Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ (٧٤) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ هُوَ الْمُعْجِزَةَ الْكُبْرَى، ... إلخ - حديث رقم (٣٩٢) وفي رواية البخاريّ: ((أوتيته)) بذكر العائد (وَحْياً) منصوب على أنه خبر ((كان))، وجملة قوله: (أَوْحَى اللهُ إِلَيَّ) في محلّ نصب صفة لـ((وحياً))، والعائد محذوف، وقد ذُكر في رواية البخاري، ولفظه: ((أوحاه الله إليّ)). قال الحافظ ابن كثير ◌َُّهُ في معناه: أي الذي اختَصَصتُ به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر، أن يُعارِضوه، بخلاف غيره من الكتب الإلهية، فإنها ليست معجزةً عند كثير من العلماء والله أعلم. انتهى(١). وقال النوويّ كَّتُهُ: اختلف في معنى هذا الكلام على أقوال: [أحدها]: أن كل نبيّ أعطي من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله من الأنبياء، فآمن به البشر، وأما معجزتي العظيمة الظاهرة، فهي القرآن الذي لم يُعطَ أحد مثله، فلهذا قال: ((أنا أكثرهم تابعاً)). [والثاني]: معناه: أن الذي أوتيته لا يَتطرق إليه تخييل بسحر وشُبْهة، بخلاف معجزة غيري، فإنه قد يُخَيِّل الساحر بشيء، مما يقارب صورتها، كما خَيَّلت السحرة في صورة عصا موسى لعلّها، والخيال قد يَرُوج على بعض العوام، والفرق بين المعجزة والسحر والتخييل يحتاج إلى فكر ونظر، وقد يُخطئ الناظر، فيعتقدهما سواء. [والثالث]: معناه: أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم، ولم يشاهدها إلا من حضرها بحضرتهم، ومعجزة نبيّنا وَ﴿ القرآن المستمرّ إلى يوم القيامة، مع خرق العادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات، وعجز الجنِّ والإنس عن أن يأتوا بسورة من مثله، مجتمعين أو متفرقين، في جميع الأعصار، مع اعتنائهم بمعارضته، فلم يَقدِروا، وهم أفصح القرون مع غير ذلك من وجوه إعجازه المعروفة. انتهى كلام النوويّ تَخْذُّهُ(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأقوال في الحقيقة لا اختلاف بينها، فأوضحها هو الأول، والقولان بعده بيان وتفصيل لوجه عظمة القرآن، وعدم إعطاء الأولين مثله، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم. (١) ((تفسير ابن كثير)) ٣١٦/١. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٨/٢. ٢٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقال في ((الفتح))(١): قوله: ((وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ))؛ أي: إن معجزتي التي تحدّيت بها الوحيُ الذي أُنزِل عليّ، وهو القرآن؛ لِمَا اشتَمَلَ عليه من الإعجاز الواضح، وليس المراد حصر معجزاته فيه، ولا أنه لم يُؤْتَ من المعجزات ما أُوتِي مَن تقدمه، بل المراد أن القرآن هو المعجزة العظمى التي اختَصَّ بها دون غيره؛ لأن كلَّ نبي أُعْطِيَ معجزةً خاصة به، لم يُعْطَها بعينها غيره، تَحَدَّى بها قومَهُ، وكانت معجزةُ كل نبيّ تقع مُنَاسِبَةً لحال قومه، كما كان السحر فاشياً عند فرعون فجاءه موسى ظلّ بالعصا على صورة ما يَصْنَعُ السحرةُ، لكنها تَلَقَّفَتْ ما صَنَعُوا، ولم يَقع ذلك بعينه لغيره، وكذلك إحياء عيسىلِلنَّلُ الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص؛ لكون الأطباء والحكماء، كانوا في ذلك الزمان في غاية الظهور، فأتاهم من جنس عملهم، بما لم تَصِل قدرتهم إليه، ولهذا لَمّا كان العرب الذي بُعِثَ فيهم النبيّ وَّر في الغاية من البلاغة، جاءهم بالقرآن الذي تحدّاهم أن يأتوا بسورة مثله، فلم يَقْدِروا على ذلك. وقيل: المراد أن القرآن ليس له مِثْلٌ، لا صورةً ولا حقيقةً، بخلاف غيره من المعجزات، فإنها لا تخلو عن مثل. وقيل: المراد أن كلَّ نبي أُعطِيَ من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله صورةً أو حقيقةً، والقرآن لم يُؤتَ أحد قبله مثله، فلهذا أردفه بقوله: ((فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً)). وقيل: المراد أن الذي أوتيته لا يَتَطَرَّق إليه تَخْيِيلٌ، وإنما هو كلامٌ معجزٌ لا يقدر أحد أن يأتي بما يتخيَّل من التشبيه به، بخلاف غيره، فإنه قد يقع في معجزاتهم ما يَقْدِر الساحر أن يُخَيِّل شِبْهه، فَيَحتاج مَن يميز بينهما إلى نظر، والنظر عُرْضة للخطأ، فقد يُخطئ الناظر، فيَظُنّ تساويهما. (١) وقال في ((كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة)) في شرح هذا الحديث: ومعنى الحصر في قوله: ((إنما كان الذي أوتيته)) أن القرآن أعظم المعجزات، وأفيدها، وأدومها؛ لاشتماله على الدعوة، والحجة، ودوام الانتفاع به الى آخر الدهر، فلما كان لا شيءَ يقاربه، فضلاً عن أن يساويه، كان ما عداه بالنسبة إليه كأن لم يقع. انتهى. ((الفتح)) (٢٦٢/١٣) رقم (٧٢٧٤). ٢٢٣ (٧٤) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ هُوَ الْمُعْجِزَةَ الْكُبْرَى، ... إلخ - حديث رقم (٣٩٢) وقيل: المراد أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم، فلم يُشاهدها إلا مَن حَضَرها، ومعجزةُ القرآن مستمرَّة إلى يوم القيامة، وخرقُهُ العادةَ في أسلوبه، وبلاغته بيّنة لكلّ من يأتي إلى يوم القيامة، إلى ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، فلا يَمُرُّ عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أَخبر به أنه سيكون، يَدُلُّ على صدقه وَّل، وصحة نبوّته، وتجدّد الإيمان في قلوب أمته، قال الحافظ كَّتُهُ: وهذا أقوى المحتملات، وتكميلُهُ في الذي بعده . وقيل: المعنى أن المعجزات الماضية، كانت حسية تُشاهَد بالأبصار، كناقة صالح، وعصا موسى، ومعجزةُ القرآن تُشاهد بالبصيرة، فيكون مَن يتبعه لأجلها أكثر؛ لأن الذي يُشاهَد بعين الرأس يَنقرض بانقراض مشاهِده، والذي يُشاهَد بعين العقل باقٍ، يشاهده كلُّ من جاء بعد الأول مستمرّاً. قال الحافظ تَظْلَتُهُ بعد ذكره لهذه الأقوال ما نصُّهُ: ويمكن نظم هذه الأقوال كلِّها في كلام واحدٍ، فإن مُحَصَّلها لا ينافي بعضُه بعضاً. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أشرت آنفاً أنه لا اختلاف في الحقيقة بين هذه الأقوال، بل بعضها تفصيل وتكميل لبعضها، فكلّها توضيحٌ وبيانٌ لعظمة معجزة القرآن الذي أوتيه نبيّنا بََّ، وفُضّل به على غيره من الأنبياء، وتفصيلٌ لكيفيّة تلك العظمة، وتحقيقٌ لها، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ))) رَتَّبَ هذا الكلام على ما تقدم، من معجزة القرآن المستمرّة؛ لكثرة فائدته، وعموم نفعه؛ لاشتماله على الدعوة والحجة، والإخبار بما سيكون، فَعَمَّ نفعه مَن حَضر ومن غاب، ومن وُجد ومن سيوجد، فحسن ترتيب الرَّجْوَى المذكورة على ذلك، وهذه الرَّجْوَى قد تحققت، فإنه أكثر الأنبياء تبعاً، قال الحافظ العراقيّ تَّتُهُ في ((ألفيّة السيرة)): أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ حَقّاً تَبَعَا يَرَى وَرَاءَهُ كَقُدَّامٍ مَعَا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهوّ المستعان، وعليه التكلان. (١) (الفتح)) ٦/ ٦٢٢ (كتاب فضائل القرآن)) رقم (٤٩٨١). ٢٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٩٢/٧٤] (١٥٢)، و(البخاريّ) في ((فضائل القرآن)) (٤٤٩٨١)، وفي ((الاعتصام بالكتاب والسنّة)) (٧٢٧٤)، و(النسائيّ) في ((فضائل القرآن)) (٧٩٧٧)، و((التفسير)) من ((الكبرى)) (١١١٢٩)، و(أحمد) (٣٤١/٢ - ٤٥١)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٣٨٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كون القرآن دليلاً قويّاً، وطريقاً سويّاً هدى الله تعالى به الناس إلى الإيمان، وهذا هو وجه المطابقة لإيراد الحديث في ((كتاب الإيمان)). ٢ - (ومنها): بيان كون القرآن هو المعجزة الكبرى لنبيّنَا وَه . ٣ - (ومنها): أن القرآن أفضل الكتب المنزلة على الأنبياء لَلُ، حيث جعله الله تعالى مهيمناً على الكتُب كلِّها، كما قال ◌َت: ﴿وَأَنزَلْنَآَ إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِأَلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وروي عن ابن عباس ◌ًّا في معنى ﴿مهيمناً﴾ قال: مؤتمناً عليه، ورُوي عن عكرمة، والحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني: أنه الأمين، وروي عن ابن عباس أيضاً قال: المهيمن: الأمين على كل كتاب قبله، وكذلك عن الحسن قال: مُصَدِّقاً بهذه الكتب، وأميناً عليها . قال شيخ الإسلام تَخْتُ بعد ذكر هذه الأقوال في معنى ((المهيمن)): فالسلف كلهم متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب، ومعلوم أن المهيمن على الشيء أعلى منه مرتبةً، ومن أسماء الله تعالى ((المهيمن))، ويسمى الحاكم على الناس القائم بأمورهم: المهيمن، قال المبرِّد، والجوهريّ، وغيرهما: المهيمن في اللغة: المؤتمن، وقال الخليل: الرقيب الحافظ، وقال الخطابي: المهيمن: الشهيد، قال: وقال بعض أهل اللغة: الهيمنة: القيام على الشيء، والرعاية له، وأنشدوا [من الطويل]: ٢٢٥ (٧٤) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ هُوَ الْمُعْجِزَةَ الْكُبْرَى، ... إلخ - حديث رقم (٣٩٢) مُهَيْمِنُهُ التَّالِيهِ فِي الْعُرْفِ وَالنُّكْرِ أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ يريد: القائم على الناس بالرعاية لهم. قال: وهكذ القرآن فإنه قَرَّرَ ما في الكتب المتقدمة، من الخبر عن الله، وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بياناً وتفصيلاً، وبيَّن الأدلة والبراهين على ذلك، وقرّر نبوّة الأنبياء كلُّهم، ورسالة المرسلين، وقرّر الشرائع الكلية التي بُعِث بها الرسل كلهم، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين، وبيَّن عقوبات الله لهم، ونَصْرَه لأهل الكتب المتبعين لها، وبَيَّنَ ما حُرِّف منها، ويُدِّل، وما فَعَله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة، وبيّن أيضاً ما كتموه، مما أمر الله ببيانه، وكلَّ ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نزل بها القرآن، فصارت له الهيمنة على ما بين يديه من الكتب من وجوه متعددة، فهو شاهد بصدقها، وشاهد بكذب ما حُرِّف منها، وهو حاكم بإقرار ما أقرَّه الله، ونسخ ما نسخه، فهو شاهد في الخبريات، حاكم في الأمريّات. وكذلك معنى الشهادة والحكم يتضمن إثبات ما أثبته الله، من صدق، ومحكم، وإبطال ما أبطله من كَذِب، ومنسوخٍ، وليس الإنجيل مع التوراة ولا الزبور بهذه المثابة، بل هي متبعة لشريعة التوراة إلا يسيراً نسخه الله بالإنجيل، بخلاف القرآن. ثم إنه معجز في نفسه لا يقدر الخلائق أن يأتوا بمثله، ففيه دعوة الرسول، وهو آية الرسول ◌َ﴾، وبرهانه على صدقه ونبوته، وفيه ما جاء به الرسول ◌َ﴾، وهو نفسه برهان على ما جاء به. وفيه أيضاً من ضرب الأمثال، وبيان الآيات على تفضيل ما جاء به الرسول ◌َ﴿ ما لو جُمِع إليه علوم جميع العلماء، لم يكن ما عندهم إلا بعض ما في القرآن، ومَن تَأَمَّل ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين، والعلوم الإلهية، وأمور المعاد، والنبوات، والأخلاق، والسياسات، والعبادات، وسائر ما فيه كمالُ النفوس وصلاحها، وسعادتها، ونجاتها، لم يجد عند الأولين والآخرين من أهل النبوات، ومن أهل الرأي، كالمتفلسفة وغيرهم، إلا بعض ما جاء به القرآن. ولهذا لم تَحتَج الأمة مع رسولها بَّه وكتابها إلى نبي آخر، وكتاب آخر، ٢٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان فضلاً عن أن تحتاج إلى شيء لا يستقل بنفسه غيره، سواء كان من علم المُحَدَّثين والملْهَمِين، أو من علم أرباب النظر والقياس، الذين لا يعتصمون مع ذلك بكتاب منزل من السماء، ولهذا قال النبيّ وَلّ في الحديث الصحيح: ((إنه في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي أحدٌ فعمرُ))، فعَلَّقَ ذلك تعليقاً في أمته، مع جزمه به فيمن تقدم؛ لأن الأمم قبلنا كانوا محتاجين إلى المحدّثين، كما كانوا محتاجين إلى نبيٌّ بعد نبيٍّ، وأما أمة محمد وَلَّه فأغناهم الله برسولهم وَّرَ وكتابهم عن كل ما سواه، حتى إن المُحَدَّثَ منهم كعمر بن الخطاب ظُه إنما يؤخذ منه ما وافق الكتاب والسنة، وإذا حُدِّثَ شيئاً في قلبه لم يكن له أن يَقْبَله حتى يَعْرِضه على الكتاب والسنة، وكذلك لا يقبله إلا إن وافق الكتاب والسنة، وهذا باب واسع في فضائل القرآن على ما سواه. انتهى المقصود من كلام شيخ الإسلام كَخَّتُهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب. ٤ - (ومنها): بيان إثبات المعجزات لكلّ الأنبياء السابقين حتى تهتديَ أممهم إلى تصديقهم، والإيمان بما جاءوا به، ولا يضرّهم من أصرّ بالمعاندة. ٥ - (ومنها): بيان انقراض معجزات الأنبياء السابقين، وأما معجزة نبيّنا وَّ فباقية إلى قيام الساعة. ٦ - (ومنها): أن قوله وَلَه: ((فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً)) فيه عَلَمٌ من أعلام النبوة، فإنه أخبر وه ﴿ بهذا في زمن قِلّة المسلمين، ثم مَنَّ الله تعالى، وفتح على المسلمين البلاد، وبارك فيهم، حتى انتهى الأمر، واتَّسع الإسلام في المسلمين إلى هذه الغاية المعروفة، ولله الحمد على هذه النعمة، وسائر نعمه التي لا تُحْصَى. وقد جاء بيان هذه الكثرة التي أشار إليها في هذا الحديث، فيما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود رضيبه قال: كنا مع النبيّ وَّر في قبة، فقال: ((أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟)) قلنا: نعم، قال: ((أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟)) قلنا: نعم، قال: ((أترضون أن تكونوا شطر أهل (١) ((مجموع الفتاوى)) ١٧ / ٤٣ - ٤٦. ٢٢٧ (٧٤) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ هُوَ الْمُعْجِزَةَ الْكُبْرَى، ... إلخ - حديث رقم (٣٩٢) الجنة؟)) قلنا: نعم، قال: ((والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك، إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر))، لفظ البخاريّ ◌َُّهُ. ولفظ مسلم: عن عبد الله نظرُّه قال: كنا مع رسول الله وَّل في قبة، نحواً من أربعين رجلاً، فقال: ((أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟)) قال: قلنا: نعم، فقال: ((أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟)) فقلنا: نعم، فقال: ((والذي نفسي بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذاك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك، إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر)). وأخرج الترمذيّ كَْلُ عن عمرانَ بنِ حُصين ﴿هَا حديثاً طويلاً، وفيه: ثمّ قال: ((إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة))، فكبّروا، ثم قال: ((إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة))، فكبّروا، ثم قال: ((إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة))، فكبّروا، قال: لا أدري قال: ((الثلثين)) أم لا؟ قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. وأخرج الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، والدارميّ بإسناد صحيح عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه نظبه، قال: قال رسول الله وَله: ((أهل الجنة عشرون ومائة صفّ، منهم ثمانون من هذه الأمة))، وقال عفانُ مرةً: ((أنتم منهم ثمانون صفّاً)(١) . وأخرج الإمام أحمد أيضاً في ((مسنده)) (٨٧١٩) بسند فيه ضعف، عن ١٤ وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ أبي هريرة ظُه قال: لما نزلت: ﴿ثٌلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ) [الواقعة: ١٣، ١٤] شَقّ ذلك على المسلمين، فنزلت: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ [الواقعة: ٣٩، ٤٠]، فقال: ((أنتم ثلث أهل الجنة، بل أنتم مِّنَ الْآَخِرِينَ نصف أهل الجنة، وتُقاسمونهم النصف الباقي)). ٧ - (ومنها): أن فيه بيان كون نبيّنا وَّل أكثر الأنبياء تابعاً يوم القيامة (١) حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، والدارميّ بسند صحيح. ٢٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان بسبب بقاء المعجزة التي أوتيها، وهي القرآن العظيم الذي أوحاه إليه العليم الحكيم في جميع الأعصار والأمصار، فصار في كلّ عصر ومصر جمّ غفير يهتدون به، ويؤمنون به، قال رَّك: ﴿قُلّ إِنَّ اُلْفَضْلَ بِّدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَدَةُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٣]. ٨ - (ومنها): أن القرآن معجزة تحدّى بها النبيّ وَّ العرب، فعجزوا عن الإتيان بمثله، بل لو اجتمع الإنس والجنّ لا يأتون بمثله، كما قال رَت: ﴿قُل لَيْنِ أَجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا اُلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ [الإسراء: ٨٨]، قال ابن تيميّة دَّتُهُ: وهذا التحدّي بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (®)﴾ والتعجيز ثابتٌ في لفظه، ونظمه، ومعناه. انتهى(١). ٩ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ تَّهُ أورده في ((كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة)) من ((صحيحه) بعد حديث: ((بُعِثتُ بجوامع الكلم))، فقيل: يؤخذ من صنيعه هذا أن الراجح عنده أن المراد بجوامع الكلم القرآن، قال الحافظ تَُّ: وليس ذلك بلازم، فإن دخول القرآن في قوله: ((بُعثت بجوامع الكلم)) لا شك فيه، وإنما النزاع هل يدخل غيره من كلامه من غير القرآن؟. وقد ذكروا من أمثلة جوامع الكلام في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِى اَلْقِصَاصِ حَوَةٌ يَأُوْلِى الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٣). ﴿ وَمَن [البقرة: ١٧٩]، وقوله: يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ اٌلْفَآِزُونَ [النور: ٥٢]. ومن أمثلة جوامع الكلم من الأحاديث النبوية حديث عائشة ﴿ثنا: ((كلُّ عمل ليس عليه أمرنا فهو ردّ))، وحديث: ((كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل))، متفق عليهما، وحديث أبي هريرة به: ((وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم)) متّفق عليه، وحديث المقدام ظُبه: ((ما ملأ ابن آدم وعاءً شرّاً من بطنه ... )) الحديث، أخرجه الأربعة، وصححه ابن حبان، والحاكم، وغير ذلك مما يكثر بالتتبع. قال: وإنما يُسَلَّم ذلك فيما لم تتصرف الرواة في ألفاظه، والطريق إلى معرفة ذلك أن تَقِلّ مخارج الحديث، وتتفق ألفاظه، وإلا فإن مخارج الحديث (١) راجع: ((مجموع الفتاوى)) ٤٢/٣٣ - ٤٣. ٢٢٩ (٧٤) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمُ هُوَ الْمُعْجِزَةَ الْكُبْرَى، ... إلخ - حديث رقم (٣٩٢) إذا كثرت قَلَّ أن تتفق ألفاظه؛ لتوارد أكثر الرواة على الاقتصار على الرواية بالمعنى، بحسب ما يظهر لأحدهم أنه وافٍ به، والحامل لأكثرهم على ذلك أنهم كانوا لا يكتبون، ويطول الزمان، فيتعلق المعنى بالذهن، فيرتسم فيه، ولا يستحضر اللفظ، فيحدث بالمعنى؛ لمصلحة التبليغ، ثم يظهر من سياق ما هو أحفظ منه إنه لم يُوفِ بالمعنى. انتهى(١). ١٠ - (ومنها): ما قاله القاضي عياضّ كَّثُ: ووجه آخر - أي: من الأوجه التي ذُكرت في توجيه الحديث - على أحد المذهبين في القول بالصّرفة، وأن المعارضة كانت من جنس قوّة البشر، لكنهم لم يقدروا عليها على أحد قولي الأشعريّ، وصُرِفوا عنها، أو من قدرة البشر، فمُنعوا منها، على قول المعتزلة، فعدولهم عن المعارضة لأحد الوجهين المتقدّمين، ورضاهم بالقتل والجَلاء، ونكولهم عن ذلك، وهو من مقدورهم، أو من جنس مقدورهم أبين في الدلالة من غيرها، من الأمور التي تَختلج في الظنون الكاذبة، ويُموِّه فيها المُلْحِد بالشُّبَه المخيَّلة؛ إذ العجز عن المقدور أوقع في النفوس، وأوضح في الدلالة من إبداء الغريب، والمجيء بما لم يُعهَد عند هؤلاء، وإليه نحا أبو المعالي الجُوينيّ في بعض كتبه. انتهى كلام القاضي ◌َُّ(٢). قال الجامع عفا الله عنه: القول بالصرفة، وإن رجحه القاضي هنا، وكذا في كتابه ((الشفا)) (٣)، إلا أنه قول مرجوح قد أبطله المحقّقون(٤)، وسيأتي تمام البحث فيه قريباً - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قد جَمَع بعضهم إعجاز القرآن في أربعة أشياء: [أحدها]: حُسْنُ تأليفه، والتئام كلمه مع الإيجاز والبلاغة. [ثانيها]: صورة سياقه، وأسلوبه المخالف لأساليب كلام أهل البلاغة من العرب نظماً ونثراً، حتى حارت فيه عقولهم، ولم يهتدوا إلى الإتيان بشيء (١) ((الفتح)) ٢٦٢/١٣ (كتاب الاعتصام)) رقم (٧٢٧٤). (٣) راجع: ((الشفا)) ٢٦٧/١. (٢) ((إكمال المعلم)) ٦٠٤/١. (٤) راجع ما كتبه محقّق: ((إكمال الإكمال)) ٦٠٣/١. ٢٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان مثله، مع توفر دواعيهم على تحصيل ذلك، وتقريعه لهم على العجز عنه. [ثالثها]: ما اشتَمَل عليه من الإخبار عما مَضَى من أحوال الأمم السالفة، والشرائع الدائرة، مما كان لا يَعْلَم منه بعضه إلا النادرُ من أهل الكتاب. [رابعها]: الإخبار بما سيأتي من الكوائن التي وقع بعضها في العصر النبويّ، وبعضها بعده، ومن غير هذه الأربعة آياتٌ وردت بتعجيز قوم في قضايا أنهم لا يفعلونها، فعجزوا عنها مع توفر دواعيهم على تكذيبه؛ کتمنّ اليهود الموت . ومنها : الروعة التي تَحصُل لسماعه. ومنها: أن قارئه لا يَمَلّ من ترداده، وسامعه لا يَمُجّه، ولا يزداد بكثرة التكرار إلا طَرَاوةً ولذاذةً. ومنها: أنه آية باقية لا تُعْدَم ما بقيت الدنيا . ومنها: جمعه لعلوم ومعارف، لا تنقضي عجائبها، ولا تنتهي فوائدها . انتهى مُلَخَّصاً من كلام عياض وغيره(١). وقال الحافظ ابن كثير كَُّهُ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّمَا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ [البقرة: ٢٣]: ٢٣ صَدِقِينَ ثم شرع تعالى في تقرير النبوة، بعد أن قَرَّر أنه لا إله إلا هو، فقال مخاطباً للكافرين: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يعني: محمداً وَه ﴿فَأَتُواْ بِسُورَةٍ﴾ من مثل ما جاء به، إن زعمتم أنه من عند غير الله، فعارضوه بمثل ما جاء به، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون الله، فإنكم لا تستطيعون ذلك، قال ابن عباس: ﴿شُهَدَآءَكُمْ﴾ أعوانكم، وقال السُّدّيّ، عن أبي مالك: شركاءكم؛ أي: قوماً آخرين، يساعدونكم على ذلك، أي: استعينوا بآلهتكم في ذلك، يُمِدّونكم، وينصرونكم، وقال مجاهد: ﴿وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ﴾. قال: ناس يشهدون به، يعني: حكام الفصحاء، وقد تحداهم الله تعالى بهذا (١) راجع: ((إكمال المعلم)) ٦٠٠/١ - ٦٠٤، و((فتح الباري)) ٦٢٢/٨ ((كتاب فضائل القرآن)) رقم (٤٩٨١). ٢٣١ (٧٤) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ هُوَ الْمُعْجِزَةَ الْكُبْرَى، ... إلخ - حديث رقم (٣٩٢) في غير موضع من القرآن، فقال في ((سورة القصص)): ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِكِنَبٍ مِّنْ · [القصص: ٤٩]، وقال في ٤٩٦ ◌ِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَآ أَتَعْهُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ((سورة سبحان)): ﴿قُل لَِّنِ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَاَلْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيْرًا ﴾﴾ [الإسراء: ٨٨]، وقال في ((سورة هود)): ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَهُ قُلْ فَأَتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم : [هود: ١٣]، وقال في ((سورة يونس)): ﴿وَمَا ١٣) مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ( كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْضِيلَ اَلْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةُ قُلْ فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ أُسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنُ صَدِقِينَ ﴿٢)﴾ [يونس: ٣٧ - ٣٨]. وكلُّ هذه الآيات مكية، ثم تحداهم بذلك أيضاً في المدينة، فقال في هذه الآية(١): ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ [البقرة: ٢٣] أي: شك ﴿مِّمَّا نَزَّْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣] يعني: محمداً بَّهِ ﴿فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] يعني: من مثل القرآن، قاله مجاهد، وقتادة، واختاره ابن جرير الطبريّ، والزمخشريّ، والرازيّ، ونقله عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، والحسن البصريّ، وأكثر المحققين، ورجح ذلك بوجوه، من أحسنها أنه تحدّاهم كلَّهم متفرقين ومجتمعين، سواء في ذلك أمّهم وكتابيّهم، وذلك أكمل في التحدِّي، وأشمل من أن يَتَحَدَّى آحادهم الأمّيين، ممن لا يَكْتُب، ولا يعاني شيئاً من العلوم، وبدليل قوله تعالى: ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]، وقوله: ﴿لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨]. وقال بعضهم: من مثل محمد بَّ، يعني: من رجل أميٍّ مثلِهِ. والصحيح الأول؛ لأن التحدِّي عامٌ لهم كلهم مع أنهم أفصح الأمم، وقد تحدّاهم بهذا في مكة والمدينة مرّات عديدة، مع شدة عداوتهم له، وبغضهم لدينه، ومع هذا عَجَزُوا عن ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ﴾ [البقرة: ٢٤]، و((لن)) لنفي التأبيد في المستقبل، أي: ولن تفعلوا أبداً، وهذه أيضاً معجزة أخرى، وهو أنه أخبر خبراً جازماً قاطعاً غير خائف، ولا مُشْفِقٍ أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد الآبدين، ودهر الداهرين، وكذلك وَقَع الأمر لم (١) يعني في آية البقرة المذكورة أول الكلام. ٢٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان يُعارَض من لدنه إلى زمننا هذا، ولا يُمْكِن، وأنَّى يتأتى ذلك لأحد، والقرآن كلام الله، خالق كلِّ شيء، وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين؟ !. قال: ومن تدبر القرآن وَجَد فيه من وجوه الإعجاز فنوناً ظاهرةً، وخَفِيّةً، من حيث اللفظ، ومن جهة المعنى، قال الله تعالى: ﴿الَّرِ كِنَبُّ أُعْكِمَتْ مَايَئُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيرٍ خَبِيرٍ ﴾﴾ [هود: ١]، فأُحكمت ألفاظه، وفُصِّلت معانيه، أو بالعكس على الخلاف، فكلٌّ من لفظه ومعناه فصيحٌ، لا يُحَاذَى، ولا يُدَانَى، فقد أَخْبَرَ عن مغيباتٍ ماضيةٍ، ووقعت طِبْقَ ما أَخبر سواءً بسواء، وأَمَرَ بكل خير، ونَهَى عن كل شرّ، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَيِّكَ صِدْقًّا وَعَدّلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]؛ أي: صدقاً في الإخبار، وعدلاً في الأحكام، فكلُّهُ حقٌّ وصدقٌ وعدلٌ وهُدّى، ليس فيه مجازفةٌ، ولا كذب، ولا افتراء، كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم، من الأكاذيب والمجازفات، التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر: إن أعذبه أكذبه. وتَجِد القصيدة الطويلة المديدة، قد استُعْمِل غالبها في وصف النساء، أو الخيل، أو الخمر، أو في مدح شخص معين، أو فرس، أو ناقة، أو حرب، أو كائنة، أو مخافة، أو سبع، أو شيء من المشاهدات المتعينة، التي لا تفيد شيئاً إلا قدرة المتكلم المعين على الشيء الخفي، أو الدقيق، أو إبرازه إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيه بيتاً أو بيتين، أو أكثر هي بيوت القصيد، وسائرها هَذَّرٌ لا طائل تحته. وأما القرآن فجميعه فصيحٌ، في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلاً وإجمالاً، ممن فَهِمَ كلام العرب، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة، سواء كانت مبسوطة، أو وجيزةً، وسواء تكررت أم لا، وكلما تكررت حَلا وعَلا، لا يَخْلُقُ عن كثرة الردّ، ولا يَمَلُّ منه العلماء، وإن أَخَذَ في الوعيد والتهديد، جاء منه ما تَقْشَعِرُّ منه الجبال الصُّمّ الراسيات، فما ظنّك بالقلوب الفاهمات؟ وإن وَعَدَ أتى بما يَفتح القلوب والآذان، ويسوق إلى دار السلام، ومجاورة عرش الرحمن، كما قال في الترغيب: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ : [السجدة: ١٧]، وقال: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ أَعْيُنٍ جَزَآءُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (٨)﴾ [الزخرف: ٧١]، وقال في الترهيب: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ٢٣٣ (٧٤) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ هُوَ الْمُعْجِزَةَ الْكُبْرَى، ... إلخ - حديث رقم (٣٩٢) ثُمَّ لَا تَجِدُوْ لَكُمْ وَكِيلًا (٨َ)﴾ [الإسراء: ٦٨]، وقال: ﴿َأَمِنِثُم مَّن فِ السَّمَاءِ أَنْ يَخِْفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ (٨٦ أَمَّ أَمِنْتُم مَّن فِ السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبَأْ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (٣)﴾ [الملك: ١٦ - ١٧]، وقال في الزجر: ﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَئِةِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، وقال في الوعظ: ﴿أَفَرَيْتَ إِن مَّتَّعْنَهُمْ سِنِينَ ﴿َ ثُرَ جَاءَهُم مَّا كَانُواْ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧]. مَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ لَِّ يُوعَدُونَ (َّا ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة. وإن جاءت الآيات في الأحكام، والأوامر، والنواهي، اشتملت على الأمر بکل معروف، حَسَنٍ نافعٍ طیبٍ محبوبٍ، والنهي عن کل قبیحِ رذیلٍ دنيء، كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: إذا سَمِعت الله تعالى يقول في القرآن: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ﴾ [الأنفال: ١٥] فأرعها سمعك، فإنها خير يأمر به، أو شَرٌّ ينهى عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اُلْخَبَيِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِ كَانَتْ عَلَّهِرَّ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]. وإن جاءت الآيات في وصف المعاد، وما فيه من الأهوال، وفي وصف الجنة والنار، وما أعدَّ الله فيهما لأوليائه وأعدائه، من النعيم، والجحيم، والملاذْ، والعذاب الأليم، بَشَّرت به، وحَذَّرت، وأنذرت، ودَعَت إلى فعل الخيرات، واجتناب المنكرات، وزَهَّدت في الدنيا، ورَغَّبت في الأخرى، وثَبَّتَت على الطريقة المثلى، وهَدَت إلى صراط الله المستقيم، وشرعه القويم، ونفت عن القلوب رِجْس الشيطان الرجيم. ولهذا ثبت في (الصحيحين)) عن أبي هريرة ربه أن رسول الله وَلّ قال: ((ما من نبي من الأنبياء، إلا قد أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُ وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة))، لفظ مسلم. وقوله وَلّ: (وإنما كان الذي أتيتُ وحياً)) أي: الذي اختَصَصتُ به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر، أن يُعارِضوه، بخلاف غيره من الكتب الإلهية، فإنها ليست معجزةً عند كثير من العلماء، والله أعلم. وله وَله من الآيات الدالة على نبوته، وصدقه فيما جاء به، ما لا يَدخُل تحت حصر، ولله الحمد والمنّة. ٢٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقد قَرَّر بعض المتكلمين الإعجازَ بطريقٍ يَشْمَلُ قولَ أهل السنة، وقول المعتزلة في الصَّرْفَة، فقال: إن كان هذا القرآن معجزاً في نفسه، لا يستطيع البشر الإتيان بمثله، ولا في قُوَاهم معارَضتُهُ، فقد حَصَلَ المُدَّعَى، وهو المطلوب، وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله، ولم يَفعلوا ذلك مع شِدَّة عداوتهم له، كان ذلك دليلاً على أنه من عند الله؛ لصرفه إياهم عن معارضته، مع قدرتهم على ذلك، وهذه الطريقة، وإن لم تكن مَرْضيَّةً؛ لأن القرآن في نفسه معجزٌ، لا يستطيع البشر معارضته، كما قررنا، إلا أنها تَصْلَح على سبيل التنزل، والمجادلة، والمنافحة عن الحقّ، وبهذه الطريقة أجاب الرازيّ في تفسيره عن سؤاله في السور القصار، كالعصر، وإنا أعطيناك الكوثر. انتهى كلام ابن كثير تَذَتُهُ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: معنى القول بالصرْفَة في إعجاز القرآن أن الله رَمَت قد سَلَبَ العرب القدرة على معارضة القرآن، ومنعهم منها، وعطّلهم عنها، وزهّدهم فيها، على حين أن القرآن الكريم لم يتجاوز في بلاغته مستوى طاقتهم البشريّة، وأنه كان في مقدورهم معارضته، لولا أن منعهم الله منها . وهذا القول منسوب إلى المعتزلة عامّةً، ونُقل فيه كلام عدد منهم من متقدّمي مشايخهم، منهم إبراهيم النّام، وهشام القُوطيّ، وعبّاد بن سليمان، وبه قال المرتضى من الشيعة، وأبو إسحاق الإسفرايينيّ من أهل السنّة، وهو أحد قولي الأشعريّ في هذه المسألة. والقول بالصرفة في إعجاز القرآن قولٌ فاسدٌ باطلٌ من وجوه كثيرة، وهو مردودٌ عند عامّة أهل السنّة، وقد بالغ المصنّفون في إعجاز القرآن في ردّه، وبيان بطلانه وفساده. قال الخطّابيّ: إن دلالة الآية تشهد بخلافه، وهي قوله تعالى: ﴿قُل لَّيِ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَاَلْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا اُلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيْرًا (®﴾ [الإسراء: ٨٨]، فأشار بذلك إلى أن طريقه التكلّف والاجتهاد، وسبيله التأهّب والاحتشاد، والمعنى في الصرفة التي وصفوها لا يلائم هذه الصفة، فدلّ على أن المراد غيرها. وقال الزركشيّ في ((البرهان)): وهو قولٌ فاسدٌ، بدليل قوله تعالى: ﴿قُل ٢٣٥ (٧٥) - بَابُ وُجُوبِ الإِيمَانِ بِرِسَالَة نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وٍَّ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٣) لَِّنِ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَالْجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] الآية، فإنه يدلّ على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سُلِبوا القدرة لم يَبقَ فائدة لاجتماعهم؛ لمنزلته منزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى بكبير يُحتفل بذكره، هذا مع أن الإجماع منعقدٌ على إضافة الإعجاز إلى القرآن. وأيضاً يلزم من القول بالصرفة فساد آخر، وهو زوال الإعجاز بزوال زمان التحدّي، وخلوّ القرآن من الإعجاز، وفي ذلك خرقٌ لإجماع الأمة، فإنهم أجمعوا على بقاء معجزة الرسول العُظْمَى، ولا معجزة له باقيةٌ سوى القرآن، وخلوّه من الإعجاز يُبطل كونه معجزةً. هذا، على أن القول بالصرفة؛ يعني: أن الإعجاز ليس في القرآن نفسه، وإنما هو في منع الله تعالى لهم من معارضته، فلم يتضمّن فضيلةً في نفسه على غيره، وهذا باطلٌ. وقد اتّفق عامّة أهل السنّة على أن القرآن معجز في نفسه، وأن إعجازه ثابتٌ في لفظه، ونظمه، ومعناه، وبيانه، وأسلوبه، وغير ذلك مما يحتمله لفظ الإعجاز(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٧٥) (بَابُ وُجُوبِ الإِيمَانِ بِرِسَالَة نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَهُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، وَنَسْخِ الْمِلَلِ بِمِلَِّهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٩٣] (١٥٣) - (حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا(٢) ابْنُ وَهْب، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ أَنَّهُ (١) راجع لهذا البحث: ((إعجاز القرآن)) الباقلانيّ ٤٠/١ - ٤٤، و((الإتقان)) للسيوطيّ ١١٨/٢، و(البرهان)) للزركشيّ ٩٤/٢، و((بيان إعجاز القرآن)) للخطابيّ ص٢٢، وما كتبه محقّق ((إكمال المعلم)) في هامشه ١/ ٢٠٢. (٢) وفي نسخة: ((حدّثنا ابن وهب)). ٢٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ، مِنْ هَذِهِ الْأَمَّةِ، يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن موسى بن مَيْسَرة بن حَفْص بن حَيّان الصَّدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقة، من صغار [١٠]. رَوَى عن ابن عيينة، والوليد بن مسلم، وابن وهب، وأبي ضَمْرة، والشافعي، وأشهب، وأيوب بن سُويد الرملي، ومَعْن بن عيسى القزاز، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، والنسائي، وابن ماجه، وابنه أحمد بن يونس، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو زُرْعة، وأبو حاتم، وأبو بكر بن خزيمة، وأبو محمد بن أبي حاتم، وأبو عوانة الإسفراييني، وأبو جعفر الطحاوي، وآخرون. قال أبو حاتم: سمعت أبا الطاهر بنَ السَّرْحِ يَحُثُّ عليه، ويُعَظِّم شأنه. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يوثقه، ويرفع من شأنه. وقال النسائي: ثقة. وقال علي بن الحسن بن قُديد: كان يحفظ الحديث. وقال الطحاوي: كان ذا عقل، حدثني علي بن عَمْرو بن خالد الحراني، سمعت أبي يقول: قال لي الشافعيّ: يا أبا الحسن انظر إلى هذا الباب، فنظرت إليه، فقال: ما يدخل منه أحد أعقل من يونس بن عبد الأعلى، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال الحافظ: وكان إماماً في القراءات، قرأ على وَرْشٍ وغيره وقرأ عليه ابن جرير الطبري وجماعة. وقال أبو عمر الكِنْديّ: كان فقيراً شديد التَّقَشُّف، مقبولاً عند القضاة. قال يحيى بن حسان: يونسكم هذا من أركان الإسلام. قال أبو عمر: كان يُسْتَسْقَى بدعائه. وقال مسلمة بن قاسم: كان حافظاً. وقد أنكروا عليه تفرده بروايته عن الشافعي حديث: ((لا مَهْدِيّ إلا عيسى))، أخرجه ابن ماجه عنه، وكذا الذهبيّ يَدَّعِي أن يونس دَلَّسَه، ويستند في ذلك أن أبا الطاهر رواه عن يونس، فقال: حُدِّثتُ عن الشافعي، لكن رواه ابن منده في ((فوائده)) من طريق الحسن بن يوسف الطرائفي، وأبي الطاهر المذكور ٢٣٧ (٧٥) - بَابُ وُجُوبٍ الإِيمَانِ بِرِسَالَة نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ بٍَّ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٣) كلاهما عن يونس: أنا الشافعي. ورواه يوسف الميانجي عن ابن خزيمة، وابن أبي حاتم، وزكرياء الساجي، وغير واحد، عن يونس: ثنا الشافعي. وذكر حفيده عبد الرحمن بن أحمد بن يونس أن دَعْوَتَهُم في الصَّدِف، وليسوا من أنفسهم ولا مواليهم، قد تُوُفِّي غداة الاثنين ليومين مَضَيَا من ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين، وكان مولده في ذي الحجة سنة سبعين ومائة. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثاً . ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٣ - (عَمْرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيه حافظٌ [٧] (ت قديماً قبل ١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦. ٤ - (أَبُو يُونُسَ) هو: سُليم بن جُبير الدَّوْسيّ، مولى أبي هريرة المصريّ، ثقة [٣] (ت١٢٣) (بخ م د ت) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٠/٣٤. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) تَُّبه تقدم في (المقدمة)) ٤/٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه، وغير أبي يونس، فتفرّد به هو وأبو داود، والترمذيّ، وأخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)). ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه قوله: ((وأخبرني عمرو بن الحارث)) بواو العطف، قال النوويّ كَّلُ في ((شرحه)): قوله: ((وأخبرني عمرو)) هو بالواو في أول ((وأخبرني))، وهي واو حسنة، فيها دقيقة نفيسة، وفائدة لطيفة، وذلك أن يونس سمع من ابن وهب أحاديث، من جملتها هذا الحديث، وليس هو أولها، فقال ابن وهب في روايته الحديث الأول: أخبرني عمرو بكذا، ثم قال: وأخبرني عمرو بكذا، وأخبرني عمرو بكذا، إلى آخر تلك الأحاديث، فإذا رَوَى يونس ٢٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان عن ابن وهب غير الحديث الأول، فينبغي أن يقول: قال ابن وهب: وأخبرني عمرو، فيأتي بالواو؛ لأنه سمعه هكذا، ولو حذفها لجاز، ولكن الأولى الإتيان بها؛ ليكون راوياً كما سمع. انتهى كلام النوويّ تَّتُهُ، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أن يونس بن عبد الأعلى هذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وقد عرفت ما أخرج له المصنّف من الأحاديث فيه آنفاً. ٦ - (ومنها): أن أبا هريرة ◌ُله رأس المكثرين السبعة، كما تقدّم قريباً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) وهو الله ◌ُعَلَ الذي بيده كلّ شيء، وفيه من المحسّنات البديعيّة التجريد على قول الجمهور، وعلى قول السكّاكيّ فيه التفاتٌ؛ إذ مقتضى المقام أن يقول: والذي نفسي بيده، وقد سبق قبل باب نحو هذا في حديث سعد بن أبي وقّاص نَظُه في قوله: ((وسعدٌ جالسٌ)). [تنبيه]: قال القاري في ((المرقاة)) في شرح قوله: ((بيده) ما نصّه: أي كائنة بنعمته، وحاصلة بقدرته، وثابتة بإرادته، ووجه استعارة اليد للقدرة أن أكثر ما يظهر سلطانها في أيدينا، وهي من المتشابهات، ومذهب السلف فيها تفويض علمه إلى الله تعالى، مع التنزيه عن ظاهره، وهو أسلم؛ حذراً من أن يُعيَّن له غير مراد له تعالى، ويؤيّده وقف الجمهور على الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، وعدّوه وقفاً لازماً، وهو ما في وصله إيهام معنى فاسد، ومن ثمّ قال أبو حنيفة تَخُّْهُ: تأويل اليد بالقدرة يؤدّي إلى تعطيل ما أثبته تعالى لنفسه، وإنما الذي ينبغي الإيمان بما ذكره الله تعالى من ذلك ونحوه على ما أراده، ولا يُشتغل بتأويله، فنقول: له يدٌ على ما أراده لا كيد المخلوقين، ومذهب الخلف فيها تأويله بما يليق بجلال الله تعالى، وتنزيهه عن الجسم والجهة، ولوازمها؛ بناءً على أن الوقف على ﴿الَّسِخُونَ فِىِ الْعِلِّمِ﴾ [النساء: ١٦٢]، وكان ابن عبّاس يقول: أنا أعلم تأويله، وأنا من الراسخين في ٢٣٩ (٧٥) - بَابُ وُجُوبِ الإِيمَانِ بِرِسَالَة نَبِّنَا مُحَمَّدٍ بَّهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٣) العلم، قيل: وهذا أعلم، وأحكم؛ أي: يحتاج إلى مزيد علم وحكمة حتى يطابق التأويل سياق ذلك النصّ، وليس المعنى أن مذهب الخلف أكثر علماً، فالمذهبان متّفقان على التنزيه، وإنما الخلاف في أن الأولى ماذا؟ أهو التفويض، أو التأويل؟، ويمكن حمل الخلاف على اختلاف الزمان، فكان التفويض في زمان السلف أولى؛ لسلامة صدورهم، وعدم ظهور البدع في زمانهم، والتأويل في زمان الخلف أولى؛ لكثرة العوامّ، وأخذهم بما يتبادر إلى الأفهام، وغلوّ المبتدعة بين الأنام، والله أعلم بالمرام. انتهى كلام القاري(١). قال الجامع عفا الله عنه: في كلام القاري هذا نظر من وجوه: [الأول]: ليته لم يخُض فيما لم يخُض فيه الإمام أبو حنيفة ظُه، وهو إمامه، فإنه حنفيّ المذهب، لا يخالف الإمام في المسائل الفرعيّة، ولا قِيد شبر، فلماذا خالف مذهبه في إثبات الصفات على ما وردت، وعدم تأويلها؛ لأنه يؤدّي إلى التعطيل، وقد نقله لنا، وأعلمنا بما لم نعلمه من مذهبه من قبلُ، فكان حقّه أن يقلّده في هذا كما يقلّده في الفروع. [الثاني]: أن مقارنته بين مذهب السلف والخلف، وتصويبه لهما معاً غير صحيح؛ لأن مذهب الخلف يؤدّي إلى محذور، وهو القول على الله تعالى بلا علم، وهو محرّم بنصّ كتاب الله تعالى، حيث قال: ﴿قُلّ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ اُلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ [الأعراف: ٣٣]. تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ وقد أشار القاري في كلامه إلى هذا المحذور، حيث قال: وهو أسلم؛ حذراً من أن يُعيّن له غير مراد له تعالى، فالمؤوّل ليس عنده علم بأن ما أول به هو مراد الله تعالى، فهو داخل في الآية المذكورة بلا شكّ. [الثالث]: قوله: ويمكن حمله على اختلاف الزمان ... إلخ، غير صحيح أيضاً؛ لأن اختلاف الزمان لا يقتضي تغيير الدين الذي جاء به النبيّ وَّر، فقد أكمل الله وَكَ الدين بقوله: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ الآية [المائدة: ٣]، فلا يشرع أمر جديد بعد موت النبيّ (١) ((المرقاة شرح المشكاة)) ١٥٠/١ - ١٥١. ـَ اللّهـ ٢٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان بل ما كان ديناً في وقته فهو الدين إلى يوم القيامة، وما ليس ديناً في ذلك الوقت، فليس بدين أبداً . والحاصل أن مذهب السلف، وهو إثبات الصفات التي جاءت في نصّ كتاب الله ربك، والسنة الصحيحة، كاليد في هذا الحديث، والوجه، والقدم، والعين، والضحك، والفرح، والعجب، وغير ذلك، كما أثبتها الله تعالى لنفسه، وأثبتها له النبيّ وَّه، على الوجه الذي يليق بجلاله، هو الحقّ الذي لا مرية فيه، وما عداه مما اقتحمه الخلف، وتعسّفوا فيه، فهو مذهب باطل، فتمسّك بهدي السلف، تنجُ من التلف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل . (لَا يَسْمَعُ بِي) قال الطيبيّ تَخْلُهُ: الباء يُحتمل أن تكون زائدة؛ أي: لا يسمعني، فقد جاء: سمعتك، وسمعت فلاناً، ويحتمل أن تكون بمعنى ((من)) يقال: سمعتُ من فلان، فتكون الباء كما في قوله تعالى: ﴿عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، قال المظهر: وفيه نظرٌ؛ لأن المعنى لا يساعد عليه، فإنّ سمعني، وسمع مني يقتضيان كلاماً وقولاً، من جانب الرسول وَلّل، وليس المعنى عليه، قال: والأظهر أن يضمّن ((يسمع)) معنى ((يُخْبَرُ))، فيتعدّى بالباء، كقوله تعالى: ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ ءَبَآيِنَا اُلْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤]، أي: ما أُخْبِرنا سماعاً، وهو آكد؛ لأن الإخبار أعمّ من أن يكون سماعاً، أو غير سماع، فالمعنى: ما أُخبِر أحد برسالتي، أو ببعثتي، ولم يؤمن إلا كان من أصحاب (١) النار. انتهى(١). وقوله: ((بي)) فيه التفات من الغيبة إلى التكلّم؛ إذ الظاهر أن يقول: ((به))، وهذا مما لا خلاف فيه بين السكّاكيّ وغيره. وقوله: (أَحَدٌ) بالرفع على الفاعليّة بـ(يسمع))، قال الطيبيّ ◌َّتُهُ: ((أحدٌ)) إذا استُعمل في النفي يكون لاستغراق جنس العقلاء، ويتناول القليل والكثير، والذكر والأنثى، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ [الحاقة: ٤٧]، وقوله: ﴿لَسَتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٢]، وتقول: (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢ / ٤٤٧ - ٤٤٨.