Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
(٥٩) - بَابُ وُجُوبٍ صِدْقِ الإِيمَانِ وَإِخْلَاصِهِ - حديث رقم (٣٣٤)
موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دَرّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد
الخدري نظُّه، عن رسول الله وَ ل قال: ((لو أن أحدكم يعمل في صخرة
صَمّاء، ليس لها بابٌ، ولا كوّة لخرج عمله للناس، كائناً ما كان))(١).
ثم قال: ﴿يَبُنَّ أَقِمِ الضَلَوَةَ﴾ أي بحدودها، وفروضها، وأوقاتها ﴿وَأْمُرْ
بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ أي بحسب طاقتك وجهدك ﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ﴾
عَلِمَ أن الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر لا بد أن يناله من الناس أذِّى،
فأمره بالصبر.
وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي إن الصبر على أذى الناس لمن عزم
الأمور.
وقوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾ يقول: لا تُعرِض بوجهك عن الناس، إذا
كلمتهم، أو كلموك؛ احتقاراً منك لهم، واستكباراً عليهم، ولكن أَلِنْ جانبك،
وابسط وجهك إليهم، كما جاء في الحديث: ((ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه
منبسط، وإياك وإسبالَ الإزار، فإنها من المخيلة، والمخيلة لا يحبها الله))(٢).
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ظه في قوله: ﴿وَلَا تُصَعِرْ خَذَّكَ
لِلنَّاسِ﴾ يقول: لا تتكبر، فتحتقرَ عباد الله، وتُعْرِض عنهم بوجهك إذا كلموك،
وكذا رَوَى الْعَوْفيّ، وعكرمة عنه، وقال مالك، عن زيد بن أسلم: ﴿وَلَا تُصَعِرْ
خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾ لا تتكلم، وأنت معرضٌ، وكذا رُوي عن مجاهد، وعكرمة،
ويزيد بن الأصمّ، وأبي الجوزاء، وسعيد بن جبير، والضحاك، وابن زيد،
وغيرهم، وقال إبراهيم النخعيّ: يعني بذلك: التشديق في الكلام، والصواب
القول الأول.
قال ابن جرير: وأصل الصَّعْر داءٌ يأخذ الإبل في أعناقها، أو رؤوسها،
فشُبِّه به الرجل المتكبر، ومنه قول عمرو بن حُنَيّ التغلبيّ [من الطويل]:
وَكُنَّا إِذَا الْجَبَّارُ صَغَّرَ خَدَّهُ أَقَمْنَا لَهُ مِنْ مَيْلِهِ فَتَقَوَّمَا
(١) ضعيف لضعف درّاج في روايته عن أبي الهيثم، وفيه أيضاً ابن لهيعة، والكلام فيه
مشهور.
(٢) أخرجه أبو داود بإسناد صحيح ٤ /٥٦.

٥٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال أبو طالب في شعره [من الطويل]:
وَكُنَّا قَدِيماً لَا نُقِرُّ ظُلَامَةً إِذَا مَا ثَنَوْا صُعْرَ الرُّؤُوسِ نُقِيمُهَا
وقوله: ﴿وَلَا تَّمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَجًّاً﴾ أي جَذِلاً، متكبراً جباراً عنيداً، لا
تفعل ذلك يُبغضك الله، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي
مُختالٍ مُعْجَبٍ في نفسه، فخور أي على غيره، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَّمْشِ فِى
اُلْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَّخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الِبَالَ طُولًا (®َ﴾ [الإسراء: ٣٧].
وقال الحافظ أبو القاسم الطبرانيّ: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرميّ،
حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن
عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ثابت بن قيس بن شَمّاس، قال: ذُكِر
الكبر عند رسول الله وَّه، فشَدَّد فيه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾،
فقال رجل من القوم: والله يا رسول الله، إني لأغسل ثيابي، فيعجبني بياضها،
ويعجبني شِراك نعلي، وعلاقة سوطي، فقال: ((ليس ذلك من الكبر، إنما الكبر
أن تَسْفَهَ الحقّ، وتَغْمِط الناس)) (١)، ورواه من طريق أخرى بمثله، وفيه قصة
طويلة، ومقتل ثابت، ووصيته بعد موته.
وقوله: ﴿وَقْصِدْ فِى مَشْبِكَ﴾ أي امشِ مقتصداً مشياً ليس بالبطيء المتثبِّط،
ولا بالسريع المفرِط، بل عدلاً وسطاً بين بين.
وقوله: ﴿وَأَغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَّ﴾ أي لا تبالغ في الكلام، ولا ترفع صوتك
فيما لا فائدة فيه، ولهذا قال: ﴿إِنَّ أَنكَرَ اٌلْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْخِيرِ﴾ قال مجاهد
وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير: أي غايةُ مَن رَفَع صوته أنه
يُشَبَّه بالحمير في علوّه ورفعه، ومع هذا هو بغيض إلى الله تعالى، وهذا التشبيه
في هذا بالحمير يقتضي تحريمه، وذمه غاية الذمّ؛ لأن رسول الله وَالاول قال:
((ليس لنا مثل السَّوْء، العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه))، متّفقٌ
عليه(٢).
وعن أبي هريرة نظراته، عن النبيّ ◌َّ قال: ((إذا سمعتم صياح الديكة،
(١) في سنده محمد بن أبي ليلى، وهو ضعيفٌ؛ لسوء حفظه.
(٢) أخرجه البخاريّ برقم (٢٦٢١)، ومسلم برقم (١٦٢٢).

٥٢٣
(٥٩) - بَابُ وُجُوبٍ صِدْقِ الإِيمَانِ وَإِخْلَاصِهِ - حديث رقم (٣٣٤)
فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نَهِيق الحمير، فتعوّذوا من الشيطان، فإنها
رأت شيطاناً))، متّفقٌ عليه.
قال الحافظ ابن كثير: فهذه وصايا نافعة جدّاً، وهي من قِصَص القرآن
العظيم، عن لقمان الحكيم، وقد رُوي عنه من الْحِكَم والمواعظ أشياء كثيرة،
فلنذكر منها أنموذجاً، ودُستوراً إلى ذلك، قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن
إسحاق، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا سفيان، أخبرني نَهْشَل بن مجمع الضبيّ،
عن قَزَعَة، عن ابن عمر، قال: أخبرنا رسول الله بَّه قال: ((إن لقمان الحكيم،
كان يقول: إن الله إذا استُودِعَ شيئاً حَفِظَه))(١).
وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، وعثمان، حدثنا عيسى بن
يونس، عن الأوزاعيّ عن موسى بن سليمان، عن القاسم يحدث عن أبي
موسى الأشعريّ ◌َظ ◌ُبه، أن رسول الله وَل قال: ((قال لقمان الحكيم لابنه، وهو
يعظه: يا بني إياك والتقنع، فإنه مَخْوَفَةٌ بالليل مَذَمَّة بالنهار))(٢).
وقال: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان بن ضمرة، حدثنا السّرِيّ بن
يحيى، قال: قال لقمان لابنه: يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس
الملوك(٣).
وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك،
حدثنا عبد الرحمن المسعوديّ، عن عون بن عبد الله، قال: قال لقمان لابنه:
يا بني إذا أتيت نادي قوم فارمهم بسهم الإسلام - يعني السلام - ثم اجلس في
ناحيتهم، فلا تَنطِق حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في ذكر الله، فأَجِلْ
سهمك معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم(٤).
(١) الحديث بذكر لقمان ضعيف، وإنما هو صحيح دون ذكره، راجع: ((السلسلة
الصحيحة)) للشيخ الألباني ١٠٢/٦.
(٢) في سنده، موسى بن سليمان لم يرو عنه إلا الأوزاعيّ، ففيه جهالة.
(٣) إسناده حسن.
(٤) إسناده ضعيف، فيه المسعودي، وقد اختلط بآخره، ولا يُعرف هل ابن المبارك
أخذ عنه قبل الاختلاط أم لا؟.

٥٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن
دينار، حدّثنا ضمرة، عن حفص بن عمر، قال: وضع لقمان جراباً من خردل
إلى جانبه، وجعل يَعِظ ابنه وعظة، ويخرج خردلة، حتى نَفِد الخردل، فقال: يا
بُني لقد وعظتك موعظة لو وُعظها جبل تفطّر، قال: فتفطّر ابنه(١).
وقال أبو القاسم الطبرانيّ: حدثنا يحيى بن عبد الباقي المصيصيّ، حدثنا
أحمد بن عبد الرحمن الحرانيّ، ثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفيّ، حدثنا أبين بن
سفيان المقدسيّ، عن خليفة بن سلام، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس،
قال: قال رسول الله وَالله: ((اتخذوا السودان، فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة:
لقمان الحكيم، والنجاشيّ، وبلال المؤذن))(٢)، قال الطبرانيّ: أراد الحبش(٣)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٣٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، قَالَا:
أَخْبَرَنَا عِيسَى، وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ(٤) بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ،
أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، كُلَّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ
بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: حَدَّثَنِيهِ أَوَّلاً أَبِي، عَنْ أَبَانَ بْنِ
تَغْلِبَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنْهُ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) - بفتح الخاء، وإسكان الشين المعجمتين، وفتح
الراء، وزان جعفر - المروَّزيّ، ثقة، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) أو بعدها، وقد
قارب المائة (م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤.
(١) إسناده إلى حفص بن عمر حسن.
(٢) ضعيف جدّاً، بل ذكره ابن الجوزيّ في ((الموضوعات)) (٢٣٢/٢)، وقال: لا
يصحّ، والمتهم به أبين كان يقلب الأخبار، وعثمان لا يُحتجّ به.
(٣) راجع: ((تفسير ابن كثير)) ٤٩/١١ - ٦١ النسخة الجديدة مؤسسة قرطبة.
(٤) بكسر الميم، وإسكان النون، وبالجيم، وآخره باء موحدة.

٥٢٥
(٥٩) - بَابُ وُجُوبٍ صِدْقِ الإِيمَانِ وَإِخْلَاصِهِ - حديث رقم (٣٣٥)
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ، أخو إسرائيل الكوفيّ، نزل
الشام مُرابطاً، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت١٨٧ أو ١٩١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ
حافظٌ [١٠] (ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٤ - (إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ الزَّعَافريّ، أخو داود،
وأبو عبد الله الكوفيّ، ثقة [٧].
رَوَى عن أبيه، وعمرو بن مُرّة، وأبي إسحاق السَّبِيعيّ، وطلحة بن
مُصَرِّف، وسِمَاك بن حرب، وعِدّة.
ورَوَى عنه ابنه عبد الله، والثوريّ، ووكيع، وأبو أسامة، ويعلى بن عُبيد،
وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال الآجريّ: سألت أبا داود عنه،
فقال: ثقةٌ، سمعت أحمد يقول: قال ابن إدريس: قال لي شعبة: كان أبوك
يُفيدني، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط: هذا
(١٢٤)، وحديث (٢١٣٥): ((إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم ... ))، و(٣٠١٧):
(فقد علمتُ اليوم الذي أُنزلت فيه ... )).
٥ - (أَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ) أبو سَعْد الكوفيّ، ثقةٌ، تُكُلّم فيه للتشيّع [٤] (١٤٠)
(م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٢/٤١.
[تنبيه]: تقدّم الخلاف في صرف أبان في مقدمة الكتاب، وأن المختار
عند المحققين صرفه، وتغلب - بفتح المثنّاة، وسكون المعجمة، وكسر اللام -
غير مصروف.
والباقون تقدّموا قريباً .
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي كلّ هؤلاء الثلاثة، وهم:
عيسى بن يونس، وعليّ بن مُسهر، وعبد الله بن إدريس، رووه عن الأعمش
بسنده السابق.
[تنبيه]: روايات هؤلاء الثلاثة عن الأعمش ساقها الحافظ ابن منده مع

٥٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
زيادة أبي معاوية، وجرير، ووكيع، وعبد الله بن نمير، وحفص بن غياث في
((الإيمان)) (٤١٨/١)، فقال:
(٢٦٧) وأنبأ عمرو بن محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن عمرو الشيبانيّ، ثنا
محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا عبد الله بن إدريس، وأبو معاوية، ووكيعٍ، وأبي،
كلهم عن سليمان بن مهران (ح) قال: وثنا عبد الله بن محمد العبسيّ، ثنا ابن
إدريس، وأبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش (ح) قال: وثنا عبد الله بن محمد بن
زكرياء، ثنا سهل بن عثمان، ثنا أبو معاوية، عن سليمان الأعمش (ح) وأنبأ
محمد بن إبراهيم بن الفضل، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق، أنبأ جرير، وأبو
معاوية، ووكيع، وعيسى بن يونس (ح) وأنبأ أحمد بن عيسى البيروتيّ، ثنا أبو
عبد الرحمن النسائيّ، ثنا علي بن حجر، ثنا عيسى بن يونس (ح) وأنبأ محمد بن
يعقوب، ثنا محمد بن نعيم، ثنا داود بن رُشيد، ثنا حفص، عن الأعمش، عن
إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لَمّا نزلت: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَّ يَلْبِسُوَأْ
إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ شَقّ ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، وأينا لا يظلم
نفسه؟ فقال: ليس ذاك هو، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ.
وَهُوَ يَعِظُهُ يَبْنَىَّ لَا تُشْرِكِ بِاللّهِ إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾؟. انتهى(١).
وقوله: (قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: حَدَّثَنِيهِ) أي هذا الحديث (أَوَّلاً أَبِي) هو
إدريس بن يزيد المذكور آنفاً (عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنْهُ)
أي سمعت هذا الحديث من شعبة، قال النوويّ: هذا تنبيهٌ منه على عُلُوّ إسناده
هنا، فإنه نَقَصَ عنه رجلان - أي أبوه، وأبان - وسمعه من الأعمش، وقد تقدم
مثل هذا في ((بابُ: الدينُ النصيحة)). انتهى(٢).
[تنبيه]: رواية أبي كريب هذه ساقها الحافظ ابن منده في ((الإيمان)) (١/
٤١٨)، فقال:
(٢٦٨) أنبأ الحسين بن علي، ومحمد بن يعقوب، قالا: ثنا محمد بن
إسحاق بن المغيرة، ثنا محمد بن العلاء، ثنا عبد الله بن إدريس، عن
الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لَمّا نزلت: ﴿الَّذِينَ
(١) ((الإيمان لابن منده)) ٤١٨/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٤/٢.

٥٢٧
(٦٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِهِ وَثَ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنشُسِكُمْ ... ﴾ إلخ - حديث رقم (٣٣٦)
ءَامَنُواْ وَلَّ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ شَقّ ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله،
وأيُّنا لا يظلم نفسه؟ فقال: ((ليس ذاك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال
لقمان لابنه: ﴿يَبُنَّ لَا تُشْرِكِ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟)). انتهى.
قال ابن إدريس: حدثنيه أوّلاً أبي، عن أبان بن تغلب، عن الأعمش، ثم
سمعته منه. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
٦٠ - (بَابُ بَيَانِ قَوْلِهِ رَتَ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىٌّ أَنفُسِكُمْ أَوْ
تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]).
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٣٦] (١٢٥) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الضَّرِيرُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ
الْعَيْشِيُّ، وَاللَّفْظُ لِأُمَيَّةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَبْع، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، وَهُوَ ابْنُ
الْقَاسِمِ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّاَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَهـ
﴿لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم ◌ِ
(٨) [البقرة:
اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشََةُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ
٢٨٤]) قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَأَتَوْا رَسُولَ الهِ، ثُمَّ
بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللهِ، كُلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلَاةَ،
وَالصِّيَامَ، وَالْجِهَادَ، وَالصَّدَقَةَ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ، وَلَا نُطِيقُهَا، قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَتْرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا
وَعَصَيْنَا؟، بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ))، قَالُوا:
سَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ، ذَلَّتْ بِهَا
أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي إَثَرِهَا: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ
(١) ((الإيمان لابن منده)) ٤١٨/١ - ٤١٩.

٥٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَئِهِ، وَكُبِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا
[البقرة: ٢٨٥]، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ
وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (فَ﴾
نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى، فَأَنْزَّلَ اللهُ وَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَأَ لَهَا مَا كَسَبَتْ
وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتَّ رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾، قَالَ: نَعَمْ، ﴿رَبَّنَا وَلَا
تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَّأْ﴾، قَالَ: نَعَمْ، ﴿رَبََّا وَلَا
تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بٌِّ﴾، قَالَ: نَعَمْ، ﴿وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا
فَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قَالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الضَّرِيرُ) هو: محمد بن المنهال التميميّ
المجاشعيّ، أبو جعفر، ويقال: أبو عبد الله البصريّ الضرير، ثقةٌ حافظٌ [١٠].
رَوَى عن يزيد بن زُريع، وأبي عوانة، وجعفر بن سليمان الضُّبَعيّ،
ومحمد بن عبد الرحمن الظُّفَاويّ، وأمية بن خالد، وأبي بكر الحنفيّ، وأبي
داود الطيالسيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وروى النسائيّ عن أحمد بن
علي المروزيّ، عنه، وأبو بكر الأثرم، وحرب بن إسماعيل، وعثمان بن
خُرّزَاذ، ومحمد بن إبراهيم الْبُوشَنْجِيّ، وعثمان بن سعيد الدارميّ، وعبد الله بن
عبد الرحمن الدارميّ، وغيرهم.
قال العجليّ: بصريّ ثقة، ولم يكن له كتاب، قلت له: لك كتاب؟ قال:
كتابي صدري، وقال أبو حاتم: كتب عنه عليّ ابن المدينيّ كتابَ يزيد بن
زُريع، قال أبو حاتم: وهو ثقة حافظ، كَيِّسٌ، أحبُّ إليّ من أمية بن بِسْطَام،
وقال أبو زرعة: سألته أن يقرأ عليّ تفسير أبي رجاء ليزيد بن زُريع، فأَملَى عليّ
من حفظه نصفه، ثم أتيته يوماً آخر بَعْدَكُمْ، فأملى عليّ من حيث انتهى، فقال:
خُذْ، فتعجبت من ذلك، وكان يحفظ حديث يزيد بن زريع، وقال عثمان بن
خُرَّزاذ: أحفظ مَن رأيت أربعة: محمد بن المنهال الضرير، وإبراهيم بن
محمد بن عَرْعَرَة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وقال ابن عديّ: سمعت أبا يعلى
يُفَخِّم أمره، ويذكر أنه كان أحفظ مَن كان بالبصرة في وقته، وأثبتهم في يزيد بن

(٦٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِهِ وَلَّ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنْشُسِكُمْ ... ﴾ إلخ - حديث رقم (٣٣٦)
٥٢٩
زُريع، وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: ثقة، ولم أسمع منه شيئاً، وذكره ابن
حبان في ((الثقات)).
مات بالبصرة في شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، حكاه ابن حبّان عن
أبي يعلى، وفيها أَرَّخه أبو داود، وموسى بن هارون.
وله في هذا الكتاب (١١) حديثاً(١).
٢ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ) - بالياء، والشين المعجمة - أبو بكر
البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) الْعيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبت [٨]
(ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣٢.
٤ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِم) التميميّ الْعَنْبريّ، أبو غياث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
[٦] (ت١٤١) (خ م د س ◌َق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْحُرَقِيّ مولاهم، أبو شِبْلِ المدنيّ، صدوقٌ،
ربّما وَهِمَ [٥] مات سنة (بضع و١٣٠) (زم ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهنيّ الْحُرَقِيّ مولاهم، ثقة [٣] (زم ٤)
تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) نظُّه ٣/٢ والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ، وله فيه شيخان قرن بينهما .
٢ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، ونصفه الثاني
بالمدنيين.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه: العلاء عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: ((بسطام)) بكسر الموحّدة، وحكى صاحب
((المطالع)) فتحها .
(١) هذا ما في برنامج الحديث، وفي ((تهذيب التهذيب)) نقلاً عن ((الزهرة)): أن البخاريّ
روى عنه ستة أحاديث، ومسلماً ثلاثة عشر، وهو قريبٌ مما هنا.

٥٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وفيه قوله: ((العيشيّ))، وهو هنا بالشين المعجمة، وذكر السيوطيّ الفرق
بينه وبين العبسيّ، والعنسيّ، في ((ألفية الحديث)) بقوله:
بِالشَّامِ وَالْكُوفَةِ قُلْ عَبْسِيُّ
فِي الْبَصْرَةِ الْعَيْشِيُّ وَالْعَنْسِيُّ
٥ - (ومنها): قوله: ((واللفظ له)) يعني أن سياق متن الحديث الذي ساقه
هنا لشيخه أميّة، وأما محمد بن منهال، فرواه بمعناه.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ظُله أحفظ من روى الحديث في دهره،
روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الرحمن بن يعقوب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُبه أنه
(قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) ببناء (نَزَلت)) للفاعل مخفّفاً، والفاعل
قوله: ﴿لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ﴾ محكيّ لقصد لفظه، ويحتمل أن يكون ((نُزّلت))
مشدّد الزاي، مبنيّاً للمفعول، والنائب عن الفاعل أيضاً قوله: ﴿اللَّهِ﴾ ... إلخ.
(﴿لِلِّ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
يُعَاسِبْكُمْ بِهِ الَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو
عمرو، وحمزة، والكسائيّ: ﴿فَيَغْفِرُ﴾، و﴿يُعَذِّبُ﴾ بالجزم عطفاً على
الجواب، وقرأ ابن عامر، وعاصم بالرفع فيهما، على القطع: أي فهو يغفرُ،
ويعذبُ. ورُوي عن ابن عباس، والأعرج، وأبي العالية، وعاصم الجحدريّ
بالنصب فيهما، على إضمار ((أن))، وحقيقته أنه عطف على المعنى، كما في
قوله تعالى: ﴿فَيُضَعِفَهُ لَهُ﴾، والعطف على اللفظ أجود؛ للمشاكلة، كما قال
الشاعر [من المديد]:
وَمَتَى مَا يَع مِنْكَ كَلَاماً يَتَكَلَّمْ فَيُجِبْكَ بِعَقْلٍ
قال النحاس: ورُوي عن طلحة بن مُصَرِّف: ((يحاسبكم به الله، يغفر))
بغير فاء على البدل، قال ابن عطية: وبها قرأ الجعفيّ، وخلاد، ورُوي أنها
كذلك في مصحف ابن مسعود نظرته، قال ابن جني: هي على البدل من
((يحاسبكم))، وهي تفسير المحاسبة، وهذا كقول الشاعر [من الطويل]:
رُوَيْدَاً بَنِي شَيْبَانَ بَعْضَ وَعِيدِكُمْ تُلَاقُوا غَداً خَيْلِي عَلَى سَفَوَانِ

٥٣١
(٦٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِهِ وَنَّ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ ... ﴾ إلخ - حديث رقم (٣٣٦)
تُلَاقُوا جِيَاداً لَا تَحِيدُ عَنِ الْوَغَى إِذَا مَا غَدَتْ فِي الْمَأْزَقِ الْمُتَدَانِي
فهذا على البدل، وكَرَّر الشاعر الفعل؛ لأن الفائدة فيما يليه من القول،
قال النحاس: وأجود من الجزم لو كان بلا فاء الرفعُ، يكون في موضع الحال،
كما قال الشاعر [من الطويل]:
مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُوا إِلَى ضَوْءِ نَارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوقِدٍ (١)
(﴿وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]).
قال الحافظ ابن كثير: أخبر الله ◌ُخَالَ أن له ملك السموات والأرض، وما
فيهنّ، وأنه المطّلع على ما فيهنّ، لا تَخفى عليه الظواهر، ولا السرار،
والضمائر، وإن دقّت، وخَفِيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه، وما
أخفَوْه في صدورهم، كما قال تعالى: ﴿قُلّ إِن تُخْفُواْ مَا فِ صُدُورِكُمْ أَوْ تُبُدُوهُ يَعْلَمْهُ
﴾ [آل عمران:
٢٩
اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
٢٩]، وقال: ﴿وَإِن تَّجْهَرْ بِالْقَوَلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾﴾ [طه: ٧]، والآيات في
هذا المعنى كثيرة جدّاً، وقد أخبر تعالى في هذه الآية بمزيد على العلم، وهو
المحاسبة على ذلك، ولهذا لَمّا نزلت هذه الآية اشتدّ ذلك على الصحابة
وخافوا منها، ومن محاسبة الله تعالى لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا
من شدّة إيمانهم وإيقانهم(٢).
وقال ابن جرير: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ يعني بذلك جل
ثناؤه: والله رَبّ على العفو عما أخفته نفس المؤمن من الهمة بالخطيئة، وعلى
عقاب الكافر على ما أخفته نفسه من الشك في توحيد الله ريك ونبوة أنبيائه،
ومجازاة كل واحد منهما على كل ما كان منه ذلك من الأمور قادر.
[تنبيه]: قال القرطبيّ في ((المفهم)) في الكلام على هذه الآية: ((ما)) هذه
التي في أول الآية بمعنى الذي، وهي متناولة لمن يَعقل، وما لا يعقل، وهي
هنا عامّة، لا تخصيص فيها بوجه؛ لأن كلّ من في السماوت والأرض، وما
فيهما، وما بينهما خلقُ الله تعالى، وملك له، وهذا إنما يتمشّى على مذهب
(١) راجع: ((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبيّ ٤٢٣/٣ - ٤٢٤.
(٢) ((تفسير ابن كثير)) ٥١٣/٢ - ٥١٤.

٥٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أهل الحقّ والتحقيق الذين يُحيلون على الله تعالى أن يكون في السماء، أو في
الأرض؛ إذ لو كان في شيء لكان محصوراً محدوداً، ولو كان كذلك لكان
محدَثاً، وعلى هذه القاعدة، فقوله تعالى: ﴿أَمِنْتُم مَّن فِ السَّمَآِ﴾ [الملك: ١٦]،
وقول الأمة للنبيّ وَ له حين قال لها: ((أين الله؟))، فقالت: في السماء، رواه
مسلم(١)، ولم يُنكر عليها ذلك، وما قد روي عن بعض السلف أنهم كانوا
يُطلقون ذلك ليس على ظاهره، بل هو مؤوّل تأويلات صحيحة، قد أبداها كثير
من أهل العلم في كتبهم، لكن السلف ظه كانوا يجتنبون تأويل المتشابهات،
ولا يتعرّضون لها، مع علمهم؛ لأن الله تعالى يستحيل عليه سِمَات المحدثات،
ولوازم المخلوقات، واستيفاء المباحث هذه في علم الكلام. انتهى كلام
القرطبيّ(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره القرطبيّ فيه نظر من
وجوه :
[الأول]: قوله: يُحيلون على الله تعالى أن يكون في السماء ... إلخ،
كلام مجمل؛ لأنه إن أراد به أن الله تعالى ما استوى على العرش، فهذا باطل؛
لأنه أخبرنا عن نفسه بأنه استوى على العرش، وإن أراد استحالة كونه محصوراً
داخل شيء في السموات أو في الأرض فهذا صحيح.
[الثاني]: أنه لا يُنكر إطلاق ((الله في السماء))؛ لقوله: ﴿أَمِنْتُم مَّن فِي
السَّمَّةِ﴾، ولقول الجارية: ((في السماء))، وأقرّها النبيّ وَلّر عليه، بعد أن سألها
بقوله: ((أين الله؟))، وليس بين هذا وبين آية الاستواء تعارض؛ لأن معنى ((في
السماء)) على السماء، كما لا يخفى على بصير.
[الثالث]: أن قوله: وما روي عن بعض السلف أنهم كانوا يطلقون ذلك
ليس على ظاهره ... إلخ، إن أراد به أنهم يؤولون المعنى فغير صحيح؛ لأنهم
يُثبتون المعنى، وإنما يفوّضون الكيفيّة فقط.
(١) رواه مسلم (٥٣٧)، وأبو داود (٩٣٠ و٩٣١)، والنسائيّ (١٤/٣ - ١٨)، من
حديث معاوية بن الحكم السُّلميّ
(٢) ((المفهم)) ٣٣٥/١ - ٣٣٦.

٥٣٣
(٦٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِهِ وَلَّ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىَّ أَشُِكُمْ ... ﴾ إلخ - حديث رقم (٣٣٦)
[الرابع]: أن قوله: ولا يتعرّضون لها، إن أراد أنهم لا يتعرّضون لفهم
معناها، فهذا غلط عليهم، فإنهم يعلمون المعنى، يعلمون أن معنى قوله تعالى:
﴿َعَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] علا وارتفع، ولكنهم يفوّضون الكيفيّة.
والحاصل أن مذهب السلف، وهو الحقّ في آيات الصفات، وأحاديثها
الصحيحة أنهم يعلمون معانيها، ويُجرونها على ظواهرها، فيصفون الله تعالى
بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله سل ﴿ في أحاديثه الصحيحة، على ما
يليق بجلاله ®، من غير تأويل، ولا تعطيل، ولا تحريف، مفوّضين كيفيتها
إليه ◌َلَ، عملاً بقوله {وَالَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:
١١]، فاسلك سبيلهم، فإنه الصراط المستقيم، ولا تمل إلى ما ابتدعه
المتكلّمون، وأذنابهم من التأويلات والتحريفات، فإنه الضلال الذميم.
(قَالَ) أبو هريرة نظُله. قال النوويّ: إنما أعاد لفظة ((قال))؛ لطول الكلام،
فإن أصل الكلام: ((لَمّا نَزَلت اشتد))، فلما طال حَسُن إعادة لفظة ((قال))، وقد تقدم
مثل هذا في موضعين من هذا الكتاب، وذكرتُ ذلك مُبَيَّناً، وأنه جاء مثله في القرآن
العزيز في قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِثُمْ وَكُمْ تُرَبًا وَعِظَمَا أَنَّكُمْ تُخْرَجُونَ
٣٥
[المؤمنون: ٣٥]، فأعاد ﴿إِنَّكُ﴾، وقولِهِ: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا
مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩]، إلى قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم﴾، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
(فَاشْتَدَّ) قال بعض المحقّقين: الفاء عاطفةٌ على محذوف؛ لأن جواب
(لَمّا)) لا تلحقه الفاء، والتقدير: لَمّا نزلت عقلنا معناها، فاشتدّ ذلك علينا
(ذَلِكَ) أي ما تضمّنته الآية (عَلَى أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِنََّ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ وَِّ،
ثُمَّ بَرَكُوا) بفتحتين، يقال: بَرَك البعير بُرُوكاً، من باب قَعَدَ: وَقَعَ على بَرْكِهِ،
وهو صدره (٢). (عَلَى الرُّكَبِ) بضمّ، ففتح: جمع رُكبة، وهو مَوْصِل ما بين
أسافل أطراف الفخذ، وأعالي الساق(٣). (فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللهِ) ((أَيْ)) حرف
لنداء القريب، أو البعيد، أو المتوسّط فيه خلاف، ورجّح السيوطيّ الأخير،
فقال في ((الكوكب الساطع)):
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٥/٢.
(٣) راجع: ((القاموس المحيط)) ص٨٦.
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٥/١.

٥٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
((أَيْ)) لِنِدَا الأَوْسَطِ فِي الشَّهِيرِ لَا الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَلِلتَّفْسِيرِ
(كُلِّفْنَا) بالبناء للمفعول: أي حُمّلنا، يقال: كَلَّفته الأمرَ، فتكلّفه: إذا
تحَمَّلهُ على مشقّة، والتكاليف: المشاقّ، الواحدة تَكْلِفَةٌ، وكَلِفتُ الأمرَ، من
باب تَعِبَ: حَمَلتُهُ على مشقّة، أفاده الفيّوميّ(١). (مِنَ الْأَعْمَالِ) متعلّق
بـ(كُلّفنا))، أو بقوله: (مَا نُطِيقُ) بضمّ أوله، من الإطاقة، يقال: أطقتُ الشيءَ
إطاقةً: إذا قدرت عليه، والاسم: الطاقةُ، مثل الطاعة، من أطاع(٢)، و((ما))
موصولة مفعول ثانٍ لـ((كُلِّفنا))، والعائد محذوف: أي نُطيقه، وحذفه كثير، كما
قال في ((الخلاصة)):
وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
بِفِعْلِ أَوْ وَصْفٍ كَـ«مَنْ نَرْجُو يَهَبْ)»
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ
وقوله: (الصَّلَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْجِهَادَ، وَالصَّدَقَةَ) بالنصب بدلاً من ((ما))، أو
عطف بيان له، والتقدير: كُلِّفْنا الصلاةَ ... إلخ، (وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ)
أي قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللّهُ﴾ الآية [البقرة:
(٢٨٤] (وَلَا نُطِيقُهَا) أي لا نستطيع القيام بمقتضاها (قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((أَتْرِيدُونَ)
استفهام إنكاريّ وتوبيخيّ: أي لا ينبغي لكم (أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ)
التوارة والإنجيل (مِنْ قَبْلِكُمْ) أي وهم اليهود والنصارى (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟) هذا
إشارة إلى قوله رَك: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اُلُّوَرَ خُذُواْ مَآ
ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ٩٣]، وقوله رَّ: ﴿مِّنَ
الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن ◌َوَاضِعِهِ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَشْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَعِنَا
لَّأَ بِاَلْسِنَنِهِمْ وَطَعْنًا فِ الدِّينَّ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَسْمَعْ وَأَنْظْهَا لَكَانَ خَيْرًا لَُّمْ وَأَقْوَمَ
﴾ [النساء: ٤٦].
٤٦
وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (
(بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا) قولك (وَأَطَعْنَا) أمرك، وقيل: سمع بمعنى: قَبِلَ، كما
في ((سَمِعَ الله لمن حمده))، (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا) قال الفرّاءِ: ﴿غُفْرَانَكَ﴾ مصدرٌ وقع
في موضع أمر، فنُصِب، والمعنى: مغفرتك: أي فاغفر لنا، والطلب للدعاء،
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٥٣٧/٢ - ٥٣٨.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٨١/٢.

٥٣٥
(٦٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِهِ وَى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَشُسِكُمْ ... ﴾ إلخ - حديث رقم (٣٣٦)
وقال القرطبيّ: ((الغفران)): مصدرٌ كالكفران، والخسران، والعامل فيه مقدّر،
تقديره: اغفر غُفرانك، وقيل: نطلب، أو نسأل غفرانك(١)، وقوله: و﴿رَبَّا﴾
منادى بحذف حرف النداء.
(وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ))) أي المرجع، وفيه إقرارٌ بالبعث، والوقوف بين يدي الله
تعالى.
(قَالُوا) أي الصحابة المشفقون من هذه الآية لَمّا أرشدهم النبيّ وَّ إلى
ما هو الصواب المخالف لطريق المغضوب عليهم وطريق الضالّين (سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا) أي سمعنا قولك يا ربّنا، وفهمناه، وقُّمنا به، وامتثلنا العمل بمقتضاه
(غُضْرَانَكَ رَبَّنَا) أي اغفر لنا مغفرتك.
وقال ابن جرير: يعني بذلك جلّ ثناؤه: وقال الكل من المؤمنين: سمعنا
قول ربنا، وأمره إيانا بما أَمَرنا به، ونهيه عما نهانا عنه، وأطعنا، يعني: أطعنا
ربنا فيما ألزمنا من فرائضه، واستعبدنا به من طاعته، وسلَّمنا له.
وقوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ يعني: وقالوا: غفرانك ربنا، بمعنى: اغفر لنا
ربنا غفرانك، كما يقال: سبحانك، بمعنى نسبحك سبحانك، قال: والغفران
والمغفرة: الستر من الله على ذنوب مَن غَفَر له، وصَفَحَه له عن هتك ستره بها
في الدنيا والآخرة، وعفوه عليه (﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾) أي المرجع، قال ابن جرير:
يعني جلّ ثناؤه أنهم قالوا: وإليك يا ربنا مرجعنا، ومعادنا، فاغفر لنا ذنوبنا.
فإن قال لنا قائل: فما الذي نَصَبَ قوله: غفرانك؟.
قيل له: وقوعه وهو مصدر موقع الأمر، وكذلك تفعل العرب بالمصادر،
والأسماء إذا حلت محلّ الأمر، وأَدّت عن معنى الأمر نصبتها، فيقولون:
شكراً لله يا فلان، وحمداً له، بمعنى أشكر الله، وأحمده، والصلاةَ الصلاةَ
بمعنى: صَلُّوا، ويقولون في الأسماء: اللهَ اللهَ يا قوم، ولو رُفِع بمعنى: هو اللهُ
أو هذا الله، ووَجّهَ إلى الخبر، وفيه تأويل الأمر كان جائزاً، كما قال الشاعر
[من الخفيف]:
إِنَّ قَوْماً مِنْهُمْ عُمَيْرٌ وَأَشْبَاهُ عُمَيْرٍ وَمِنْهُمُ السَّفَّاحُ
(١) راجع: ((تفسير القرطبيّ)) ٤٢٩/٣.

٥٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
لَجَدِيرُونَ بِالْوَفَاءِ إِذَا قَالَ أَخُو النَّجْدَةِ السِّلَاحُ السِّلَاحُ
ولو كان قوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ جاء رفعاً في القراءة، لم يكن خطأً، بل
كان صواباً على ما وَصَفنا. انتهى(١).
(فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ) أي قرؤوها، قال المجد: قرأ القرآن: تلاه، كاقترأه.
انتهى. فالافتعال للمبالغة (ذَلَّتْ) جواب (لَمّا)): أي لانت، وسهُلت (بِهَا) أي
بقرائتها (أَلْسِنَتُهُمْ) يعني أنهم استجابوا، وأطاعوا للنبيّ بَّ فيما دعاهم،
وأرشدهم إليه (فَأَنْزَلَ اللهُ فِي إِثْرِهَا) بفتح الهمزة والثاء، وبكسر الهمزة مع
إسكان الثاء، لغتان، وضمير ((إثرها)) يعود إلى الآية التي اشتدّت عليهم.
وقوله: (﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾) مفعول به لـ((أنزل)) محكيّ؛ لقصد لفظه: أي
صدّق الرسول (﴿بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ ﴾) أي بالقرآن العظيم (﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾) أي
وآمن المؤمنون (﴿كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾) أفرده نظراً للفظ ((كلّ))، ويجوز في غير القرآن
((آمنوا)) على المعنى (﴿وَمَلَئِكَتِهِ، وَكُهِ،﴾) قرأ نافع، وابن كثير، وعاصم في رواية
أبي بكر، وابن عامر على الجمع، وقرؤوا في سورة التحريم (كتابه)) على
التوحيد، وقرأ أبو عمرو هنا وفي التحريم: ((وكتبه)) على الجمع، وقرأ حمزة،
والكسائيّ: ((وكتابه)) على التوحيد فيهما، فمن جمع أراد جمع كتاب، ومن أفرد
أراد المصدر الذي يجمع كلّ مكتوب كان نزوله من عند الله، ويجوز في قراءة من
وحّد أن يراد به الجمع، ويكون الكتاب اسماً للجنس، فتستوي القراءتان، قال الله
تعالى: ﴿فَبَعَثَ اَللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَهُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ﴾ [البقرة: ٢١٣].
(﴿وَرُسُلِهِ﴾) قرأ الجماعة بضم السين، وكذلك ((رسلنا، ورسلكم،
ورسلك))، إلا أبا عمرو، فروي عنه: تخفيف ((رسلنا، ورسلكم))، وروي عنه
في ((رسلك)): التثقيل والتخفيف، فمن قرأ ((رسلك)): بالتثقيل، فذلك أصل
الكلمة، ومن خفّف فكما يُخفّف في الآحاد، مثلُ عُنْقٍ وطُنْب، وإذا خُفّف في
الآحاد، فذلك أحرى في الجمع الذي هو أثقل، قاله القرطبيّ(٢).
وقال الإمام ابن جرير: قوله تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ الآية:
يعني بذلك جل ثناؤه: صَلَّق رسول الله وَ لّهِ، فَأَقَرّ بما أنزل إليه: أي بما أُوحي
(١) (تفسير ابن جرير)) ١٢٧/٦ -١٢٨.
(٢) (تفسير القرطبيّ)) ٤٢٨/٣.

٥٣٧
(٦٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِهِ وَنَّ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىَّ أَنفُسِكُمْ ... ﴾ إلخ - حديث رقم (٣٣٦)
إليه من ربه، من الكتاب، وما فيه من حلال وحرام، ووعد ووعيد، وأمر
ونهي، وغير ذلك، من سائر ما فيه من المعاني التي حواها، وذُكر أن
رسول الله ◌َ﴿ لما نزلت هذه الآية عليه قال: ((يَحِقّ له)).
قال: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:
﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّيِّهِ ﴾، وذُكر لنا: أن نبي الله وَّ لما نزلت هذه
الآية قال: ((ويَحِقّ له أن يؤمن)). انتهى(١).
(﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِه٤ِ﴾) أي لا نُفَرِّق بينهم في الإيمان، فنؤمن
ببعضهم، ونكفر ببعض، كما فعله أهل الكتابين، بل نؤمن بجميعهم، و﴿أَحَدٌ﴾
في هذا الموضع بمعنى الجمع، ولهذا دخلت فيه ﴿بَيْنَ﴾، ومثله قوله تعالى:
﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِينَ (4)
﴾ [الحاقة: ٤٧].
وقال ابن جرير: وأما قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِ"﴾، فإنه أَخبر
جَلّ ثناؤه بذلك عن المؤمنين أنهم يقولون ذلك، ففي الكلام في قراءة من قرأ:
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُل٤ِ﴾ بالنون متروك، قد استُغني بدلالة ما ذُكر عنه،
وذلك المتروك هو: يقولون، وتأويل الكلام: والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته
وكتبه ورسله، يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله، وتَرَك ذكر ((يقولون))؛
الدلالة الكلام عليه، كما تَرك ذكره في قوله: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّنْ كُلِّ
سَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْثٌ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] بمعنى يقولون: سلام.
بَادٍ ﴾)
وقد قرأ ذلك جماعة من المتقدمين: ((لا يُفَرَّق بين أحد من رسله)) بالياء
بمعنى: والمؤمنون كلَّهم آمَنَ بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا يُفَرِّق الكل منهم
بين أحد من رسله، فيُؤمَنُ ببعض، ويُكْفَرُ ببعض، ولكنهم يصدقون بجمیعهم،
ويُقِرّون أن ما جاؤوا به كان من عند الله، وأنهم دَعَوا إلى الله، وإلى طاعته،
(١) (تفسير ابن جرير)) ١٢٤/٦، وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٢/ ٢٨٧ من طريق
خلاد بن يحيى، عن أبي عَقيل، عن يحيى بن أبي كثير، عن أنس، قال: لَمّا نزلت
هذه الآية على النبيّ نَّهِ: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ قال النبيّ ◌َّ:
((وأحقّ له أن يؤمن))، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين،
ولم يُخرجاه، واستدرك عليه الذهبي، فقال: منقطع.

٥٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ويخالفون في فعلهم ذلك اليهود الذين أقَرُّوا بموسى، وكذَّبوا عيسى، والنصارى
الذين أقرّوا بموسى وعيسى، وكذّبوا بمحمد وَلّ، وجَحَدوا نبوته، ومَن أشبههم
من الأمم الذين كذَّبوا بعضَ رسل الله، وأقرّوا ببعضه.
وقال القرطبيّ: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ؟﴾، قرأ جمهور الناس ﴿لَا
نُفَرِّقُ﴾ بالنون، والمعنى يقولون: لا نفرّق، فحُذف القول، وحَذْفُ القول كثير،
سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾، أي
٢٣
قال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَكَةُ يَدْخُلُونَ عَّهِم مِّنِ كُلِّ بَاٍ
يقولون: سلام عليكم، وقال تعالى: ﴿وَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا
خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، أي يقولون: ربنا، وما كان مثله، وقرأ
سعيد بن جبير، ويحيى بن يعمر، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير، ويعقوب: ((لا
يُفرَّق)) بالياء، وهذا على لفظ ((كلّ))، وهي في حرف ابن مسعود: ((لا يفرق))،
وقال: ﴿بَيْنَ أَحَدٍ﴾ على الإفراد، ولم يقل: آحاد؛ لأن ((الأحد)) يتناول
الواحد، والجمع، كما قال تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ
٤٧
[الحاقة: ٤٧]، ف﴿حَجِزِينَ﴾ صفة ل﴿أَحَدٌ﴾؛ لأن معناه: الجمع، وقال رَّ: ((ما
أحلّت الغنائم لأحد سُود الرأس غيركم)) (١)، وقال رؤية:
إِذَا أُمُورُ النَّاسِ دِينَتْ دِينَكًا لَا يَرْهَبُونَ أَحَداً مِنْ دُونِكًا
ومعنى هذه الآية: أن المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى في أنهم يؤمنون
ببعض، ويكفرون ببعض. انتهى(٢).
وقال الإمام ابن جرير: والقراءة التي لا نَستجيز غيرها في ذلك عندنا
بالنون: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلٍٍِ﴾؛ لأنها القراءة التي قامت حجتها بالنقل
المستفيض، الذي يمتنع معه التشاعُر(٣) والتواطؤ والسهو والغلط، يعني ما
وصفنا من يقولون: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ﴾﴾، ولا يُعترض بشاذ من
القراءة على ما جاءت به الحجة نقلاً وروايةً. انتهى.
(١) الحديث في ((الصحيحين)) بلفظ: ((وأحلّت لي الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلي ... ))
الحدیث.
(٢) ((جامع أحكام القرآن)) ٤٢٨/٣ - ٤٢٩.
(٣) بالعين المهملة: أي التمالؤ.

٥٣٩
(٦٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِهِ وَلَّ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ ... ﴾ إلخ - حديث رقم (٣٣٦)
قال: وقد ذُكر أن هذه الآية لما نزلت على رسول الله وَ﴿ه ثناءً من الله
عليه وعلى أمته، قال له جبريل: إن الله رَّك قد أحسن عليك وعلى أمتك
الثناءَ، فسل ربك.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن بيان، عن حكيم بن جابر، قال:
لما أنزلت على رسول الله وَله: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ
كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَئِهِ، وَكُبِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا
(2)﴾ قال جبريل: إن الله دمك قد أحسن
وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
الثناء عليك، وعلى أمتك، فسل تعطه، فسأل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا﴾ إلى آخر السورة(١).
(﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ)
أي استجابوا لما دعاهم إليه النبيّ بَ﴾، وأمرهم به، فقالوا: سمعنا،
وأطعنا ... إلخ (نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى) أي أزال التكليف الذي شقّ عليهم.
واعترض المازريّ النسخ هنا، فقال: وأما قول الراوي: إن ذلك نُسِخَ،
ففي النسخ هنا نظرٌ؛ لأنه إنما يكون النسخ إذا تعذّر البناء، ولم يمكن ردّ
إحدى الآيتين إلى الأخرى، وقوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
يُحَاسِبْكُمْ بِ اللَّهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٤] عموم يصحّ أن يشتمل على ما يُملك من
الخواطر، وما لا يُملك، فتكون الآية الأخرى مُخصّصةً، إلا أن يكون فَهِمَ
الصحابة بقرينة الحال أنه تقرّر تعبُّدهم بما لا يُملك من الخواطر، فيكون حينئذ
نسخاً؛ لأنه رفع ثابتٌ مستقِرّ. انتهى كلام المازريّ.
وتعقّبه القاضي عياض، فقال: لا وجه لاستبعاد النسخ في هذه القضيّة،
وراويها قد روى فيها النسخ، ونصَّ عليه لفظاً ومعنَى بأمر النبيّ وَّ لهم
بالإيمان، والسمع والطاعة لما أعْلَمَه الله رَك من مؤاخذته لهم، فلَمّا فعلوا
(١) ((تفسير الطبري)) ١٥٣/٣. بيان: هو ابن بشر الأحمسيّ ثقة مشهور، وحكيم بن
جابر بن طارق بن عوف الأحمسيّ تابعيّ كبير ثقة، وتصحّف في تفسير ابن كثير
إلى ((سنان، عن حكيم، عن جابر))، فليُصحّح، نبّه عليه الشيخ أحمد شاكر في
تخريجه لتفسير ابن جرير ١٢٩/٦.

٥٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ذلك، وألقى الله تعالى الإيمان في قلوبهم، وذَلَّت بالاستسلام لذلك ألسنتهم -
كما نصّ في الحديث نفسه - رَفَعَ الله الحرج عنهم، ونَسَخَ هذه الْكُلْفة بالآية
الأخرى كما قال، وطريق علم النسخ إنما هو بالخبر عنه، أو بالتاريخ، وهما
مجتمعان في هذه الآية.
وقول المازريّ: ((إنما يكون النسخ إذا تعذّر البناء)) كلام صحيح فيما لم
يَرِد به النصّ بالنسخ، وأما إذا ورد وَقَفْنَا عنده، لكن قد اختلف أرباب الأصول
في قول الصحابيّ: نُسِخ حكم كذا بكذا، هل هو حجّةٌ يَثْبُتُ به النسخ، أم لا
يثبت بمجرّد قوله؟، وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني، والمحقّقين منهم؛
لأنه قد يكون قوله هذا عن اجتهاده، وتأويله حتى ينقُل ذلك نصّاً عن
النبيّ ◌ِ(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بثبوت النسخ بقول
الراوي الصحابيّ: ((نُسِخَ حكم كذا بكذا)) هو الأرجح؛ لأنه أفهم بمقاصد
الشريعة، وقد شَهِد الوحي والتنزيل، فقوله في مثل هذا حقيق بالقبول، وقد
أوضحت ذلك في ((التحفة المرضيّة))، و((شرحها))، فراجعه تزدد علماً، والله
تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(فَأَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾) التكليف: هو الأمر
بما يشقّ عليه، وتَكَلَّف الأمر تجشمته، حكاه الجوهري، والوسع: الطاقة،
والْجِدَةُ، وهذا خبرٌ جَزْمٌ، نَصَّ الله تعالى على أنه لا يُكَلِّف العباد من وقت
نزول الآية عبادةً من أعمال القلب أو الجوارح، إلا وهي في وُسْع المكلف،
وفي مُقْتَضَى إدراكه وبِنْيَتِهِ، وبهذا انكشفت الكربة عن المسلمين في تأوّلهم أمر
الخواطر.
وفي معنى هذه الآية ما حكاه أبو هريرة ظ به قال: ما وَدِدت أن أحداً
ولدتني أمه إلا جعفر بن أبي طالب، فإني تبعته يوماً، وأنا جائع، فلما بلغ
منزله، فلم يجد فيه سوى نِحْي سَمْنٍ، قد بقي فيه أَثَارَة، فشَقَّه بين أيدينا،
فجعلنا نَلْعَق ما فيه من السَّمْنِ والرُّبّ(٢) وهو يقول:
(١) ((إكمال المعلم)) ٥١٣/١ - ٥١٤.
(٢) بالضمّ: دِبْس التمر إذا طُبخ.