق الأزرق،
ويزيد بن هارون، ومحمد بن يزيد، وغيرهم.
(١) وفي نسخة: ((بمثل حديث ... )) إلخ.
(٢) هكذا قال الحافظ المزّي، وقال الحافظ: قلت: قال أسلم في ((تاريخ واسط)): إنه
عُطارديّ؛ فيُحرَّر قول المزيّ فيه: العطّار. انتهى. ((تهذيب التهذيب)) ٤٧٣/٢.

٣٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وأسلم بن سهل، والحسن بن
علي العمريّ، وأبو زرعة، وعلي بن عبد الله بن بِشْر، والحسن بن سفيان،
ومحمد بن جرير، ومحمد بن محمد بن سليمان الباغَنْديّ، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال مسلمة: ثنا عنه ابنُ مُبَشِّر، وهو ثقة،
وقال بَحْشَل: تُوُفّي سنة أربع وأربعين ومائتين.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب سبعة
أحاديث فقط، هذا (١٥٩)، وحديث (٣٨٩): ((إذا أذّن المؤذِّن أدبر
الشيطان ... ))، و(٥٩٧): ((من سبّح الله في دبر كل صلاة ... ))، و(١٩١٥):
((ما تعُدّون الشهيد فيكم؟ ... ))، و(٢٤٧٥): ((ما حجبني رسول الله وَل منذ
أسلمت ... ))، و(٢٤٧٦): ((هل أنت مريحي من ذي الخلصة؟ ... ))،
و(٢٧١٣): ((اللهم رب السموات، وربّ الأرض ... )).
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطّحّان أبو الهَيْثَم،
ويقال: أبو محمد المُزَنيّ مولاهم الواسطيّ، ثقةٌ ثبت [٨].
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر، وحميد الطويل،
وسليمان التيميّ، وأبي ◌ُوَالة، وابن عون، وخالد الحذّاء، وعمرو بن يحيى بن
عُمَارة، ومُطَرِّف بن طَرِيف، وسهيل بن أبي صالح، وداود بن أبي هند، وأبي
إسحاق الشيبانيّ، وأبي حيان التيميّ، ويونس بن عبيد، وجماعة.
ورَوَى عنه زيد بن الحُبَاب، وعبد الرحمن بن مهديّ، ووكيع، ويحيى
القطان، وعَفّان، وعمرو بن عون، ومُسَدَّد، وسعيد بن منصور، وابنه محمد بن
خالد، ومحمد الدُّولابيّ، وإسحاق بن شاهين الواسطيّ، وقتيبة، وآخرون.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان خالد الطحان ثقةً صالحاً في دينه،
وهو أحب إلينا من هُشيم، وقال ابن سعد، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وقال
أبو حاتم: ثقةٌ، صحيح الحديث، وقال الترمذيّ: ثقةٌ حافظ، وقال أبو داود:
قال إسحاق الأزرق: ما رأيت أفضل من خالد الطحان، قيل: قد رأيتَ سفيان؟
قال: كان سفيان رجلَ نفسِهِ، وكان خالد رجلَ عامة، وسئل محمد بن عَمّار عن
جرير وخالد: أيهما أثبت؟ فقال: خالد، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال
أبو زرعة: لم يَسْمَع من الأعمش، حكاه ابن أبي حاتم عنه في ((المراسيل)).

٣٤٧
(٧٨) - بَابُ بَيَانِ الزَّمَانِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ فِيهِ الإِيمَانُ - حديث رقم (٤٠٧)
قال عبد الحميد بن بيان، ويعقوب بن سفيان، وعلي بن عبد الله بن
مُبَشِّر: مات سنة (١٧٩)، زاد عليّ: وُلِد سنة (١١٠)، وقال خليفة، ومحمد بن
سعد: مات سنة (١٨٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٢) حديثاً.
[تنبيه]: وقع في ((التمهيد)) لابن عبد البر في ترجمة يحيى بن سعيد في
الكلام على حديث البياضيّ في النهي عن الجهر بالقرآن بالليل: رواه خالد
الطّان عن مُطَرِّف، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ نحوه، وقال:
تفرد به خالد، وهو ضعيف، وإسناده کله ليس مما يُخْتَجّ به. انتهى.
وتعقّبه الحافظ تَذَتُهُ، حيث قال بعد ذكر كلامه المذكور: قلت: وهي
مجازفة ضعيفة، فإن الكل ثقاتٌ، إلا الحارث، فليس فيهم ممن لا يحتج به
غيره. انتهى، وهو تعقّب حسنٌّ، والله تعالى أعلم.
والباقون تقدّموا في الحديث الماضي، و((يونس))، هو ابن عُبيد، وقد
سبق الكلام فيه.
وقوله: (بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ) وفي نسخة: ((بمثل حديث ابن
عليّة))، يعني: أن رواية خالد الطحّان عن يونس بمعنى حديث إسماعيل ابن
عليّة، عنه، لا بلفظه، كما يتبيّن في التنبيه التالي.
[تنبيه]: رواية خالد الطحّان التي أحالها المصنّف هنا على رواية ابن
عليّة، قد أخرجها الحافظ أبو عوانة في ((مسنده))، حيث قال (١٠٧/١):
حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا خالد،
عن يونس، عن إبراهيم التيميّ، عن أبيه، عن أبي ذرّ، أن النبيّ وَّه قال: («أتدرون
أين تذهب هذه الشمس؟))، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((إنها تَجْرِي لمستقر لها
تحت العرش، فتخر ساجدةً، فلا تزال كذلك، حتى يقال لها: ارتفعي، فارجعي
من حيث جئتٍ، فتصبح طالعةً في مطلعها، فتجري لا يُنْكِر الناس منها شيئاً، فيقال
لها: اطلُعي من مغربك - قال : - فتصبح طالعةً من مغربها))، فقال رسول الله وَ له :
((أتدرون أيُّ يوم ذلك؟))، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((ذاك يوم ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا
إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]))، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٣٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٠٨] (.) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لَأَبِي
كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
أَبِي ذُرِّ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللهِ وَِّ جَالِسٌ، فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمْسُ، قَالَ:
(يَا أَبَا ذَرٍّ، هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟))(١)، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:
(فَإِنَّهَا تَذْهَبُ، فَتَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ، فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ
جِئْتٍ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا))، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ: ((وَذَلِكَ مُسْتَقَرٍّ لَهَا))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ،
أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩]
(ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧.
٢ - (الْأَعْمَشُ) هو: سليمان بن مِهْران الأسديّ، أبو محمد الكوفيّ
الحافظ الحجة الثبت [٥] (ت١٤٧) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧.
والباقون تقدّموا قريباً.
وقوله: (دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ) أي: النبويّ، فـ((أل)) للعهد الذهنيّ.
وقوله: (وَرَسُولُ اللهِ وَّهِ جَالِسٌ) جملة في محلّ نصب على الحال،
والرابط الواو، أو الضمير الذي في مُتَعَلَّقِ ((جالس))؛ إذ تقديره: ((جالسٌ فيه))،
وإلى هذا أشار ابن مالك تَخُّْ في ((الخلاصة)) حيث قال:
بِوَاوٍ أَوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا
وَجُمْلَةُ الحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا
وقوله: (أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟))) وفي نسخة: ((هذه الشمس؟)).
قَالَ: قُلْتُ: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّهَا تَذْهَبُ، فَتَسْتَأْذِنُ فِي
السُّجُودِ، فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا ... )) إلخ؛ ((كأنّ)) هنا للتحقيق كما هو
مذهب الكوفيين والزجاج، كما في قول الشاعر [من الوافر]:
(١) وفي نسخة: ((أين تذهب هذه الشمس ... )) إلخ.

٣٤٩
(٧٨) - بَابُ بَيَانِ الزَّمَانِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ فِيهِ الإِيمَانُ - حديث رقم (٤٠٩)
كَأَنَّ الأَرْضَ لَيْسَ بِهَا هِشَامُ
فَأَصْبَحَ بَظْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا
أي: لأن الأرض؛ إذ لا يكون تشبيهاً؛ لأنه ليس في الأرض حقيقة،
قاله ابن هشام تَّثُ في ((مغنيه))(١) .
وقوله: (قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ظُه، يعني: أنه وَلـ
قرأ هذه الآية بما كان يقرأ عبد الله بن مسعود نظابه بعده وَطاهر، وقد تقدّم مباحث
الحديث مستوفّى قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٠٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ
إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْأَشَجُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ
التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى:
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأَ﴾ [يَس: ٣٨]، قَالَ: ((مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُ) هو: عبد الله بن سعيد بن حُصين الكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ،
من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١٧/٤، وهو ممن اتّفق الأئمة
الستة، أصحاب الأصول بالرواية عنهم بلا واسطة، وقد سبق ذكرهم غير مرّة.
والباقون تقدّموا قريباً، و((إسحاق)) هو: ابن راهويه، و((وكيع)) هو: ابن
الجرّاح.
وقوله: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِهِ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ... إلخ) قال في ((الفتح))
كذا رواه وكيع عن الأعمش مُخْتَصَراً، وهو بالمعنى، فإن في الرواية الأولى أن
النبيّ وَّل هو الذي استفهمه: ((أتدري أين تغرب الشمس؟))، فقال: الله ورسوله
أعلم ... إلخ. انتهى (٢).
(١) راجع: ((مغني اللبيب)) ١٩٢/١ تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.
(٢) ((الفتح)) ٤٠٣/٨ ((كتاب التفسير)) رقم (٤٨٠٢ - ٤٨٠٣).

٣٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقوله: ﴿﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأَ﴾ [يَس: ٣٨]) قال أبو سليمان
الخطّابِيّ تَّتُهُ: إن أهل التفسير، وأصحاب المعاني قالوا فيه قولين، قال
بعضهم: معناه أي لأجلٍ قُدّر لها؛ يعني: انقطاع مدّة بقاء العالم، وقال
بعضهم: مُستقرّها غاية ما تنتهي إليه في صعودها وارتفاعها لأطول يوم في
الصيف، ثم تأخذ حتى تنتهي إلى أقصى مشارق الشتاء لأقصر يوم في السنة.
وأما قوله وَله: ((مستقرّها تحت العرش)) فلا ننكر أن يكون لها استقرار
تحت العرش من حيث لا نُدركه، ولا نشاهده، وإنما أخبر عن غيب، فلا
نكذّب به، ولا نكيّفه؛ لأن علمنا لا يُحيط به، ويحتمل أن يكون المعنى: أن
علمَ ما سألت عنه من مستقرّها تحت العرش في كتاب كُتب فيه مبادئ أمور
العالم، ونهاياتها، والوقت الذي تنتهي به مدّتها، فينقطع دوران الشمس،
وتستقرّ عند ذلك، فيبطل فعلها، وهو اللوح المحفوظ.
قال الجامع عفا الله عنه: بُعد هذا الاحتمال عن سياق الحديث مما لا
يخفى على الفطن؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال الخطابيّ أيضاً: وفي هذا إخبار عن سجود الشمس تحت العرش،
فلا يُنكر أن يكون ذلك عند محاذاتها العرش في مسيرها، وليس في سجودها
تحت العرش ما يَعُوقها عن الدأب في سيرها، والتصرّف لما سُخِّرت له.
وأما قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِىِ عَيْنٍ حَمِنَةٍ﴾
الآية [الكهف: ٨٦]، فهو نهاية مُدرَك البصر إياها حالة الغروب، ومصيرها تحت
العرش للسجود إنما هو بعد الغروب، وليس معنى قوله: ﴿تَغْرُبُ فِ عَيْنٍ حَمثَةٍ﴾
[الكهف: ٨٦] أنها تسقط في تلك العين فتغمرها، وإنما هو خبر عن الغاية التي
بلغها ذو القرنين في مسيره حتى لم يجد وراءها مسلكاً، فوجد الشمس تتدلّى
عند غروبها فوق هذه العين، وكذلك يتراءى غروب الشمس لمن كان في
البحر، وهو لا يرى الساحل، كأنها تغيب في البحر، والله أعلم.
وقوله ◌َالَ: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾﴾ [الرحمن: ٥]، وقوله تعالى:
﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: ٩٦]؛ أي: يجريان بحساب معلوم، وعلى
منازل ومقادير لا يُجاوزانها، قال الله ◌ُعَالَ: ﴿وَاَلْقَمَرَ قَذَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ
[يس: ٣٩]، وقيل: حسبان جمع حساب، وقوله تعالى :
كَالْعُجُونِ اَلْقَدِيمِ

٣٥١
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّرَ - حديث رقم (٤١٠)
﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِنَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]؛ أي: في رأي العين، فمن قرأها
﴿حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] بلا همز أراد الحارّة، ومن قرأ: ﴿حَمنَةٍ﴾ بلا ألف مهموزاً
أراد عيناً ذات حمأة، يقال: حَمَأْتُ البئرَ: إذا نَزَعْتَ منها الحمأةَ، وأحمأتها:
إذا ألقيتَ فيها الحمأة. انتهى، ذكره البغويّ في ((شرح السنّة))(١) .
وأغرب الألوسيّ في ((تفسيره)) (١٤/٢٣) حيث قال: إن للشمس نفساً،
كما قيل في الأفلاك، فتنسلخ منها، وتسجد تحت العرش. وهذا منه خوضٌ
فيما لا عِلْمَ له به، والواجب أن نُصدّق أنها تسجد تحت العرش، كما ورد في
النصّ، ولا يجب علينا معرفة كيفيّة سجودها، ولا يجوز لأحد أن يخوض فيما
لا يعلمه، فقد نهى الله تعالى عن ذلك، حيث قال: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ.
[الإسراء: ٣٦]، والله
عِلّؤْ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
(٧٩) - (بَابُ بَدْءِ الْوَحْي إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلَّهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الکتاب قال:
[٤١٠] (١٦٠) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عَمْرِو بْنِ سَرْحِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي (٢) يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
قَالَ: حَدَّثَنِي عُزَّوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ نَّهِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ
أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى
رُؤْيَا، إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبَّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ،
يَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ أُوْلَاتِ الْعَدَدِ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ
لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ، وَهُوَ فِي غَارِ
(١) راجع: ((شرح السنّة)) ٩٥/١٥ -٠٩٦ (٢) وفي نسخة ((أخبرنا)).

٣٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: ((مَا أَنَا بِقَارِئٍ))، قَالَ(١): ((فَأَخَذَنِي،
فَغَطَّنِي، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ)، قَالَ: ((قُلْتُ: مَا أَنَا
بِقَارِئٍ)»، قَالَ: ((فَأَخَذَنِي، فَغَطَِّي الثَّانِيَةَ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ:
اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّالِئَةَ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ
آقْرَأْ وَرَبُّكَ آلْأَكْرَمُ
﴿٤ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ
أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِى خَلَقَ
الَّذِى عَلََّ بِلْقَلَمِ ﴿ عَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعَ ﴾﴾ [العلق: ١ -٥]»، فَرَجَعَ بِهَا
٣
رَسُولُ اللهِ وَّهِ تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ: ((زَمِّلُونِي،
زَمِّلُونِي)»، فَزَمَّلُوهُ، حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ: ((أَْ خَدِيجَةُ، مَا
لِي؟))، وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، قَالَ: ((لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي))، قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كَلَّا،
أَبْشِرْ، فَوَ اللهِ لَا يُخْزِيَكَ اللهُ أَبَداً، وَاللهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ،
وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ.
فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ، حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَهُوَ ابْنُ
عَمِّ خَدِيجَةَ، أَخِي أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَأَ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ
الْعَرَبِيَّ، وَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخاً كَبِيراً، قَدْ
عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيْ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيَكَ، قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ: يَا
ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ وَهُ خَبَرَ مَا رَآهُ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا
النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى وَّهِ، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعاً، يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيّاًّ حِينَ
يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟))، قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ
رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ (٢) إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْلَكَ نَصْراً مُؤَزَّراً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ)
المصريّ، ثقة [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
(١) وفي نسخة: ((فقال)).
(٢) وفي نسخة: ((بمثل ما جئت به)).

٣٥٣
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ الله ◌َِّ ـ حديث رقم (٤١٠)
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو
محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة))
١٠/٣.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: أبو بكر، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن
عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرَة الفقيه، نُسِب إلى جدّ جدّه؛
لشهرته، الزهريّ، نُسِب إلى جدّه الأعلى زُهْرَة بن كلاب، وهو من رهط آمنة
أم النبيّ وَّ، اتفقوا على إتقانه وإمامته، من رؤوس [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدّم
في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨.
٥ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام بن خُوَيلد الأسديّ، أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص٤٠٧.
٦ - (عائشة) بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين صديقا (ت٥٧) (ع)
تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رَذَلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوی شیخه، فقد تفرّد به هو،
وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني مسلسلٌ
بالمدنیین .
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدّم ذكرهم غير
مرّة.
٦ - (ومنها): أن عائشة ويُها من المكثرين السبعة، كما سبق بيانه في
ترجمتها آنفاً، والله تعالى أعلم.

٣٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
شرح الحديث :
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ
الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ) ◌َهَا (زَوْجَ النَّبِيِّ وَِّهِ) بالنصب على البدليّة، ويجوز قطعه
على تقدير ((هي))، ونصبه بتقدير ((أعني)) (أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ
رَسُولُ اللهِ وَلَ) برفع ((أولُ)) على أنه مبتدأ خبره ((الرؤيا ... إلخ).
[تنبيه]: قال النوويّ تَخَّلهُ: هذا الحديث من مراسيل الصحابة ظه، فإن
عائشة رضيٌّا لم تُدرك هذه القضيّة، والقاعدة أن من حكى قصّة لم يدركها يكون
منقطعاً، كما قال السيوطيّ تَخْتُ في ((ألفيّة الحديث)):
وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ قِصَّةً رَوَى مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعاً حَوَى
فيحتمل أن تكون عائشة ﴿يا سمعتها من النبيّ وَ﴾، أو من بعض
الصحابة، وقد سبق في ((شرح المقدّمة)) أن مرسل الصحابيّ حجة عند جمهور
العلماء، إلا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ، وإلى هذا أشار
السيوطيّ تَخْتُ في ((ألفيّة الحديث)) حيث قال:
وَمُرْسَلُ الصَّاحِبِ وَصْلٌ فِي الأَصَحْ
كَسَامِعِ فِي كُفْرِهِ ثُمَّ انَّضَحْ
رَآهُ لَا مُـمَيِّزاً لَا تَحْتَ ذِي
إِسْلَامُهُ بَعْدَ وَفَاةٍ وَالَّذِي
وقال الطيبيّ تَظْلَُّ بعد ذكره كلام النوويّ المذكور ما نصّه: أقول:
والظاهر أنها سمعت من النبيّ وَل﴿؛ لقولها: قال: ((فأخذني، فغطّني))، فيكون
قولها: ((أولُ ما بدئ به رسول الله وَ الر من الوحي)) حكاية ما تلفّظ به وَلّ،
كقوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ﴾ الآية [آل عمران: ١٢] بالتاء والياء
على تأويل أن النبيّ وَسير يؤدّي لفظ ما أوحي إليه، أو معناه، فلا يكون الحديث
حينئذ من المراسيل. انتهى (١).
[تنبيه آخر]: قال في ((الفتح)) بعد نقل كلام النوويّ من أن هذا من
مراسيل الصحابة؛ لأن عائشة لم تدرك هذه القصة ... إلخ، ما نصّه: وتعقّبه
مَن لم يَفْهَم مراده، فقال: إذا كان يجوز أنها سمعتها من النبيّ وَّ، فكيف
يَجزِم بأنها من المراسيل؟.
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٧١٤/١٢.

٣٥٥
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلّى - حديث رقم (٤١٠)
[والجواب]: أن مرسل الصحابي ما يَرويه من الأمور التي لم يُدرك
زمانها، بخلاف الأمور التي يدرك زمانها، فإنها لا يقال: إنها مرسلة، بل
يُحْمَل على أنه سمعها، أو حضرها، ولو لم يُصَرِّح بذلك، ولا يختص هذا
بمرسل الصحابيّ، بل مرسل التابعي إذا ذَكَر قصة لم يحضرها سُمِّيت مرسلةً،
ولو جاز في نفس الأمر أن يكون سَمِعها من الصحابي الذي وقعت له تلك
القصة، وأما الأمور التي يُدركها فيُحْمَل على أنه سمعها أو حضرها، لكن
بشرط أن يكون سالِماً من التدليس.
قال: ويؤيد أنها سمعت ذلك من النبيّ وَّله قولها في أثناء هذا الحديث:
((فجاءه الملك، فقال: اقرأ، فقال رسول الله وَ﴾: ما أنا بقارئٍ، قال:
فأخذني ... )) إلى آخره، فقوله: ((قال: فأخذني، فَغَطّني)) ظاهر في أن النبيّ ◌َّ
أخبرها بذلك، فتُحمَل بقية الحديث عليه. انتهى(١).
وقوله: (مِنَ الْوَحْي) يحتمل أن تكون ((من)) فيه تبعيضية؛ أي: من أقسام
الوحي، ويحتمل أن تكون بيانيةً، ورجحه القَزّاز(٢)، قاله في ((الفتح))(٣).
وقال القاضي عياض: وقال أبو عبد الله القزّاز: قوله: ((من الوحي))،
(من)) هنا لإبانة الجنس، كأنه قال: من جنس الوحي، وليست من الوحي،
فتكون ((من)) للتبعيض، ولذلك قال: ((في النوم))، ورؤيا الأنبياء في الصحّة
کالوحي. انتھی.
قال القاضي: قد جاء في الحديث الآخر أنها جزء من أجزاء النبوّة،
وقدّمنا أنها من جملة خصالها، والوحي أنواع وضُرُوب، وينطلق على معانٍ،
فلا يبعد أن تكون ((من)) للتبعيض على هذا، وأصله الإعلام، ورؤيا المنام
إعلام، وإنذار، وبِشارة. انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن رؤيا الأنبياء وحيّ، وليس مثله، وقد
(١) ((الفتح)) ٨/ ٥٨٧ ((كتاب التفسير)) رقم (٤٩٥٤).
(٢) هو محمد بن جعفر أبو عبد الله التميميّ القيروانيّ، أحد كبار اللغويين، صاحب
((الجامع)) في اللغة، توفّي سنة (٤١٢هـ). ((بغية الوعاة)).
(٣) ((الفتح)) ٣١/١.
(٤) ((إكمال المعلم)) ١/ ٦٢٠ - ٦٢١.

٣٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ثبت في ((الصحيحين)) قوله وَّي: ((الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً
من النبوّة))، هذا في مطلق الرؤيا، فما بالك في رؤيا الأنبياء؟ وقد صحّ عن ابن
عبّاس ﴿ًّا أنه قال: رؤيا الأنبياء وحيٌّ(١).
والحاصل أن كون ((من)) للتبعيض هو الحقّ، على أن كونها للجنس أيضاً
لا ينافي معنى البعضيّة، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم.
والمقصود أن أول ما بدئ به وَّل# في أول المبتدءات من إيجاد الوحي
الرؤيا، وأما مطلق ما يَدُلّ على نبوته، فتقدمت له أشياء، مثل تسليم الحجر،
كما ثبت في ((صحيح مسلم)) من حديث جابر بن سمرة ظه، وما سمعه من
بَحِيرا الراهب، وهو عند الترمذي بإسناد قويّ، عن أبي موسى، ثم ما سمعه
عند بناء الكعبة، حيث قيل له: ((اشدُد عليك إزارك))، وهو في ((صحيح
البخاريّ)) من حديث جابر
(الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ) أي: التي ليس فيها ضِغْتٌ، ولا تلبيس شيطان، ووقع
عند البخاريّ من طريق عُقيل عن ابن شهاب بلفظ: ((الرؤيا الصالحة))، وكلاهما
بمعنَّى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حقّ الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور
الدنيا، فالصالحة في الأصل أخصّ، فرؤيا النبيّ كلها صادقة، وقد تكون
صالحةً، وهي الأكثر، وغير صالحة بالنسبة للدنيا، كما وقع في الرؤيا يوم
أحد، وأما رؤيا غير الأنبياء فبينهما عموم وخصوص، إن فَسَّرنا الصادقة بأنها
التي لا تَحتاج إلى تعبير وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث، فالصالحة أخَصُّ
مطلقاً، وقال الإمام نصر بن يعقوب الدِّينَوريّ في ((التعبير القادري)): الرؤيا
الصادقة ما يقع بعينه، أو ما يُعَبَّر في المنام، أو يُخبِر به ما لا يكذب،
والصالحة ما يَسُرّ. انتهى(٢).
وقال القاضي عياضٌ تَخْذَلُهُ: في هذا حكمة من الله تعالى، وتدريج
لنبيّه وَ﴿ لِمَا أراد الله به جلّ اسمه؛ لئلا يَفْجَأه الملك، ويأتيه صريح النبوّة
بغتةً، فلا يتحمّلها قُوَى البشريّة، فبدئ بأوائل خصال النبوّة، وتباشير الكرامة،
(١) انظر: ((صحيح الترمذيّ)) للشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى رقم (٦٢٠).
(٢) ((الفتح)) ٣٧١/١٢ ((كتاب التعبير)) رقم (٦٩٨٢).

٣٥٧
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْيٍ إِلَى رَسُولِ اللهِوَ ارِ - حديث رقم (٤١٠)
من صدق الرؤيا، وما جاء في الحديث الآخر من رؤية الضوء، وسماع
الصوت، وسلام الحجر والشجر عليه بالنبوّة حتى استشعر عظیم ما يُراد به،
واستعدَّ لما ينتظرَّه، فلم يأتِه الملك إلا بأمر عنده مقدَّماته، وبِشاراته. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: أراد بقوله: ما جاء في الحديث الآخر ... إلخ
ما أخرجه المصنّف تَخْذَلُهُ في ((كتاب الفضائل)) (٢٣٥٣) عن ابن عباس
قال: أقام رسول الله وَ ل﴿ بمكة خمس عشرة سنة يَسمَع الصوت، ويَرَى الضوءَ
سبع سنين، ولا يَرَى شيئاً، وثمان سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشراً)).
وما أخرجه أيضاً فيه (٢٢٧٧) عن جابر بن سمرة ظًّا قال: قال
رسول الله وَله: ((إني لأعرف حجراً بمكة، كان يُسَلِّم عليّ قبل أن أُبْعَثَ، إني
لأعرفه الآن)».
وما أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٦٢٠/٢) عن عليّ رَُّله: ((كنا مع
رسول الله وَه بمكة، فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجر، ولا جبل
إلا قال: السلام عليك يا رسول الله))، قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم
يُخرجاه، ووافقه الذهبيّ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فِي النَّوْم) لزيادة الإيضاح، أو ليُخْرِج رؤيا العين في اليقظة؛
لجواز إطلاقها مجازاً (فَكَانَ) وَلِ (لَا يَرَى رُؤْيَا) بوزن فُعْلى بضمّ، فسكون
مقصوراً ممنوعٌ من الصرف؛ لألف التأنيث، قال المجد تَخْتُ: ((الرؤيا)): ما
رأيته في منامك، جمعه رُؤَى، كَهُدّى. انتهى(٢). وقال العينيّ تَّتُهُ: ((الرؤيا))
على وزن فُعْلى، كحُبْلَى، يقال: رأى رؤيا بلا تنوين، وجمعها رُؤَّى بالتنوين
على وزن دُعَّى. انتهى (٣). (إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ) بنصب ((مِثْلَ)) على
الحال؛ أي: مُشْبِهَةً ضِيَاءَ الصبح، أو على أنه صفة لمحذوف؛ أي: جاءت
مجيئاً مثل فلق الصبح، والمراد بفلق الصبح ضياؤه، وخُصَّ بالتشبيه؛ لظهوره
الواضح الذي لا شك فيه.
وقال النوويّ رَّتُهُ: قال أهل اللغة: فَلَقُ الصبح، وفَرَقُ الصبح - بفتح
(١) ((إكمال المعلم)) ٦١٩/١ - ٦٢٠.
(٣) ((عمدة القاري)) ٩١/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص ١١٥٧.

٣٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الفاء واللام والراء -: هو ضياؤه، وإنما يقال هذا في الشيء الواضح البَيِّن.
انتھی(١).
وقال القاضي البيضاويّ كَّتُهُ: شُبّه ما جاءه في اليقظة، ووَجَده في
الخارج طِبقاً لما رآه في المنام بالصبح في إنارته ووضوحه، والفَلَق: الصبح،
لكنه لَمّا كان مستعمَلاً في هذا المعنى، وفي غيره أُضيف إليه للتخصيص والبيان
إضافةَ العامّ إلى الخاصّ، كقولهم: عين الشيء، ونفسه.
قال الطيبيّ تَخُّْهُ: للفلق شأن عظيمٌ، ولذلك جاء وصفاً لله تعالى في
قوله ◌َالَ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، وأَمَرَ بالاستعاذة بربّ الفلق؛ لأنه يُنبئ
عن انشقاق ظلمة عالم الشهادة، وطلوع تباشير الصبح بظهور سلطان الشمس،
وإشراقها الآفاقَ، كما أن الرؤيا الصالحة مبشّرات تنبئ عن وفود أنوار عالم
الغيب، وآثار مطالع الهدايات، شُبّه به الرؤيا التي هي جزء يسير من أجزاء
النبوّة، وتنبيهٌ من تنبيهاتها لمشتركي العقول على ثبوت النبوّة؛ لأن النبيّ إنما
سُمّي نبيّاً لأنه يُنبئ عن عالم الغيب الذي لا تستقلّ العقول بإدراكه. انتهى كلام
الطيبيّ ◌َظَّثُ(٢).
وقال ابن أبي جمرة تَخُّْ: إنما شَبّهها بفَلَق الصبح دون غيره؛ لأن شمس
النبوة كانت الرؤيا مبادي أنوارها، فما زال ذلك النور يَتَّسِع حتى أشرقت
الشمس، فَمَن كان باطنه نوريّاً كان في التصديق بَكْريّاً؛ كأبي بكر، ومن كان
باطنه مظلماً، كان في التكذيب خُفّاشاً؛ كأبي جهل، وبقية الناس بين هاتين
المنزلتين، كل منهم بقدر ما أُعطي من النور. انتهى (٣).
(ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ) ببناء الفعل للمجهول؛ لعدم تَحَقُّق الباعث على
ذلك، وإن كان كلٌّ من عند الله، أو للتنبيه على أنه لم يكن من باعث البشر،
أو يكون ذلك من وحي الإلهام.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٧/٢.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٧١٤/١٢ - ٣٧١٥.
(٣) راجع: ((الفتح)) ٣٧١/١٢ ((كتاب التعبير)).

٣٥٩
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ - حديث رقم (٤١٠)
و((الخلاء)) بالمدّ: الخلوة، والسرُّ فيه أن الخلوة فيها فراغ القلب لما
يتوجه له، وهي شأن الصالحين، وعباد الله العارفين.
ثم إن التعبير بـ(ثُمّ)) ظاهرٌ في أن الرؤيا الصادقة كانت قبل أن يُحَبَّب إليه
الخلاء، ويحتمل أن تكون لترتيب الإخبار، فيكون تحبيب الخلوة سابقاً على
الرؤيا الصادقة، والأول أظهر (١).
قال الخطابيّ تَخَّتُهُ: إنما حُبّب إليه الخلوة؛ لأن معها فراغَ القلب، وهي
معينة على التفكّر، وبها ينقطع عن مألوفات البشر، ويخشع قلبه، ويُجمع همّه،
فالمخلص في الخلوة يفتح الله عليه ما يؤنسه في خلوته تعويضاً من الله تعالى
إياه عما تركه لأجله، واستنار قلبه بنور الغيب حتى تذهب ظلمة النفس،
واختيار الخلوة لسلامة الدين، وتفقّد أحوال النفس، وإخلاص العمل لله
تعالى. انتهى(٢).
(فَكَانَ) وَ (يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ) الغار: الكهف، والنَقْبُ في الجبل،
وجمعه غِيران، والمغار والمغارة بمعنى الغار، وتصغير الغار غُوير (٣) ..
و((حراء)): بالمدّ، وكسر أوله، قال في ((الفتح)): كذا في الرواية، وهو
صحيح، وفي رواية الأصيليّ بالفتح والقصر، وقد حُكِي أيضاً، وحُكيَ فيه غير
ذلك جوازاً، لا روايةً، وهو جبل معروف بمكة(٤).
وقال النوويّ تَخُّْ: وأما ((حِرَاء)) فبكسر الحاء المهملة، وتخفيف الراء
وبالمد، وهو مصروف، ومذكّر، هذا هو الصحيح، وقال القاضي فيه لغتان:
التذكير والتأنيث، والتذكير أكثر، فمن ذَكَّرَه صَرَفه، ومن أَنَّته لم يَصرِفه، وأراد
البقعة، أو الجهة التي فيها الجبل، قال القاضي: وقال بعضهم فيه: حَرَى بفتح
الحاء والقصر، وهذا ليس بشيء، قال أبو عمر الزاهد، صاحب ثعلب، وأبو
سليمان الخطابيّ، وغيرهما: أصحابُ الحديث، والعوامُّ يُخطِؤون في حِرَاء في
(١) ((الفتح)) ٨/ ٥٨٧ ((كتاب التفسير)) (٤٩٥٤).
(٢) راجع: ((الكاشف)) ٣٧١٦/١٢.
(٤) ((الفتح)) ٣١/١.
(٣) ((شرح النووي)) ١٩٨/٢.

٣٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ثلاثة مواضع: يفتحون الحاء، وهي مكسورة، ويكسرون الراء، وهي مفتوحة،
ويقصرون الألف، وهي ممدودة.
وحِراءٌ: جبلٌ بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال، عن يسار الذاهب من مكة
(١)
إلى منى. انتهى(١) .
قال ابن أبي جمرة تَخّْثُ: الحكمة في تخصيصه حراء بالتخلي فيه أن
المقيم فيه كان يمكنه رؤية الكعبة، فيجتمع لمن يخلو فيه ثلاثة عبادات:
الخلوة، والتعبد، والنظر إلى البيت.
وقال الحافظ: وكأنه مما بقي عندهم من أمور الشرع على سنن
الاعتكاف، وكانت قريش تفعله كما كانت تصوم عاشوراء، قال: وإنما لم
ينازعوا النبيّ وَّر في غار حراء مع مزيد الفضل فيه على غيره؛ لأن جدّه
عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش، وكانوا يعظمونه لجلالته، وکِبَرِ
سِنِّه، فتبعه على ذلك مَن كان يَتَأَلَّه، فكان وَ﴿ يخلو بمكان جدّه، وسَلّم له
ذلك أعمامه؛ لكرامته عليهم. انتهى (٢).
(يَتَحَثَّثُ فِيهِ) هي بمعنى يَتَحَنَّف؛ أي: يتبع الحنيفية، وهي دین إبراهيم،
والفاء تبدل ثاء في كثير من كلامهم، وقد وقع في رواية ابن هشام في ((السيرة))
(يَتَحَنَّفُ)) بالفاء، أو التحنث: إلقاء الحِنْث، وهو الإثم، كما قيل: يَتَأَثَّم،
ويَتَحَرَّج، ونحوهما، قاله في ((الفتح)(٣).
وقال النوويّ كَذَلُهُ: وأما التّحَنُّث بالحاء المهملة والنون والثاء المثلّثة،
فقد فَسَّره بالتعبد، وهو تفسير صحيح، وأصل الحِنْث الإثم، فمعنى يتحَنَّث:
يتجنَّب الحنثَ، فكأنه بعبادته يَمنَع نفسه من الحنث، ومثل يتحنث يتحرَّج،
ويتأثَّم؛ أي: يتجنب الحرج والإثم. انتهى (٤).
وقوله: (وَهُوَ التَّعَبُّدُ) مُدْرَج في الخبر، وهو من تفسير الزهريّ ◌َّتُهُ، كما
(١) ((إكمال المعلم)) ٦٢١/١ - ٦٢٢، و((شرح النوويّ)) ١٩٨/٢.
(٢) («الفتح» ٣٧١/١٢ - ٣٧٢.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٩٨/٢.
(٣) ((الفتح)) ٣١/١.