Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
(٧٧) - بَابُ نُزُولٍ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ لَّهِ حَاكِماً بِشَرِيعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٦)
وتُجمع له الصَّلاة، ويعطي المال حتى لا يُقبَل، ويَضَع الخراج، وينزل
الرَّوْحاء، فيحجُّ منها، أو يعتمر، أو يجمعهما))، قال: وتلا أبو هريرة: ﴿وَإِن
مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ ◌ِهِ قَبْلَ مَوْنِ، وَيَوْمَ اُلْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا
١٥٩)
[النساء: ١٥٩]، فزعم حنظلة أن أبا هريرة قال: يؤمن به قبل موت عيسى، فلا
أدري هذا كله حديث النبيّ وَّر، أو شيء قاله أبو هريرة(١).
(المسألة السادسة): اختلف في موت عيسى ظلّلا قبل رفعه، والأصل فيه
قوله تعالى: ﴿إِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَ﴾ الآية [آل عمران: ٥٥]، فقيل: على
ظاهره، وعلى هذا، فإذا نزل إلى الأرض، ومضت المدة المقدَّرة له، يموت
ثانياً، وقيل: معنى قوله: ﴿مُتَوَفِيكَ﴾ من الأرض، فعلى هذا لا يموت إلا في
آخر الزمان (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: القول الأخير هو الأرجح عندي، كما رجَّحه
الإمام أبو جعفر الطبريّ كَّتُهُ في ((تفسيره)) بعد حكاية الأقوال المذكورة في
الآية، حيث قال: قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصحّة عندنا قول من
قال: معنى ذلك: إني قابضك من الأرض، ورافعك إليّ؛ لتواتر الأخبار عن
رسول الله ﴿ ﴿ أنه قال: ينزل عيسى ابن مريم، فيقتل الدجال، ثم يمكث في
الأرض مدّة ذكرها، اختلفت الرواية في مبلغها، ثم يموت، فيُصلّي عليه
المسلمون، ويَدفنونه. انتهى المقصود من كلام ابن جرير كَذَتُهُ(٣)، وهو تحقيقٌ
نفيسٌ والله، تعالى أعلم.
[تنبيه]: واختُلِف أيضاً في عمره حين رُفع فقيل: ابن ثلاث وثلاثين،
وقيل: مائة وعشرين، ذكره في ((الفتح))(٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) حديثٌ صحيحٌ، أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٧٥٦٢).
(٢) ((الفتح)) ٥٦٩/٦ ((كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٤٩).
(٣) ((تفسير ابن جرير)) ٤٥٨/٦ ((تفسير سورة آل عمران)).
(٤) ((الفتح)) ٥٦٩/٦ ((كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٤٩).

٢٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٩٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، (ح) وَحَدَّثَنِيهِ (١) حَرْمَلَةُ بْنُ
يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، (ح) وَحَدَّثَنَا حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ،
وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ، كُلُّهُمْ
عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: ((إِمَاماً مُقْسِطاً، وَحَكَمَاً عَدْلاً))،
وَفِي رِوَايَةٍ يُونُسَ: ((حَكَماً عَادِلاً))، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((إِمَاماً مُقْسِطاً))، وَفِي حَدِيثٍ
صَالِحٍ: ((حَكَماً مُقْسِطاً))، كَمَا قَالَ اللَّيْثُ، وَفِي حَدِيثِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ: ((وَحَتَّى(٢)
تَكُونَّ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْراً مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا))، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ
شِئْتُمْ ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْنٌِ﴾ الآية [النساء: ١٥٩]).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر، كلهم تقدّموا قريباً، غير:
١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) بن نصر الباهليّ مولاهم، أبو يحيى البصريّ
المعروف بالنِّرْسيّ - بفتح النون، وسكون الراء، وبالمهملة - ثقةٌ، من كبار
[١٠] (ت٦ أو ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧/ ٢٢١.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد ابن شهاب الزهريّ المذكور في السند
الماضي.
وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: ((إِمَاماً مُقْسِطاً، وَحَكَماً عَدْلاً))) يعني: أن
لفظ رواية سفيان بن عيينة: ((إِمَاماً مُقْسِطاً، وَحَكَماً عَدْلاً)) بدل قول الليث:
((حكماً مُقسطاً)).
وقوله: (وَحَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْراً مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) أي: أنهم
حينئذ لا يتقربون إلى الله إلا بالعبادة، لا بالتصدق بالمال، وقيل: معناه أن
الناس يرغبون عن الدنيا، حتى تكون السجدة الواحدة أحبَّ إليهم من الدنيا وما
(١) وفي نسخة: ((وأخبرنا حرملة)).
(٢) وفي نسخة: ((حتى تكون)» بحذف الواو.

٢٨٣
(٧٧) - بَابُ نُزُولِ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ الَّهِ حَاكِماً بِشَرِيعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٧)
فيها، وقد رَوَى ابن مردويه من طريق محمد بن أبي حفصة، عن الزهريّ، بهذا
الإسناد، في هذا الحديث: ((حتى تكون السجدة واحدةً لله رب العالمين))(١).
وقال النوويّ تَُّهُ: قوله: ((حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا
وما فيها)) معناه - والله أعلم -: أن الناس تكثر رغبتهم في الصلاة، وسائر
الطاعات؛ لقصر آمالهم، وعلمهم بقرب القيامة، وقلّة رغبتهم في الدنيا؛ لعدم
الحاجة إليها، وهذا هو الظاهر من معنى الحديث، وقال القاضي عياض نظّلهُ:
معناه أن أجرها خير لمصلّيها من صدقته بالدنيا، وما فيها؛ لفيض المال حينئذ،
وهوانه، وقلة الشُّحّ، وقلة الحاجة إليه للنفقة في الجهاد، قال: والسجدة هي
السجدة بعينها، أو تكون عبارة عن الصلاة، والله أعلم. انتهى(٢).
وقوله: (ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ إِلَّا
لَيُؤْ مِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتِ﴾ الآية [النساء: ١٥٩]).
قال في ((الفتح)): قوله: ((ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم ﴿وَإِنَّ مِنْ
أَهْلِ اُلْكِتَبِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآية، هو موصول بالإسناد المذكور، قال ابن
الجوزي تَخَّلهُ: إنما تلا أبو هريرة ظبه هذه الآية؛ للإشارة إلى مناسبتها لقوله:
((حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها))، فإنه يشير بذلك إلى
صلاح الناس، وشدة إيمانهم، وإقبالهم على الخير، فهم لذلك يؤثرون الركعة
الواحدة على جميع الدنيا، والسجدة تُطلق، ويراد بها الركعة.
وقال القرطبيّ: معنى الحديث: أن الصلاة حينئذ تكون أفضل من
الصدقة؛ لكثرة المال إذ ذاك، وعدم الانتفاع به، حتى لا يقبله أحد، وأهل
الحجاز يسمّون الركعة سجدة. انتهى (٣) .
وقوله في الآية: ﴿وَإِنْ﴾ بمعنى ((ما))، أي: لا يبقى أحدٌ من أهل
الكتاب، وهم اليهود والنصارى، إذا نزل عيسى إلا آمن به، وهذا مصير من
أبي هريرة ◌ُبه إلى أن الضمير في قوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾، وكذلك في قوله:
﴿قَبْلَ مَوْتِ﴾ يعود على عيسى عليَلا، أي إلا ليؤمن بعيسى قبل موت عيسى،
(١) ((الفتح)) ٥٦٨/٦ ((كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٤٩).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٩١/٢.
(٣) ((المفهم)) ٣٧١/١.

٢٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وبهذا جزم ابن عباس رضيًّا، فيما رواه ابن جرير، من طريق سعيد بن جبير عنه،
بإسناد صحيح، ومن طريق أبي رجاء، عن الحسن، قال: قبل موت عيسى،
واللهِ إنه الآن لَحَيٍّ، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون، ونقله عن أكثر أهل
العلم، ورجحه ابن جرير وغيره.
ونَقَلَ أهل التفسير في ذلك أقوالاً أُخَرَ، وأن الضمير في قوله:
يعود الله تعالى، أو لمحمد وَله، وفي ﴿مَوْتِهِ»﴾ يعود على الكتابيّ على القولين،
ـله.
وقيل: على عيسى
وروى ابن جرير من طريق عكرمة، عن ابن عباس: لا يموت يهوديّ،
ولا نصرانيّ حتى يؤمن بعيسى، فقال له عكرمة: أرأيت إن خَرّ من بيت، أو
احترق، أو أكله السبع، قال: لا يموت حتى يُحَرِّك شفتيه بالإيمان بعيسى،
وفي إسناده خُصَيف، وفيه ضعفٌ.
ورَجَّحَ جماعة هذا المذهب بقراءة أُبَيّ بن كعب ◌َظُبه: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ.
قَبْلَ مَوْنٌِ﴾ [النساء: ١٥٩] أي: أهل الكتاب.
وقال النوويّ تَخَّتُهُ: فيه دلالة ظاهرة على أن مذهب أبي هريرة بنظُه في
الآية، أن الضمير في ﴿مَوْنِهِ﴾ يعود على عيسى لعلّله ومعناها: وما من أهل
الكتاب يكون في زمن عيسى علّ إلا من آمن به، وعلم أنه عبد الله، وابن
أمَتِهِ، وهذا مذهب جماعة من المفسرين، وذهب كثيرون، أو الأكثرون إلى أن
الضمير يعود على الكتابيّ، ومعناها: وما من أهل الكتاب أحدٌ يحضره الموت
إلا آمن عند الموت قبل خروج روحه بعيسى لعلّ وأنه عبد الله، وابن أمَتِه،
ولكن لا ينفعه هذا الإيمان؛ لأنه في حضرة الموت، وحالة النزع، وتلك
الحالة لا حُكْم لما يُفْعَل، أو يقال فيها، فلا يصح فيها إسلام، ولا كفر، ولا
وصيةٌ، ولا بيعٌ، ولا عتقٌ، ولا غير ذلك من الأقوال؛ لقول الله تعالى:
﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ حَّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ
إِنِّ تُبْتُ الْكَنَ﴾ الآية [النساء: ١٨]، قال: وهذا المذهب أظهر، فإن الأول يَخُصّ
الكتابيّ، وظاهر القرآن عمومه لكل كتابيّ في زمن عيسى، وقبل نزوله، ويؤيد
هذا قراءةُ مَن قرأ: (قبل موتهم).

٢٨٥
(٧٧) - بَابُ نُزُولِ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ لَّالِ حَاكِماً بِشَرِيعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٧)
وقيل: إن الهاء في ﴿بِهِ﴾ يعود على نبيّنا محمد وَّه، والهاء في ﴿مَوْتِ﴾
تعود على الكتابيّ، والله أعلم. انتهى(١).
وقال الإمام ابن جرير تَخَّْتُهُ بعد ذكر الأقوال في هذا: وأولى هذه الأقوال
بالصحة القول الأول، وهو أنه لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب بعد نزول
عيسىبنِلَّا إلا آمن به قبل موت عيسى ظلَّلاَ.
قال الحافظ ابن كثير بعد نقل كلام ابن جرير هذا، ما نصّه: ولا شكّ أن
هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير
بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى ◌ِلَّهُ وصَلْبه، وتسليم مَن سَلَّم لهم من
النصارى الجَهَلة ذلك، فأخبر الله تعالى أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شُبِّه
لهم، فقتلوا الشَّبَه، وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باقٍ حيّ، وإنه
سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة، فيقتل مَسِيح
الضلالة، ويَكْسِر الصليب، ويقتل الخنزير، ويَضَع الجزية، يعني: لا يقبلها من
أحد، من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام، أو السيف، فأخبرت هذه الآية
الكريمة، أنه يؤمن به جميعُ أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلّف عن التصديق به
واحد منهم، ولهذا قال: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ ◌ِهِ قَبْلَ مَوْنٍِ﴾ [النساء:
١٥٩]، أي: قبل موت عيسى ظلّلا الذي زعم اليهود، ومن وافقهم من النصارى،
أنه قُتِل، وصُلِب، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩]؛ أي: بأعمالهم
التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء، وبعد نزوله إلى الأرض.
فأما من فَسَّر هذه الآية بأن المعنى أن كُلَّ كتابيّ لا يموت حتى يؤمن
بعيسى، أو بمحمد - عليهما الصلاة والسلام - فهذا هو الواقع، وذلك أن كُلَّ
أحد عند احتضاره ینجلي له ما كان جاهلاً به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك
إيماناً نافعاً له، إذا كان قد شاهد المَلَك، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ حَتَّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّى تُبْثُ اُلْثَنَّ﴾
الآية [النساء: ١٨]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ الآيتين
[غافر: ٨٤ - ٨٥].
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩١/٢ - ١٩٢.

٢٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وهذا يدل على ضَعْف ما احتجّ به ابن جرير في ردّ هذا القول، حيث
قال: ولو كان المراد بهذه الآية هذا، لكان كلُّ من آمن بمحمد وَّ، أو
بالمسيح عليّلا، ممن كَفَر بهما يكون على دينهما، وحينئذ لا يرثه أقرباؤه من
أهل دينه؛ لأنه قد أَخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته.
فهذا ليس بجيد؛ إذ لا يلزم من إيمانه في حالة لا ينفعه إيمانه، أنه يصير
بذلك مسلماً، ألا ترى قول ابن عباس: ولو تَرَدَّى من شاهق، أو ضُرِب
بسيف، أو افترسه سبع، فإنه لا بد أنه يؤمن بعيسى؟ فالإيمان به في مثل هذه
الحال ليس بنافع، ولا ينقل صاحبه عن كفره؛ لِمَا قدمناه، والله أعلم.
ومن تأمل هذا جَيِّداً، وأمعن النظر اتَّضَحَ له أن هذا وإن كان هو الواقع،
لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الآية هذا، بل المراد بها ما ذكرناه، من
تقرير وجود عيسى عليّا، وبقاء حياته في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض قبل
يوم القيامة؛ لِيُكَذِّب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى، الذين تباينت أقوالهم
فيه، وتصادمت، وتعاكست، وتناقضت، وخَلَت عن الحقّ، فَفَرَّطَ هؤلاء
اليهود، وأفرط هؤلاء النصارى، تَنَقَّصَهُ اليهودُ بما رموه به وأمه، من العظائم،
وأطراه النصارى، بحيث اذَّعَوا فيه ما ليس فيه، فرفعوه في مقابلة أولئك عن
مقام النبوة إلى مقام الربوبية، تعالى الله عما يقول هؤلاء وهؤلاء عُلُوّاً كبيراً
وتنزه، وتقدَّس، لا إله إلا هو. انتهى كلام ابن كثير تَخْتُهُ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ
جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: طريق ابن عيينة التي أحالها المصنّف تَخَذَتُ هنا ساقها الحافظ أبو
نُعيم في ((مستخرجه)) (٢١٩/١)، فقال:
(٣٩٠) حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا
الحميدي، (ح) حدثنا فاروق بن عبد الكبير، نا أبو مسلم الكشيّ، ثنا
إبراهيم بن بشار، (ح) وحدثنا محمد بن أحمد بن حمدان، ثنا الحسن بن
سفيان، ثنا عبد الأعلى بن حماد النَّرْسيّ، قالوا: أنا سفيان بن عيينة، نا
الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَاليه:
((يوشك أن ينزل فيكم ابنُ مريم حكماً، وإماماً مقسطاً، يكسر الصليب، ويقتل
الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال، حتى لا يقبله أحدٌ))، لفظ الحميديّ.

٢٨٧
(٧٧) - بَابُ نُزُولٍ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ لَّهِ حَاكِماً بِشَرِيعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٨)
وأخرجها الإمام ابن ماجه تَخْذَثُ أيضاً في ((سننه))، فقال:
(٤٠٦٨) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن
الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّ قال: ((لا تقوم
الساعة حتى ينزل عيسى ابن مريم، حكماً مقسطاً، وإماماً عدلاً، فيكسر
الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد)).
وطريق صالح أخرجها الإمام البخاريّ ◌َُّهُ في ((صحيحه))، فقال:
(٣٤٤٨) حدثنا إسحاق، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن
صالح، عن ابن شهاب، أن سعيد بن المسيِّب، سمع أبا هريرة رضيُه قال: قال
رسول الله وسلم: ((والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم، حكماً
عدلاً، فيكسرَ الصليب، ويقتل الخنزيرَ ويضع الجزية، ويفيض المال، حتى لا
يقبله أحدٌ، حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها)) ثم يقول أبو
هريرة: واقرؤوا إن شئتم ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِ قَبْلَ مَوْنِهِ، وَيَوْمَ
[النساء: ١٥٩].
١٥٩)
اُلْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا
وأما طريق يُونُسَ، فلم أجدها إلا عند المصنّف، وأبي نُعيم في
((مستخرجه)) ٢١٩/١ (٣٨٩) بالإحالة كإحالة المصنّف، وكذا عند ابن منده في
((الإيمان)) ٥١٤/١ (٤١١) بالإحالة أيضاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٩٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي
سَعِيدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((وَاللهِ
لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ، حَكَمَاً عَادِلاً، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ
الْجِزْيَةَ، وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ، فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ، وَالتَّبَاغُضُ،
وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ، فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريّ المدنيّ، تقدّم قبل بابين.

٢٨٨
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٢ - (عَطَاءُ بْنُ مِينَاءَ) - بكسر الميم، بعدها ياء مثناة، من تحتُ ساكنةٌ،
ثم نون، ثم ألف ممدودة، هذا هو المشهور، وقال صاحب ((المطالع)): يُمَدُّ،
ويُقْصَرُ - المدنيّ، وقيل: البصريّ، مولى ابن أبي ذُبَاب الدَّوْسيّ، قيل: يُكنى
أبا معاذ، صدوقٌ [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وعنه سعيد المقبريّ، وعمرو بن دينار، والحارث بن
عبد الرحمن بن أبي ذباب، وأيوب بن موسى، وإسماعيل بن أمية، وأبو معاذ
الخراسانيّ.
قال ابن جريج، عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن مِيناء، وزعم أنه كان
من أصلح الناس، وقال ابن عيينة: عطاء بن ميناء من المعروفين، من أصحاب
أبي هريرة، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل مكة، وقال: كان قليل
الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا برقم
(١٥٥)، وحديث (٥٧٨): ((سجدنا مع النبيّ وَّ في إذا السماء انشقّت ... ))،
و(١٥١١): ((نهى عن بيعتين: الملامسة، والمنابذة ... ))، و(٢٦٧٩): ((لا
يقولنّ أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت ... ))، و(٢٧٥١): (لَمّا قضى الله الخلق
کتب في كتابه على نفسه ... )).
وله عند البخاريّ حديث واحد: ((نهى عن صيامين، وبيعتين ... ))، وعند
أبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه حديث في سجود التلاوة. انتهى (١).
والباقون تقدّموا أول الباب.
وقوله: (وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ) ببناء الفعل للمفعول، و((القلاص)) بكسر
القاف: جمع قَلُوص بفتح، فضمّ، وهي من الإبل بمنزلة الجارية من النساء،
وهي الشابّة، والحَدَثِ من الرجال، ويُجمع أيضاً على قُلُص بضمّتين،
وقلائص(٢).
ومعنى تركها: أن يُزهَد فيها، ولا يُرغَب في اقتنائها؛ لكثرة الأموال،
وقلة الآمال، وعدم الحاجة، والعلم بقرب القيامة، وإنما ذُكِرت القلاص؛
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٣/ ١١٠.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥١٣/٢.

٢٨٩
(٧٧) - بَابُ نُزُولٍ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ عْلَّهِ حَاكِماً بِشَرِيعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٨)
لكونها أشرف الإبل التي هي أنفس الأموال عند العرب، وهو شبيه بمعنى
قول الله رَ: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطْلَتْ ﴾﴾ [التكوير: ٤].
وقوله: (فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا) بالبناء للمفعول أيضاً: أي: لا يُعْتَنَى بها؛ أي:
يتساهل أهلها فيها، ولا يعتنون بها، هذا هو الظاهر.
وقال القاضي عياض، وصاحب ((المطالع)) - رحمهما الله تعالى -: معنى
((لا يُسْعَى عليها))؛ أي: لا تُظْلَب زكاتها؛ إذ لا يوجد مَن يقبلها، قال
النوويّ كَّتُهُ: وهذا تأويل باطلٌ من وجوه كثيرة، تُفْهَم من هذا الحديث وغيره،
بل الصواب ما قَدَّمناه، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
وقال المظهر: معنى ((ولَّتُتْرَكنّ القلاص)) يعني: لَيَتركنّ عيسىِلَُّ إبل
الصدقة، ولا يأمر أحداً أن يسعى عليها، ويأخذها؛ لأنه لا يجد من يقبلها؛
الاستغناء الناس، والمراد بالسعي العمل. انتهى.
وقال الطيبيّ: ويجوز أن يكون ذلك كناية عن ترك التجارات، والضرب
في الأرض لطلب المال، وتحصيل ما يُحتاج إليه؛ لاستغنائهم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: المعنى الأخير هو الصواب، كما سبق عن
النوويّ تَّتُهُ؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ) هي العداوة، والتشاحن تفاعلٌ منه، قال
التوربشتيّ كَّهُ: إنما تذهب الشحناء والتباغض، والتحاسد يومئذ؛ لأن جميع
الخلق يكونون على ملّة واحدة، وهي الإسلام، وأعلى أسباب التباغض،
وأكثرها هو اختلاف الأدیان. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: أي مع زهدهم في الدنيا، وقلّة رغبتهم فيها
بسبب قرب الساعة، فإن أكثر العداوة إنما هو التشاح في الدنيا، والتنافس
فيها، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَالتََّاغُضُ) بمعنى العداوة أيضاً.
وقوله: (وَالتَّحَاسُدُ) أي: حسد بعضهم بعضاً، وهو أن يتمنّى زوال
نعمة الله عن أخيه المسلم، وهو حرام، وأما الغِبطة، فهي أن يتمنّى مثل حال
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٢/٢.
(٢) («الكاشف)) ٣٤٨٠/٢.

٢٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أخيه، من غير أن تزول عنه، قال القرطبيّ: وهو التنافس أيضاً. انتهى(١).
وهو حسنٌ إذا كان في الأمور الدينيّة، فقد أخرج الشيخان عن ابن
مسعود انه قال: قال النبيّ وَّ: ((لا حَسَدَ إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً،
فسلّط على هَلَكَته في الحقّ، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها،
ويعلمها)).
فالمراد بالحسد هنا هو الغبطة، والله تعالى أعلم.
(وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ) بضمّ العين، وفتح الواو، وتشديد النون، والفاعل
ضمير ابن مريم ظلّ*، يعني: أن عيسى ظلَّه يدعو الناس إلى المال؛ ليأخذوه.
[تنبيه]: ضبط ((وليَدعُونَ)) بما ذكر هو الذي ذكره النوويّ، ووقع في
هامش بعض النسخ: ((ولَيُدْعَوُنّ إلى المال)) بالبناء للمفعول، فإن صحّ، فيكون
نائب فاعله ضميراً يعود إلى مقدّر، أي: وليُدعَى الناسُ ... إلخ، والله تعالى
أعلم.
(فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ) لما قدّمناه من كثرة المال، وقِصَر الآمال، وعدم
الحاجة، وقلّة الرغبة؛ للعلم بقرب الساعة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٩٩] ( ... ) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ أَبَا
هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((كَيْفَ أَنْتُمْ، إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَإِمَامُكُمْ
مِنْكُمْ؟»).
رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدّموا قبل حديث، غير:
١ - (نَافِع، مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ) هو: نافع بن عباس - بموحّدة،
ومهملة - ويقالً: ابن عَيّاش - بتحتانيّة، ومعجمة - الأقرع، أبو محمد، مولى
(١) ((المفهم)) ٣٧٠/١ - ٣٧١.

٢٩١
(٧٧) - بَابُ نُزُولٍ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ لَّهِ حَاكِماً بِشَرِيعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٩)
أبي قتادة، قيل له ذلك: للزومه إياه، ويقال: مولى عَقِيلة الغفارية، ويقال:
إنهما اثنان، ثقة [٣].
رَوَى عن أبي قتادة، وأبي هريرة.
ورَوى عنه سالم، أبو النضر، وتُمر بن كثير بن فُليح، وأُسيد بن أَبي
أسيد البراد، وصالح بن كيسان، والزهريّ.
قال النسائيّ: نافع مولى أبي قتادة، ثقة، وقال ابن حبان في ((الثقات)):
نافع مولى عَقِيلة بنت طَلْق الغفارية، وهو الذي يقال له: نافع مولى أبي قتادة،
نُسِب إليه، ولم يكن مولاه.
قال الحافظ: يؤيد قول ابن حبان ما وقع عند أحمد من طريق مُغَفَّل بن
إبراهيم، سمعت رجلاً يقال له: مولى أبي قتادة، ولم يكن مولاه، يُحَدِّث عن
أبي قتادة، فذكر حديث الحمار الوحشي، وفي رواية ابن إسحاق، عن
عبد الله بن أبي سلمة، أن نافعاً الأقرع، مولى بني غِفَار حَدَّثه، أن أبا قتادة
حدثه ... فذكر هذا الحديث، وقال ابن سعد في الطبقة الثانية: كان قليل
الحديث، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال أحمد بن حنبل: معروف.
أخرج له الجماعة (١)، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا
(١٥٥) وأعاده بعده مرتين، وحديث (١١٩٦): ((هو حلال، فكلوه))، وأعاده
بعده، و(١٧٥١): ((من قتل قتيلاً، له عليه بينة، فله سلبه ... )).
ويونس: هو ابن يزيد الأيليّ.
وقوله: (كَيْفَ أَنْتُمْ، إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟) يعني: أن
الإمام الذي يصلي بالناس وقت نزول عيسى ظلّل من هذه الأمة، وهو
المهديّ، وقال أبو ذر الهرويّ: حدثنا الجَوْزقيّ، عن بعض المتقدمين، قال:
معنى قوله: ((وإمامكم منكم))؛ يعني: أنه يَحكم بالقرآن، لا بالإنجيل، وقال
(١) قال في ((الفتح)) ٥٦٩/٦: وليس له عن أبي هريرة في ((الصحيح)) سوى هذا
الحديث الواحد. انتهى. وكذا في ((صحيح مسلم)) ليس له عن أبي هريرة ظلاله إلا
هذا الحدیث.

٢٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ابن التين: معنى قوله: ((وإمامكم منكم)) أن الشريعة المحمدية متصلة إلى يوم
القيامة، وأن في كل قرن طائفةً من أهل العلم.
قال الحافظ: وهذا والذي قبله لا يبيّن كون عيسى، إذا نزل يكون إماماً
أو مأموماً، وعلى تقدير أن يكون عيسى إماماً، فمعناه أنه يصير معكم بالجماعة
من هذه الأمة.
قال الجامع عفا الله عنه: كون عيسى ظلَّهُ مأموماً هو الصواب؛ لما بُيّن
في الروايات الأخرى، كما سيأتي، ولا ينافي هذا ما سيأتي من تفسير ابن أبي
ذئب له بأن معناه: فأمّكم بكتاب ربّكم؛ لأن المراد أن عيسى فعاليّلا يحكم بين
الناس بالقرآن، والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ: المعنى: يؤمكم عيسى حال كونه في دينكم، ويَعْكُر عليه
قوله في حديث جابر الآتي بلفظ: ((فيقول أميرهم: تعالَ صَلِّ لنا، فيقول: لا،
إن بعضكم على بعض أمراءُ؛ تكرمةً لهذه الأمة».
فالأولى حمل إمامته على أن الإمامة السياسة، والحكم بما في القرآن،
وسنّة نبيّنا ◌َآل﴾.
ويحتمل أن تكون الصلاة التي لا يتقدّم فيها عيسى هي صلاة الصبح التي
نزل فيها، كما تبيّنه رواية ابن ماجه، بلفظ: ((فبينما إمامهم قد تقدَّم، يصلي بهم
الصبح، إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبحَ، فرجع ذلك الإمام يَنكُص،
يمشي القهقرى؛ ليتقدم عيسى، يصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم
يقول له: تقدم، فصلِّ، فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم ... )).
فظاهر هذه الرواية يدلّ على أن امتناع عيسى علِّل في تلك الصلاة التي
أُقيمت لذلك الإمام خاصّة، فأما سائر الصلوات التي بعد ذلك يمكن أن يصلّي
فيها عيسى ظلَّ إماماً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٠٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةً

٢٩٣
(٧٧) - بَابُ نُزُولٍ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَهْلِهِ حَاكِماً بِشَرِيعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٤٠١)
الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (كَيْفَ أَنْتُمْ، إِذَا نَزَلَ
ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَأَمَّكُمْ؟)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل،
صدوقٌ، فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٥) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٤.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
٣ - (ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) هو: محمد بن عبد الله بن مسلم بن
عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ المدنيّ، صدوقٌ له أوهام [٦]
(ت١٥٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٢/٦٣.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وأمَّكم) وفي نسخة: ((فأمكم)) بالفاء؛ أي: قادكم بشريعة
محمد ◌َّه، ويحتمل أن يكون المعنى: صلى بكم إماماً، والأول أولى، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الکتاب قال:
[٤٠١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا (١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم،
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ نَافِعِ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً،
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: (كَيْفَ أَنْتُمْ، إِذَا نَزَلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ، فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟))،
فَقُلْتُ لِابْنٍ أَبِي ذِئْبٍ: إِنَّ الْأَوْزَاعِيَّ حَدَّثَنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ: ((وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ))، قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: تَدْرِي مَا ((أَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟)) قُلْتُ:
تُخْبِرُنِي، قَالَ: فَأَّكُمْ بِكِتَابٍ رَبَّكُمْ تَبَارََ وَتَعَلَى، وَسُنَّةٍ نَبِّكُمْ رََّ).
(١) وفي نسخة: ((وحدثني)).

٢٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد الحَرَشيّ، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل
بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، كثير
التدليس والتسوية [٨] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٨/١٠.
٣ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن
الحارث بن أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ
[٧] (ت١٥٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٣.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (فَقُلْتُ لِاِبْنِ أَبِي ذِئْبٍ) القائل هو الوليد بن مسلم.
وقوله: (إِنَّ الْأَوْزَاعِيَّ حَدَّثَنَا) هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو
عمرو الإمام الفقيه الحجة المشهور المتوفّى سنة (١٥٧هـ)، تقدّم في ((المقدمة))
٢٨/٥.
وقوله: (تَدْرِي مَا ((أَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟))) بتقدير أداة الاستفهام؛ أي أتدري،
أي: هل تعلم ما معنى قوله: ((أمّكم منكم؟)).
وقوله: (فَأَمَّكُمْ بِكِتَابٍ رَبِّكُمْ تَبَارََ وَتَعَالَى، وَسُنَّةٍ نَبِيِّكُمْ وََّ) يعني:
قادكم، وساسكم بكتاب الله العظيم، وسنّة نبيّه الكريم، عليه أفضل الصلاة
وأزكى التسليم.
[تنبيه]: رواية الأوزاعيّ المشار إليها هنا، أخرجها الحافظ ابن منده في
((الإيمان)) (٥١٥/١)، فقال:
(٤١٣) أنبأ خيثمة بن سليمان، ومحمد بن يعقوب، قالا: ثنا العباس بن
الوليد بن مزيد، قال: أخبرني أبي، (ح) وأنبأ الحسن بن مروان، ثنا إبراهيم بن
أبي سفيان، ثنا محمد بن يوسف الفريابيّ، (ح) وأنبأ محمد بن يعقوب، ثنا
بحر بن نصر، ثنا بشر بن بكر، قالوا: ثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ، قال:
أخبرني الزهريّ، عن نافع، مولى أبي قتادة، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَلفيقول
قال: ((كيف أنتم إذا نزل فيكم ابنُ مريم، وإمامكم منکم؟». انتهى.
ثم قال: رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، وابن أبي ذئب.

٢٩٥
(٧٧) - بَابُ نُزُولِ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَّهِ حَاكِماً بِشَرِيعَةِ ... إلخ - حديث رقم (٤٠٢)
انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٠٢] (١٥٦) - (حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعِ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ،
وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ - عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ،
قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَّهُ
يَقُولُ: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي، يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ))
- قَالَ -: ((فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ نَّهِ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ، صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا،
إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ؛ تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ) بن الوليد بن قيس السَّكُونيّ الكِنْديّ، أبو هَمّام بن
أبي بدر الكوفيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ(٢) [١٠].
رَوَى عن ابن عيينة، وابن أبي زائدة، والوليد بن مسلم، وبَقِيَّة،
وحجَّاج بن محمد، وابن وهب، وعلي بن مُسْهِر، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وأبوه أبو بدر،
وإبراهيم الحربيّ، وموسى بن هارون، وابن أبي الدنيا، وعمران بن إبراهيم أبو
الآذان الحافظ، وأبو بكر بن أبي خيثمة، والقاسم بن زكريا، وغيرهم.
قال أحمد بن محمد بن صدقة: سمعت أحمد يُسأل عنه، فقال: اكتبوا
عنه، وقال ابن مُحْرِز: سألت ابن معين عنه، فقال: لا بأس به، ليس هو ممن
يَكْذِب، وقال الغلابيّ: سمعت ابن معين يقول: عند أبي هَمّام ستة آلاف
حديث عن الثقات، وما سمعته يقول فيه سُوءاً قطّ، وكان يقول: ليس له
(١) راجع: ((كتاب الإيمان)) لابن منده تَخَّتُهُ ١/ ٥١٥ رقم (٤١٣).
(٢) قال في ((التقريب)): ثقةٌ، والظاهر أنه صدوق؛ لما يظهر لمن تأمل ما قاله الأئمة
في ترجمته الآتية، والله تعالى أعلم.

٢٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
بَحْتُ(١)، وقال العجليّ: رأيته يأخذ الحديث أخذاً رديئاً، وقال صالح جَزَرَة:
تكلموا فيه، سئل عنه ابنُ معين، فقال: ليس له بَخْتُ مثل أبيه، وقال أبو
حاتم: شيخٌ صدوقٌ، يُكتب حديثه، ولا يُحتَجّ به، وهو أحب إلي من أبي
هشام الرِّفَاعِيّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الإسماعيليّ: تكلم فيه
أحمد بن حنبل لَمّا رَوَى عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن
سالم، عن أبيه، حديث: ((فيما سقت السماء العشر ... )) الحديث، وقال
البَرْقانيّ: فقلت للإسماعيليّ: لِمَ تَكَلَّم فيه؟ قال: لأنه قال: هذا الحديثُ لم
يروه عن ابن وهب إلا الكبار، وقال أبو عليّ النحويّ: سألت أبا كريب عن
أبي هَمّام، فقال: ما له؟ قلت: يُحَدِّث عن ابن المبارك وغيره، قال: هو أقدم
سماعاً مني، كان يَمُرُّ بنا، ونحن نلعب، وهو يكتب الحديث، وما جئت إلى
مُحدِّث بالكوفة إلا قال: ما زال يَختلف السَّكُوني إليّ، ما أخرجوا إلي كتاباً
إلا وفيه فرَغ أبو همام، فرغ أبو همام، وأما يحيى بن حمزة، فإنني جئت إلى
دمشق، فسألت عن أبي هَمّام، فقالوا: قد كان لههنا مقيماً، وسمع من يحيى بن
حمزة، وخرج، قلت: فابن وهب؟ قال: أما حديث ابن وهب، فإنه خَرَجَ من
عندنا إلى مصر حتى نسيناه، ثم قَدِمَ، وجَعَل يذكر من فضائله، وقال العجليّ،
ومسلمة بن قاسم: لا بأس به.
قال البخاريّ: مات في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وفيها
أَرّخه غير واحد، وقيل: مات سنة اثنتين وأربعين، وقيل: سنة تسع وثلاثين،
والأول أصح.
رَوَى عنه المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا
الكتاب تسعة(٢) أحاديث، فقط، هذا (١٥٦)، وحديث (٩٤٨): ((ما من رجل
(١) ((البَحْتُ)) بفتح، فسكون: الجَدُّ، قاله في ((القاموس))، وفي ((المصباح)): ((البَحْتُ)):
الحظّ وزناً ومعنّی. انتهى.
(٢) وقال في ((تهذيب التهذيب)): وقال في ((الزهرة)): رَوَى عنه مسلم ثلاثة أحاديث.
انتهى، وهو غلط؛ لما ذكرناه من برنامج الحديث من أنه روى عنه تسعة أحاديث،
فتنبه .

٢٩٧
(٧٧) - بَابُ نُزُولٍ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ عْلَهُ حَاكِماً بِشَرِيعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٤٠٢)
مسلم يموت، فيقوم على جنازته ... ))، و(٩٨١): ((فيما سقت الأنهار والغيم
... ))، و(١٦٨٤): ((لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار، فصاعداً))،
و(١٩١٦): ((الطاعون شهادة لكلّ مسلم))، و(١٩٢٩): ((إذا أرسلت كلبك، فاذكر
اسم الله ... ))، و(٢٠٦٥): ((الذي يشرب في آنية الفضّة ... ))، و(٢٣٠٥): ((ألا
إني فَرَطً لكم على الحوض ... ))، و(٢٤٥٩): ((قيل لي: أنت منهم)).
٢ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الحمّال البَزّاز، أبو موسى البغداديّ،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤.
٣ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجَّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجَّاج
الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٩) (م د) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٠.
٤ - (حَجَّاجْ بْنُ مُحَمَّدٍ) المصّيصيّ الأعور، أبو محمد الترمذيّ الأصل،
نزيل بغداد، ثم المِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره، لَمّا قَدِمَ بغداد [٩]
(ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٤.
٥ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم،
المكيّ، ثقةٌ فاضلٌ، يَّدلّس ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
٦ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم
المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٧ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ
ابن الصحابيّ ضَّ مات بعد السبعين، وهو (٩٤) سنة (ع) تقدم في ((الإيمان))
١١٧/٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه ثلاثة شيوخ، قَرَن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيوخه الثلاثة، فالوليد لم
يروِ عنه البخاريّ، والنسائيّ، وهارون لم يروِ عنه البخاريّ، وحجَّاج تفرّد به
هو وأبو داود فقط، كما أسلفناه آنفاً .
٣ - (ومنها): أن جابراً ظله أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠)
حديثاً، والله تعالى أعلم.

٢٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
شرح الحديث :
(عَن) عبد الملك بن عبد العزيز (بْنِ جُرَيْج) أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ)
محمد بن مسلم (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريّ السَّلَميَّ ﴿ُهَا (يَقُولُ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَقُولُ: ((لَا تَزَالُ) هي من الأفعال التي ترفع الاسم، وتنصب
الخبر واسمها، قوله: (طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي) قال الفيّوميّ تَخْتُهُ: الطائفة: الفرقة من
الناس، والطائفة: القطعة من الشيء، والطائفة من الناس الجماعة، وأقلّها
ثلاثة، وربّما أُطلقت على الواحد والاثنين. انتهى.
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: الطائفة الجماعة، وهم الذين قال الله تعالى في
[الأعراف: ١٨١].
حقهم: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ (٣)﴾
والطائفة في الأصل: هي القطعة من الشيء، يقال: طائفة من كذا؛ أي: قطعة
منه، وهي من الناس الجماعة. قال مجاهد: هم من الواحد إلى الألف،
وكذلك قال النخعيّ. وقال عطاء: أقلّه رجلان، فصاعداً. وقال الزهريّ: ثلاثة
فصاعداً. والطائفة هي الفرقة التي يُمكن أن تكون حلقة، وكأنها الجماعة
الحافّة حول الشيء، أقلّها ثلاثة، أو أربعة. انتهى كلام القرطبيّ ◌َخَذّهُ (١).
وقوله: (مِنْ أُمَّتِي) المراد أمة الإجابة (يُقَاتِلُونَ) حذف المفعول للتعميم؛
أي: جميع أعداء الإسلام (عَلَى الْحَقِّ) متعلّق بحال مقدَّر؛ أي: حال كونهم
كائنين على الحقّ، أي: الثابت من الله على لسان رسوله وَلِ﴾ (ظَاهِرِينَ) حال
من الواو أيضاً، أي: حال كونهم غالبين أعداءهم، أو من خالفهم، أو المراد
بالظهور أنهم غير مستترين، بل مشهورون، والأول أولى؛ لِمَا أخرجه المصنّف
من حديث عقبة بن عامر نظُه: ((لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله،
قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة)).
وقوله: (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ))) متعلّق بـ(لا تزال))، أو بـ((يُقاتلون))؛ أي: إلى
أن يقرب يوم القيامة، وذلك بإتيان العلامة، وهي الريح التي تقبض روح كلّ
مؤمن ومؤمنة؛ لِمَا أخرجه المصنّف تَخْتُ عن عبد الرحمن بن شِمَاسة المَهْريّ،
أنه قال: كنت عند مَسْلَمَةَ بن مُخَلَّد، وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال
(١) ((المفهم)) ٧٦١/٣.

٢٩٩
(٧٧) - بَابُ نُزُولٍ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ لَّهِ حَاكِماً بِشَرِيعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٤٠٢)
عبد الله: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شَرٌّ من أهل الجاهليّة، لا
يَدْعُون الله بشيء، إلا ردّه عليهم، فبينما هم على ذلك أقبل عقبة بن عامر،
فقال له مسلمة: يا عقبة اسمع ما يقول عبد الله، فقال عقبة: هو أعلم، وأما
أنا فسمعت رسول الله وَ ل9 يقول: ((لا تزال عصابة من أمتي، يقاتلون على
أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة، وهم
على ذلك))، فقال عبد الله: أَجَلْ: ((ثم يبعث الله ريحاً كريح المسك، مَسُّها
مَسُّ الحرير، فلا تترك نفساً في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى
شرار الناس، عليهم تقوم الساعة)).
(قَالَ) وَهِ ((فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ بََّ) ((ابن)) هنا لا تحذف همزة الوصل
منها؛ لأنها مضافة إلى أم لعيسى، لا إلى أب له، ومن شرط حذفها كون ما
تُضاف إليه أباً للأول، نحو قولك: محمد بن عبد الله (فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ) هو
المهديّ (تَعَالَ) بفتح اللام، فعل أمر من تعالى يتعالى، يقال: تعالى يَتَعالى
تعالياً: إذا ارتفع، وأصله أن الرجل العالي كان ينادي السافل، فيقول: تَعَالَ،
ثم كَثُرَ في كلامهم حتى استُعمل بمعنى هَلُمَّ مطلقاً، سواء كان موضع المدعوّ
أعلى أو أسفل، أو مساوياً، فهو في الأصل لمعنّ خاصّ، ثم استُعمِل في
معنى عامّ، وتتّصل به الضمائر باقياً على فتحه، فيقال: تعالَوْا، تعالَيَا، تعالَيْن،
وربّما ضُمّت اللام مع جمع المذكّر السالم، وكُسِرت مع المؤنّثة، وبه قرأ
الحسن البصريّ في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ﴾ [آل عمران: ٦٤]
الآية؛ لمجانسة الواو(١)؛ أي: أقبل إلينا، وقوله: (صَلِّ لَنَا) بدل من (تَعَالَ)
بدل فعل من فعل، كما في تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا
يُضَعَفْ لَهُ
٦٨
اَلْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩]، فـ﴿يُضَعَفْ﴾ بدلٌ
من ﴿يَلْقَ﴾، أُعرب بإعرابه، وهو الجزم، ومنه قول الشاعر [من الرجز]:
إِنَّ عَلَيَّ اللهَ أَنْ تُبَابِعَا تُؤْخَذَ كُرْهاً أَوْ تَجِيءَ طَائِعَاً
فـ((تؤخَذَ)) بدل من ((تبايعا))، ولذا نُصب، وإلى هذا أشار ابن مالك تَخْتُهُ
في ((الخلاصة)) حيث قال:
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٢٧/٢.
١

٣٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
يَصِلْ إِلَيْنَا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ))
وَيُبْدَلُ الفِعْلُ مِنَ الفِعْلِ كَـ«مَنْ
(فَيَقُولُ) عيسى ◌َّ (لَا) أي: لا آتيكم لأصلّي بكم، وقوله: (إِنَّ بَعْضَكُمْ
عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاء) جملة تعليليّة لعدم صلاته بهم؛ أي: لأن بعض هذه الأمة
أُمراء على بعضها، والأمير هو الأحقّ بأن يصلّي بها، وقوله: (تَكْرِمَةَ اللهِ)
منصوب على أنه مفعول من أجله، كما قال في ((الخلاصة»:
يُنْصَبُ مَفْعُولاً لَهُ المَصْدَرُ إِنْ أَبَانَ تَعْلِيلاً كَـ«جُدْ شُكْراً وَدِنْ))
وفي رواية أبي عوانة: ((لتكرمة الله هذه الأمة)) باللام.
وقوله: (هَذِهِ الْأَمَّةَ))) منصوب على أنه مفعول به لـ((تكرمة))؛ إذ هو مصدر
يعمل عمل فعله، كما قال في ((الخلاصة)):
بِفِعْلِهِ المَصْدَرَ أَلْحِقْ فِي العَمَلْ مُضَافاً أَوْ مُجَرَّداً أَوْ مَعَ ((أَلْ))
مَحَلَّهُ وَلاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ
إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ ((أَنْ)) أَوْ ((مَا)) يَحُلْ
والمعنى: إن بعضكم أمراء على بعضٍ؛ لأجل تكرمة الله تعالى إياكم،
فلا ينبغي لغيركم أن يكون إماماً لكم.
وفي رواية أحمد من حديث جابر ظه في قصة الدجال، ونزول
عيسى علّ: ((وإذا هم بعيسى، فيقال: تقدم يا روح الله، فيقول: ليتقدم
إمامكم، فليُصَلِّ بكم))، ولابن ماجه في حديث أبي أمامة الطويل في الدجال
قال: ((وإمامهم رجل صالحٌ، فبينما إمامهم قد تقدَّم، يصلي بهم الصبح، إذ نزل
عليهم عيسى ابن مريم الصبحَ، فرجع ذلك الإمام يَنكُص، يمشي القهقرى؛
ليتقدم عيسى يصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم،
فصلِّ، فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم ... )).
وقال أبو الحسن الأَبَّديّ في مناقب الشافعي تَخَّهُ: تواترت الأخبار بأن
المهدي من هذه الأمة، وأن عيسى يصلي خلفه، ذكر ذلك رَدّاً للحديث الذي
أخرجه ابن ماجه عن أنس ربه وفيه: ((ولا مَهْدِيَّ إلا عيسى)).
وقال ابن الجوزي تَُّهُ: لو تقدم عيسى إماماً لوقع في النفس إشكال،
ولَقِيل: أتراه تقدم نائباً أو مبتدئاً شرعاً؟ فصلى مأموماً؛ لئلا يتدنس بغبار الشبهة
وجهُ قوله {وَله: ((لا نَبِيَّ بعدي))، وفي صلاة عيسى ظلَّلا خلف رجل من هذه
الأمة، مع كونه في آخر الزمان، وقرب قيام الساعة دلالةٌ للصحيح من