Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
(٥٧) - بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْحَجُّ، وَالْهِجْرَةُ - حديث رقم (٣٢٩)
له عليه، فيحصل لكل واحد منهما قسم بكماله، ولها طرقٌ غير هذا، لا حاجة
إلى الإطالة بها هنا. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بأن القسمة تمييز حقّ، وليست ببيع
عندي هو الظاهر، فتأمله، والله تعالى أعلم.
١٢ - (ومنها): أنه يُستفاد من سياق كلام عمرو بن العاص ◌َظ ◌ُبه أنه إنما لم
يستطع أن يصف النبيّ ◌َّي؛ لكونه لم يتأمل ذاته الشريفة في حالتي الكفر
والإسلام؛ لاحتجابه عن ذلك، أما في حال كفره فمنعه شدّة بغضه له وَلّ على أن
لا يملأ عينيه من النظر إليه، وأما في حال الإسلام فمنعه من ذلك أيضاً شدّة
محبته؛ لأن شدّة بغض الشيء، وشدّة حبه، يحجب العين عن النظر إليه نظر تأمل.
٤ كأبي بكر، وعمر،
ومن ثمّ إنك إذا نظرت إلى أكابر الصحابة .
وعثمان ته لا تجد عندهم من أوصافه وَل جر الذاتيّة بدقّة ما عند أصاغرهم،
فمعظم كتب السنّة والسير إذا طالعت فيها تجد أوصافه وَله الدقيقة مروية عن
أصاغر الصحابة، كأنس، وهند بن أبي هالة، وابن الزبير، وابن عباس، وابن
، وأشباههم، أو الذين لازموه من
عمر، وابن عمرو، وأم معبد الخزاعيّة
صغرهم، كعليّ، وابن مسعود ﴿ه، وسرّ ذلك هو ما ذكره عمرو بن
العاص به هنا؛ لأنهم ما كانوا يملأون أعينهم من النظر إليه وَلقر، حتى
يصفوه وصفاً دقيقاً، فتأمل ما ذكرته، تجده حقّاً - إن شاء الله تعالى - والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٢٩] (١٢٢) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ،
وَاللَّفْظُ لِإِبْرَاهِيمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَیْجِ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِم، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ
نَاساً مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، قَتَّلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّداً وَّةِ، فَقَالُوا:
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٩/٢.

٤٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
إِنَّ الَّذِي تَقُولُ، وَتَدْعُو لَحَسَنٌ، وَلَوْ تُخْبِرُنَا، أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَنَزَّلَ: ﴿وَالَّذِينَ
لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَ
يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (﴾﴾
[الفرقان: ٦٨]، وَنَزَلَ: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ
أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ) المعروف بالسمين، مروزيّ الأصل،
نزيل بغداد، صدوقٌ، ربّمَا وَهِمَ، وكان فاضلاً [١٠] (٢٣٥) (م د) تقدم في
((الإيمان)) ١٠٤/١.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ) التمّار، أبو إسحاق البغداديّ، ثقة [١٠] (٢٣٢)
(م) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٢/٤١.
٣ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) المصّيصيّ الأعور، أبو محمد، ترمذيّ الأصل،
نزيل بغداد،، ثم المصّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره لَمّا قدم بغداد [٩]
(ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩٤/٦.
٤ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأُمويّ
مولاهم، أبو الوليد، أَو أبو خالد المكيّ، ثقة فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس، ويرسل [٦]
(ت١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
٥ - (يَعْلَى بْنُ مُسْلِم) بن هُرْمُز المكيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن أبي الشَّعْنَاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وطلق بن
حبيب .
ورَوَى عنه محمد بن المنكدر، وهو أكبر منه، وابن جريج، وسفيان بن
حسين، وشعبة، وعبد الرحمن بن حرملة.
قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: مستقيم
الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الآجريّ، عن أبي داود:
يعلى بن مسلم بصريّ، كان بمكة، وهو غير يعلى بن مسلم المكيّ، ذاك أخو
الحسن بن مسلم .
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله

٤٨٣
(٥٧) - بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْحَجُّ، وَالْهِجْرَةُ - حديث رقم (٣٢٩)
في هذا الكتاب حديثان، فقط، هذا (١٢٢)، وحديث (١٨٣٤): ((نزل ﴿يَأَيُّهَا
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ﴾ [محمد: ٣٣] الآية)).
٦ - (سعيد بن جبير) بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم، أبو محمد،
ويقال: أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣].
رَوَى عن ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وعديّ بن حاتم، وأبي
مسعود الأنصاري، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وأبي موسى الأشعري،
والضحاك بن قيس الفهري، وأنس، وعمرو بن ميمون، وأبي عبد الرحمن
السلمي، وعائشة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابناه: عبد الملك، وعبد الله، ويعلى بن حكيم، ويعلى بن
مسلم، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو الزبير المكي، وآدم بن سليمان، وأشعث بن
أبي الشعثاء، وأيوب، وبكير بن شهاب، وثابت بن عجلان، وغيرهم.
قال ضمرة بن ربيعة، عن أصبغ بن زيد الواسطي: كان له ديك يقوم من
الليل لصياحه، فلم يَصِحْ ليلة حتى أصبح، فلم يستيقظ سعيد، فشق عليه،
فقال: ما له قطع الله صوته، قال: فما سُمِع له صوت بعدها. وقال يعقوب
الْقُمِّيُّ عن جعفر بن أبي المغيرة: كان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه
يقول: أليس فيكم ابن أم الدَّهْمَاء؟ - يعني: سعيد بن جبير - وقال عمرو بن
ميمون عن أبيه: لقد مات سعيد بن جبير، وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو
محتاج إلى علمه. وكان سفيان يقدم سعيداً على إبراهيم في العلم، وكان أعلم
من مجاهد وطاووس. وقال عثمان بن بوذويه: كنت مع وهب بن منبه،
وسعيد بن جبير يوم عرفة، فقال وهب لسعيد: أبا عبد الله كم لك منذ خِفْتَ
من الحجاج؟ قال: خرجت عن امرأتي، وهي حامل، فجاءني الذي في بطنها،
وقد خَرَجَ وجهه، وقال هشيم: حدثني عتبة مولى الحجاج، قال: حضرت
سعيد بن جبير، حين أتِي به الحجاج بواسط، فجعل الحجاج يقول له: ألم
أفعل بك؟ ألم أفعل بك؟ فيقول: بلى، قال: فما حملك على ما صنعت من
خروجك علينا؟ قال: بيعة كانت عليّ، قال: فغضب الحجاج، وصفق بیدیه،
وقال: فبيعة أمير المؤمنين كانت أسبق وأولى، وأمر به، فضُربت عنقه، وقال
ابن حبان في ((الثقات)): كان فقيهاً عابداً فاضلاً ورعاً، وكان يكتب لعبد الله بن

٤٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
عتبة بن مسعود، حيث كان على قضاء الكوفة، ثم كتب لأبي بردة بن أبي موسى،
ثم خرج مع ابن الأشعث في جملة القراء، فلما هُزِم ابن الأشعث، هَرَب سعيد بن
جبير إلى مكة، فأخذه خالد الْقَسْريّ بعد مدة، وبعث به إلى الحجاج، فقتله
الحجاج سنة (٩٥) وهو ابن (٤٩) سنة، ثم مات الحجاج بعده بأيام، وكان مولد
الحجاج سنة (٤٠). انتهى. وقيل: إن قتله كان في آخر سنة (٩٤)، وقال عمر بن
سعيد بن أبي حسين: دعا سعيد بن جبير ابنه حين دُعي ليُقتَل، فجعل ابنه يبكي،
فقال له: ما يبكيك؟ ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة؟، وقال أبو القاسم
الطبري: هو ثقة إمام حجة على المسلمين، قُتل في شعبان سنة خمس وتسعين،
وهو ابن (٤٩) سنة. وقال أبو الشيخ: قتله الحجاج صبراً سنة (٩٥).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٨) حديثاً.
٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم
الهاشميّ،
ظُبه حبر الأمة، وبحرها (ت٦٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦،
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (ومنها): أنه من سُداسيّات المصنّف ، وفيه له شيخان قرن بينهما،
وفيه التحديث، والإخبار، والسماع، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخيه، فالأول تفرّد به هو
وأبو داود، والثاني من أفراده، وإلا يعلى، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): سعيد بن جُبير، ويعلى بن مسلم هذا أول محلّ ذكرهما من
الكتاب، وقد عرفت آنفاً ما لكلّ منهما عند المصنّف من الحديث.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: ((واللفظ لإبراهيم))، وقوله: ((وهو ابن
محمد))، وقد سبق الكلام عليهما غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عباس طه حبر الأمة وبحرها، وأحد العبادلة
الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿َهَا (أَنَّ نَاساً) اسم وُضِع للجمع، كالقوم، والرَّهْط،

٤٨٥
(٥٧) - بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْحَجّ، وَالْهِجْرَةُ - حديث رقم (٣٢٩)
واحده إنسان، من غير لفظه، مشتقّ من ناس ينوس: إذا تدلّى، وتحرّك، فيُطلق
على الجنّ والإنس، قال الله تعالى: ﴿الَّذِى يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ
[الناس: ٥]، ثم فسّر الناس بقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴾﴾ [الناس: ٦].
[تنبيه]: قال صاحب ((التنبيه)): قوله: ((أن ناساً من أهل الشرك)) عُرِفٍ
منهم وحشیُّ بن حرب. انتهى(١).
وفي ((صحيح البخاريّ)) عن ابن عبّاس ﴿هَا: ((لما نزلت التي في سورة
الفرقان قال مشركو مكة ... )) قال في ((الفتح)): في رواية الطبرانيّ من وجه آخر
عن ابن عباس أن السائل عن ذلك وحشيّ بن حرب قاتل حمزة، قال: روى
ابن إسحاق في ((السيرة)) قال: حدّثني نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال:
((اتّعدتّ أنا وعيّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص أن نُهاجر إلى المدينة،
فذكر الحديث في قصّتهم، ورجوع رفيقه، فنزلت: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، قال: فكتبت بها إلى هشام)). انتهى(٢).
وقوله: (مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ) متعلّق بصفة لـ «ناس)) (قَتَلُوا) أنفساً (فَأَكْفَرُوا)
القتل (وَزَنَوْا) بفتح النون، أصله زَنَيُوا، فقُلبت الياء ألفاً؛ لتحرّكها، وانفتاح ما
قبلها، ثم حُذفت الألف؛ لالتقاء الساكنين (فَأَكْثَرُوا) الزنا (ثُمَّ أَتَوْا) بفتح التاء،
أصله أَتَيُّوا فُعل به ما فُعل بـ(زَنَوْا)) (مُحَمَّداً وَِّ، فَقَالُوا) له وَلِ (إِنَّ الَّذِي تَقُولُ
وَتَدْعُو) مفعول الفعلين محذوف، وهو عائد الصلة: أي إن الذي تقوله، وتدعو
الناس إليه من التوحيد، وإخلاص الطاعة لله تعالى (لَحَسَنٌ، وَلَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا
عَمِلْنَا) من المعاصي (كَفَّارَةً) قال النوويّ: فيه محذوف، وهو جواب ((لو)): أي
لو تُخبرنا لأسلمنا، وحذف جوابها كثير في القرآن العزيز، وكلام العرب،
كقوله رَّت: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وأشباهه. انتهى(٣) .
وقال القرطبيّ: يحتمل أن تكون ((لو)) هنا للامتناع، ويكون جوابها
محذوفاً، تقديره: لأسلمنا، أو نحوه، ويَحْتَمِل أن يكون تَمَنِّياً بمعنى ((ليتَ)»،
والأول أظهر. انتهى (٤).
(١) (تنبيه المعلم)» ص٧٢.
(٣) (شرح النوويّ)) ١٣٩/٢ - ١٤٠.
(٢) ((الفتح)) ٨/ ٥٥٠.
(٤) ((المفهم)) ٣٣١/١.

٤٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(فَتَزَلَ: ﴿وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾) أي لا يشركون (﴿وَلَا
يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِ حَرَّمَ اَللَّهُ﴾) أي حرّمها، أي حرّم قتلها (﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾) أي
بقوَدٍ، أو رجم، رِدّة،، أو شِرْكِ، أو سَعْي في الأرض بفساد، وهو متعلّقٌ
بالقتل المحذوف، أو ب﴿لا يقتلون﴾(١). (َ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾) فيستحلّون الفروج
بغير نكاح، ولا ملك يمين، ودلتّ هذه الآية على أنه ليس بعد الكفر أعظم من
قتل النفس بغير الحقّ، ثم الزنا، ولهذا ثبت في حدّ الزنا القتل لمن كان
محصناً، أو أقصى الجلد لمن كان غير محصن، قاله القرطبيّ(٢).
وقال النسفيّ: ونفيُ هذه الكبائر عن عباده الصالحين تعريضٌ لما كان
عليه أعداؤهم من قريش وغيرهم، كأنه قيل: والذين طهّرهم الله مما أنتم عليه.
انتهى (٣). (﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾) قال القرطبيّ: ((ذا)) إشارة إلى واحد في أصل
وضعها، غير أن الواحد تارةً يكون واحداً بالنصّ عليه، وتارةً يكون بالتأويل،
وإن كانت أمورٌ متعدّدة في اللفظ كما في هذه الآية، فإنه ذَكَر قبل ((ذا)) أموراً،
وأعاد الإشارة إليها من حيث إنها مذكورة، أو مقولة، فكأنه قال: ومن يفعل
المذكور، أو المقول. انتهى (٤).
(﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]) قيل: معناه: عقوبةً، وقيل: هو وادٍ في
جهنّم، وقيل: بئرٌ فيها، وقيل: جزاء إثمه(٥) .
(وَنَزَلَ: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ﴾) قرئ بفتح الياء، وسكونها (﴿الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ﴾) أي جَنَوا عليها بالإسراف في المعاصي، والغلوّ فيها (﴿لَا نَقْنَطُواْ﴾)
بفتح النون، وكسرها، من بابي تَعِبَ، وضرب: أي لا تيأسوا (﴿مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ﴾
[الزمر: ٥٣])، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّ هذا متّفقٌ عليه.
(١) راجع: ((تفسير النسفيّ)) ١٧٥/٣.
(٣) المصدر السابق ١٧٥/٣.
(٥) ((شرح النوويّ)) ١٤٠/٢.
(٢) ((جامع الأحكام)) ٧٦/١٣.
(٤) ((المفهم)) ٣٣١/١.

٤٨٧
(٥٧) - بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وكَذَا الْحَجُّ، وَالْهِجْرَةُ - حديث رقم (٣٢٩)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٢٩/٥٧] (١٢٢)، ويأتي في
(التفسير)) برقم (٣٠٢٣)، و(البخاريّ) في ((المناقب)) (٣٨٥٥)، و((التفسير))
(٤٥٩٠ و٤٧٦٢ و٤٧٦٣ و٤٧٦٤ و٤٧٦٥ و٤٧٦٦)، و(أبو داود) في ((الفتن))
(٤٢٧٥)، و(النسائيّ) في ((تحريم الدم)) (٤٠٠٠ و٤٠٠١ و٤٠٠٢ و٤٠٠٥)،
وفي ((كتاب القسامة)) (٤٨٦٤ و٤٨٦٥ و٤٨٦٦ و٤٨٦٧)، وفي ((الكبرى))
(٣٤٦٢ و٣٤٦٣ و٣٤٦٤ و٣٤٦٥ و٣٤٦٨)، و(ابن ماجه) في ((الديات))
(٢٦٢١)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢٠٤)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه))
(٣١٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الإسلام، حيث إنه يَهْدِم ما كان قبله، وهو وجه
المطابقة في إيراده هنا؛ لأن الإسلام والإيمان شيء واحد، كما سبق بيانه.
٢ - (ومنها): بيان سعة رحمة الله مُخَلَ، ومغفرته، حيث وعد المسرفين،
﴿ قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ
فقال :
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾ [الزمر: ٥٣].
٣ - (ومنها): ما قاله العلامة ابن العربي: هذه لطيفة من الله تُعَلَ مَنّ بها
على الخلق، وذلك أن الكفار يقتحمون الكفر والجرائم، ويرتكبون المعاصي
والمآثم، فلو كان ذلك يوجب مؤاخذةً لهم لمَاَ استدركوا أبداً توبة، ولا نالتهم
مغفرة، فَيَسّر الله تعالى عليهم قبول التوبة، عند الإنابة، وبذل المغفرة
بالإسلام، وهدم جميع ما تقدم؛ ليكون ذلك أقرب لدخولهم في الدين، وأدعى
إلى قبولهم لكلمة المسلمين، ولو عَلِمُوا أنهم يؤاخذون لَمَا تابوا، ولا أسلموا.
وفي ((صحيح مسلم)): ((كان فيمن كان قبلكم رجلٌ قتل تسعة وتسعين
نفساً، ثم سأل: هل من توبة؟ فجاء عابداً، فسأله: هل له من توبة؟ فقال: لا
توبة لك، فقتله، فكمل به مائة ... )) الحديث، فانظروا إلى قول العابد: لا توبة
لك، فلما عَلِمَ أنه قد أيئسه قتله فِعْلَ الآيس من الرحمة، فالتنفير مفسدة
للخليقة، والتيسير مصلحة لهم، ورُوي عن ابن عباس ◌ًّا أنه كان إذا جاء إليه
رجل لم يقتل، فسأله: هل لقاتل من توبة؟ فيقول: لا توبةً؛ تخويفاً وتحذيراً،

٤٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فإذا جاءه مَن قتل، فسأله، هل لقاتل من توبة؟ قال له: لك توبةٌ؛ تيسيراً
وتأليفاً. انتهى(١).
٤ - (ومنها): أنه اختُلف في تصرّف الكافر بالطلاق وغيره إذا أسلم:
قال ابن القاسم وابن وهب عن مالك فيمن طلّق في الشرك، ثم أسلم،
فلا طلاق له، وكذلك من حَلَف فأسلم، فلا حِنث عليه، وكذا مَن وجبت عليه
هذه الأشياء، فذلك مغفور له. فأما مَن افترى على مسلم ثم أسلم، أو سرق
ثم أسلم، أقيم عليه الحد للفرية والسرقة. ولو زَنَى وأسلم، أو اغتصب مسلمة
ثم أسلم، سقط عنه الحدّ.
ورَوَى أشهب عن مالك أنه قال: إنما يعني الله رَ ما قد مضى قبل
الإسلام، من مال، أو دم، أو شيء.
قال ابن العربيّ: وهذا هو الصواب؛ لما قدمناه من عموم قوله تعالى:
﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٨]، وقوله وٍَّ:
((الإسلام يَهْدِم ما قبله))، وما بيّناه من المعنى من التيسير وعدم التنفير.
قال القرطبيّ: أما الكافر الحربيّ، فلا خلاف في إسقاط ما فعله في حال
كفره في دار الحرب، وأما إن دخل إلينا بأمان، فقَذَف مسلماً، فإنه يُحَدُّ، وإن
سرق قُطِع، وكذلك الذمي إذا فَذَف خُدّ ثمانين، وإذا سَرَق قُطع، وإذا قَتل
قُتل، ولا يُسقط الإسلام ذلك عنه؛ لنقضه العهد حال كفره على رواية ابن
القاسم وغيره.
قال ابن المنذر: واختلفوا في النصراني يزني ثم يسلم، وقد شَهِدت عليه
بيّنة من المسلمين، فَحُكي عن الشافعي إذ هو بالعراق: لا حَدّ عليه، ولا
تغريب؛ لقول الله رَك: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُوأْ يُنْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ
سَلَفَ﴾، قال ابن المنذر: وهذا موافق لما رُوي عن مالك، وقال أبو ثور: إذا
أقرّ، وهو مسلم أنه زَنَى وهو كافر، أقيم عليه الحد، وحُكِي عن الكوفي أنه
قال: لا يحد.
فأما المرتدّ إذا أسلم، وقد فاتته صلوات، وأصاب جنايات، وأتلف
(١) راجع: ((تفسير القرطبيّ)) ٧/ ٤٠٢.

٤٨٩
(٥٧) - بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْحَجُّ، وَالْهِجْرَةُ - حديث رقم (٣٢٩)
أموالاً، فقيل: حكمه حكم الكافر الأصليّ إذا أسلم، لا يؤخذ بشيء مما
أحدثه في حال ارتداده، وقال الشافعي في أحد قوليه: يلزمه كلُّ حقّ الله رحمك
وللآدميّ، بدليل أن حقوق الآدميين تلزمه، فوجب أن تلزمه حقوق الله تعالى،
وقال أبو حنيفة: ما كان لله يَسقُط، وما كان للآدمي لا يسقط، قال ابن
العربي: وهو قول علمائنا؛ لأن الله تعالى مُستغنٍ عن حقه، والآدمي مفتقر
إليه، ألا ترى أن حقوق الله ريك لا تجب على الصبيّ، وتلزمه حقوق الآدميين؟
قالوا: وقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾
عام في الحقوق الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام مالك ،
وصوّبه ابن العربيّ من أن ما مضى قبل الإسلام من مال، أو دم، أو شيء
يسقط عنه بالإسلام مطلقاً هو الأرجح؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ
كَفَرُوَاْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾، وظاهر قوله ◌َّ لعمرو بن
العاص نظّ ◌ُله: ((أما علمت أن الإسلام يَهدِم ما كان قبله؟))، فإنه ◌َّ ما استثنى
له شيئاً، لا من حقوق الله تعالى، ولا من حقوق العباد، فتأمّله بالإنصاف،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في توبة قاتل المؤمن عمداً :
قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى في (تفسيره)): واختلف العلماء
في قاتل العمد، هل له توبة؟. فروى البخاريّ عن سعيد بن جبير، قال:
اختلف أهل الكوفة، فَرَحلت فيها إلى ابن عبّاس، فسألته عنها، فقال: نزلت
هذه الآية: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّهُ﴾ [النساء: ٩٣] هي
آخر ما نزل، وما نسخها شيء.
وروى النسائيّ عنه، قال: سألت ابن عباس: هل لمن قتل مؤمناً متعمّداً
من توبة؟ قال: لا، وقرأت عليه الآية التي في الفرقان: ﴿وَأَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ
اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] قال: هذه آية مكيّةٌ نسختها آية مدنيّةٌ: ﴿وَمَنْ
يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِ﴾
[النساء: ٩٣].
وروى عن زيد بن ثابت نحوه، وأن آية النساء نزلت بعد الفرقان بستّة

٤٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أشهر، وفي رواية بثمانية أشهر، ذكرهما النسائيّ عن زيد بن ثابت
وإلى عموم هذه الآية، مع هذه الأخبار عن زيد، وابن عبّاس ذهبت
المعتزلة، وقالوا: هذا مخصّص عموم قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ورأوا أن الوعيد نافذ حتماً على كلّ قاتل، فجمعوا بين
الآيتين بأن قالوا: التقدير: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمداً.
وذهب جماعة من العلماء منهم: عبد الله بن عمر وهو أيضاً مرويّ عن زيد بن
ثابتٍ، وابن عبّاس - رضي الله تعالى عنهم - إلى أن له توبةً. روى يزيد بن هارون
قال: أخبرنا أبو مالك الأشجعيّ، عن سَعْد بن عبيدة، قال: جاء رجلٌ إلى ابن
عبّاس، فقال: ألمن قتل مؤمناً متعمّداً توبة؟ قال: لا إلا النار، قال: فلّمّا ذهب
قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبةً مقبولة، قال: إني
لأحسبه رجلاً مُغضباً، يريد أن يقتل مؤمناً، قال: فبعثوا في إثره، فوجدوه كذلك.
وهذا مذهب أهل السنّة، وهو الصحيح، وأن هذه الآية مخصّصة، ودليل
التخصيص آياتٌ وأخبارٌ، وقد أجمعوا على أن الآية نزلت في مقيس بن
صبابة(١)، وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن صبابة، فوجدوا هشاماً
قتيلاً في بني النجّار، فأخبر بذلك النبيّ وَّ، فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه
قاتل أخيه، وأرسل معه رجلاً من بني فهر، فقال بنو النجّار: والله ما نعلم له
قاتلاً، ولكنّا نؤدّي الدية، فأعطوه مائة من الإبل، ثم انصرفا راجعين إلى
المدينة، فعدا مقيس على الفهريّ، فقتله بأخيه، وأخذ الإبل، وانصرف إلى
مكة كافراً مرتدّاً، وجعل يُنشد [من الطويل]:
سَرَاةَ بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابَ فَارِعٍ(٢)
قَتَلْتُ بِهِ فِهْراً وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ
وَكُنْتُ إِلَى الأَوْثَانِ أَوَّلَ رَاجِعٍ
حَلَلْتُ بِهِ وِتْرِي وَأَدْرَكْتُ ثَوْرَتِي
فقال رسول الله وَله: ((لا أُؤمّنه في حِلّ، ولا حَرَم))، وأمر بقتله يوم فتح
مكّة، وهو متعلّقٌ بالكعبة.
(١) ((صُبَابة)) بضم الصاد المهملة، وبموحدتين أولاهما خفيفة، هكذا ضبطه في
(الإصابة)) في ترجمة أخيه هشام ٦٠٣/٣.
(٢) ((فارع)): حصن بالمدينة.

٤٩١
(٥٧) - بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْحَجُّ، وَالْهِجْرَةُ - حديث رقم (٣٢٩)
وإذا ثبت هذا بنقل أهل التفسير، وعلماء الدين، فلا ينبغي أن يُحمل
على المسلمين.
ثم ليس الأخذ بظاهر الآية بأولى من الأخذ بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّ
الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ اُلسَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ الثَّوْبَةَ عَنْ
عِبَادِهِ﴾ الآية [الشورى: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءَ﴾
[النساء: ٤٨]، والأخذ بالظاهرين تناقضٌ، فلا بُدّ من التخصيص.
ثم إن الجمع بين آية ((الفرقان))، وهذه الآية ممكن، فلا نسخ، ولا
تعارض، وذلك أن يُحمَل مطلق آية ((النساء)) على مقيّد آية ((الفرقان))، فيكون
معناه: فجزاؤه كذا إلا من تاب، لا سيّما وقد اتّحد الموجِب، وهو القتل،
والموجَب، وهو التواعد بالعقاب.
وأما الأخبار، فكثيرة، كحديث عبادة بن الصامت نظُه الذي قال فيه:
«تبايعوني على أن لا تُشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا تسرِقوا، ولا تقتلوا
النفس التي حرّم الله إلا بالحقّ، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب
شيئاً من ذلك، فعوقب به، فهو كفّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً، فستره الله
عليه، فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذّبه)). متّفقٌ عليه، وكحديث
أبي هريرة رظه، عن النبيّ ◌َ ﴿ في الذي قتل مائة نفس، متّفقٌ عليه. إلى غير
ذلك من الأخبار الثابتة .
ثم إنهم قد أجمعوا معنا في الرجل يُشْهَد عليه بالقتل، أو يُقرّ بأنه قتل
عمداً، ويأتي السلطانَ الأولياءُ، فيقام عليه الحدّ، ويُقتل قَوَداً، فهذا غير متَّبَع
في الآخرة، والوعيد غير نافذ عليه إجماعاً على مقتضى حديث عبادة
ضُوعِنْه ،
فقد انكسر عليهم ما تعلّقوا به من عموم قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]، ودخله التخصيص بما ذكرنا، وإذا
كان كذلك فالوجه أن هذه الآية مخصوصة كما بيّنّا، أو تكون محمولةً على ما
حُكي عن ابن عبّاس ◌ًِّا أنه قال: ﴿مُتَعَيِّدًا﴾ معناه مستحلّاً لقتله، فهذا أيضاً
يؤول إلى الكفر إجماعاً .
وقالت جماعة: إن القاتل في المشيئة تاب، أو لم يتُب. قاله أبو حنيفة،
وأصحابه.

٤٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[فإن قيل]: إن قوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِّدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ
عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] دليلٌ على كفره؛ لأن الله تعالى لا يغضب إلا على
كافر خارجٍ من الإيمان.
[قلناً]: هذا وعيد، والخلف في الوعيد كَرَمٌ، كما قال [من الطويل]:
وَإِنِّي مَتَى أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ لَمُخْلِفٌ إِبِعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي
وقد تقدّم جوابٌ ثان: إن جازاه بذلك: أي هو أهلٌ لذلك، ومستحقّه
لعظم ذنبه. نصّ على هذا أبو مِجْلَز لاحقُ بنُ حُميد، وأبو صالح، وغيرهما.
وروى أنس بن مالك ظه، عن رسول الله وَ يقول أنه قال: ((إذا وعد الله لعبد ثواباً،
فهو منجزه، وإن أوعد له العقوبةَ، فله المشيئة: إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه))(١).
وفي هذين التأويلين دَخَلٌ، أما الأول، فقال القشيريّ: وفي هذا نظرٌ؛ لأن كلام
الربّ لا يَقبل الخلف، إلا أن يُراد بهذا تخصيص العامّ، فهو إذاً جائزٌ في الكلام.
وأما الثاني، وإن روي أنه مرفوعٌ، فقال النّحّاس: وهذا الوجه الغلط فيه
بيّنٌ، وقد قال الله رَت: ﴿ذَلِكَ جَزَّاؤُهُمْ جَهَُّ بِمَا كَفَرُواْ﴾ الآية [الكهف: ١٠٦]، ولم
يقل أحدٌ: إن جازاهم، وهو خطأ في العربيّة؛ لأن بعده: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾
[النساء: ٩٣]، وهو محمول على معنى جازاه.
وجوابٌ ثالث ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ إن لم يتُب، وأصرّ على الذنب حتى
وافى ربّه على الكفر بشؤم المعاصي.
وذكر هبة الله في ((كتاب الناسخ والمنسوخ)) أن هذه الآية منسوخة بقوله
تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقال: هذا إجماع الناس
إلا ابن عبّاس، وابن عمر، فإنهما قالا: هي محكمة.
وفي هذا الذي قاله نظرٌ؛ لأنه موضع عموم وتخصيص، لا موضع نسخ،
قاله ابن عطيّة.
قال القرطبيّ: هذا حسنٌ؛ لأن النسخ لا يدخل الأخبار، إنما المعنى:
فهو يجزيه.
(١) قال الجامع: هذا يحتاج إلى البحث في سنده، ولم يعزه القرطبيّ إلى أي مرجع،
ولم أتمكن من البحث عنه، فالله تعالى أعلم بثبوته.

٤٩٣
(٥٧) - بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْحَجُّ، وَالْهِجْرَةُ - حديث رقم (٣٢٩)
وقال النحّاس في ((معاني القرآن)) له: القول فيه عند العلماء أهلِ النظر أنه
محكم، وأنه يُجازيه إذا لم يتُب، فإن تاب فقد بيّن أمره بقوله: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ
تَابَ﴾ [طه: ٨٢]، فهذا لا يخرج عنه، والخلود لا يقتضي الدوام، قال الله
تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَّ﴾ الآية [الأنبياء: ٣٤]، وقال تعالى:
[الهمزة: ٣]، وقال زُهَير:
﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ: أَخْلَهُ (@
وَلَا خَالِداً إِلَّ الْجِبَالَ الرَّوَاسِيَا
وهذا كلّه يدلّ على أن الخلد يُطلق على غير معنى التأبيد، فإن هذا يزول
بزوال الدنيا، وكذلك العرب تقول: لأُخَلِّدنّ فلاناً في السجن، والسجن ينقطع
ويفنى، وكذلك المسجون، ومثله قولهم في الدعاء: خلّد الله ملكه، وأبّد
أيامه. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكِر أن الأرجح هو ما ذهب
إليه الجمهور من أن قاتل المؤمن عمداً تُقبل توبته؛ جمعاً بين النصوص
المذكورة، والعمل بالدليلين إذا أمكن أولى من إلغاء أحدهما .
على أنه قد جاء عن ابن عبّاس ◌َّ القول بموافقة قول الجمهور، فقد
أخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (٤) بسند صحيح، على شرط الشيخين،
عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس أنه أتاه رجلٌ، فقال: إني خطبت امرأةً،
فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري، فأحبّت أن تنكحه، فغِرتُ عليها، فقتلتها،
فهل لي من توبة؟ قال: أمّك حيّةٌ؟ قال: لا، قال: تُبْ إلى الله رَك، وتقرّب
إليه ما استطعت، فذهبتُ، فسألت ابن عبّاس: لم سألته عن حياة أمه؟ فقال:
إني لا أعلم عملاً أقرب إلى الله رَت من برّ الوالدة.
وأخرج ابن جرير (١٣٨/٥) بسند جيّد، عن سعيد، عن ابن عبّاس
في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، قال: ليس
لقاتل توبة، إلا أن يستغفر الله(٢).
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٣٣٢/٥ - ٣٣٥، ((تفسير سورة النساء)).
(٢) راجع: ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألبانيّ المجلد السادس - القسم الأول
ص٧١١ - ٧١٢، رقم الحديث (٢٧٩٩).

٤٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر من هذين الأثرين أن ابن
عبّاس ◌ّ قد تراجع عن قوله الأول، فقال بقول الجمهور في قبول توبة
القاتل، وهذا القول منه هو الصواب؛ لما ذكرنا، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
٥٨ - (بَابُ بَيَانِ حُكْمِ عَمَلِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَهُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الکتاب قال:
[٣٣٠] (١٢٣) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ
حِزَام، أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ وَِّ: أَرَأَيْتَ أُمُوراً كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي
الْجَاهِلِيَّةِ، هَلْ لِي فِيهَا مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا
أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرِ))، وَالتَّحَنُّثُ: التَّعَبُّدُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى) بن حَرْملة التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب
الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت٢٤٣) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو
محمد المصريّ، ثقةَ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأَيْليّ،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الحافظ الحجة الشهير، أبو بكر
المدنيّ، رأس الطبقة [٤] (ت١٢٥) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨.
٥ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت٩٤) على الصحيح، تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧.

٤٩٥
(٥٨) - بَابُ بَيَانِ حُكْمِ عَمَلِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَهُ - حديث رقم (٣٣٠)
٦ - (حَكِيمُ بْنُ حِزَام) بن خُويلد بن أسد بن عبد الْعُزَّى بن قُصَيّ الأسدي
ابن أخي خديجة زوج النبيَّ وَّر، واسم أمه صفية، وقيل: فاختة، وقيل: زينب
بنت زُهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزَّى، ويكنى أبا خالد، له حديث في
الكتب الستة.
روى عنه ابنه حِزَام، وابن ابن أخيه، الضحاك بن عبد الله بن خالد بن
حزام، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وسعيد بن المسيِّب، وموسى بن طلحة،
وعروة، وغيرهم.
قال موسى بن عقبة عن أبي حبيبة، مولى الزبير: سمعت حكيم بن حزام
يقول: وُلِدت قبل الفيل بثلاث عشرة سنة، وأنا أَعقِل حين أراد عبد المطلب
أن يذبح عبد الله ابنه، وحكى الواقدي نحوه، وزاد: وذلك قبل مولد النبيّ وَّل
بخمس سنين، وقُتل والد حكيم في الْفِجار(١)، وشهدها حكيم.
وحَكَى الزبير بن بكار: أن حكيماً وُلِد في جوف الكعبة. رَوَى الزبير،
عن مصعب بن عثمان، قال: دخلت أم حكيم في نسوةٍ الكعبة، فَضَرَبها
المخاض، فأتيت بنِطَع حين أعجلتها الولادة، فولدت في الكعبة.
قال: وكان من سادات قريش، وكان صديق النبيّ وَلّ قبل المبعث،
وكان يَوَدُّه ويُحِبّه بعد البعثة، ولكنه تأخر إسلامه حتى أسلم عام الفتح، وثبت
في السيرة، وفي الصحيح أنه وسلم قال: ((من دخل دار حكيم بن حزام، فهو
آمن))، وكان من المؤلّفة، وشهد حُنيناً، وأُعطي من غنائمها مائة بعير، ثم حَسُن
إسلامه، وكان قد شَهِد بدراً مع الكفار، ونجا مع من نجا، فكان إذا اجتهد في
اليمين قال: والذي نَجّاني يوم بدر، وكنيته: أبو خالد، قال الزبير: جاء
الإسلام وفي يد حكيم الرِّفَادة، وكان يفعل المعروف، ويَصِلُ الرحم.
(١) ((الْفِجَار)) بالكسر بمعنى المفاجرة، كالقتال والمقاتلة، وذلك أنه كان قتال في الشهر
الحرام، ففجروا فيه جميعاً، فسُمّي الفجار، وللعرب فِجارات أربعة، والفجار
الأخير هذا شهده النبيّ وَلّ مع أعمامه، وعمره إذ ذاك عشرون سنة، وكانت هذه
الحروب بين قريش، ومن معهم، وبين قيس عيلان. راجع: ((سيرة ابن هشام)) ١/
١٨٤ - ١٨٧.

٤٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال الإمام أحمد)) في ((مسنده)): حدثنا عتاب بن زياد، حدثنا ابن
المبارك، أخبرنا الليث، حدثني عبيد الله بن المغيرة، عن عراك بن مالك، أن
حكيم بن حزام قال: كان محمد ◌َ ﴿ أحبّ الناس إلي في الجاهلية، فلما نُبِئ،
وهاجر شهد حكيم الموسم كافراً، فوجد حُلّةً لذي يَزَن تباع، فاشتراها بخمسين
ديناراً ليهديها إلى رسول الله وَّه، فقَدِم بها عليه المدينة، فأراده على قبضها
هديةً، فأبى، قال عبيد الله: حسبته قال: ((إنا لا نقبل من المشركين شيئاً،
ولكن إن شئت بالثمن))، قال: فأعطيته حين أبى عليّ الهدية (١).
ورواه الطبراني قال: حدثنا مطلب بن شعيب، حدثنا عبد الله بن صالح،
حدثنا الليث، وفي رواية ابن صالح زيادة: فلبسها، فرأيتها عليه على المنبر،
فلم أر شيئاً أحسن منه يومئذ فيها، ثم أعطاها أسامةَ، فرآها حكيم على أسامة،
فقال: يا أسامة أتلبس حلة ذي يزن؟ قال: نعم، والله لأنا خير منه، ولَأبي خير
من أبيه، فانطلقت إلى مكة، فأعجبتُهم بقوله.
وروى الواقديّ عن الضحاك بن عثمان، عن أهله، قالوا: قال حكيم:
كنت تاجراً أخرج إلى اليمن، وآتي الشام، فكنت أربح أرباحاً كثيرةً، فأعود
على فقراء قومي، وابتعت بسوق عكاظ زيد بن حارثة لعمتي بستمائة درهم،
فلما تزوج بها رسول الله وَر وهبته زيداً، فأعتقه، فلما حج معاوية أخذ معاوية
مني داري بمكة بأربعين ألف دينار، فبلغني أن ابن الزبير قال: ما يَدرِي هذا
الشيخ ما باع، فقلت: والله ما ابتعتها إلا بِزِقُّ من خمر، وكان لا يجيء أحد
يستحمله في السبيل إلا حمله.
وقال الزبير: أخبرنا إبراهيم بن حمزة، قال: كان مشركو قريش لَمّا
حَصَروا بني هاشم في الشِّعب، كان حكيم تأتيه العير بالحنطة، فيُقبِلُها(٢)
الشعب، ثم يضرب أعجازها، فتدخل عليهم، فيأخذون ما عليها .
وفي ((الصحيح)) أنه سأل النبيّ وَ ◌ّ﴿، فقال: أشياء كنت أفعلها في
(١) أخرجه أحمد ٤٠٢/٣ - ٤٠٣، والطبرانيّ (٣١٢٥)، ورجال أحمد ثقات، وصححه
الحاكم في ((المستدرك)) ٤٨٤/٣ - ٤٨٥، ووافقه الذهبيّ.
(٢) يقال: أقبل الإبلَ الطريقَ: أسلكها إياه، أي: وجّهها إليه.

٤٩٧
(٥٨) - بَابُ بَيَانِ حُكْمِ عَمَلِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَهُ - حديث رقم (٣٣٠)
الجاهلية، ألي فيها أجر؟ قال: ((أسلمت على ما سلف لك من خير))، وكانت
دار الندوة بيده، فباعها بعدُ من معاوية بمائة ألف درهم، فلامه ابن الزبير،
فقال له: يا ابن أخي اشتريت بها داراً في الجنة، فتصدق بالدراهم كلُّها. وكان
من العلماء بأنساب قريش وأخبارها، مات سنة خمسين، وقيل: سنة أربع،
وقيل: ثمان وخمسين، وقيل: سنة ستين، وهو ممن عاش مائة وعشرين سنة،
شطرها في الجاهلية، وشطرها في الإسلام، قال البخاري في ((التاريخ)): مات
سنة ستين، وهو ابن عشرين ومائة سنة، قاله إبراهيم بن المنذر، ثم أسند من
طريق عُمر بن عبد الله بن عروة، عن عروة، قال: مات لعشر سنوات من
خلافة معاوية ئه(١).
قال الحافظ الذهبيّ: يبلغ عدد مسنده أربعين حديثاً له في ((الصحيحين))
أربعة أحاديث متفق عليها(٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا
(١٢٣)، وأعاده بعد مرتين، وحديث (١٠٣٤): ((خير الصدقة عن ظهر
غنى ... ))، و(١٠٣٥): ((إن هذا المال خضرة حلوة ... ))، و(١٥٣٢): ((البيّعان
بالخيار ما لم يتفرّقا ... ))، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والإخبار
بصيغة الإفراد.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو
والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويونس، وإن كان
أيليّاً، إلا أنه نزل مصر، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عروة.
(١) راجع: ((الإصابة)) ٩٧/٢ - ٩٨، و((تهذيب التهذيب)) ٤٧٣/١ - ٤٧٤.
(٢) ((سير أعلام النبلاء)) ٤٤/٣ - ٥١.

٤٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٥ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدّم ذكرهم غير مرّة.
٦ - (ومنها): أن صحابيه ◌ُله ذو مزايا فاخرة:
[منها]: أنه وُلد في جوف الكعبة، كما تقدّم آنفاً، وأسلم عام الفتح،
ومات بالمدينة سنة أربع وخمسين(١)، وإليه أشار السيوطيّ في ((ألفيّة الحديث))
حيث قال:
بِكَعْبَةٍ وَمَا لِغَيْرِهِ عُهِدْ
ثُمَّ حَكِيمٌ مُفْرَدٌ بِأَنْ وُلِدْ
مِنْ بَعْدٍ خَمْسِينَ عَلَى تَنَازُعِ
وَمَاتَ مَعْ حَسَّانَ عَامَ أَرْبَعِ
[ومنها]: أنه ممن عاش مائة وعشرين سنة، نصفها في الإسلام، ونصفها
في الجاهليّة، وهم عدة من الصحابة ظه، وإليه أشار السيوطيّ أيضاً بقوله:
عِشْرِينَ بَعْدَ مَائَةٍ تُكَمَّلُوا
وَعِدَّةٌ مِنَ الصِّحَابِ وَصَلُوا
حُوْيِطِبٌ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلِ
سِتُّونَ فِي الإِسْلَامِ حَسَّانٌ يَلِي
وَآخَرُونَ مُظْلَقاً لَبِيدُ
ثُمَّ حَكِيمٌ حَمْنَنٌ سَعِيدُ
لَجْلَاجُ أَوْسٌ وَعَدِيٌّ نَافِعُ
عَاصِمُ سَعْدٌ نَوْفَلٌ مُنْتَجِعُ
أَنْ عَاشَ ذَا أَبٌ وَجَدُّهُ وَجَدْ
نَابِغَةٌ ثُمَّةَ حَسَّانُ انْفَرَدْ
[ومنها]: أنه كان معروفاً بكثرة الجود جاهليّة وإسلاماً، أعتق في الجاهليّة
مائة رقبة، وأعتق في الإسلام مثلها، وساق في الجاهليّة مائة بدنة، وفي
الإسلام مثلها، وأخرج الطبرانيّ عن مصعب بن ثابت، قال: بلغني أن حكيم بن
حزام حضر يوم عرفة، ومعه مائة رقبة، ومائة بدنة، ومائة بقرة، ومائة شاة،
فقال: ((الكلّ لله))، وهو مرسل.
ولما توقّي الزبير مظلُّه لقي حكيم عبد الله بن الزبير، فقال له: كم ترك
أخي من الدين؟ قال: ألف ألف، قال حكيم: عليّ خمسمائة ألف، ومناقبه
جمة رظُه، والله تعالى أعلم.
(١) والمراد من قولهم: عاش في الإسلام ستين سنة: أي من حين ظهور الإسلام
وانتشاره إلى حين وفاته، لا من حين إسلامه إلى وفاته؛ لأن ذلك أقل من ستين
بكثير؛ لأنه أسلم عام الفتح، ومات سنة (٥٤هـ) فيكون ما بينهما ستاً وأربعين سنة،
أو نحو ذلك، فتأمله، والله تعالى أعلم.

٤٩٩
(٥٨) - بَابُ بَيَانِ حُكْمِ عَمَلِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَهُ - حديث رقم (٣٣٠)
شرح الحديث:
عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَام) رَظُهُ (أَخْبَرَهُ) أي أخبر عروة (أَنَّهُ
قَالَ لِرَسُولِ اللهِ نَّهِ: أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (أُمُوَّراً كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا) بالثاء المثلثة:
أي أتقرّب، والحنث في الأصل: الإثم، وكأنه أراد: أُلقي عني الإثم، وفي
الرواية التالية: ((أتبرّر بها))، وهو بمعناه (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) المراد أيام كفره، لا
الأيام التي قبل ظهور الإسلام، فكأنه قال: في جاهليّتي، زاد في الرواية
التالية: ((من صدقة، أو عَتَاقة، أو صِلَة رَحِم))، وفي رواية هشام بن عروة عن
أبيه الآتية: أن حكيم بن حزام أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وحمل على مائة
بعير، ثم أعتق في الإسلام مائة رقبة، وحمل على مائة بعير. (هَلْ لِي فِيهَا مِنْ
شَيْءٍ؟) أي من أجر وثواب، كما فسّرته الرواية التالية: ((أفيها أجر؟))، وليس
المراد مطلق الشيء؛ لأن له بها ذكراً جميلاً على ألسنة الناس (فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ) أي قدّمته (مِنْ خَيْرٍ))) قال المازريّ:
ظاهره أن الخير الذي أسلفه كُتِب له، والتقدير: أسلمت على قبول ما سلف
لك من خير، وقال الحربي: معناه: ما تَقَدَّم لك من الخير الذي عملته هو
لك، كما تقول: أسلمتُ على أن أحوز لنفسي ألف درهم، وأما من قال: إن
الكافر لا يثاب، فحمل معنى الحديث على وجوه أخرى:
(منها): أن يكون المعنى: إنك بفعلك ذلك اكتسبت طباعاً جميلةً،
فانتفعت بتلك الطباع في الإسلام، وتكون تلك العادة قد مَهَّدت لك معونة على
فعل الخير.
(ومنها): أنك اكتسبت بذلك ثناءً جميلاً، فهو باق لك في الإسلام.
(ومنها): أنك ببركة فعل الخير هُديت إلى الإسلام؛ لأن المبادئ عنوان
الغايات.
(ومنها): أنك بتلك الأفعال رُزِقت الرزق الواسع.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بُعد هذه التأويلات عن معنى النصّ غاية
البعد مما لا يخفى على بصير، وإنما ذكرتها؛ لتُعلَم، لئلا يُغترّ بها، فالحقّ
الذي لا مرية فيه هو ما قاله المازريّ والحربيّ رحمهما الله تعالى، فتبصّر،
والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

٥٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال ابن الجوزيّ: قيل: إن النبيّ وَّهِ وَرَّى عن جوابه، فإنه سأل: هل
لي فيها من أجر؟ فقال: ((أسلمتَ على ما سَلَفَ من خير))، والعتق فِعْلُ خير،
وكأنه أراد إنك فعلت الخير، والخير يُمدَح فاعله، ويجازى عليه في الدنيا،
فقد رَوَى مسلم من حديث أنس ظبه مرفوعاً: ((أن الكافر يثاب في الدنيا
بالرزق على ما يفعله من حسنة)). انتهى.
قال الجامع: قول ابن الجوزيّ هذا من جنس التأويلات المفنّدة، والحقّ
ما سبق.
قال النوويّ بعد هذه الأقوال: وذهب ابن بطال وغيره من المحققين إلى
أن الحديث على ظاهره، وأنه إذا أسلم الكافر، ومات على الإسلام يثاب على
ما فعله من الخير في حال الكفر، واستَدَلَّوا بحديث أبي سعيد الخدريّ
◌ُوعِنْه
قال: قال رسول الله وَلهو: ((إذا أسلم الكافر، فحسن إسلامه، كَتَب الله تعالى له
كلَّ حسنة زَلَفَها، ومحا عنه كل سيئة زَلَفها، وكان عمله بعد ذلك، الحسنةُ
بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها))، ذكره
الدار قطنيّ في غريب حديث مالك، ورواه عنه من تسع طُرُق، وثبت فيها كلها
أن الكافر إذا حسن إسلامه، يُكتب له في الإسلام كلُّ حسنة عملها في الشرك.
قال ابن بطال بعد ذكره الحديث: ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما يشاء، لا
اعتراض لأحد عليه، قال: وهو كقوله 18 لحكيم بن حزام ظُه: ((أسلمت
على ما أسلفت من خير))، والله أعلم.
وأما قول الفقهاء: لا يصح من الكافر عبادةٌ، ولو أسلم لم يُعْتَدَّ بها،
فمرادهم أنه لا يُعتدّ له بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرّض لثواب الآخرة،
فإن أقدم قائل على التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة، رُدَّ قوله
بهذه السنة الصحيحة.
وقد يُعْتَدّ ببعض أفعال الكفار في أحكام الدنيا، فقد قال الفقهاء: إذا
وجب على الكافر كفارةُ ظهار، أو غيرها فكفَّر في حال كفره، أجزأه ذلك،
مضربّه فيما إذا
وإذا أسلم لم تجب عليه إعادتها، واختَلَف أصحاب الشافعي
أجنب، واغتسل في حال كفره، ثم أسلم، هل تجب عليه إعادة الغسل أم لا؟
وبالغ بعض أصحابنا - يعني الشافعيّة - فقال: يصحّ من كل كافر كلُّ طهارة،