Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
(٧٥) - بَابُ وُجُوبِ الإِيمَانِ بِرِسَالَة نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وٍَّ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٣)
ما في الدار أحدٌ؛ أي: لا واحد، ولا اثنان، فصاعداً، لا مجتمعين، ولا
متفرّقين. انتهى(١).
وقوله: (مِنْ هَذِهِ الْأَمَّةِ) صفة لـ((أحد))، وأصل الأمّة: الجماعة، وتضاف
للنبيّ وَّه، فيُراد بها أحياناً أمة الإجابة؛ أي: المسلمون، كحديث: ((شفاعتي
لأهل الكبائر من أمتي))(٢)، وأحياناً يراد به أمة الدعوة، أي: كلُّ من أُرسل
إليهم النبيّ ◌َ، وهو المراد هنا، فالإشارة إلى أمة الدعوة الموجودين في
عهده بَيهر، ومن سيوجد إلى يوم القيامة؛ لعموم دعوته للجميع، كما قال ريك:
﴿وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ الآية [الأنعام: ١٩].
وقال القرطبيّ تَظْلَتُهُ: ((الأمة)) في أصل اللغة: الجماعة من الحيوان،
قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمَّمَّ أَمْثَالُكُمْ﴾
الآية [الأنعام: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةُ مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ الآية
[القصص: ٢٣]، ثم قد استُعمل في محامل شتّى، والمراد به في هذا الحديث كلّ
من أُرسل إليه محمد وَ لَّ، ولَزِمته حجّته، سواءٌ صدّقه، أو لم يُصدّقه، ولذلك
دخل فيه اليهوديّ والنصرانيّ، لكن هذا على مساق حديث مسلم هذا، فإنه قال
فيه: ((لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، يهوديّ، ولا نصرانيّ))، بغير واو
العطف، فإنه يكون بدلاً من ((الأمّة))، وقد رَوَى هذا الحديثَ عبد بن حميد(٣)،
وقال: ((لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، ولا يهوديّ، ولا نصرانيّ))، فحينئذ لا
يدخل اليهوديّ، ولا النصرانيّ في الأمة المذكورة، والله تعالى أعلم. انتهى
كلام القرطبيّ ◌َذتهُ (٤).
(١) (الكاشف)) ٤٤٨/٢.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد في ((مسنده)) (١٢٧٤٥)، وأبو داود في ((سننه))
(٤٧٣٩)، والترمذيّ في ((جامعه)) (٢٣٥٩ و٢٣٦٠).
(٣) بل هو عند الإمام أحمد تَخّْتُهُ في ((مسنده)) (٢٧٤٢٠)، ولفظه: وقال رسول الله وَليل :
((والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، ولا يهوديّ، ولا
نصرانيّ، ومات ولم يؤمن بالذي أُرسلت به، إلا كان من أصحاب النار)). وهو
أيضاً بهذا اللفظ في ((مسند أبي عوانة)) ١/ ٩٧ رقم (٣٠٧).
(٤) ((المفهم)) ٣٦٨/١.

٢٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال الطيبيّ ◌َثُهُ: ((من)) في قوله: ((من هذه الأمة)) إما للبيان، أو
للتبعيض، وعلى التقديرين هو مرفوع المحلّ.
فعلى أن تكون للتبعيض معناه: لا يسمع بي أحدٌ، وهو بعض هذه الأمة،
يهوديّ، والإشارة بـ((هذه)) إلى ما في الذهن، و((الأمة)) بيان له، و((الأمة)) حينئذ
أمة الدعوة.
وعلى أن تكون للبيان، ولفظة ((هذه)) تكون إشارةً إلى أمة اليهود
والنصارى خاصّةً، جرّد من الأمة اليهود والنصارى، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ
مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ الآية [آل عمران:
١٠٤]، فسّره صاحب ((الكشّاف)) بالوجهين.
وقال الطيبيّ أيضاً: قال الشارحون: ((الأمة)) جمعٌ لهم جامعٌ من دين، أو
زمان، أو مكان، أو غير ذلك، فإنه مجملٌ يُطلق تارةً، ويراد به كلُّ من كان
هو مبعوثاً إليهم، آمن به، أو لم يؤمن، ويُسَمَّون أمة الدعوة، ويُطلق تارةً
أخرى، ويراد به المؤمنون به، والمذعنون له، وهم أمة الإجابة، والمعنى
الأول هو المراد هنا بدليل قوله: ((ولم يؤمن بي))، واللام فيها للاستغراق، أو
الجنس، أو العهد، والمراد بها أهل الكتاب، ويَعضد الأخير توصيف الأحد
باليهود والنصارى، وفي تخصيص ذكر اليهودي والنصرانيّ، وهما من أهل
الكتاب إشعارٌ بأن حال المعطّلة، وعَبَدة الأوثان، وأضرابهم آكد، وهم أولى
بدخول النار.
وتلخيص المعنى أن كلّ واحد من هذه الأمة إذا يسمع بي، وتبيّن له
صدقي، ثم لا يؤمن برسالتي، ولم يُصدّق بمقالتي، كان من أصحاب النار،
سواء الموجود، ومن سيوجد. انتهى كلام الطيبيّ ببعض تصرّف(١).
(يَهُودِيٌّ) عطف بيان، أو بدل بعض من كلّ من ((أحدٌ))، قال
الفيّوميّ تَّتُهُ: هاد الرجل هَوْداً: إذا رجع، فهو هائدٌ، والجمع هُودٌ، مثلُ بازلٍ
وبُزُلٌ، وسُمّي بالجمع، وبالمضارع، وفي التنزيل: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ
نَصَرَى تَهْتَدُواْ﴾ الآية [البقرة: ١٣٥]، ويقال: هو يَهُودُ غير منصرفٍ؛ للعلميّة،
(١) ((المصدر السابق.

٢٤٣
(٧٥) - بَابُ وُجُوبِ الإِيمَانِ بِرِسَالَة نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ نٍَّ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٣)
ووزن الفعل، ويجوز دخول الألف واللام، فيقال: اليهود، وعلى هذا فلا
يمتنع التنوين؛ لأنه نُقل عن وزن الفعل إلى باب الأسماء، والنسبة إليه يَهُوديّ،
وقيل: اليَهُوديّ: نسبة إلى يهودا بن يعقوب عَلَّا، هكذا أوردَ الصَّغَانيّ يَهُودا
في باب المهملة. انتهى(١).
(وَلَا نَصْرَانِيٍّ) عطف على ((يهوديّ)) بإعادة (لا)) النافية، وهو فصيح، وقال
الطيبيّ ◌َتْهُ :
[فإن قلت]: كيف عُطف ((ولا نصرانيّ)) على ((يهودي))، وهو مُثبتٌ،
والكلام الفصيح في العطف بـ((لا)) أن تكرّر لفظة ((لا))، كما في قوله رَكَ: ﴿فَلَ
[القيامة: ٣١]؟.
صَلَّقَ وَلَا صَلَّى
[قلت]: ((يهوديّ)) في حيّز النفي؛ لكونه فاعلاً للفعل المنفيّ؛ كقوله
تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ﴾ الآية [الأحقاف: ٩]. انتهى كلام
الطيبيّ(٢) .
وخصّ اليهود والنصارى بالذكر تنبيهاً على غيرهما؛ لأنهما أهل كتاب،
فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتاباً، فغيرهم ممن لا کتاب له یکون من بابٍ
أولی.
(ثُمَّ يَمُوتُ) قالِ التوربشتيّ تَّتُهُ: لفظ ((ثمّ)) موضوع للتراخي، فهو دالٌ
على أن الإيمان بما أُرسل به نبيّنا محمد بنَّ مهما صَدَر من الكافر، وحصَل
منه، فإنه ينفعه، ويُمحى عنه ما سلف في كفره، وإن تراخى ذلك الإيمان عن
أول سماعه لمبعثه، وتقدير الاستثناء: لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، ثم لم
يؤمن بالذي أُرسلتُ به، فيكون له حالٌ من الأحوال إلا أَنْ كان من أصحاب
النار.
قال الطيبيّ - بعد ذكر كلام التوربشتيّ هذا -: أقول: والوجه أن يقال:
إن (ثُمّ)) للاستبعاد، كما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِرَ بِئَايَتِ رَيِّهِ، ثُمَّ أَعْرَضَ
عَنْهَا﴾ الآية [السجدة: ٢٢]؛ يعني: أنه ليس أحدٌ أظلم ممن بُيّنت له آياتُ الله
الظاهرة والباطنة، ودلائله القاهرة، فعرفها، ثم أنكرها؛ أي: بعيد ذلك عن
(١) ((المصباح المنير)) ٦٤٢/٢.
(٢) ((الكاشف)) ٤٤٩/٢.

٢٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
العاقل، كما تقول: وجدتَ مثل تلك الفُرْصة، ثم لم تنتهزها! فالمعنى: ما
أبعد لذي العقل أن يسمع بي يهوديّ، ونصرانيّ بعد انتظارهما بعثتي،
واستفتاحهما الكفرة بنصرتي، ثم لَمّا بُعثتُ لم يؤمن بي، فعلى هذا التقدير
يختصّ الحديث بأهل الكتاب، ولا يحتاج إلى التكلّف في نسبته إلى غيرهم،
كما عليه كلام الشارحين.
[فإن قلت]: في الحديث السماع، والإيمان كلاهما منفيّان، فيلزم على
هذا أن يكون من لم يسمع، ولم يؤمن من أصحاب النار، وهو خلاف
قوله رَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فكان من حقّ
الظاهر أن يقول: يسمع، ولا يؤمن بي.
[أجيب]: بأن (ثمّ)) للاستبعاد، فرجع حاصل معنى الاستثناء إلى قولنا :
لا يحصل بهذا الاستبعاد المذكور في حقّ يهوديّ، ونصرانيّ، فیکون له حال
من الأحوال إلا أن كان من أهل النار، فالمنفيّ سماعٌ لم يترتّب عليه الإيمان؛
لأنه هو المستبعد، وفُهم منه أن السماع الذي يترتّب عليه الإيمان يكون حكمه
بالعكس.
ونظيره قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَِّّ وَلَا
تَجْهَرُواْ لَهُ بِلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضِ أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ
٢
[الحجرات: ٢] في أحد وجهيه، وهو أن يكون الفعل المعلَّل منهيّاً، لا أن يكون
الفعل المنهيّ معلّلاً، فاعرف، قاله الطيبيّ تَخْذُهُ(١) .
التعبير بـ(ثم)) التي للتراخي، والمُهلة فيه إشعار بأن الإيمان ينفع، ولو
بعد مدّة من البلاغ، ويحتمل أن يكون لاستبعاد أن يقع الموت بدون إيمان بعد
السماع به، فهو كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِرَ بِثَايَتِ رَبِّهِ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَاً﴾
الآية [السجدة: ٢٢]، (وَلَمْ يُؤْمِنْ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل
((يموت)) (بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ) ببناء الفعل للمفعول، وقوله: ((بالذي)) متعلّق
بـ(يؤمن)) (إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ))) أي: ممن يدخلها، ويلازمها؛ لكونه ممن
حكم الله وَّ عليهم بالتأبيد، حيث قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤٤٩/٢ - ٤٥٠.

٢٤٥
(٧٥) - بَابُ وُجُوبِ الإِيمَانِ بِرِسَالَة نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ بٍَّ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٣)
[البينة: ٦]، والله
وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائلُ تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظُه هذا تفرّد به المصنّف ◌َخَّلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في ((الإيمان)) [٣٩٣/٧٥] (١٥٣)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٢٧٤٢٠ و٢٧٣٠١)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣٠٧ و٣٠٨)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٨٤)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٤٠١)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب الإيمان برسالة نبيّنا محمد وَلّ على جميع
الناس، بل على جميع الثقلين، ممن بلغتهم الدعوة، وفهموها، فرسالته عامّة
جميع الأزمنة، والأمكنة، والأمم، وقد أخرج الشيخان في ((الصحيحين)) حديث
جابر بن عبد الله ﴿ه قال: قال رسول الله وَ﴿ه: ((أُعطيت خمساً، لم يُعْطَهُنّ
أحدٌ من الأنبياء قبلي: نُصِرت بالرُّعْب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجداً
وطهوراً، وأيُّما رجل من أمتي أدركته الصلاة، فَلْيُصَلِّ، وأُحِلت لي الغنائم،
وكان النبي يبعث إلى قومه خاصّة، وبعثت إلى الناس كافّةً، وأُعطيت
الشفاعة)).
وأخرج مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله وَّه قال: ((فُضِّلتُ على الأنبياء
بستّ: أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرُّعْب، وأُحلت لي الغنائم، وجعلت
لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأُرسلت إلى الخلق كافّةً، وخُتِم بي النبيون)).
٢ - (ومنها): نسخ جميع الملل برسالة نبيّنا وَ﴿؛ لأن ذكر اليهود
والنصارى للتنبيه على من سواهما من الأمم التي تدّعي ديناً، سواء كان سماويّاً
أم لا .
٣ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن من لم تبلغه دعوة النبيّ وَّ، ولا
أمره، لا عقاب عليه، ولا مؤاخذة، وهذا كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَقَّ

٢٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فمن لم تبلغه دعوته وَيّر، ولا معجزته، فكأنه لم
يُبعث إليه رسول.
وقال النوويّ كَخْلُهُ: وفي مفهومه: دلالة على أن من لم تبلغه دعوة
الإسلام، فهو معذور، وهذا جارٍ على ما تقدّم في الأصول أنه لا حكم قبل
ورُود الشرع على الصحيح. انتهى(١).
وقال القاضي عياض تَُّ: فيه دليلٌ على أن من في أطراف الأرض،
وجزائر البحر المنقطعة، ممن لم تبلغه دعوة الإسلام، ولا أمر النبيّ وَلقر أن
الحَرَجَ عنه في عدم الإيمان به ساقطً؛ لقوله: ((لا يسمع بي))؛ إذ طريق معرفته،
والإيمان به * مشاهدة معجزته، وصدقه أيام حياته، أو صحّةُ النقل بذلك،
والخبرُ لمن لم يشاهده، أو جاء بعده، بخلاف الإيمان بالله تعالى، وتوحيده
الذي يوصل إليه بمجرد النظر الصحيح، ودليل العقل السليم. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: بخلاف الإيمان بالله ... إلخ فيه نظر؛ إذ
الفرق بين الإيمان بالرسول و 18، وبين الإيمان بالله تعالى لمن لم تبلغه الدعوة
مخالف لظاهر النصّ، فمن أين له وجوب الإيمان بالله تعالى على من لم تبلغه
الدعوة؟، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله
تعالى -.
٤ - (ومنها): أن من لم يؤمن برسالة النبيّ وَلير كافر يدخل النار، خالداً
مخلّداً أبداً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن لم تبلغهم الدعوة:
قال الإمام ابن كثير تَخّتُهُ ما ملخّصه:
قد اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى قديماً وحديثاً في الوٍلْدان الذين
ماتوا، وهم صغار، وآباؤهم كفار، ماذا حكمهم؟ وكذا المجنون، والأصمّ،
والشيخ الخَرِفُ، ومن مات في الفترة، ولم تبلغه دعوة، وقد وَرَدَ في شأنهم
أحاديث ... فذكر منها حديث الأسود بن سَرِيع بُّبه:
قال الإمام أحمد تَّتُهُ (٤٢٤): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٨/٢.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٦٠٤/١.

٢٤٧
(٧٥) - بَابُ وُجُوبِ الإِيمَانِ بِرِسَالَة نَبِّنَا مُحَمَّدٍ وٍَّ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٣)
هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سَرِيع،
أن رسول الله وَ لّ قال: «أربعة يحتجون يوم القيامة: رجلٌ أصمّ، لا يسمع
شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هَرِمٌ، ورجل مات في فترة، فأما الأصمّ، فيقول:
رب قد جاء الإسلام، وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق، فيقول: رب قد جاء
الإسلام، والصبيان يَحذفوني بالبعر، وأما الهَرِم، فيقول: رب لقد جاء
الإسلام، وما أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفترة، فيقول: رب ما أتاني لك
رسول، فيأخذ مواثيقهم لَيُطِيعنّه، فَيُرسل إليهم أن ادخلُوا النار، فوالذي نفس
محمد بيده، لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً))(١).
وأخرج أيضاً بالإسناد المذكور عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع،
عن أبي هريرة نظره أنه قال في آخره: ((فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً،
ومن لم يدخلها يُسْحَب إليها))(٢).
وكذا رواه إسحاق بن راهويه، عن معاذ بن هشام، ورواه البيهقي في
((كتاب الاعتقاد)) من حديث حنبل بن إسحاق، عن علي بن عبد الله المديني به،
وقال: هذا إسناد صحيح، وكذا رواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن
أبي رافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلّى: ((أربعة كلهم يُدلي على الله
بحجة ... ))، فذكر نحوه، ورواه ابن جرير من حديث معمر، عن همام، عن
أبي هريرة .. فذكره موقوفاً، ثم قال أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿وَمَا كُنَّاً
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
وكذا رواه معمر، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة،
موقوفاً .
ثم ذكر أحاديث كثيرة بهذا المعنى، ومعظمها متكلّم فيها .
ثم قال: فمن العلماء: من ذهب إلى الوقوف فيهم؛ لِمَا أخرجه أحمد
عن حسناء بنت معاوية، من بني صُرَيم، قالت: حدثني عمي، قال: قلت: يا
(١) أخرجه أحمد في («مسنده)) (٢٤/٤) وهو حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح،
كما قال الحافظ الهيثميّ ◌َّلهُ في ((مجمع الزوائد)» ٢١٨/٧ - ٢١٩.
(٢) صحيحٌ أيضاً أخرجه أحمد (٢٤/٤).

٢٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رسول الله، من في الجنة؟ قال: ((النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود
في الجنة، والوئيد في الجنة))، وحسناء مجهولة، لم يروِ عنها إلا عوفٌ
الأعرابيّ.
ومنهم: من جزم لهم بالجنة؛ لحديث سمرة بن جندب رَظُه في ((صحيح
البخاري)) أنه وَلّ قال في جملة ذلك المنام، حين مَرّ على ذلك الشيخ، تحت
الشجرة، وحوله ولدان، فقال له جبريل: هذا إبراهيم ظلّلا، وهؤلاء أولاد
المسلمين، وأولاد المشركين، قالوا: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال:
((نعم، وأولاد المشركين)).
ومنهم: من جزم لهم بالنار؛ لقوله ◌َّ: ((هم مع آبائهم))، متّفقٌ عليه،
لكن هذا في أحكام الدنيا؛ لأنه سئل عن أهل بيت يُبَيَّتُون، فقال: ((هم منهم))،
وفي لفظ: ((هم من آبائهم)) (١).
ومنهم: من ذهب إلى أنهم يُمْتَحَنون يوم القيامة في العَرَصات، فمن أطاع
دخل الجنة، وانكشف علم الله فيهم بسابق السعادة، ومَن عَصَى دخل النار،
داخراً، وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة.
قال ابن كثير: وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صَرَّحت به
الأحاديث المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض، وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ
أبو الحسن، عليّ بن إسماعيل الأشعريّ، عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي
نصره الحافظ أبو بكر البيهقيّ، في ((كتاب الاعتقاد))، وكذلك غيره، من محققي
العلماء والحفاظ والنقاد، وقد ذكر الشيخ أبو عمر بن عبد البر النَّمَريّ بعدما
تقدم من أحاديث الامتحان، ثم قال: وأحاديث هذا الباب ليست قويةً، ولا
تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرونها؛ لأن الآخرة دار جزاء، وليست بدار
عمل، ولا ابتلاء، فكيف يُكَلَّفُون دخول النار، وليس ذلك في وسع
المخلوقين، والله لا يُكَلِّف نفساً إلا وسعها .
(١) فقد أخرج الشيخان عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة رضيه قال: سُئل النبيّ وَله
عن الذراريّ، من المشركين، يُبَيَّتُون، فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: ((هم
منهم))، لفظ مسلم.

٢٤٩
(٧٥) - بَابُ وُجُوبِ الإِيمَانِ بِرِسَالَة نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ نَّرِ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٣)
والجواب عما قال: إن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيحٌ، كما قد
نَصَّ على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حَسَنٌ، ومنها ما هو
ضعيفٌ، يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلةً
متعاضدةً على هذا النمط، أفادت الحجة عند الناظر فيها .
وأما قوله: ((إن الدار الآخرة دار جزاء))، فلا شك أنها دار جزاء، ولا
ينافي التكليف في عرصاتها، قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو
الحسن الأشعريّ، عن مذهب أهل السنة والجماعة، من امتحان الأطفال، وقد
@)﴾ [القلم:
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُّكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ
٤٢]، وقد ثبت في الصحاح، وغيرها: أن المؤمنين يسجدون الله يوم القيامة،
وأن المنافق لا يستطيع ذلك، ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقاً واحداً،
كلما أراد السجود خَرَّ لقفاه، وفي ((الصحيحين)) في الرجل الذي يكون آخر أهل
النار خروجاً منها، أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه، أن لا يسأل غير ما هو فيه،
ويتكرر ذلك مراراً، ويقول الله تعالى: يا ابن آدم ما أغدرك! ثم يأذن له في
دخول الجنة، متّفقٌ عليه.
وأما قوله: ((فكيف يُكَلِّفهم الله دخول النار، وليس ذلك في وسعهم؟»،
فليس هذا بمانع من صحة الحديث، فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز
على الصراط، وهو جسرٌ على جهنم أحدٌّ من السيف، وأدَقُّ من الشعرة، ويَمُرّ
المؤمنون عليه، بحسب أعمالهم؛ كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل
والركاب، ومنهم الساعي، ومنهم الماشي، ومنهم من يَحْبُو حبواً، ومنهم
المكدوس على وجهه في النار، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا، بل
هذا أطَمّ وأعظم.
وأيضاً فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع
المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار، فإنه يكون
عليه برداً وسلاماً، فهذا نظير ذلك.
وأيضاً فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، فقَتَل بعضهم
بعضاً، حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفاً، يقتل الرجل أباه
وأخاه، وهم في عَمَاية أرسلها الله عليهم، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم

٢٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
العجل، وهذا أيضا شاقّ على النفوس جدّاً، لا يتقاصر عما ورد في الحديث
المذكور، والله أعلم. انتهى المقصود من كلام ابن كثير تَقْذّتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من التحقيق أن أرجح الأقوال
في أطفال المشركين، والمجنون، والأصمّ، والشيخ الخَرِف، ومن لم تبلغهم
الدعوة هو القول بامتحانهم؛ لصحة الدليل بذلك، ولا سيّما حديث الأسود بن
سَرِيع، وما عداه من الأخبار، وإن تُكلّم فيها، إلا أنها بمجموعها تفيدُ الحجة،
وسنعود إلى تكميل البحث في هذا في الموضع المناسب له - إن شاء الله
تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٧٦) - (بَابُ ذِكْر مَنْ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال :
[٣٩٤] (١٥٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا (٢) هُشَيْمٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ
صَالِحِ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، سَأَلَ (٣)
الشَّعْبِيَّ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرِو، إِنَّ مَنْ قِبَلَنَا، مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ :
إِذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَهُوَ كَالرَّاكِبِ بَدَنَتَهُ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ
أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ
مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ نَّهِ، فَآمَنَ بِهِ، وَاتَّبَعَهُ، وَصَدَّقَهُ، فَلَهُ
أَجْرَانٍ؛ وَعَبْدٌ مَمْلُوٌ، أَدَّى حَقَّ اللّهِ تَعَالَى، وَحَقَّ سَيِّدِهِ، فَلَهُ أَجْرَانٍ؛ وَرَجُلٌ،
كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ، فَغَذَّاهَا، فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا، ثُمَّ أَذَّبَهَا، فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا،
وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانٍ))، ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ لِلْخُرَاسَانِيِّ: خُذْ هَذَا الْحَدِيثَ بِغَيْرِ شَيْءٍ،
فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَ هَذَا إِلَى الْمَدِينَةِ).
(١) راجع: ((تفسير ابن كثير)) ٤٤٥/٨ - ٤٦٢ في تفسير ((سورة الإسراء)).
(٣) وفي نسخة: ((يسأل الشعبيّ)).
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا هُشيم)).

٢٥١
(٧٦) - بَابُ ذِكْر مَنْ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ - حديث رقم (٣٩٤)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا
النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (هُشَيْم) بن بشير بن القاسم بن دينار السّلميّ، أبو معاوية بن أبي
خازم(١) الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (١٨٣) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٣ - (صَالِحُ بْنُ صَالِحِ الْهَمْدَانِيُّ) هو: صالح بن صالح بن حَيّ، وقيل:
صالح بن صالح بن مُسلمً بن حَيّ، أبو حيان الثوريّ الهمدانيّ الكوفيّ، وقد
يُنسب إلى جدّ أبيه حَيّ، وحَيٍّ لقبُ حيان، فيقال: صالح بن حيّ، وصالح بن
حيّان، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن الشعبيّ، وسلمة بن كُهيل، وسِمَاك بن حرب، وعاصم
الأحول، وعون بن عبد الله بن عتبة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابناه: الحسنُ، وعليّ، وشعبة، والسفيانان، وهشيم،
ويحيى بن أبي زائدة، وابن المبارك، وعبد الرحمن المحاربي، وأبو خالد
الأحمر، وغيرهم.
قال ابن عيينة: كان خيراً من ابنيه، وقال حرب، عن أحمد: ثقة ثقة، وقال
ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: كان ثقةً، رَوَى عن الشعبيّ أحاديث
يسيرة، وما نعرف عنه في المذهب إلا خيراً، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال ابن خلفون في ((الثقات)): مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، وهو ثقةٌ،
قاله ابن نُمَير وغيره، قال الحافظ: كذا نقلته من خطّ مغلطاي. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (الشَّعْبِيُّ) هو: عامر بن شَرَاحيل الهَمْدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ
فاضلٌ مشهورٌ [٣] (ت بعد ١٠٠) عن (٨٠) سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٥ - (أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى) الكوفيّ قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث،
ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) وقيل: غير ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
(١) بمعجمتين.

٢٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٦ - (أَبُوه) هو: عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار، أبو موسى
الأشعريّ الصحابيّ الشهير بَظ ◌ُله مات سنة (٥٠)، وقيل بعدها (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٧١/١٦، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من صالح، وشيخه نيسابوريّ،
وهُشیمٌ واسطيّ.
٤ - (ومنها): أن صالح بن صالح هذا ليس له في هذا الكتاب غير هذا
الحديث، كما أسلفته آنفاً .
٥ - (ومنها): أن فيه قولَه: ((الهَمْدانيّ))، بفتح الهاء، وسكون الميم،
فدالٍ مهملةٍ: نسبة إلى قبيلة باليمن، وأما الهَمَذانيّ بفتحتين، وذال معجمة،
فنسبة إلى بلدة في العجم، بناها هَمَذَان بن الفَلَّوج بن سام بن نوح، وغالب
العلماء المتقدّمين، ينسبون إلى الأول، وغالب المتأخرين يُنسبون إلى الثاني،
وإليه أشار السيوطيّ في ((ألفيّة الحديث))، حيث قال:
وَبَلَدٍ أَعْجِمْ بِلَا إِسْكَانٍ
وَلِلْقَبِيلِ نِسْبَةُ الهَمْدَانِي
فِي الآخِرِينَ فَهْوَ أَصْلٌ يُحْتَذَى
فِي القُدَمَاءِ ذَاكَ غَالِبٌ وَذَا
وفيه قوله: ((الشَّعْبِيّ)) بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة: نسبة
إلى شعب، بطنٌ من هَمْدان، وقيل: من حِمْيَر(١).
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الشعبيّ، عن أبي بُردة، وهو
من رواية الأقران، وفيه رواية الابن عن أبيه: أبو بُردة عن أبي موسى ﴿ه.
٧ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّلُهُ: وفي هذا الإسناد لطيفةٌ، يتكرر
مثلها، وقد تقدم بيانها، وهو أنه قال: ((عن صالح، عن الشعبيّ، قال: رأيت
(١) ((لب اللباب)) ٥٥/٢.

٢٥٣
(٧٦) - بَابُ ذِكْر مَنْ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ - حديث رقم (٣٩٤)
رجلاً سأل الشعبيّ))، وهذا الكلام ليس منتظماً في الظاهر، ولكن تقديره:
حدثنا صالحٌ، عن الشعبيّ، قال: رأيت رجلاً سأل الشعبيّ بحديث، وقصةٍ
طويلةٍ، قال فيها صالح: رأيت رجلاً سأل الشعبيّ. انتهى(١).
٨ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّلُ أيضاً: أما هُشيم، فبضمّ الهاء، وهو
مدلّسٌ، وقد قال: عن صالح، وقد قدّمنا أن مثل هذا إذا كان في الصحيح
محمول على أن هُشيماً ثبت سماعه لهذا الحديث من صالح. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد ذكر الإمام الدراميّ تَّهُ في ((مسنده)) تصريح
هشيم بسماعه من صالح بن صالح، فقال بعد أن أخرجه من طريق عمرو بن
عون عن هُشيم ما نصّه: قال هُشيم: أفادوني بالبصرة، فأتيته فسألته عنه.
انتھی. فهذا صریح بأنه سمعه منه.
وأيضاً لم ينفرد به بل تابعه عليه عبدة بن سليمان، وسفيان بن عيينة،
وشعبة، ثلاثتهم عن صالح بن صالح، كما يأتي في السند التالي، فزالت تهمة
التدليس، والحمد لله، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحِ الْهَمْدَانِيَّ) بفتح، فسكون، وللبخاريّ: ((حدثنا
صالح بن حيّان))، قال في ((الفتح)): هو صالح بن صالح بن مُسلم بن حيّان،
نُسِب إلى جد أبيه، وهو بفتح المهملة، وتشديد الياء التحتانية، ولقبه حَيّ،
وهو أشهر به من اسمه، وكذا من يُنْسَب إليه، يقال للواحد منهم غالباً: فلان
ابن حيّ، كصالح بن حَيّ هذا، وهو ثقة مشهور، وفي طبقته راوٍ آخر كوفيّ
أيضاً، يقال له: صالح بن حَيّان القُرَشيّ، لكنه ضعيف، وقد وَهِمَ مَن زَعَم أن
البخاري أخرج له، فإنه إنما أخرج لصالح بن حَيّ، وهذا الحديث معروف
بروايته عن الشعبيّ، دون القرشيّ، وقد أخرجه البخاري من حديثه، من طُرُق،
منها في ((الجهاد)) من طريق ابن عيينة، قال: حدثنا صالح بن حَيّ، أبو حَيَّان،
قال: سمعت الشعبيّ، وأصرح من ذلك، أنه أخرج الحديث المذكور في
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٧/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢/ ١٨٧.

٢٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
((كتاب الأدب المفرد)» بالإسناد الذي أخرجه هنا، فقال: صالح بن حَيّ.
(١) .
انتھی
(عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شَرَاحيل (قَالَ) الفاعل ضمير صالح، لا ضمير
الشعبيّ، كما أسلفناه في اللطائف، والمعنى: حدّثنا صالح بقصّة عن الشعبيّ،
قال فيها صالح: (رَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ) بضمّ الخاء المعجمة، وتخفيف
الراء: بلادٌ مشهورة بالعجم، والنسبة إليها خُراسانيّ، قال سيبويه: وهو أجود،
وخُرَاسنِيّ بحذف الألف الثانية، مع كسر السين، وخُرَسَنيّ بحذف الألفين،
وخُرَسيّ بحذف الألفين والنون، وخُراسيّ، ذكره في ((القاموس)) وشرحه(٢).
(سَأَلَ) وفي نسخة: ((يسأل)) (الشَّعْبِيَّ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو) كنية الشعبيّ ◌َخْثُ
(إِنَّ مَنْ قِبَلَنَا) ((مَن)) اسم موصول بمعنى الذين، و((قِبَلنا)) بكسر القاف، وفتح
الموحّدة؛ أي: عندنا، يقال: لي قِبَله كذا بكسر، ففتح؛ أي: عنده(٣)؛ أي:
إن الذين يعيشون عندنا (مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ) بيان لـ((مَنْ))، متعلّق بحال مقدّر
(يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ) أي: في شأن الرجل (إِذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَهُوَ
كَالَّاكِبِ بَدَنَتَهُ) أي: هديّته التي يُهديها إلى الحرم، فـ((البَدَنة)) بفتحتين: هي
الناقة، أو البقرة، أو البعير، قال الأزهريّ: ولا تقع البدنة على الشاة، وقال
بعض أهل اللغة: البَدَنة: هي الإبل خاصّة، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَتْ
جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]، سُمّيت بذلك؛ لِعِظم بدنها، جمعها بَدَنات، مثلُ قصبة،
وقَصَبَات، ويُدُنِّ بضمتين، وبإسكان الدال تخفيفاً(٤).
والمعنى: أن الذي يُعتق أمته، ثم يتزوّجها مثل الذي يُهدي إلى الحرم
بدنةً، ثم يركبها؛ أي: فكما لا يجوز ركوبها إلا للضرورة؛ لِمَا أخرجه
المصنّف تَخْذَهُ عن الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله ضًا سُئل عن ركوب
الهدي، فقال: سمعت النبيّ ◌َّه يقول: ((اركبها بالمعروف، إذا أُلجئت إليها،
(١) ((الفتح)) ٢٢٩/١ ((كتاب الإيمان)) رقم (٩٧).
(٢) راجع: ((تاج العروس شرح القاموس)) ٤/ ١٣٧.
(٣) راجع: ((القاموس المحيط)) ص٩٤٢.
(٤) راجع: ((المصباح المنير)) ٣٩/١ - ٤٠.

٢٥٥
(٧٦) - بَابُ ذِكْر مَنْ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ - حديث رقم (٣٩٤)
حتى تجد ظهراً))، كذلك لا يجوز أن يتزوّج أمته التي أعتقها؛ لأنه يكون
رجوعاً، وهذا قياس فاسدٌ؛ لمعارضته النصّ المذكور في هذا الحديث.
(فَقَالَ الشَّعْبِيُّ) ردّاً لهذا القياس الفاسد (حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى)
تقدّم الخلاف في اسمه (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن قيس الأشعريّ رَظُهُ (أَنَّ
رَسُولَ اللهِ بِ قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ) مبتدأٌ، سوّغ الابتداء به، وإن كان نكرةً، المضاف
إليه، أو الوصف المقدّران؛ أي: ثلاثة رجال، أو ثلاثة من الرجال، وخبره
جملة قوله: (يُؤْتَوْنَ) بالبناء للمفعول؛ أي: يؤتى كلّ واحد منهم (أَجْرَهُمْ
مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ) بدل تفصيل من (ثلاثة))، أو بدل كلّ، إن نُظر إلى المجموع،
وحكم المرأة الكتابية في ذلك حكم الرجل، كما هو مُطّرِدٌ في جُلّ الأحكام،
حيث يدخلْنَ مع الرجال بالتبعية، إلا ما خَصّه الدليل، قاله في ((الفتح))(١).
[تنبيه]: لا مفهوم للعدد المذكور، فقد وردت نصوص أخرى تدلّ على
الزيادة على الثلاثة، سنوردها في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) صفة لـ((رجلٌ))، قال الطيبيّ ◌َّتُهُ: قال
الشارحون: المراد بأهل الكتاب نصرانيّ تنصّر قبل المبعث، أو بلوغ الدعوة
إليه، وظهور المعجزة لديه، ويهوديّ تهوّد قبل ذلك، إن لم تُجعل النصرانيّة
ناسخة لليهوديّة؛ إذ لا ثواب لغيره على دينه، فيُضاعفَ باستحقاقه ثواب
الإيمان، ويدلّ على ذلك أنه وقع في رواية للبخاريّ تَّتُهُ بدل قوله: ((آمن
بنبيّه)): ((آمن بعيسى ◌َلَّا)).
ويحتمل إجراؤه على عمومه؛ إذ لا يبعُدُ أن يكون طَرَيَانُ الإيمان به سبباً
لقبول تلك الأعمال والأديان، وإن كانت منسوخة، كما ورد في الحديث أن
مبرّات الكفّار وحسناتهم مقبولةٌ بعد إسلامهم.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني هو الأولى، والله تعالى أعلم.
[فإن قلت]: أيُّ فائدة في ذكر ((آمن بنبيّه))، وقد عُلِم ذلك من قوله: ((من
أهل الكتاب)»؟.
(١) ((الفتح)) ٢٣١/١.

٢٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[أُجيب]: بأنه للإشعار بعلّيّة الأجر، أي: سبب الأجرين الإيمان
بالنبيين. انتهى كلام الطيبيّ بتصرّف(١).
وقال في ((الفتح)): لفظ ((الكتاب)) عامّ، ومعناه خاصّ؛ أي: المُنَزَّل من
عند الله تعالى، والمراد به التوراة والإنجيل، كما تظاهرت به نصوص الكتاب
والسنة، حيث يُظْلَقُ أهلُ الكتاب، وقيل: المراد به هنا الإنجيل خاصّةً، إن
قلنا: إن النصرانية ناسخة لليهودية، كذا قرره جماعة، ولا يُحتاج إلى اشتراط
النسخ؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام، كان قد أُرسل إلى بني إسرائيل بلا
خلاف، فمَن أجابه منهم نُسِب إليه، ومَن كذَّبه منهم، واستَمَرّ على يهوديته، لم
يكن مؤمناً، فلا يتناوله الخبر؛ لأن شرطه أن يكون مؤمناً بنبيّه.
نعم مَن دخل في اليهودية من غير بني إسرائيل، أو لم يكن بحضرة
عيسى ظلِّل*، فلم تبلغه دعوته، يَصْدُق عليه أنه يهوديّ مؤمن؛ إذ هو مؤمن بنبيه
موسى علَّا، ولم يُكَذِّب نبيّاً آخر بعده، فمن أدرك بعثة محمد بََّ، ممن كان
بهذه المثابة، وآمن به، لا يُشكل أنه يدخل في الخبر المذكور، ومن هذا القبيل
العرب الذين كانوا باليمن وغيرها، ممن دخل منهم في اليهودية، ولم تبلغهم
دعوة عيسى ظلَّها؛ لكونه أُرسل إلى بني إسرائيل خاصّةً.
نعم الإشكال في اليهود الذين كانوا بحضرة النبيّ وَل﴿، وقد ثَبَت أن الآية
الموافِقَة لهذا الحديث، وهي قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَتَيْنِ﴾ [القصص:
٥٤] نزلت في طائفة آمنوا منهم، كعبد الله بن سلام وغيره، ففي الطبرانيّ، من
حديث رفاعة القُرَظِيّ قال: نزلت هذه الآيات فيّ، وفيمن آمن معي، وروى
الطبرانيّ بإسناد صحيح، عن عليّ بن رفاعة القُرَظيّ قال: خرج عشرة من أهل
الكتاب، منهم أبي رفاعةُ إلى النبيّ وَّهَ، فآمنوا به، فأُوذُوا، فنزلت: ﴿الَِّينَ
ءَانَيْنَهُمُ الْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِ يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ الآيات [القصص: ٥٢]، فهؤلاء من
بني إسرائيل، ولم يؤمنوا بعيسى، بل استَمَرُّوا على اليهودية، إلى أن آمنوا
بمحمد زَّل﴾، وقد ثبت أنھم یُؤْتَون أجرهم مرتین.
قال الطيبيّ: فيحتمل إجراء الحديث على عمومه؛ إذ لا يَبْعُد أن يكون
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤٥٠/٢.

٢٥٧
(٧٦) - بَابُ ذِكْر مَنْ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ - حديث رقم (٣٩٤)
طَرَيَان الإيمان بمحمد نَّ سبباً لقبول تلك الأديان، وإن كانت منسوخةً.
انتھی.
قال: ويمكن أن يقال في حقّ هؤلاء الذين كانوا بالمدينة: إنه لم تبلغهم
دعوة عيسى علا؛ لأنها لم تنتشر في أكثر البلاد، فاستمرّوا على يهوديتهم
مؤمنين بنبيهم موسى؛ إلى أن جاء الإسلام، فآمنوا بمحمد وَلّر، فبهذا يرتفع
الإشكال - إن شاء الله تعالى -.
[فوائد]:
(الأولى): وَقَع في شرح ابن التين وغيره أن الآية المذكورة نَزَلت في
كعب الأحبار، وعبد الله بن سلام، وهو صوابٌ في عبد الله، خطأ في كعب؛
لأن كعباً ليست له صحبةٌ، ولم يُسْلِم إلا في عهد عمرَ بنِ الخطاب
ضُوعِنْه ،
والذي في تفسير الطبري وغيره، عن قتادة، أنها نزلت في عبد الله بن سلام،
وسلمان الفارسيّ، وهذا مستقيم؛ لأن عبد الله كان يهوديّاً، فأسلم، وسلمان
كان نصرانياً، فأسلم، وهما صحابيان مشهوران.
(الثانية): قال القرطبيّ: الكتابيّ الذي يُضَاعَف أجره مرتين، هو الذي
كان على الحق في شرعه عقداً وفعلاً إلى أن آمن بنبينا بَّر، فيؤجر على اتّباع
الحق الأول والثاني، وأما من اعتقد الإلهيّة لغير الله تعالى، كما تعتقده
النصارى اليوم، أو من لم يكن على حقّ في ذلك الشرع الذي ينتمي إليه، فإذا
أسلم جَبّ الإسلام ما كان عليه من الفساد والغلط، ولم يكن له حقّ يؤجر عليه
إلا الإسلام خاصّةً. انتهى(١).
ويُشكِل عليه أن النبيّ وَّهَ كَتَب إلى هِرَقْل: ((أَسْلِم تَسْلَم، ويؤتِك الله
أجرك مرتين))، وهِرَقْلُ كان ممن دخل في النصرانية بعد التبديل، فالحقّ أنه لا
يشترط كونه استقامته على الشرع الذي ينتمي إليه؛ لأن حديث الباب، وكذلك
قوله وقي لهرقل: ((يؤتك الله أجرك مرتين)) لم يكن إلا بعد تمسّك أهل الكتابين
بما بُدّل وغيّر منه، فتوجيه الطيبيّ فيما سبق بأن طريان الإيمان بالنبيّ وَلّ كان
سبباً لقبول تلك الأديان المحرّفة، وما ذلك على الله بعزيز، وهو نظير قوله ريك:
(١) ((المفهم)) ٣٦٩/١.

٢٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٨]،
والله تعالى أعلم.
(الثالثة): قال أبو عبد الملك البُونيّ وغيره: إن الحديث لا يتناول اليهود
البتة، وليس بمستقيم كما قررناه، وقال الداوديّ، ومن تبعه: إنه يحتمل أن
يَتناول جميعَ الأمم فيما فعلوه من خير، كما في حديث حكيم بن حزام
:
((أسلمت على ما أسلفت من خير)).
قال الحافظ: وهو مُتَعَقَّبٌ؛ لأن الحديث مُقَيَّد بأهل الكتاب، فلا يتناول
غيرهم إلا بقياس الخير على الإيمان، وأيضاً فالنكتة في قوله: ((آمن بنبيه))
الإشعار بعّية الأجر؛ أي: أن سبب الأجرين الإيمان بالنبيين، والكفار ليسوا
كذلك.
ويمكن أن يقال: الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار، أن أهل
الكتاب يَعرفون محمداً وَ لَّ، كما قال الله تعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ
التَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، فمن آمن به، واتبعه منهم، كان له
فضلٌ على غيره، وكذا من كَذَّبه منهم، كان وِزْره أشدّ من وزر غيره، وقد وَرَد
مثلُ ذلك في حقّ نساء النبيّ وَّ؛ لكون الوحي كان ينزل في بيوتهن.
[فإن قيل]: فَلِمَ لم يُذكرن في هذا الحديث، فيكون العدد أربعة؟.
[أجيب]: بأن قضيتهن خاصّةٌ بهنّ، مقصورة عليهنّ، والثلاثة المذكورة
في الحديث مستمرة إلى يوم القيامة، هكذا قال البلقينّي تَخْذّتُهُ، قال الحافظ:
وهذا مصير منه إلى أن قضية مؤمن أهل الكتاب مستمرّةٌ، وقد ادَّعَى الكرماني
اختصاصَ ذلك بمن آمن في عهد البعثة، وعَلَّل ذلك بأن نبيهم بعد البعثة، إنما
هو محمدٌ پێ﴾ باعتبار عموم بعثته. انتهى.
وقضيته أن ذلك أيضاً لا يتمّ لمن كان في عهد النبيّ بَّ، فإن خصَّه بمن
لم تبلغه الدعوة، فلا فرق في ذلك بين عهده وَّر وبعده، فما قاله البلقينيّ
أظهر، والمراد بنسبتهم إلى غير نبيّنا ونَ﴿ إنما هو باعتبار ما كانوا عليه قبل
ذلك.
وأما ما قَوَّى به الكرماني دعواه بكون السياق مختلفاً، حيث قيل في
مؤمن أهل الكتاب: ((رجل)) بالتنكير، وفي العبد بالتعريف، وحيث زيدت فيه

٢٥٩
(٧٦) - بَابُ ذِكْر مَنْ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ - حديث رقم (٣٩٤)
((إذا)) الدالة على معنى الاستقبال، فأشعر ذلك بأن الأجرين لمؤمن أهل
الكتاب، لا يقع في الاستقبال بخلاف العبد. انتهى، وهو غير مستقيم؛ لأنه
مَشَى فيه مع ظاهر اللفظ، وليس مُتَّفَقاً عليه بين الرواة، بل هو عند البخاريّ
وغيره مختلفٌ، فقد عَبَّرَ في ترجمة عيسى لعلّها بإذا في الثلاثة(١)، وعبّر في
((النكاح)) بقوله: ((أَيُّما رجل)) في المواضع الثلاثة(٢)، وهي صريحة في التعميم،
وأما الاختلاف بالتعريف والتنكير، فلا أثر له هنا؛ لأن المعرَّف بلام الجنس
مؤدّاه مؤدى النكرة. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حققه الحافظ تَّتُهُ تحقيقٌ نفيسٌ،
وللعينيّ تعقّب عليه على عادته المستمرّة، تركته لكونه تعسّفاً ظاهراً لمن تأمله
بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ) محمداً (فَ)، وقوله: (فَآمَنَ بِهِ، وَاتَّبَعَهُ،
وَصَدَّقَهُ) يحتمل أن تكون ثلاثتها مترادفات في المعنى المراد؛ للتأكيد، ويحتمل
أن يكون من الإيمان به: التصديق برسالته، ومن اتباعه: لزوم العمل بشريعته،
ومن تصديقه: تصديقه في كلّ ما جاء به من الأحكام.
وقوله: (فَلَهُ أَجْرَانٍ) كرّره؛ لطول الكلام، وللاهتمام به، على حدّ قول
الحماسيّ [من الطويل]:
وَإِنَّ امْرَأَ دَامَتْ مَوَائِيقُ عَهْدِهِ عَلَى مِثْلِ هَذَا إِنَّهُ لَكَرِيمُ
(وَعَبْدٌ مَمْلُولُك)، ومثل العبد الأمة، كما سبق في الرجل والمرأة، وإنما
(١) ولفظه في ((كتاب أحاديث الأنبياء)) (٣٤٤٦): قال رسول الله وَله: ((إذا أدّب الرجل
أمته، فأحسن تأديبها، وعلّمها، فأحسن تعليمها، ثم أعتقها، فتزوجها، كان له
أجران، وإذا آمن بعيسى، ثم آمن بي، فله أجران، والعبد إذا اتقى ربه، وأطاع
مواليه، فله أجران)).
(٢) لفظه في ((كتاب النكاح)) (٥٠٨٣): قال رسول الله وَ له: ((أيّما رجل كانت عنده
وليدة، فعلّمها فأحسن تعليمها، وأدّبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها، فله
أجران، وأيما رجل من أهل الكتاب، آمن بنبيّه، وآمن بي، فله أجران، وأيّما
مملوك، أَدَّى حق مواليه، وحق ربه، فله أجران ... )).
(٣) ((الفتح)) ٢٣٠/١ - ٢٣١.

٢٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وَصَفَه بالمملوك؛ لأن جميع الناس عباد الله تعالى، فأراد تمييزه بكونه مملوكاً
للناس (أَدَّى حَقَّ اللهِ تَعَالَى) أي: مثل الصلاة، والصوم (وَحَقَّ سَيِّدِهِ) أي: مثل
خدمته، ولفظ البخاريّ: ((وحقّ مواليه)) (فَلَهُ أَجْرَانٍ) قال الحافظ وليّ الدين
رحمه الله تعالى:
[إن قلت]: يُفهم من هذا أنه يؤجر على العمل الواحد مرّتين، مع أنه لا
يؤجر على كلّ عمل إلا مرّة واحدة؛ لأنه يأتي بعملين مختلفين: عبادة الله،
والنصح لسيّده، فيؤجر على كلّ من العملين مرّةً، وكذا كلّ آتٍ بطاعتين يؤجر
على كلّ واحدة أجرها، ولا خصوصيّة للعبد بذلك.
[قلت]: يحتمل وجهين:
(أحدهما): أنه لما كان جنس العمل مختلفاً؛ لأن أحدهما طاعة الله،
والآخر طاعة مخلوق، خصّه بحصول أجره مرّتين؛ لأنه يحصل له الثواب على
عمل لا يأتي في حقّ غيره، بخلاف من لا يأتي في حقّه إلا طاعةٌ خاصّةٌ، فإنه
يحصل أجره مرّةً واحدةً، أي: على كلّ عمل أجر، وأعماله من جنس واحد،
لكن تظهر مشاركة المطيع لأميره، والمرأة لزوجها، والولد لوالده له في ذلك.
(ثانيهما): يمكن أن يكون في العمل الواحد طاعة الله، وطاعة سيّده،
فيحصل له على العمل الواحد الأجر مرّتين؛ لامتثاله بذلك أمر الله، وأمر سيّده
المأمور بطاعته، والله أعلم. انتهى(١).
وقال الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: معنى هذا الحديث عندي أن
العبد لَمّا اجتمع عليه أمران واجبان: طاعة ربّه في العبادات، وطاعة سيّده في
المعروف، فقام بهما جميعاً كان له ضعف أجر الحرّ المطيع لربّه مثل طاعته؛
لأنه قد ساواه في طاعة الله، وَفَضَلَ عليه بطاعة من أمره الله بطاعته.
قال: ومن هنا أقول: إن مَن اجتمع عليه فرضان، فأدّاهما أفضلُ ممن
ليس عليه إلا فرض واحد، فأدّاه، كمن وجب عليه صلاةٌ وزكاةٌ، فقام بهما،
فهو أفضل ممن وجبت عليه صلاةٌ فقط.
ومقتضاه أن من اجتمعت عليه فروضٌ، فلم يؤدِّ منها شيئاً، كان عصيانه
(١) ((طرح التثريب)) ٢٢٦/٦.