Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
(٦٧) - بَابُ رَفْعِ الأَمَانَةِ، والإِيمَانِ مِنَ الْقُلُوبِ - حديث رقم (٣٧٤)
وقال المجد نَّتُ: مَجَلَت يدُهُ، كنصَرَ، وفَرِحَ، مَجْلاً - بفتح الميم،
وسكون الجيم -، ومَجَلاً بفتح الجيم، ومُجُولاً: نَفِطَت من العمل، فَمَرَنَتْ،
كَأَمْجَلَت. انتهى (١).
وقال ابن بطّال ◌َّتُهُ: المَجلُ: أثرُ العمل باليد، يعالج به الإنسان الشيءَ
حتى تغلُظ جلودها، يقال منه: مَجِلت يدُهُ، ومَجَلت لغتان، وذكر الحربيّ عن
ابن الأعرابيّ: المجلُ: النفط باليد ممتلئ ماءً، وقال أبو زيد: إذا كان بين
الجلد واللحم ماءٌ قيل: مجلت يده تمجل، ونَفِطَت تَنْفَطِ نَفَطاً، ونَفِيطاً(٢).
(٣) .
٠
انتھی
وقال النوويّ رَّتُهُ: قال أهل اللغة والغريب: المَجَلُ: هو التَّنَفُّط الذي
يصير في اليد من العمل بفأس أو نحوها، ويصير كالقبة، فيه ماء قليل.
(٤)
انتھی(٤).
(كَجَمْرٍ) بفتح الجيم، وسكون الميم: جمعُ جَمْرةِ النار، وهي القطعة
المُلْتَهِبة، قاله في: ((المصباح))، وقال في ((القاموس)): الجَمْرَةُ: النارُ المُتَّقِدَةُ:
جمعها جَمْرٌ. انتهى (٥) .
وهو بدلٌ من ((أثر المجل))، أي: يكون أثرها في القلب كأثر جمر، أو
خبرٌ لمبتدأ محذوف؛ أي: هو - يعني: أثر المجل - كائن كجمر (دَخْرَجْتَهُ)
أي: قلبتَ، ودوّرت ذلك الجمر (عَلَى رِجْلِكَ) بكسر الراء، وسكون الجيم:
القدم، أو من أصل الفخذ إلى القدم، جمعه: أرجُلٌ، قاله في: ((القاموس))،
وقال في ((المصباح)): رِجْلُ الإنسان التي يمشي بها من أصل الفخذ إلى القدم،
وهي أنثى، وجمعها أرجُلٌ، ولا جمع لها غير ذلك. انتهى(٦).
(١) ((القاموس المحيط)» ص٩٥٢.
(٢) نَفِطَت، كفرِحَ نَفْطاً بفتح النون، وسكون الفاء، ونَفَطاً بفتحها، ونَفِيطاً: قَرِحت
عَمَلاً . اهـ. ((ق)) ص٦٢١.
(٣) (شرح البخاريّ)) لابن بطال ٣٩/١٠. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٦٩/٢.
(٥) ((المصباح المنير)) ١٠٨/١، و((القاموس المحيط)) ص٣٣١.
(٦) ((القاموس المحيط)) ص٩٠٣، و((المصباح المنير)) ٢٢٠/١.

١٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(فَتَفِطَ) بكسر الفاء، يقال: نَفِطَت يدُهُ نَفَطاً، من باب تَعِبَ، ونَفِيطاً: إذا
صار بين الجِلْد واللحم ماءٌ، قاله الفيّوميّ كَظُّهُ(١).
وقال المجد نَّتُهُ: نَفِطَت، كفرِحَ نَفْطاً، ونَفَطاً، ونَفِيطاً: قَرِحت عَمَلاً،
أو مَجِلَت، وأنفطها العمل. انتهى(٢).
[تنبيه]: إنما ذكّر الضمير فيه، وفي قوله: ((فتراه منتبراً))، وإن كانت
الرِّجْلُ مؤنّئة كما أسلفناه في عبارة ((المصباح)) بتأويله بالعضو، أو بالموضع
المدَحْرَج عليه الجمرُ.
وقال النوويّ: وقوله: (نَفِطَ))، ولم يقل: نَفِطَت مع أن الرجل مؤنثةٌ، إما
أن يكون ذَكَّرَ نَفِطَ اتباعاً للفظ الرِّجْل، وإما أن يكون اتباعاً لمعنى الرِّجْل، وهو
العضو. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((اتباعاً للفظ الرِّجْل)) محلُّ نظر، فالوجه
الثاني هو الأقرب، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَتَرَاهُ) أي: ترى الموضع المدحرج عليه الجمرُ (مُنْتَبِراً) بكسر الموحّدة:
أي: مرتفعاً، قال عياضٌ تَخَّقُ: أصل هذه اللفظة من الارتفاع، ومنه انتَبَرَ
الأميرُ: إذا صَعِدَ على المِنْبَر، وبه سُمّي المِنْبَر مِنْبَراً؛ لارتفاعه، ونَبَرَ الجُرْحُ؛
أي: وَرِمَ، والنَّبْرُ: نوعٌ من الذباب يَلْسَع الإبل، فَيَرِمُ مكانُ لَسْعَته، ومنه سُمّي
الهمز نَبْراً؛ لكون الصوت على حال من الارتفاع، لا يوجد في غير هذا
الحرف، وكلُّ شيء ارتفع فقد نَبَرَ، قال أبو عُبيد: ((مُنْتَبِراً: مُتَنَفِّطا)). انتهى (٤).
(وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ) أي: ليس في ذلك المنتبر شيءٌ صالح، وإنما هو ماءٌ
فاسد .
وحاصل الخبر أنه أنذر برفع الأمانة، وأن الموصوف بالأمانة يُسْلَبها حتى
يصير خائناً بعد أن كان أميناً، وهذا إنما يقع على ما هو مُشاهَدٌ لمن خالط
أهلَ الخيانة، فإنه يصير خائناً لأن القرين يقتدي بقرينه(٥).
(١) ((المصباح المنير)) ٦١٨/٢.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٦٩/٢.
(٥) راجع: ((الفتح)) ٤٣/١٣.
(٢) (القاموس المحيط)) ص٦٢١.
(٤) ((إكمال المعلم)) ١/ ٥٦٤ _ ٥٦٥.

١٠٣
(٦٧) - بَابُ رَفْعِ الأَمَانَةِ، والإِيمَانِ مِنَ الْقُلُوبِ - حديث رقم (٣٧٤)
se
(ثُمَّ أَخَذَ) الظاهر أن الضمير للنبيّ وَّ، ويحتمل أن يكون لِحُذيفة
(حَصَّى) قال النوويّ كَُّهُ: هكذا ضبطناه، وهو ظاهرٌ، ووقع في أكثر
الأصول: ((ثم أَخَذَ حصاةً، فدحرجه))، بإفراد لفظ ((الحصاة))، وهو صحيح
أيضاً، ويكون معناه: دَخْرَجَ ذلك المأخوذَ، أو الشيءَ، وهو الحصاة.
انتھی(١).
و(الحَصَى)) - بفتحتين -: صغار الحجارة، والواحدة حَصَاةٌ، وجمعه:
حَصَيات، وحِصِيّ بضم الحاء، وكسرها، مع كسر الصاد، قاله المجد وَخَذْتُهُ(٢).
(فَدَحْرَجَهُ) أي: قلبه (عَلَى رِجْلِهِ) قال صاحب ((التحرير)): معنى الحديث:
أن الأمانة تزول عن القلوب شيئاً فشيئاً، فإذا زال أوَّل جزء منها زال نورها،
وخَلَفته ظلمة، كالوكت، وهو اعتراضُ لون مخالفٍ للّون الذي قبله، فإذا زال
شيء آخر، صار كالمَجْل، وهو أَثَرٌ مُحْكَمٌ، لا يكاد يزول إلا بعد مدّة، وهذه
الظلمة فوق التي قبلها، ثم شَبَّهَ زوال ذلك النور بعد وقوعه في القلب،
وخروجه بعد استقراره فيه، واعتقاب الظلمة إياه بجمر يدحرجه علی رجله،
حتى يُؤَثِّر فيها، ثم يزول الجمر، ويبقى التنفيط، وأَخْذُه الحصاةَ، ودَحْرَجته
إياها أراد بها زيادة البيان، وإيضاح المذكور، والله تعالى أعلم(٣).
وقيل: المراد أن الأمانة تُرفع عن القلوب عقُوبةً لأصحابها على ما
اجترحوا من الذنوب، حتى إذا استيقظوا من منامهم لم يجدوا قلوبهم على ما
كانت عليه، ويبقى فيه أثرٌ تارةً مثلَ الوكت، وتارة مثلَ الْمَجْل، وهو انتفاط
اليد من العمل، و((المَجْلُ)) وإن كان مصدراً إلا أن المراد به هنا نفس النفطة،
وأراد به خلوّ القلب عن الأمانة مع بقاء أثرها(٤).
وقال ابن العربيّ تَخَُّ: المراد بالأمانة في حديث حُذيفة ظُبه: الإيمان،
وتحقيقُ ذلك فيما ذَكَرَ من رفعها أن الأعمال السيئة لا تزال تُضْعِف الإيمان،
حتى إذا تناهى الضعف، لم يبقَ إلا أثر الإيمان، وهو التلفظ باللسان،
(١) ((شرح مسلم)) للنوويّ ١٦٩/٢.
(٢) راجع: ((القاموس)) وهامشه ص ١١٤٧.
(٣) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٦٩/٢.
(٤) راجع: ((المرقاة)) ٢٥٥/٩.

١٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب، فشبّهه بالأثر في ظاهر البدن، وكَنَى عن
ضعف الإيمان بالنوم، وضَرَبَ مثلاً لزُهُوق الإيمان عن القلب حالاً بزهوق
الحجر عن الرِّجْل حتى يقع بالأرض. انتهى(١).
وقال الطيبيّ ◌َُّ: ((ثمّ)) في قوله: ((ثمّ ينام النومة)) للتراخي في الرتبة،
وهي نقيض(٢) (ثمّ)) في قوله: ((ثمّ عَلِمُوا من القرآن، ثمّ عَلِموا من السنّة))، كما
أن علم القرآن والسنّة يزيد أصل الأمانة في القلوب، ويُربّيها، كذلك ينقص
استمرار رفع الأمانة وقبضها من أثرها، فإن أثر المجل المشبّهَ بالنفاطة التي
ليس فيها شيء أبلغ في الخلوّ من أَثَر الوَكت، وفيه تشبيهان مفردان، شُبّهت
حالهما مجموعةً بحالة جمرٍ أَثّرَ في عُضْوٍ، ثم نَفِطَ، وارتفع، وإنما شبّه أوّلاً
أثر الأمانة بأثر الوَكْت، ثم ثانياً بأثر المَجْل، ثمّ شبّههما بالجمرة المُدَحْرجة
على الرِجْل تقبيحاً لحالهما، وتهجيناً؛ لتستنفر عنها النفس وتعافها، فإن الأمانةَ
والخيانة ضدّان، فإذا ارتفعت إحداهما عاقبتها الأخرى. انتهى (٣).
(فَيُصْبِحُ النَّاسُ) أي: يدخلون في الصباح، أو المراد يصيرون (يَتَبَايَعُونَ)
أي: يجري بينهم التبايع، ويقع عندهم التعاهد (لَا يَكَادُ) أي: لا يقرب (أَحَدٌ
يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ) أي: بل يظهر من كلّ أحد منهم الخيانة في المبايعة، والمواعدة،
والمعاهدة، ومن المعلوم أن حفظ الأمانة أثرُ كمال الإيمان، فإذا نقصت
الأمانة نقص الإيمان، وبطل الإيقان، وزال الإحسان، وقد أخرج الإمام أحمد
في ((مسنده))، وصححه ابن حبّان عن أنس بن مالك ظ به قال: ما خطبنا
نبي الله وَالر إلا قال: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دِينَ لمن لا عهد له))(٤).
(حَتَّى يُقَالَ) أي: من غاية قلّة الأمانة في الناس (إِنَّ فِي بَنِي فُلَاذٍ رَجُلاً
(١) راجع: ((الفتح)) ٤٣/١٣ - ٤٤.
(٢) وقع في النسخة: ((وهي تقتضيه))، والظاهر أنه تصحيف، كما لا يخفى، والله تعالى
أعلم.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٤٠٤/١١ ببعض تغيير.
(٤) أخرجه أحمد في ((مسنده)) برقم (١١٩٣٥ و١٢١٠٨ و١٢٧٢٢ و١٣١٤٥)،
وصححه ابن حبّان، وأورده الشيخ الألباني في ((صحيح الجامع)) ١٢٠٥/٢ رقم
(٧١٧٩).

١٠٥
(٦٧) - بَابُ رَفْعِ الأَمَانَةِ، والإِيمَانِ مِنَ الْقُلُوبِ - حديث رقم (٣٧٤)
أَمِيناً) أي: كامل الأمانة (حَتَّى يُقَالَ) في ذلك الزمان (لِلرَّجُلِ) أي: من أرباب
الدنيا، ممن له عقلٌ في تحصيل المال، والجاه، وطبعٌ في الشعر والنثر،
وفصاحة، وبلاغةٌ، وصباحةٌ، وقوّة بدنيّة، وشجاعة، وشوكة (مَا أَجْلَدَهُ) ((ما))
تعجّبيةٌ، أي: يقال له هذا تعجّباً من كمال جَلَده - بفتحتين - وهو القوّة
والشدّة(١). (مَا أَظْرَفَهُ) أي: ما أحسنه، قال القرطبيّ تَخَُّهُ: الظرف عند العرب
في اللسان والجسم، وهو حُسنهما، وقال ابن الأعرابيّ: الظرف في اللسان،
والحلاوة في العين، والملاحة في الفم، وقال المبرِّد: الظريف مأخوذ من
الظَّرْف، وهو الوِعَاء، كأنه جُعِل وعاءً للآداب، وقال غيره: يقال منه: ظَرُف
يَظْرُفُ ظَرْفاً، فهو ظَرِيفٌ، وهم ظُرَفاءُ، وإنما يقال في الفتيان والفَتَيات أهل
الخِفّة. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ ◌َتُهُ: الظَّرْفُ وزانُ فَلْسٍ: البَرَاعَةُ، وذَكَاءُ القلب، وظَرُفَ
بالضمّ ظَرَافَةً، فهو ظَرِيفٌ، قال ابنُ القُوطَيّة: ظَرُفَ الغلام والجارية، وهو
وصفٌ لهما لا للشيوخ، وبعضهم يقول: المراد الوصفُ بالحُسْن والأدب،
وبعضهم يقول: المراد الكَيْسُ، فيعمّ الشباب والشيوخ. انتهى(٣).
(مَا أَعْقَلَهُ) أي: ما أحسن فهمه وتدبيره للشيء، يقال: عَقَلتُ الشيءَ
عَقْلاً، من باب ضَرَبَ: تدبّرتُهُ، وعَقِلَ يَعْقَلُ، من باب تَعِبَ لغةٌ فيه، ثم أُطلق
العقل الذي هو مصدر على الحِجًا واللُّبّ، ولهذا قال بعض الناس: العقلُ
غَرِيزة يتهيّأُ بها الإنسان إلى فهم الخطاب، فالرجل عاقلٌ، والجمعُ عُقّالٌ،
مثلُ: كافر وكُفّار، وربّما قيل: عُقَلاءُ، وامرأة عاقلٌ، وعاقلةٌ، كما يقال فيها:
بالغٌّ، وبالغةٌ، والجمعُ عَوَاقل، وعاقلات، قاله الفيّومِيّ نَظُّ(٤) .
وحاصله أنهم يمدحونه بكمال عقله، وظرافة حاله، وجَلَد بدنه، وقوّة
بنيته، ولا يمدحونه بقوّة إيمانه، وغزارة علمه النافع، وعمله الصالح، كما أكّد
ذلك بقوله:
(وَمَا فِي قَلْبِهِ) الواو للحال، و((ما)) نافيةٌ، أي: والحال أنه ليس في قلبه
(١) ((لسان العرب)) ١٢٥/٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ٣٨٤/٢ - ٣٨٥.
(٢) ((المفهم)) ٣٥٧/١.
(٤) ((المصباح المنير)) ٤٢٣/٢.

١٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(مِثْقَالُ حَبَّةٍ) أي: مقدار شيء قليل (مِنْ خَرْدَلٍ) ((من)) بيانيّة لـ«حبّة))، أي: هي
خردلٌ، وهو: حَبُّ شجر معروف، قاله المجد ◌َّتُهُ(١)، وقوله: (مِنْ إِيمَانٍ)))
متعلّق بحال من ((مثقال))؛ لتخصّصه بالإضافة، وتقدّم النفي عليه، كما قال في
((الخلاصة)) :
لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ
وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِباً ذُو الحَالِ إِنْ
يَبْغِ امْرُؤُ عَلَى امْرِىءٍ مُسْتَسْهِلَا
مِنْ بَعْدِ نَفْي أَوْ مُضَاهِيهِ كَلَا
أي: حال كونه كائناً من إيمان، قال القاري كَّتُهُ: يحتمل أن يكون
المراد منه نفي أصل الإيمان، أو کماله. انتهى.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((من إيمان)) قد يُفهم منه أن المراد بالأمانة في
الحديث الإيمان، وليس كذلك، بل ذَكَرَ ذلك لكونها لازمة الإيمان. انتهى (٢).
وقال الطيبيّ تَخَّتُهُ: لعلّه إنما حملهم على تفسير الأمانة في قوله: ((إن
الأمانة نزلت ... إلخ)) بالإيمان؛ لقوله آخراً: ((وما في قلبه حبّة خردل من
إيمان))، فهلّا حملوها على حقيقتها؛ لقوله: ((ويُصبح الناس يتبايعون، ولا يكاد
أحدٌ يؤدّي الأمانة))، فيكون وضع الإيمان آخراً موضعها؛ تفخيماً لشأنها، وحثّاً
على أدائها، قال ◌َله: ((لا دين لمن لا أمانة له))(٣). انتهى(٤).
قال القاريّ تَخْشُ بعد نقله كلام الطيبيّ: إنما حملهم عليه ما ذُكر آخراً،
وما صُدّر أوّلاً من قوله: ((نَزَلت في جِذْر قلوب الرجال))، فإن نزول الأمانة
بمعنى الإيمان هو المناسب لأصل قلوب المؤمنين، ثم يعلمون إيقانه بتتبّع
الكتاب والسنّة، وأما الأمانة فهي جزئيّة من كلّيّة ما يَتعلّق بالإيمان والقرآن،
والله ﴾﴾ أعلم. انتھی.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أنه لا اختلاف بين من
(١) ((القاموس المحيط)) ص ٨٩٣.
(٢) (الفتح)) ٣٤٢/١١ ((كتاب الرقاق)) رقم الحديث (٦٤٩٧).
(٣) تقدّم أنه حديث صحيح بلفظ: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد
له)»، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٤٠٣/١١ - ٣٤٠٤.

١٠٧
(٦٧) - بَابُ رَفْعِ الأَمَانَةِ، والإِيمَانِ مِنَ الْقُلُوبِ - حديث رقم (٣٧٤)
حمل الأمانة على ظاهر معناها التي هي العهود، وبين مَن حملها على الإيمان؛
لأن الإيمان الحقيقيّ مستلزم للأمانة التي هي العهود، وكذلك الأمانة مستلزمة
له؛ لأن العهود شامل لما بين العباد وبين ربّهم، ولما يجري بينهم، والحديث
- وإن كان ظاهراً في معنى الأمانة التي هي العهد، فإن حُذيفة ◌َُّه إنما ساقه
لبيان فقد الأمانة من الأمة، ورفعها عنهم، فقوله: ((ويُصبح الناس يتبايعون ...
إلخ))، وقوله: ((وما أبالي أيّكم بايعت ... إلخ))، وقوله: ((فما كنت لأبايع إلا
فلاناً وفلاناً))، كلّ هذا ظاهر في معناها الحقيقيّ - لكنه لا ينفي شموله للعهد
الذي بين العباد وبين ربهم، فيكون الخلاف في هذا لفظياً.
والحاصل أن الأمانة هي كلّ العهود التي بين العباد وبين ربهم، وفيما
بينهم، فدخل فيها الإيمان دخولاً أوّليّاً، ولذلك قال في الأخير: ((وما في قلبه
مثال حبّة من خردل من إيمان))؛ إشارةً إلى فقدها كلّيّةً، فتنبّه لذلك، والله تعالى
أعلم بالصواب.
(وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ) يشير حُذيفة ◌َُّه بهذا إلى أن حال الأمانة أَخَذَ في
النقص من ذلك الزمان، وكانت وفاته رضُه في أول سنة ست وثلاثين، بعد قتل
عثمان رُّه بقليل، فأدرك بعض الزمن الذي وقع فيه التغير، فأشار إليه، قاله
في ((الفتح)) (١).
(وَمَا) نافية (أُبَالِي) أي لا أهتمّ، قال الفيّوميّ تَخُّْهُ: قولهم: لا أباليه،
ولا أبالي به: أي لا أهتمّ به، ولا أكترث له، ولم أُبالٍ، ولم أُبَلْ؛ للتخفيف،
كما حَذَفوا الياء من المصدر، فقالوا: لا أباليه بَالَةً، والأصل: باليةٌ، مثلُ
عافاه مُعافاةً وعافية، قالوا: ولا تُستعمل إلا مع الجحد، والأصل فيه قولهم:
تَبَالَى القومُ: إذا تبادروا إلى الماء القليل، فاستقَوْا، فمعنى لا أبالي: لا أُبادرُ
إهمالاً له، وقال أبو زيد: ما باليتُ به مُبالاةً، والاسم الْبِلاءُ، وزانُ كتاب،
وهو الهمّ الذي تُحدّث به نفسك. انتهى(٢).
(أَيَّكُمْ) ((أيَّ) استفهاميّة مفعول مقدّم وجوباً لـ(بَايَعْتُ؟) أيْ: أيَّ شخص
بايعت، مسلماً كان أو غير مسلم.
(١) ٤٤/١٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ٦٢.

١٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقوله: (بايعت) يعني: البيع والشراء، لا المبايعة؛ لأن اليهوديّ
والنصرانيّ لا يُبايع بيعة الإسلام، ولا بيعة الإمامة، وإنما يعني: أن الأمانة قد
رُفعت من الناس، فقلّ من يُؤمن على البيع والشراء، قاله القرطبيّ تَظُّهُ(١).
وقال النوويّ كَّلُ: معنى المبايعة هنا البيع والشراء المعروفان، ومراده
أني كنت أعلم أن الأمانة لم ترتفع، وأن في الناس وفاءً بالعهود، فكنت أُقْدِم
على مبايعة مَن اتَّفَقَ، غيرَ باحث عن حاله؛ وُثوقاً بالناس وأمانتهم، فإنه إن
كان مسلماً فدِينه، وأمانته تمنعه من الخيانة، وتحمله على أداء الأمانة، وإن
كان كافراً فساعيه، وهو الوالي عليه، كان أيضاً يقوم بالأمانة في ولايته،
فَيَستخرج حقّي منه، وأما اليومَ فقد ذهبت الأمانة، فما بقي لي وُثوقٌ بمن
أبايعه، ولا بالساعي في أدائهما الأمانة، فما أبايع إلا فلاناً وفلاناً، يعني:
أفراداً من الناس أعرفهم، وأثق بهم.
قال صاحب ((التحرير))، والقاضي عياض رحمهما الله تعالى: وحمل
بعض العلماء المبايعة هنا على بيعة الخلافة وغيرها، من المعاقدة، والتحالف
في أمر الدين، قالا: وهذا خطأ ممن قاله، وفي هذا الحديث مواضع تبطل
قولَهُ، منها: ((قوله: ولئن كان نصرانيّاً، أو يهوديّاً))، ومعلوم أن النصرانيّ
واليهوديّ لا يُعاقَد على شيء من أمور الدين. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): مراده المبايعة في السِّلَع ونحوها، لا المبايعة
بالخلافة، ولا الإمارة.
وقد اشتد إنكار أبي عبيد وغيره على مَن حَمَل المبايعة هنا على الخلافة،
وهو واضح، ووقع في عبارته أن حُذيفة رَظُّه كان لا يَرْضَى بأحد بعد
عمر رضيه، يعني: في الخلافة، وهي مبالغة، وإلا فقد كان عثمان تظُبه ولَّاه
على المدائن، وقد قُتِل عثمان، وهو عليها، وبايع لعليّ رَضُْه، وحَرَّضَ على
المبايعة له، والقيام في نصره، ومات في أوائل خلافته.
والمراد أنه لوثوقه بوجود الأمانة في الناس أوّلاً، كان يُقْدِم على مبايعة
(١) ((المفهم)) ٣٥٧/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢/ ١٧٠.

١٠٩
(٦٧) - بَابُ رَفْعِ الأَمَانَةِ، والإِيمَانِ مِنَ الْقُلُوبِ - حديث رقم (٣٧٤)
مَن اتَّفَقَ من غير بَحْث عن حاله، فلما بدأ التغير في الناس، وظهرت الخيانة،
صار لا يبايع إلا مَنْ يَعْرِف حاله.
ثم أجاب عن إيرادٍ مُقَدَّر، كأنّ قائلاً قال له: لم تزل الخيانة موجودةً؛
لأن الوقت الذي أشرتَ إليه، كان أهل الكفر فيه موجودين، وهم أهل الخيانة.
فأجاب بأنه وإن كان الأمر كذلك، لكنه كان يَثِقُ بالمؤمن لذاته، وبالكافر
لوجود ساعيه، وهو الحاكم الذي يحكم عليه، وكانوا لا يستعملون في كل
عَمَلِ قَلَّ أو جَلَّ إلا المسلم، فكان واثقاً بإنصافه، وتخليص حقِّه من الكافر إن
خانه، بخلاف الوقت الأخير الذي أشار إليه، فإنه صار لا يبايع إلا أفراداً من
الناس یٹُ بهم.
وقال ابن العربيّ تَخُّْهُ: قال حذيفة ظه هذا القول لَمّا تغيرت الأحوال
التي كان يَعرفها على عهد النبوة والخليفتين، فأشار إلى ذلك بالمبايعة، وكَنَى
عن الإيمان بالأمانة، وعَمّا يخالف أحكامه بالخيانة. انتهى، ذكره في
((الفتح))(١).
(لَئِنْ) اللام هي اللام الموّئة للقسم، و «إن» شرطيّة، وجوابها محذوف؛
لتأخّرها، ودلالة جواب القسم عليه، وإلى هذا أشار ابن مالك في ((الخلاصة))
بقوله :
جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطِ وَقَسَمْ
(كَانَ) الذي أبايعَه (مُسْلِمَاً لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ) إذ الإيمان يدعو إلى أداء
الأمانة؛ امتثالاً لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُّكُمْ أَن تُؤَدُواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآية [النساء:
٥٨] (وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيّاً، أَوْ يَهُودِيّاً، لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ) أي: الوالي عليه؛ لأنهم
في ذلك الوقت لا يولّون إلا من كان مستقيماً في دينه، قادراً على إيصال كلّ
ذي حقّ إلى حقّه، وردع أهل الفساد والبغي عن ظلمهم.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((ساعيه)) أي: واليه الذي أُقيم عليه لِيُنصِف منه،
وأكثر ما يُستعمل الساعي في ولاة الصدقة، ويَحتمل أن يراد به الذي يتولّى
قبض الجزية. انتهى (٢).
(١) راجع: ٤٤/١٣.
(٢) ((الفتح)) ٣٤٢/١١.

١١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال الجامع عفا الله عنه: حمله على متولّي قبض الجزية في هذا الحديث
بعيدٌ، فالصواب المعنى الأول، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(وَأَمَّا الْيَوْمَ) أي: في الوقت الذي يتحدّث به بهذا الحديث (فَمَا كُنْتُ
لِأُبَابِعَ مِنْكُمْ إِلَّا فُلَاناً وَفُلَاناً) أي: أشخاصاً معيّنين يَثِق بهم وبدينهم وأماناتهم،
وقال في ((الفتح)): يحتمل أن يكون ذَكَره بهذا اللفظ، ويحتمل أن يكون سمَّى
اثنين من المشهورين بالأمانة إذ ذاك، فأبهمهما الراوي، والمعنى: لستُ أَثِقُ
بأحد أنتَمِنه على بيع، ولا شراء إلا فلاناً وفلاناً. انتهى(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حُذيفة بنظُهُ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٧٤/٦٧ و٣٧٥] (١٤٣)،
و(البخاريّ) في ((الرِّقَاق)) (٦٤٩٧)، و((الفتن)) (٧٠٨٩)، و((الاعتصام بالكتاب
والسنّة)) (٧٢٧٦)، و(الترمذيّ) في ((الفِتَن)) (٢١٧٩)، و(ابن ماجه) في ((الفتن))
(٤٠٥٣)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٤٢٤)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣٨٣/٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٤١ و١٤٢)، و(أبو نُعيم) في
((مستخرجه)) (٣٦٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٧٦٢)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٢/١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه بيان رفع الأمانة عن القلوب، وهي التكاليف والعهود
التي كلّف الله رَ عباده بها، فهي شاملة للإيمان، وهذا وجه المطابقة في
إيراده في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): بيان فضل الصحابة ◌ّه حيث إنهم آمنوا، ثم تعلموا
الكتاب والسنّة، ثم عملوا بهما؛ لأن هذا الإيمان يكون أرسخ، وأعمق،
(١) ((الفتح)) ٣٤٢/١١ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٤٩٧).

١١١
(٦٧) - بَابُ رَفْعِ الأَمَانَةِ، والإِيمَانِ مِنَ الْقُلُوبِ - حديث رقم (٣٧٤)
وألزم للقلب، بخلاف العكس، ولذلك ذمّ الله تعالى الأعراب حيث قال:
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ﴾
الآية [الحجرات: ١٤]، فالامتثال الظاهريّ إذا لم يسبقه الاعتقاد الباطنيّ لم
يُعتبر .
٣ - (ومنها): أن فيه عَلَماً من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ وَّ برفع
الأمانة، فوقع كما أخبر به.
٤ - (ومنها): سرعة تقلّب القلوب بسبب كثرة وقوع الفتن، حيث إن
الرجل ينام، فيقوم، فلا يجد قلبه على حاله قبل النوم، بل يتغيّر - سبحان من
يقلّب القلوب والأبصار. ولهذا كان النبيّ وَاللّه يُكثر من الدعاء بثبات قلبه على
الإيمان، فقد أخرج الترمذيّ بسند صحيح، عن أنس رَظُبه، قال: كان
رسول الله ◌َ يُكثر أن يقول: ((يا مقلِّب القلوب، ثَبِّتْ قلبي على دينك)»،
فقلت: يا رسول الله، آمَنّا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: ((نعم،
إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله، يُقَلِبها كيف يشاء)).
٥ - (ومنها): بيان فضل قرن الصحابة ◌ُّ على من بعدهم، حيث كانت
الأمانة كاملة فيهم.
٦ - (ومنها): استعمال التشبيه في التعليم؛ لزيادة الإيضاح.
٧ - (ومنها): بيان أن فضل الإنسان في كمال أمانته، لا في كمال قوّته،
وشجاعته، وحسن تدبيره في الأمور الدنيويّة، فإن هذه لا اعتبار لها إلا مع قوّة
الإيمان و کماله.
٨ - (ومنها): أن حسن الوفاء بالعهد، وحسن التعامل مع الناس يدلّ على
كون الإنسان أميناً، وأن الخيانة تنافي الإيمان؛ لأنها من صفات المنافق، كما
سبق حديث عبد الله بن عمرو ضخها، قال: قال رسول الله وفض له: ((أربعٌ مَن كُنّ
فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خَلّةٌ منهن، كانت فيه خلَّة من نفاق،
حتى يَدَعَها، إذا حَدّث كَذَب، وإذا عاهد غدر، وإذا وَعَد أخلف، وإذا خاصم
فجر))، متفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.

١١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٧٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ، (ح) وَحَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ جَمِيعاً، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ
مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ :
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد بن عبد الله بن نُمير الهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقة حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ صاحب
حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] (١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، أخو إسرائيل الكوفيّ،
نزل الشام مُرابطاً، ثقةٌ مأمون [٨] (ت١٨٧) وقيل: سنة (١٩١) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٢٨/٥.
وإسحاق: هو ابن راهويهْ تقدّم في الباب الماضي، والباقيان تقدّما في
السند الماضي .
وقوله: (جَمِيعاً عَنِ الْأَعْمَشِ) يعني: أن الثلاثة، وهم: عبد الله بن نُمير،
ووكيع، وعيسى، كلهم رووه عن الأعمش.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي: بإسناد الأعمش، عن زيد بن وهب، عن
حُذيفة رضاه، ومتنه مثل متنه.
[تنبيه]: أما طريق وكيع، فقد ساقها المصنّف في الحديث الماضي، وأما
طريق عبد الله بن نُمير، فساقها الحافظ أبو عوانة تَخْلَتُهُ في ((مسنده)) (٥٢/١)،
فقال :
(١٤١) حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: ثنا عبد الله بن نُمير،
قال: ثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة، قال: حدّثنا رسول الله وَله
حديثين، فرأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة تنزل في جِذْر
قلوب الرجال، ونزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة، ثم حدَّثنا

١١٣
(٦٧) - بَابُ رَفْعِ الأَمَانَةِ، والإِيمَانِ مِنَ الْقُلُوبِ - حديث رقم (٣٧٥)
عن رفعها - يعني: الأمانة - فينام الرجل النومة، فتُقْبَض الأمانة من قلبه، فيَظَلّ
أثرها كأثر الوَكْتِ، ثم ينام النومة، فتُنْزَع الأمانة من قلبه، فَيَظَلّ أثرها كأنها
المَجْل، كجمر دحرجته على رجلك، فَنَفِظَ، فتراه مُنتبِراً، وليس فيه شيء،
ولقد كنت وما أبالي أيَّكم بايعتُ، لئن كان مسلماً، لَيَرُدّنَه عليّ دينه، وإن كان
نصرانيّاً ليردنه عليّ ساعيه، وأما اليوم فإني لم أكن لأبايع منكم إلا فلاناً
وفلاناً، فيصبح الناس يتبايعون، وما يكاد أحدهم يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن
في بني فلان رجلاً أميناً، وحتى يقال للرجل: ما أجلده، وما أظرفه، وأعقله،
وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)). انتهى.
وأما طريق عيسى بن يونس، فساقها الإمام ابن حبّان ◌َْتُهُ في (صحيحه))
(١٦٤/١٥)، فقال:
(٦٧٦٢) أخبرنا عبد الله بن محمد الأزديّ، قال: حدثنا إسحاق بن
إبراهيم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب،
عن حُذيفة، قال: حَدّثنا رسول الله و ﴿ل حديثين، فرأيت أحدهما، وأنا أنتظر
الآخر، حدثنا أنّ الأمانة نَزَلت في جِذْر قلوب الرجال، ونَزَل القرآن،
فعلموا من القرآن، وعَلِمُوا من السنة، ثم حدّثنا عن رفعها، قال: ينام
الرجال نومة، فتُقْبض الأمانة من قلبه، فيبقى أثرُها مثل أَثَر الوَكْت، ثم ينام
الرجل نومةً، فتُقبض الأمانة من قلبه، فيبقى أثرها مثل أثر المَجْل، كجمر
دحرجته على رجلك، فتراه مُنتبراً، وليس فيه شيء، فيُصْبح الناس يتبايعون،
ولا يكاد أحدٌ يُؤدّي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً،
وحتى يقال للرجل: ما أجلده، وأطرفه(١)، وأعقله، وليس في قلبه مثقال
حبة خردل من خير، ولقد أتى عليّ زمان، وما أُبالي أيَّكم بايعته، لئن كان
مؤمناً ليردنَّه عليّ دينُه، ولئن كان يهوديّاً أو نصرانياً ليردنَّه عليّ ساعيه، فأما
اليوم فما كنت أبايع إلا فلاناً وفلاناً. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُثِبُ﴾ .
(١) هكذا النسخة ((أطرفه)) بالطاء المهملة، خلافاً لبقيّة الروايات؛ فليُحرّر، والله أعلم.

١١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٦٨ - (بَابُ عَرْضِ الْفِتَنِ عَلَى الْقُلُوبِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أُولَ الكتاب قال:
[٣٧٦] (١٤٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ
- يَعْنِي: سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّنَ - عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ:
كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ بَّهِ يَذْكُرُ الْفِتَنَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: نَحْنُ
سَمِعْنَاهُ، فَقَالَ: لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ، قَالُوا: أَجَلْ، قَالَ: تِلْكَ
تُكَفِّرُهَا الصَّلَةُ، وَالصِّيَامُ، وَالصَّدَقَةُ، وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ لَّهِ يَذْكُرُ الْفِتَنَ الَّتِي
تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ، فَقُلْتُ: أَنَا، قَالَ: أَنْتَ للهِ أَبُوَكَ؟
قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: ((تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ،
كَالْحَصِيرِ عُوداً عُوداً، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَُّ قَلْبٍ
أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنٍ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا،
فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ، مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ، مُرْبَادّاً، كَالْكُوزِ
مُجَخِّياً، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفاً، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَراً، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ»، قَالَ حُذَيْفَةُ:
وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَاباً مُغْلَقاً، يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ، قَالَ عُمَرُ: أَكَسْراً لَا أَبَا
لَكَ؟ فَلَوْ أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ، قُلْتُ: لَا، بَلْ يُكْسَرُ، وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ
رَجُلٌ يُقْتَلُ، أَوْ يَمُوتُ، حَدِيثاً لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ. قَالَ أَبُو خَالِدٍ: فَقُلْتُ لِسَعْدٍ: يَا أَبَا
مَالِكِ، مَا أَسْوَدُ مُرْبَادَاً؟ قَالَ: شِدَّةُ الْبَيَاضِ فِي سَوَادٍ، قَالَ: قُلْتُ: فَمَا الْكُوزُ
مُجَخِّياً؟ قَالَ: مَنْكُوساً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو خَالِدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ) الأزديّ الأحمر الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ
[٨] (ت١٩٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥.
٢ - (سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ) أبو مالك الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤] مات في
حدود (١٤٠) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥.

١١٥
(٦٨) - بَابُ عَرْضِ الْفِتَنِ عَلَى الْقُلُوبِ - حديث رقم (٣٧٦)
٣ - (رِبْعِيّ) بن حِرَاش العَبْسيّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢]
(ت ١٠٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
وشيخ المصنّف، والصحابيّ تقدّما في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى سعد بن طارق، فعلّق له
البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: ((يعني: سليمان بن حيّان))، وذلك أن شيخه
ابن نمير لم يذكر شيخه باسمه، وإنما ذكره بكنيته، فأراد المصنّف أن يبيّنه لمن
يُحدّثهم، فزاد كلمة ((يعني))؛ فصلاً بين كلامه وكلام شيخه، وإليه أشار
السيوطيّ في ((ألفيّة الحديث)) حيث قال:
فَوْقَ شُيُوخِ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ
وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ
أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ
بِنَحْوِ (يَعْنِي)) أَوْ بِـ(أَنَّ) أَوْ بِـاهُو))
وَالفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ المَذْكُورِ
أَجِزْهُ فِي البَاقِي لَدَى الجُمْهُورِ
وقد تقدمت إحالة هذا غير مرّة، وإنما أعدّته؛ تذكيراً؛ لطول العهد به.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم: سعد، عن رِبعيّ،
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ رِبْعِيٍّ) - بكسر الراء، وسكون الموحّدة - ابن حِرَاش - بكسر الحاء
المهملة، وتخفيف الراء، آخره شين معجمة -.
[تنبيه]: هذا الحديث أخرجه المصنّف هنا من طريق أبي خالد الأحمر،
عن رِبْعيّ، وتابعه مروان بن معاوية، ونعيم بن أبي هند في الروايتين التاليتين،
وأخرجه البخاريّ من طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، وتابعه
جامع بن شدّاد، عن أبي وائل.

١١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[فإن قلت]: كيف اختار المصنّف تَخْدَثُ رواية أبي خالد الأحمر، وأحال
غيرها عليها، مع أن غيره أحفظ منه؟.
[قلت]: لعله اختارها لكونها مسموعة له، أو نحو ذلك، والله تعالى
أعلم.
ـه،
(عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان ◌ِ﴿َهَا، أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ) بن الخطّاب
وفي رواية مروان بن معاوية التالية: ((لَمّا قَدِم حُذيفة من عند عمر، جلس،
فحدّثنا، فقال: إن أمير المؤمنين أمسٍ لَمّا جلس سأل أصحابه، أيّكم يحفظ
قول رسول الله ◌َ في الفتن ... ))، وفي رواية نُعيم بن أبي هند، الآتية: ((أن
عمر قال: من يُحدّثنا؟ أو قال: أتّكم يحدّثنا؟ وفيهم حُذيفة ... إلخ)).
(فَقَالَ) أي: عمر ◌َُّهُ (أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَ ﴿)، وفي الرواية الآتية
في ((الفتن)) من طريق الأعمش، عن شقيق، عن حُذيفة قال: ((كنا عند عمر،
فقال: أيّكم يحفظ حديث رسول الله وَ﴿ في الفتنة كما قال؟)) (يَذْكُرُ الْفِتَنَ؟)
- بكسر، ففتح -: جمع فتنة، قال أهل اللغة: أصل الفتنة في كلام العرب
الابتلاء، والامتحان، والاختبار، قال القاضي عياض تَّثهُ: ثم صارت في
عرف الكلام لكل أمر كَشَفَه الاختبارُ عن سوء، قال أبو زيد: فُتِن الرجلُ يُفْتَن
فُتُوناً: إذا وَقَع في الفتنة، وتَحَوّل من حال حسنة إلى سيئة.
(فَقَالَ قَوْمٌ) هكذا في هذه الرواية، وفي الرواية الآتية في ((الفتن))
المذكورة: ((قال: أنا، قال: إنك لجريء، وكيف قال؟ ... ))، ولفظ البخاريّ:
((أنا أحفظ كما قال، قال: هاتِ إنك لجريء)).
ويمكن الجمع بأنه شارك بعض الناس حذيفة في كونه سمعه منه وَ الت،
ولكن حذيفة ظه تولّى الجواب، والله تعالى أعلم.
(نَحْنُ سَمِعْنَاهُ) وَ يذكر الفتنة (فَقَالَ) عمر ◌َّ ◌ُله، وظاهر هذه الرواية أن
عمر رضواُه سمع هذا من النبيّ وَّ، كما سمعه حُذيفة ◌َُّه (لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ) أي:
تقصدون بالفتنة التي سمعتموها منه وَّهِ (فِتْتَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ) ولفظ رواية
الأعمش المذكورة: ((فتنة الرجل في أهله، وماله، ونفسه، وولده، وجاره،
يكفّرها الصيام، والصلاة ... )).
قال القرطبيّ كَُّ: الأهل، والمال، والولد أمورٌ يُمتَحَن الإنسان بها،

١١٧
(٦٨) - بَابُ عَرْضِ الْفِتَنِ عَلَى الْقُلُوبِ - حديث رقم (٣٧٦)
ويُخْتَبَر عندها، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَقْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ الآية
[التغابن: ١٥]؛ أي: مِحنةٌ تُمتَحنون بها حتى يظهر منكم ما هو خفيٍّ عمن يُشكل
عليه أمركم. انتهى(١).
وقال القاضي عياض ◌َُّهُ: فتنةُ الرجل في أهله وماله وولده ضُرُوب من
فَرْط محبته لهم، وشُحّه عليهم، وشُغْله بهم عن كثير من الخير، كما قال
تعالى: ﴿إِنََّا أَقَّوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، وقوله وَّهِ: ((الولدُ مَجْبَنَةٌ
مَبْخَلة))(٢)، أو لتفريطه في القيام بما يلزم من حقوقهم، وتأديبهم، وتعليمهم،
فإنه راعٍ لهم ومسؤول عنهم، كما قال ◌َله: ((كلّكم راع، ومسؤولٌ عن رعيته))،
متّفقٌ عليه، وكذلك فتنة الرجل في جاره من هذا، فهذه كلِّها فِتَنِّ تقتضي
المحاسبةَ، ومنها ذنوب يُرْجَى تكفيرها بالحسنات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ
اْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّئَاتِ﴾ الآية [هود: ١١٤]. انتهى كلام القاضي نَظُّهُ(٣).
(قَالُوا: أَجَلْ) كنَعَم وزناً ومعنَّى، قال المجد تَذَتُهُ: أَجَلْ: جوابٌ كَنَعَم،
إلا أنه أحسن منه في التصديق، ونَعَم أحسن منه في الاستفهام. انتهى (٤).
(قَالَ) عمر رَظُهُ (تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالصَّدَقَةُ) ولفظ الأعمش
الآتية في ((الفتن)): ((قال: سمعت رسول الله وَله يقول: فتنة الرجل في أهله،
وماله، ونفسه، وولده، وجاره، تكفّرها الصيام، والصلاة، والصدقة، والأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر)).
قال في (الفتح)): قال بعض الشرَّاحِ: يَحتَمِلُ أن يكون كلُّ واحدة من
الصلاة وما معها مكفِّرةً للمذكورات كلِّها، لا لكل واحدة منها، وأن يكون من
باب اللَّفّ والنشر بأن الصلاة مثلاً مكفِّرة للفتنة في الأهل، والصوم في
الولد ... إلخ.
قال: والمراد بالفتنة ما يَعْرِض للإنسان مع مَن ذُكِر من البشر، أو الالتهاء
بهم، أو أن يأتي لأجلهم بما لا يَحِلّ له، أو يُخِلّ بما يجب عليه.
(١) ((المفهم)) ٣٥٧/١ - ٣٥٨.
(٢) حديث صحيح أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) رقم (١٢٠٩).
(٣) ((إكمال المعلم)) ١ / ٥٦٥ - ٥٦٧.
(٤) ((القاموس المحيط)) ص ٨٦٤.

١١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
واستَشْكَلَ ابنُ أبي جمرة وقوع التكفير بالمذكورات للوقوع في
المحرمات، والإخلال بالواجب؛ لأن الطاعات لا تُسقِط ذلك، فإن حُمِل على
الوقوع في المكروه، والإخلال بالمستحبّ، لم يناسب إطلاق التكفير.
والجواب التزام الأول، وأن الممتنع من تكفير الحرام والواجب ما كان
كبيرةً، فهي التي فيها النزاع، وأما الصغائر فلا نزاع أنها تُكَفَّر؛ ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ
كَبَابِرَ مَا نُنْهَوَنَ عَنْهُ تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٣١].
وقال الزين ابن المُنَيِّرِ تَخْلُهُ: الفتنة بالأهل تقع بالميل إليهن أو عليهن في
القسمة والإيثار، حتى في أولادهنّ، ومن جهة التفريط في الحقوق الواجبة
لهنّ، وبالمال يقع الاشتغال به عن العبادة، أو بحبسه عن إخراج حقّ الله،
والفتنة بالأولاد تقع بالميل الطبيعي إلى الولد، وإيثاره على كل أحد، والفتنة
بالجار تقع بالحسَد، والمفاخرة، والمزاحمة في الحقوق، وإهمال التعاقد.
ثم قال: وأسباب الفتنة بمن ذُكِر منحصرة فيما ذكرتُ من الأمثلة.
وأما تخصيص الصلاة، وما ذُكر معها بالتكفير، دون سائر العبادات، ففيه
إشارةٌ إلى تعظيم قدرها، لا نَفْيُ أنّ غيرها من الحسنات ليس فيها صلاحية
التكفير .
ثم إن التكفير المذكور يَحْتَمِل أن يقع بنفس فعل الحسنات المذكورة،
ويَحْتَمِل أن يقع بالموازنة، والأول أظهر، والله تعالى أعلم.
وقال ابن أبي جمرة تَُّ: خَصَّ الرجل بالذكر لأنه في الغالب صاحب
الحكم في داره وأهله، وإلا فالنساء شقائق الرجال في الحكم، ثم أشار إلى أن
التكفير لا يختص بالأربع المذكورات، بل نَبَّهَ بها على ما عداها، والضابط أن
كُلَّ ما يَشْغَل صاحبه عن الله، فهو فتنة له، وكذلك المكفرات لا تَخْتَصّ بما
ذُكِر، بل نَبَّه به على ما عداها، فذَكَر من عبادة الأفعال الصلاةَ والصيامَ، ومن
عبادة المال الصدقةَ، ومن عبادة الأقوال الأمرَ بالمعروف. انتهى(١).
قال عمر رَله: ((ليس هذا أريد)) (وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َهِ يَذْكُرُ الْفِتَنَ
الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟) وفي رواية الأعمش: ((إنما أريد التي تموج كموج
(١) راجع: ((الفتح)) ٦/ ٧٠٠ ((كتاب المناقب)) حديث رقم (٣٥٨٦).

١١٩
(٦٨) - بَابُ عَرْضِ الْفِتَنِ عَلَى الْقُلُوبِ - حديث رقم (٣٧٦)
البحر))، أي: تضطرب، ويَدْفَع بعضها بعضاً، وكلُّ شيء اضطرب، فقد ماج،
ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَّكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ﴾ الآية [الكهف: ٩٩]، وشبّهها
بموج البحر؛ لشدة عظمها، وكثرة شيوعها (١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((تموج كموج البحر)): أي: تضطرب اضطرابَ
البحر عند هَيَجَانه، وكَنَى بذلك: عن شِدّة المخاصمة، وكثرة المنازعة، وما
ينشأ عن ذلك من المشاتمة والمقاتلة. انتهى.
(قَالَ حُذَيْفَةُ) رَبُهُ (فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ) بقطع الهمزة المفتوحة، قال جمهور
أهل اللغة: سَكَت، وأسكت لغتان، بمعنى صَمَتَ، وقال الأصمعيّ: سكت
القوم: صَمَتُوا، وأسكتوا: أطرقوا، قال الهرويّ: ويكون سكت بمعنى سكن،
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن تُوسَى الْغَضَبُ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٤]،
وبمعنى انقطع، تقول العرب: جرى الوادي ثلاثاً، ثم سكت؛ أي: انقطع،
ويقال: هو السكوتُ، والسُّكَاتُ، وسَكَتَ يَسكُتُ سَكْتاً وسُكُوتاً وسُكَاتاً.
وإنما سكت القوم؛ لأنهم لم يكونوا يحفظون هذا النوع من الفتنة، وإنما
حفظوا النوع الأول(٢).
قال حذيفة ظُبه (فَقُلْتُ: أَنَا) مبتدأ حُذف خبره لدلالة السؤال عليه، أي:
أنا أحفظها (قَالَ: أَنْتَ) مبتدأ محذوف الخبر أيضاً مع أداة الاستفهام، أي:
أأنت تحفظها، والاستفهام تعجّبيّ، وقوله: (لِلَّهِ أَبُوَكَ؟) كلمةُ مَدْحِ، تَعْتاد
العرب الثناء بها، فإن الإضافة إلى العظيم تشريف، ولهذا يقال: بَيْتُ الله،
وناقةُ الله، قال صاحب ((التحرير)): فإذا وُجِدَ من الولد ما يُحْمَد، قيل له: لله
أبوك، حيث أتى بمثلك. انتهى.
وفي رواية الأعمش، عن شقيق الآتية في ((الفتن)): ((قال: فقلت: ما لك
ولها يا أمير المؤمنين؟ إنَّ بينك وبينها باباً مُغلقاً))، أي: لا يَخرُج منها شيء في
حياتك.
قال ابن الْمُنَيِّر: آثر حذيفة رَُّه الحرصَ على حفظ السرّ، ولم يُصَرِّح
(١) راجع: ((إكمال المعلم)) ٥٦٧/١ - ٥٦٨، و((المفهم)) ٣٥٨/١، و((شرح النوويّ)) ١٧١/٢.
(٢) راجع: ((إكمال المعلم)) ٥٦٨/١، و((المفهم)) ٣٥٨/١، و((شرح النوويّ)) ١٧١/٢.

١٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
العمر بما سأل عنه، وإنما كَنَى عنه كنايةً، وكأنه كان مأذوناً له في مثل ذلك.
وقال النوويّ: يَحْتَمِل أن يكون حذيفة عَلِم أن عمر يُقْتَل، ولكنَّه كَرِهَ أن
يخاطبه بالقتل؛ لأن عمر كان يَعْلَم أنه الباب، فأَتَى بعبارة يَحصُل بها المقصود
بغير تصريح بالقتل. انتهى.
قال الحافظ: وكأنه مَثَّلَ الفتن بدار، ومَثَّل حياةَ عمر بباب لها مُغْلَقٍ،
ومَثَّل موته بفتح ذلك الباب، فما دامت حياة عمر موجودةً فهي الباب المغلقُ،
لا يَخرُج مما هو داخل تلك الدار شيءٌ، فإذا مات فَقَد انفتح ذلك الباب،
فخرج ما في تلك الدار. انتهى(١).
(قَالَ حُذَيْفَةُ) ◌َّه (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((تُعْرَضُ الْفِتَنُ) فعلٌ،
ونائب فاعله (عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ) أي: تَلْصَقُ الفتن بعَرْض القلوب، أي:
جانبها، كما يَلْصَقُ الحصير بجنب النائم، ويؤثّر فيه شدّةُ التصاقه به.
وقال ابن الأثير تَّفُ: أي: توضع عليها، وتُبْسط كما يُبْسط الحصير،
وقيل: هو من عَرْض الْجُنْد بين يدي السلطان لإظهارهم، واختيار أحوالهم.
(٢)
انتھی(٢) .
وقوله: (عُوداً عُوداً) قال ابن الأثير تَخْلُهُ: هكذا الرواية بالفتح؛ أي: مرّةً
بعد مرّة، ورُوي بالضمّ، وهو واحد العِيدان، يعني: ما يُنسج به الحَصِير من
طاقاته، ورُوي بالفتح مع ذال معجمة، كأنه استعاذ من الفتن. انتهى (٣).
وقال النوويّ كَّلُهُ: هذان الحرفان مما اختُلِف في ضبطه على ثلاثة
أوجه :
[أظهرها وأشهرها]: عُوداً بضم العين، وبالدال المهملة.
[والثاني]: بفتح العين، وبالدال المهملة أيضاً.
[والثالث]: بفتح العين، وبالذال المعجمة، ولم يذكر صاحب ((التحرير))
غير الأول.
وقال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: قوله: ((كالحصير عُوداً عُوداً)) قُيِّد ثلاث تقييدات،
(١) ((الفتح)) ٧٠١/٦ ((كتاب المناقب)) (٣٥٨٦).
(٢) ((النهاية)) ٢١٥/٣.
(٣) ((النهاية)) ٣١٧/٣ - ٣١٨.