Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
(٥٢) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ قَائِلَ نَفْسِهِ لَا يَكْفُرُ - حديث رقم (٣١٨)
بهذا أنه لَمّا
في ((مسند)) أبي يعلى (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) وغرض الطفيل
رأى مضايقة قريش للنبيّ وَالر، وصدّها عليه سبيل الدعوة إلى الله تعالى أن
يهاجر النبيّ بَّه إلى بلده حتى يتمكنّ من أداء مهمة الرسالة، فقال: (هَلْ لَكَ)
أي هل توجد لك رغبة (فِي حِصْنٍ) أي في الالتحاق بحصن، وهو بكسر،
فسكون: هو المكان الذي لا يُقْدَرَّ عليه؛ لارتفاعه، جمعه: حُصُون، وقال
القرطبيّ: ((الْحُصُون)): هي القصور والقلاع.
وقوله: (حَصِينٍ) صفة لـ((حِصْن))، بفتح، فكسر، فَعِيل للمبالغة: أي
شديد المنع لمن فيه، وقوله: (وَمَنْعَةٍ؟) بالجرّ عطفاً على ((حصن))، وهو بفتح
الميم، والنون، وتُسكّن، قال في ((الصحاح)): يقال: فلانٌ في عزّ ومَنَعَة
بالتحريك، وقد يُسكّن عن ابن السكّيت، ويقال: المنعة بالتحريك: جمع مانع،
ككافر وكَفَرَة: أي هو في عزّ وعَشِيرة يمنعونه. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ: وهو في مَنَعَة بفتح النون: أي في عزّ قومه، فلا يَقْدِرُ عليه
من يُريده، قال الزمخشريّ: هي مصدر، مثلُ الأَنَفَة، والْعَظَمة، أو جمعُ مانع،
وهم الْعَشِيرة، والْحُمَاةُ، ويجوز أن تكون مقصورةً من الْمَنَاعَة، وقد تُسكّن في
الشعر، لا في غيره؛ خلافاً لمن أجازه مطلقاً. انتهى(٢).
(قَالَ) الطّفيل لما استفسره النبيّ وََّ عن ذلك الْحِصْن: (حِصْنٌ) خبر
المحذوف: أي هو حِصْنٌ (كَانَ لِدَوْسٍ) بفتح الدال المهملة، وسکون الواو،
آخره سين مهملة: بطنٌ من الأزد، وهو دَوْس بن حَدَثان بن عبد الله بن
زهران بن كعب بن الحارث بن نصر بن الأزد، بطنٌ كبير من الأزد، يُنسب
إليهم خلق كثير، منهم الطّفيل بن عمرو الدوسيّ، وأبو هريرة الدوسيّ، قاله
السمعانيّ(٣). (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي في زمن الجاهليّة، وهي الحال التي كانت
عليها العرب قبل الإسلام، من الجهل بالله وَ، ورسوله ◌َّ، وشرائع الدين،
والتفاخر بالأنساب، والْكِبْر، والتجبّر، وغير ذلك، قاله ابن الأثير (٤). (فَأَبَى
ذَلِكَ النَّبِيُّ وَ﴿) أي امتنع من إجابة طلب الطفيل (لِلَّذِي ذَخَرَ اللهُ لِلْأَنْصَارِ) أي
(١) ((الصحاح)) ١٠٦٦/٣.
(٣) ((الأنساب)) ٢ /٥٠٦ - ٥٠٧.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٨١/٢.
(٤) ((النهاية)) ٣٢٣/١.

٤٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أعدّه الله وَ لهم، يقال: ذَخَرته ذَخْراً، من باب نَفَعَ، والاسم الذُّخْرُ بالضمّ:
إذا أعددته لوقت الحاجة إليه، واذْخَرْتُهُ على افْتَعَلْتُ مثله، قاله الفيّوميّ(١).
والمعنى أنه إنما أبى النبيّ وَ له عن قبول طلب الظُّفَيل؛ لأن الله تعالى
أراد أن يُكرم الأنصار بهجرته إليهم، وكتب لهم ذلك، فلم يشرح صدره
للهجرة إلى غيرهم، ولم يأذن له بذلك.
(فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ وَّهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيْهِ الطَّفَيْلُ بْنُ عَمْرو)
(وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ) لا يُعرف اسمه، كما قاله صاحب ((التنبيه))(٢).
مضرعنه
قال القرطبيّ: قوله: ((وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ،
فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ)) هكذا صواب الرواية بتوحيد (رجل))، وعطف ما بعده
على ما قبله على الإفراد، وهي رواية عبد الغافر(٣)، وعند غيره تخليطٌ، فمنهم
من جَمَعَ، فقال: رجال، فاجتووا المدينة، ثم قال بعده: فمرِضَ، فَجَزِع، على
الإفراد، والأول أصوب. انتهى(٤).
قال الجامع عفا الله تعالى: هذا الذي قاله القرطبيّ حسنٌ، وهكذا وقع
عند أبي نُعيم في ((مستخرجه)) بلفظ: ((فاجتوى)) بالإفراد، ووقع عند أحمد في
«مسنده)) (٣٧١/٣)، وأبي عوانة في ((مسنده)) (٥٢/١) أيضاً، والبيهقيّ في
((الكبرى)) (١٧/٨) بلفظ ((فاجتووا))، كما هو في معظم نسخ ((صحيح مسلم))،
وله وجه، وهو أن يعود الضمير على الطفيل، والرجل المذكور، ومن يتعلق
بهما، قاله النوويّ.
وعندي الأولى أن يعود الضمير على الطفيل، وصاحبه))، وإطلاق الجمع
على الاثنين جائز في اللغة، كما في قوله رَك: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [سورة
التحريم: ٤]، وقد حقّقت في ((التحفة المرضيّة)) في الأصول، و((شرحها)) أن
(١) ((المصباح المنير)) ٢٠٧/١.
(٢) ((تنبيه المعلم بمبهمات مسلم)) ص٧١.
(٣) هو عبد الغافر بن محمد الفارسيّ، أبو الحسن، ثقة، صالح من رواة ((صحيح
مسلم))، تؤُفّي سنة (٤٤٨هـ). انتهى. ((سير أعلام النبلاء)) ١٩/١٨.
(٤) ((المفهم)) ٣٢٢/١ - ٣٢٣.

٤٠٣
(٥٢) - بَابُ الدَِّيلِ عَلَى أَنَّ قَائِلَ نَفْسِهِ لَا يَكْفُرُ - حديث رقم (٣١٨)
الصحيح أن أقل الجمع اثنان، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (فَاجْتَوَى الْمَدِينَةَ) أي كَرِهَ الْمُقَام بها؛ لضَجَر، ونوع سَقَم، قال
أبو عُبيد، والجوهريّ، وغيرهما: اجتويتُ البلد: إذا كرهت المقام بها، وإن
كنت في نعمة (١)، قال الخطابيّ: أصل الاجتواء: استيبال(٢) المكان،
وكراهية الْمُقَام فيه؛ لمضرّة لحقته، وأصله من الجوى، وهو فساد الجوف.
(٣)
انتھی
. (
وقال المازريّ: قال أبو عبيد: اجتويتُ البلاد: إذا كَرِهتَها، وإن كانت
موافقةً لك في بدنك، واستبلتها: إذا أحببتها، وإن لم توافقك في بدنك، ومنه
قول ابن دُرید:
فِي كُلِّ يَوْم مَنْزِلٌ مُسْتَوْبَلٌ يَشْتَفُّ مَاءَ مُهْجَتِي أَوْ مُجْتَوَى(٤)
(فَمَرِضَ) بكسر الراء، قال الفيّوميّ: مرِضَ الحيوانُ مَرَضاً، من باب
تَعِبَ، والْمَرَضُ: حالةٌ خارجة عن الطبع، ضارَّةٌ بالفعل، ويُعْلَم من هذا أن
الآلام والأورام أعراضٌ عن المَرَضِ، وقال ابن فارس: الْمَرَضُ: كلُّ ما خرج
به الإنسان عن حدّ الصحّة من علّة، أو نِفَاق، أو تقصير في أمر، ومَرِضَ
مَرْضاً : - أي من باب فِهِمَ فَهْماً - لغة قليلةُ الاستعمال، قال الأصمعيّ: قرأت
على أبي عمرو بن العلاء: ﴿فِي قُلُوبِهِم تٌََّ﴾ [البقرة: ١٠]، فقال لي: ((مَرْضٌ)) يا
غلام: أي بالسكون، والفاعل من الأول مَريضٌ، وجمعه مَرْضى، ومن الثانية
مارضٌ، قال [من الرجز]:
لَيْسَ بِمَهْزُولٍ وَلَا بِمَارِضٍ
ويُعدَّى بالهمزة، فيقال: أمرضه الله. انتهى(٥).
وفي رواية ابن حبّان في ((صحيحه)) من طريق إسماعيل بن عليّة، عن
الحجاج الصّاف: ((فحُمّ ذلك الرجل حُمَّى شديدةً)).
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٣١/٢.
(٢) يقال: استوبل الأرضَ: أي لم توافقه في بدنه، وإن كان محبّاً لها.
(٣) راجع: ((المفهم)) ٣٢٣/١.
(٥) ((المصباح المنير)) ٥٦٨/٢ - ٥٦٩.
(٤) (إكمال المعلم)) ٤٨٨/١ - ٤٩٠.

٤٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(فَجَزِعَ) بكسر الزاي: أي فقد الصبر، يقال: جَزِعَ جَزَعاً، من باب
تَعِبَ، فهو جَزَعٌ، وجَزُوعٌ مبالغةٌ: إذا ضَعُفت مُنَّهُ(١) عن حَمْلِ ما نزل به، ولم
يجد صبراً قاله الفيوميّ (٢). (فَأَخَذَ مَشَاقِصَ) - بفتح الميم، وبالشين المعجمة،
وبالقاف، والصاد المهملة -: جمع مِشْقَصٍ - بكسر الميم، وفتح القاف - قال
الخليل، وابن فارس، وغيرهما: هو سَهْمٌ فيه نَصْلٌ عَرِيضٌ، وقال آخرون:
ليس بالعريض، وإنما العريض: هو الْمِعْبَلُ، وقال الجوهريّ: الْمِشْقَص: ما
طال، وعَرُضَ(٣)، قال النوويّ تبعاً للقاضي عياض: وهذا هو الظاهر هنا؛
لقوله: ((قَطَعَ بها براجمه))، ولا يحصل ذلك إلا بالعريض. انتهى(٤).
وقوله: (لَهُ) متعلّق بصفة لـ((مشاقص))، أي كائنة له، والضمير للرجل
المريض.
(فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ) - بفتح الباء الموحّدة، وبالجيم -: هي مفاصل
الأصابع، واحدتها بُرْجُمَة بالضمّ، وقال الفيّوميّ: الْبَرَاجِم: رُؤوس السُّلامِيَات
من ظهر الكفّ، إذا قَبَضَ الشخص كفّه نَشَزَت، وارتفعت، وقال في ((الكفاية)):
الْبَرَاجم: رُؤوس السُّلاميات، والرَّوَاجب بُطُونها وظهورها، الواحد بُرْجُمَة
(٥)
كُبُنْدُقَة. انتهى (٥) .
وقال أبو عُبيد في ((الغريب)): ((الرّوَاجب))، و((البَرَاجم)) جميعاً: مفاصل
الأصابع كلِّها، وقال أبو مالك الأعرابيّ في ((كتاب خلق الإنسان)): الرواجب:
رؤوس العظام في ظهر الكفّ، والبراجم: المفاصل التي تحتها. انتهى (٦).
وفي رواية ابن حبّان المذكورة: ((فأخذ شَفْرَةً، فقطع بها رواجبه)).
(فَشَخَبَتْ يَدَاهُ) - بفتح الشين والخاء المعجمتين -: أي سال دمهما،
وقيل: سال بقوة، قاله النوويّ.
وقال الفيّوميّ: شَخَبَت أوداج القتيل دَماً شَخْباً، من بابي قَتَلَ، ونَفَعَ :
(١) ((الْمُنّة)) بالضمّ: القوّة. اهـ. (المصباح)) ٥٨١/٢.
(٣) بضم الراء.
(٢) ((المصباح)) ٩٩/١.
(٤) ((إكمال المعلم)) ١/ ٤٩١، و ((شرح النوويّ)) ١٣١/٢.
(٥) ((المصباح)) ١/ ٤٢.
(٦) ((إكمال المعلم)) ١ / ٤٩٠ - ٤٩١.

٤٠٥
(٥٢) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ قَاتِلَ نَفْسِهِ لَا يَكْفُرُ - حديث رقم (٣١٨)
جَرَت، وشَخَبَ اللبن، وكلُّ مائع شَخْباً: دَرَّ، وسالَ، وشَخَبْتُهُ أنا يتعدّى، ولا
یتعدّی. انتھی(١).
وقال القرطبيّ: قوله: ((فشَخَبت)) بالشين المعجمة، وهو بالخاء المعجمة،
وبفتحها في الماضي، وضمّها في المضارع، وقد تفتح، ومعناه: قال ابن
دُريد: كلُّ شيءٍ: سال، فهو شَخْبٌ، بضم الشين، وفتحها، وهو: ما خرج من
الضرع من اللبن، وكأنه الدُّفْعَة منه، ومنه المثلُ: شُخْبٌ في الأرض، وشُخْبٌ
في الإناء، يقال للذي يُصيب مرّةً، ويُخطئ في أخرى؛ تشبيهاً له بالحالب الذي
يفعل ذلك. انتهى(٢).
(حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطَّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) مرفوع على الفاعليّة: أي رأى الطفيل
هذا الرجل الذي تسبب للموت بقطع براجمه (فِي مَنَامِهِ): أي في حال نومه،
فـ(المنام)) مصدر ميميّ لـ((نام))، (فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ) جملة في محلّ نصب على
الحال من المفعول، و((الْهَيْئَةُ)) - بفتح، فسكون -: الحالة الظاهرة، يقال: هاءَ
يَهُوءُ، ويَهِيُ هَيْئَةً حَسَنةً: إذا صار إليها(٣).
والمعنى هنا: أن الطفيل رأى الرجل وحالته حسنةٌ.
(وَرَآهُ) حال كونه (مُغَطِّياً) بصيغة اسم الفاعل، وقوله: (يَدَيْهِ) منصوب
على المفعولية لاسم الفاعل؛ لكونه حالاً، كما قال في ((الخلاصة):
إِنْ كَانَ عَنْ مُضِيِّهِ بِمَعْزِلِ
كَفِعْلِهِ اسْمُ الْفَاعِلِ فِي الْعَمَلِ
وَوَلِي اسْتِفْهَاماً اوْ حَرْفَ نِدَا أَوْ نَفْياً اوْ جَا صِفَةً أَوْ مُسْنَدَا
(فَقَالَ) الطفيل (لَهُ) أي للرجل (مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟) أي هل غفر لك، أم
ماذا؟ .
وفي رواية ابن حبان المذكورة: ((ثم إنه جاء فيما يرى النائم من الليل إلى
الطفيل بن عمرو في شَارَةٍ حَسَنَة، وهو مُخَمِّرٌ يده، فقال له الطفيل: أفلان؟،
قال: نعم، قال: كيف فَعَلْتَ؟ قال: صَنَعَ بي ربيّ خَيْراً، غفر لي بهجرتي إلى
نبيّهَ وَّه .. .
(١) ((المصباح)) ٣٠٦/١.
(٣) ((المصباح المنير)) ٦٤٥/٢.
(٢) ((المفهم)) ٣٢٣/١.

٤٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(فَقَّالَ) الرجل (غَفَرَ لِي) ببناء الفعل للفاعل، (بِهِجْرَتِي) أي بسبب ترك
وطني، وخروجي منه مهاجراً (إِلَى نَبِّهِ وَ ﴿ِ، فَقَالَ) الطفيل (مَا) استفهاميّة: أي
أيُّ شيء ثبت (لِي أَرَاَ) حال كونك (مُغَطِّياً يَدَيْكَ؟) وفي رواية أحمد: ((يدك))
بالإفراد، وهو الذي في ((مستخرج أبي نعيم)) (قَالَ) الرجل (قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ)
بضم النون، من الإصلاح رباعيّاً (مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ) أي بقطعها بدون مسوّغْ
شرِعِيّ (فَقَصَّهَا) أي هذه الرؤيا (الطَّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّ:
((اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ) متعلّق بـ(فَاغْفِرْ))) والفاء زائدة، أي كما غفرت لسائر جسده،
فاغفر ليديه أيضاً.
قال القرطبيّ: فيه دليلٌ على أن المغفرة قد لا تتناول محلّ الجناية،
فيحصلُ منه توزيع العقاب على الْمُعَاقَبِ، ولذلك قال وَّ: ((اللهم وليديه
فاغفر))، والظاهر أن هذا الرجل أدركته بركة دعوة النبيّ وَّ، فغُفر له، وليديه،
وكمل له ما بقي من المغفرة عليه، وعلى هذا فيكون قوله: ((لن نُصلح منك ما
أفسدت)) ممتدّاً إلى غاية دعاء النبيّ وَّ له، فكأنه قيل له: لن نُصلح منك ما
أفسدته ما لم يَدعُ لك النبيّ وَّهِ. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا من أفراد المصنّف.
(المسألة الأولى): حديث جابر نضائه
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣١٨/٥٢] (١١٦)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٣٧٠/٣ - ٣٧١)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٦١٤)، و((جزء
رفع اليدين)) (٢٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣٦)، و(أبو نُعيم) في
((مستخرجه)) (٣٠٦ و٣٠٧)، وفي ((الحلية)) (٢٦١/٦)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٣٠١٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٧/٨)، و(الحاكم) في
((المستدرك)) (٧٦/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((المفهم)) ٣٢٤/١.

٤٠٧
(٥٢) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ قَاتِلَ نَفْسِهِ لَا يَكْفُرُ - حديث رقم (٣١٨)
١ - (منها): بيان أن قاتل النفس لا يُكفّر، قال النوويّ: فيه حجةٌ لقاعدةٍ
عظيمةٍ لأهل السنة أن مَن قَتَلَ نفسه، أو ارتكب معصيةً غيرها، ومات من غير
توبة، فليس بكافر، ولا يُقطَع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة، وقد تقدم
بيان القاعدة، وتقريرها، وهذا الحديث شرح للأحاديث التي قبله، الموهم
ظاهرها تخليدَ قاتل النفس، وغيره من أصحاب الكبائر في النار. انتهى (١).
وقال القرطبيّ: هذا الحديث يقتضي أن قاتل النفس ليس بكافر، وأنه لا
يُخلّد في النار، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا
دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهذا الرجل ممن شاء الله أن يغفر له؛ لأنه
إنما أتى بما دون الشرك، وهذا بخلاف القاتل نفسه المذكور في حديث
جندب رَّه؛ فإنه ممن شاء الله أن يُعذّبه. انتهى(٢).
٢ - (ومنها): أن فيه إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصي، فإن هذا
عوقب في يديه، ففيه ردٌّ على المرجئة القائلين بأن المعاصي لا تضرّ.
٣ - (ومنها): بيان فضل الطّفيل بن عمرو ظله حيث إنه بادر بإيواء
النبيّ وَّ إلى حصن قومه حتى يكون لهم فضل نصرة الإسلام، إلا أن الله
تعالى فضّل به الأنصار
٤ - (ومنها): بيان فضل الأنصار ﴿، وبيان مناقبهم العظيمة،
ومفاخرهم الكريمة، وذلك لأن الله ◌ُعَلَ اختصّهم بهجرة النبيّ وَلّ، فآووه،
وآووا المهاجرين، ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿وَاَللَّهُ
يَخْتَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥].
٥ - (ومنها): بيان فضل الهجرة إلى النبيّ وَّ، وأنها مما يُستوجب بها
غفران الذنوب.
٦ - (ومنها): بيان شفقة النبيّ وَله، وشدّة رأفته لأمته، كما وصفه الله رحمات
بذلك، حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ
حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (٣٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُثِبُ﴾ .
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣١/٢ - ١٣٢.
(٢) ((المفهم)) ٣٢٤/١.

٤٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٥٣ - (بَابُ بَيَانِ الرِّيحِ الَّتِي تَكُونُ قُرْبَ الْقِيَامَةِ،
تَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مَنْ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الإِيْمَانِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى، المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣١٩] (١١٧) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ
مُحَمَّدٍ، وَأَبُو عَلْقَمَةَ الْفَرْوِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
سَلْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: (لَ إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ رِيحاً
مِنَ الْيَمَنِ، أَلْيَنَ مِنَ الْحَرِيرِ، فَلَا تَدَعُ أَحَداً فِي قَلْبِهِ - قَالَ أَبُو عَلْقَمَةَ -: مِثْقَالُ
حَبَّةٍ - وقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ -: مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، إِلَّا قَبَضَتْهُ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، رُمي بالنصب
[١٠] (ت٢٤٥) (م٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٣/١.
[تنبيه]: قوله: ((الضّيّ)): بالفتح، والتشديد: نسبة إما إلى ضبّة بن أُدّ بن
طابخة بن إلياس بن مُضَر، أو إلى ضبّة بن الحارث في قُريش، أو إلى ضبّة بن
عَمرو في هُذيل، أو إلى ضبّة قرية بالحجاز(١).
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عُبيد الدّرَاورديّ، أبو محمد الْجُهنيّ
مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت١٨٦)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٣ - (أَبُو عَلْقَمَةَ الْفَرْوِيُّ) عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي فَرْوَة
الأمويّ مولاهم المدنيّ، مولى آل عثمان، صدوقٌ [٨].
رَأَى الأعرج، ورَوَی عن عمیه: إسحاق وعبد الحكيم، ومحمد بن عمرو بن
علقمة، وصفوان بن سُلَيم، ويزيد بن خُصَيفة، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم.
(١) ((الأنساب)) ١٠/٤ - ١٢، و((اللباب)) ٢٦١/٢ - ٢٦٢.

٤٠٩
(٥٣) - بَابُ بَيَانِ الرِّيحِ الَّتِي تَكُونُ قُرْبَ الْقِيَامَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٩)
ورَوى عنه ابن ابنه هارون بن موسى، وابن وهب، وإسحاق بن راهويه،
وإبراهيم بن المنذر، ويحيى بن يحيى، والقعنبيّ، وقتيبة، وأحمد بن عبدة
الضبيّ، وغيرهم.
قال ابن الجنيد، عن ابن معين: ليس به بأسٌ، وكذا قال أبو حاتم،
وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وحَكَى ابنُ عبد البرّ عن عليّ ابن المدينيّ: هو ثقةٌ، ما أعلم أني
رأيت بالمدينة أتقنَ منه، وقد رُوِي عنه أنه قال: رأيت السائب بن يزيد، وقال
ابن سعد: عُمِّرَ عبد الله، حتى لقيناه سنة (١٨٩)، وكان ثقةً، قليلَ الحديث.
قال ابن ابنه: مات في المحرم سنة تسعين ومائة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا
الكتاب حديثان فقط، هذا (١١٧)، وحديث (٤٤٤): ((أيما امرأة أصابت
بَخُوراً ... )) الحديث.
[تنبيه]: قوله: ((الْفَرْويّ)) - بفتح الفاء، وسكون الراء -: نسبة إلى جدّه (١).
٤ - (صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْم) الزهريّ مولاهم، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مُفتٍ
عابدٌ، رُمي بالقدر [٤] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلْمَانَ) الأَغَرّ المدنيّ، مولى جُهَينة، أخو عُبيد الله بن
سلمان، صدوقٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، وعنه صفوان بن سُليم، وعبد الله بن عثمان بن خُثيم،
ذكره ابن حبان في ((الثقات))، روى له المصنّف هذا الحديث فقط، فهو من
أفراده.
٦ - (أَبُوهُ) هو: سلمان مولى جهينة، المدنيّ، أصله من أصبهان، ثقة،
من كبار [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي الدرداء،
وعمار، وأبي أيوب، وأبي سعيد الخدري، وأبي لبابة بن عبد المنذر،
وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ.
(١) راجع: ((الأنساب)) ٣٧٤/٤، و((اللباب)) ٤٢٦/٢.

٤١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ورَوَى عنه بنوه: عبد الله، وعبيد الله، وعبيد، وزيد بن رَبَاح، والزهري،
وبكير بن الأشجّ، وعمران بن أبي أنس، وأبو بكر بن حزم، وغيرهم.
قال حجاج عن شعبة: كان الأغر قاصّاً من أهل المدينة، وكان رضاً،
وقال الواقدي: سمعت ولده يقولون: لَقِي عمر بن الخطاب، ولا أُثبت ذلك
عن أحد غيرهم، وكان ثقةً، قليل الحديث، وقال عبد الغني بن سعيد في
((الإيضاح)): سلمان الأغر مولى جهينة هو أبو عبد الله الأغر الذي رَوَى عنه
الزهريّ، وهو أبو عبد الله المدني، مولى جهينة، وهو أبو عبد الله الأصبهاني
الأغر، وهو مسلم المديني الذي يُحدّث عنه الشعبي، وقال قوم: هو الأغر،
أبو مسلم الذي يَروِي عنه أهل الكوفة، وقال ابن أبجر: هو الأغر بن سُليك،
ولا يصح ذلك، الأغر بن سُليك آخر. انتهى، ومسلم المديني الذي يروي عنه
الشعبي آخر، وكذا الأغر أبو مسلم الذي يروي عنه أهل الكوفة، وأن حديثه
عند أهلها، دون أهل المدينة، وهو مولى أبي هريرة وأبي سعيد، وهذا مولى
جهينة، والله أعلم.
وممن فرق بينهما البخاري، ومسلم، وابن المديني، والنسائي، وأبو
أحمد الحاكم، وغيرهم، والأغر أبو عبد الله هذا ذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال ابن عبد البر: هو من ثقات تابعي أهل الكوفة، قال ابن خلفون: وثقه
الذُّهْلِيّ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث: هذا (١١٧)،
وحديث (٦١٥): ((إذا كان اليوم الحارّ، فأبردوا بالصلاة ... ))، و(٦٤٩):
((صلاة الجماعة تعدل خمساً وعشرين من صلاة الفذّ))، وأعاده بعده، و(٧٥٨):
((من يدعوني، فأستجيب له ... ))، و(٨٥٠): ((إذا كان يوم الجمعة كان على كلّ
باب ... ))، و(١٣٩٤): ((فإني آخر الأنبياء، وإن مسجدي آخر المساجد)»،
و(١٣٩٧): ((إنما يُسافَرُ إلى ثلاثة مساجد ... )) الحديث.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) تَظُبه المذكور قريباً، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف.

(٥٣) - بَابُ بَيَانِ الرِّيحِ الَّتِي تَكُونُ قُرْبَ الْقِيَامَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٩)
٤١١
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبصريّ.
٣ - (ومنها): أن رواية صفوان بن سُليم عن عبد الله بن سلمان من رواية
الأكابر عن الأصاغر؛ لأن صفوان من الطبقة الرابعة، وعبد الله من السادسة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ) سلمان الأغرّ.
[تنبيه]: قال الجيّاني في ((تقييد المهمل)): هكذا رُوي في هذا الإسناد
((عبد الله بن سلمان))، قال البخاريّ(١) في ((باب عبد الله بن سلمان)): عبد الله بن
سلمان أخو عُبيد الله بن سلمان الأغرّ المدينيّ مولى جُهينة، ثم قال(٢) في باب
((عُبيد الله بن سلمان)): الأغرّ المدنيّ مولى جهينة، روى عنه مالك، وابن
عجلان، وسليمان بن بلال، ثم قال البخاريّ: قال بعضهم: عبد الله، وعُبيد الله
أصحّ. انتهى (٣) .
قال الجامع عفا الله تعالى: هكذا نقل الجيّاني هذا الكلام عن الإمام
البخاريّ في ((تاريخه))، لكن الذي في ((التاريخ الكبير)) المطبوع ليس فيه قوله:
((وعبيد الله أصحّ))، ولذا قال القاضي عياض بعد نقل كلام الجيّانيّ هذا، ما
نصّه: ولم يكن هذا عندنا في ((تاريخ البخاريّ))، ولا في أصل شيخنا الشهيد.
انتھی(٤).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ):
أي يرسل، قال الفيّوميّ: بَعَثْتُ رسولاً بَعْئاً، وابتعثته كذلك، وفي المطاوع:
فانبعث، مثلُ كسرته، فانكسر، وكلُّ شيء يَنبَعِث بنفسه، فإن الفعل يتعدّى إليه
بنفسه، فيُقال: بعثتُهُ، وكلُّ شيء لا ينبعثُ بنفسه، كالكتاب والهديّة، فإن الفعل
يتعدَّى إليه بالباء، فيقال: بعثت به إليه، وأوجز الفارابيّ، فقال: بعثه: أي
أَهَبَّهُ، وبَعَثَ به: وَجَّهَه. انتهى(٥). (رِيحاً) هي مؤنّثة على الأكثر، فيقال: هي
(١) ((التاريخ الكبير)) ١٠٩/٥.
(٣) ((تقييد المهمل)) ٧٨١/٣ - ٧٨٢.
(٥) ((المصباح المنير)) ٥٢/١.
(٢) ((التاريخ الكبير)) ٣٨٤/٥.
(٤) ((إكمال المعلم)) ٤٩٤/١.

٤١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الريح، وقد تُذكَّر على معنى الْهَوَاء، فيقال: هو الريح، وهَبَّ الريح، نقله أبو
زيد، وقال ابن الأنباريّ: الربح مؤنّئةٌ، لا علامة فیھا، وکذلك سائر أسمائها،
إلا الإعصار، فإنه مذكّرٌ. انتهى (١). (مِنَ الْيَمَنِ) البلد المعروف، سُمّ به؛ لأنه
عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والنسبة إليه يَمَنيّ
على القياس، ويَمَانٍ بالألف على غير قياس، ويقال: يمانيّ، وقد تقدّم تمام
البحث فيه في شرح حديث: ((جاء أهل اليمن، هم أرقّ أفئدة ... )) الحديث،
فراجعه تستفد.
قال النوويّ: جاء في هذا الحديث: ((يبعث الله تعالى ريحاً من اليمن))،
وفي حديث آخر، ذكره مسلم في آخر الكتاب، عَقِبَ أحاديث الدجال(٢):
((ريحاً من قبل الشام)).
ویجاب عن هذا بوجهین:
[أحدهما]: يحتمل أنهما ريحان: شاميةٌ ويمانية، ويحتمل أن مبدأها من
أَحَدِ الإقليمين، ثم تَصِلُ إلى الآخر، وتنتشر عنده، والله تعالى أعلم.
(٣)
٠
انتھی
وقال القرطبيّ: هذه الريح إنما تُبعَثُ بعد نزول عيسى ابن مريم ◌َِّهِ،
وقتله الدّجّال، كما يأتي في حديث عبد الله بن عمرو ﴿ها في ((الفتن)) آخر
الكتاب، غير أنه قال هنا: ((ريحاً من قبل اليمن))، وفي حديث عبد الله: ((من
قبل الشام))، فيجوز أن يكون مبدؤها من قبل اليمن، ثم تمرّ بالشام، فتهبّ منه
على من يليه. انتهى(٤).
(أَلْيَنَ مِنَ الْحَرِيرِ) ولفظ أبي نعيم: ((ألين على المؤمن من الحرير))، وفيه
- والله أعلم - إشارة إلى الرفق بهم، والإكرام لهم، قاله النوويّ.
وقال الأبيّ(٥): هذا الذي قاله النوويّ يؤخذ من السياق، وإلا فليس
التسهيل دليلاً على التكرمة، ولا التصعيب دليلاً على الشقاء، فكم شقّ على
(١) ((المصباح المنير)) ٢٤٤/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢/ ١٣٢.
(٢) سيأتي للمصنّف برقم (٢٩٤٠).
(٤) ((المفهم)) ٣٢٥/١.
(٥) راجع: ((شرح الأبيّ)) ٢٢٥/١ - ٢٢٦.

٤١٣
(٥٣) - بَابُ بَيَانِ الرِّيحِ الَّتِي تَكُونُ قُرْبَ الْقِيَامَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٩)
سعيد، وسَهُل على شقيّ، فعن زيد بن أسلم عن أبيه: ((إذا بقي على المؤمن
شيء من درجاته لم يبلغه من عمله شدّد الله وَلَ عليه الموت؛ ليبلغ بكرمه
درجته في الآخرة، وإذا كان للكافر معروف لم يُجزَ به في الدنيا سهّل الله عليه
الموت؛ ليستكمل ثواب معروفه ليصير إلى النار))، وعن عائشة ؤها قالت: لا
أغبِطُ أحداً سهل عليه الموت بعد الذي رأيت من شدّة موت رسول الله وَله،
وكان يُدخل يده في قَدَح، ويمسح بها وجهه، ويقول: ((اللهم سهّل عليّ
الموت))، فقالت فاطمة ضيها حينئذ: واكرباه لكربك يا أبتاه، فقال: ((لا کرب
لأبيك بعد اليوم)»(١)، ونُزع معاذ نزعاً لم يُنزعه أحدٌ، فكان كلما أفاق قال:
رب اخنُق، فوعزّتك لتعلم أن قلبي يُحبّك، ورُوي: ((موت الفجأة راحة
المؤمن، وأخذة أسف لفاجر))(٢).
(فَلَا تَدَعُ) أي لا تترك (أَحَداً فِي قَلْبِهِ - قَالَ أَبُو عَلْقَمَةَ -) عبد الله بن
محمد بن أبي فروة في روايته (مِثْقَالُ حَبَّةٍ) بفتح الحاء المهملة، وتشديد
الموحّدة، واحدة الحبّ، وهو اسم جنس للحنطة وغيرها مما يكون في السُّنْبُل
والأَكمام، وجمع ((الحبّة)) حَبّات، على لفظها، وتُجمع على حِبَاب، مثلُ كَلْبَة
وكِلاب، وجمع ((الحبّ)): حُبُوب، مثلُ فَلْسٍ وقُلُوس(٣). (- وقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ
-) الدراورديّ في روايته (مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) بفتح الذال، وتشديد الراء: واحدة الذّرّ،
قال ابن الأثير: الذّرّ: النملُ الأحمر الصغير، واحدتها ذَرّةٌ، وسُئل ثَعْلبٌ
(١) أخرجه البخاريّ في «صحيحه)) (٤٤٦٢) من حديث أنس ظ ◌ُه قال: لَمّا ثَقُلَ
النبيّ وَّ جعل يتغشاه، فقالت فاطمة ﴿ّ: واكرب أباه، فقال لها: ((ليس على
أبيك كرب بعد اليوم))، فلما مات، قالت: يا أبتاه أجاب رباً دعاه، يا أبتاه مَن
جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلما دُفن قالت فاطمة ﴿يتا: يا أنس
أطابت أنفسكم أن تَحثوا على رسول الله بَّيه التراب؟.
(٢) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٢٣٨٩١) حدثنا وكيع، حدثنا عبيد الله بن الوليد، عن
عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عائشة، قالت: سألت رسول الله وَّ ر عن موت
الفجأة، فقال: ((راحة للمؤمن، وأخذة أسف لفاجر))، وفيه عبيد الله بن الوليد
ضعيف، وقيل: متروك.
(٣) راجع: ((المصباح)) ١١٧/١.

٤١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
عنها، فقال: إن مائة نملة وزنُ حَبّة، والذّرّة واحدةٌ منها، وقيل: الذّرّة ليس لها
وزن، ويُراد بها ما يُرَى في شُعاع الشمس الداخل في النافذة. انتهى(١).
وقال في ((القاموس)): الذّرُّ: صغار النّمل، ومائة منها زِنَةُ حَبَّةٍ شَعير.
(٢)
انتھی(٢).
يعني: أنه وقع اختلاف بين راويي صفوان بن سُليم، وهما: أبو علقمة
الفَرْويّ، وعبد العزيز الدراورديّ، فقال الأول: ((لا تَدَع أحداً في قلبه مثقال
حبّة من إيمان))، وقال الثاني: ((لا تَدَع أحداً في قلبه مثقال ذَرّة من إيمان))
وقوله: (مِنْ إِيمَانٍ) بيان لـ((مِثْقَالُ))، قال النوويّ: فيه بيانٌ للمذهب
الصحیح أن الإیمان یزید وینقص. انتهى.
(إِلَّا قَبَضَتْهُ))) أي قبضت روحه، أي بواسطة ملك الموت، فلا تنافي بينه وبين
قوله وَل: ﴿حََّ إِذَا جَهَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَقَّتْهُ رُسُلْنَا وَهُمْ لَا يُفَرُِّونَ﴾ [الأنعام: ٦١].
وقال القرطبيّ: قبض الإيمان في هذا الحديث هو بقبض أهله، كما جاء
في حديث ابن عمرو، وقال فيه: ((ثم يُرسل الله ريحاً باردةً من قبل الشام، فلا
يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقال ذرّة من خير، أو إيمان إلا قبضته،
حتى لو أن أحدكم دخل في كَبِد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه - قال -: فيبقى
شرار الناس في خِفّة الطير، وأحلام السباع))(٣). انتهى كلام القرطبيّ(٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((وقبض الإيمان في هذا
الحديث ... إلخ)) هكذا ذكر القرطبيّ هذا التأويل، ولا حاجة إليه؛ لأنه مبنيّ
على جعل الضمير ((قبضته)) عائداً إلى ((إيمان))، وليس كذلك، بل هو عائد على
((أحد)) من قوله: ((فلا تدع أحداً))، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى تأمّل، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
[تنبيه]: قد جاءت في هذا النوع أحاديث كثيرة:
(فمنها): ما أخرجه المصنّف من حديث عائشة ظًّا قالت: سمعت
(١) ((النهاية)) ١٥٧/٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٣٥٧.
(٣) سيأتي هذا الحديث للمصنّف في ((كتاب الفتن)) برقم (٢٩٤٠).
(٤) ((المفهم)) ٣٢٥/١.

٤١٥
(٥٣) - بَابُ بَيَانِ الرِّيحِ الَّتِي تَكُونُ قُرْبَ الْقِيَامَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٩)
رسول الله 18 يقول: ((لا يذهب الليل والنهار، حتى تعبد اللات والعزى))،
فقلت: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ
بِاَلْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِظْهِرَهُ عَلَى الْدِينِ كُلِهِ، وَلَوْ كَرِهَ اٌلْمُشْرِكُونَ
٣٣)
[التوبة: ٣٣] أن ذلك تامّاً، قال: ((إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله
ريحاً طيبةً، فتوفى كلَّ من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا
خیر فیه، فیرجعون إلی دین آبائهم)).
(ومنها): ما أخرجه أيضاً من حديث النوّاس بن سمعان من حديث
الدجال الطويل، وفيه: ((فبينما هم كذلك، إذ بعث الله ريحاً طيبة، فتأخذهم
تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن، وكل مسلم، ويبقى شرار الناس،
يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة)).
(ومنها): ما أخرجه أيضاً من حديث أنس ظبه قال: قال رسول الله وَليه:
((لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله)).
(ومنها): ما أخرجه البخاريّ من حديث مِرْداس الأسلمي بظُه قال: قال
النبيّ ◌َله: ((يذهب الصالحون، الأول فالأول، ويبقى حُفَالة كحُفَالة الشعير(١)،
أو التمر، لا يباليهم الله بالةً)).
(ومنها): ما أخرجه الشيخان من حديث ابن مسعود نظراته قال: سمعت
النبيّ وَّه يقول: ((مِن شرار الناس مَن تُدركهم الساعة، وهم أحياء)).
وهذه الأحاديث كلها وما في معناها تدلّ على أن الصالحين سيُقبضون
شيئاً فشيئاً، حتى يكونوا في آخر الزمان قلّةً، فتأتي الريح اللينة، فتقبضهم،
فتقوم الساعة على شرار الناس، والله تعالى أعلم.
[فإن قلت]: كيف تجمع بين هذه الأحاديث، وبين حديث جابر بن
عبد الله فيما قال: سمعت النبيّ وَّله يقول: ((لا تزال طائفة من أمتي، يقاتلون
على الحقّ، ظاهرين إلى يوم القيامة)).
وحديث معاوية رضيُه مرفوعاً: ((ولن تزال هذه الأمة قائمةً على أمر الله،
(١) ((الْحُفَالة)) بالضم: الرديء من كلّ شيء.

٤١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله))، متّفقٌ عليه، فإن ظاهر الحديثين أن
هذه الطائفة تبقى على الحقّ إلى أن تقوم الساعة؟.
[قلت]: يُجمع بينها بأن هؤلاء لا يزالون على الحقّ حتى تَقبِضهم هذه
الريح الليّنة قربَ القيامة، وعند تظاهر أشراطها، فأَطلَق في هذا الحديث
بقاءهم إلى قيام الساعة على أشراطها، ودُنُوِّها المتناهي، قاله النوويّ(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظُبه هذا من أفراد المصنّف.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣١٩/٥٣] (١١٧)، و(البخاريّ) في
((التاريخ الكبير)) (١٠٩/٥)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٤٥٥/٤)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (٣٠٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الريح التي تأتي قرب القيامة، فتقبض روحَ كلّ من في
قلبه شيء من الإيمان.
٢ - (ومنها): بيان فضل الله تعالى، ورحمته للمؤمنين، حيث يقبض
أرواحهم قبل قيام الساعة بريح ألين من الحرير، حتى لا تقوم عليهم القيامة،
﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
٣ - (ومنها): بيان أن موت الصالحين من أشراط الساعة.
٤ - (ومنها): بيان أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، كما سبق في
الأحاديث السابقة.
٥ - (ومنها): بيان بعض علامات الساعة، وهي هذه الريح.
٦ - (ومنها): أن فيه علماً من أعلام النبوّة، ومعجزةً من معجزات
الرسول وَله، حيث أخبر بما سيأتي في آخر الزمان.
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٣٢/٢.

٤١٧
(٥٤) - بَابُ الْحَتِّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِالأَعْمَالِ قَبْلَ تَظَاهُرِ الْفِتَنِ - حديث رقم (٣٢٠)
٧ - (ومنها): بيان تفاوت أهل الإيمان فيه، حيث يكون لبعضهم أعلى
الدرجات، ولبعضهم أدنی قدر منه.
٨ - (ومنها): بيان أن الإيمان يزيد وينقص، وهو مذهب أهل السنّة
والجماعة، وخالف في ذلك طائفة من المبتدعة، وهم المرجئة الضالّة، يزعمون
أنه مجرّد التصديق، لا يزيد، ولا ينقص، وهو ضلال مبين، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْتُ﴾ .
٥٤ - (بَابُ الْحَثِّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِالأَعْمَالِ قَبْلَ تَظَاهُرِ الْفِتَنِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٢٠] (١١٨) - (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعاً
عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَناً، كَقِطَعِ
اللَّيْلِ الْمُظْلِم، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً، وَيُمْسِي كَافِراً، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِناً، وَيُصْبِحُ
كَافِراً، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْبَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (٢٣٤) (غخ م
د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد المذكور قبل بابين.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجر بن إياس السّعْديّ المروزيّ، ثقة
حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤)، وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س)
تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقَيّ، أبو إسحاق
المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢/ ١١٠.
٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْحُرقيّ، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ، ربما

٤١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وَهِمَ [٥] (مات سنة بضع ١٣٠) (زم٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهَنيّ الْحُرَقِيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ
[٣] (ز م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ظُبه المذكور قريباً، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ، وفيه التحديث بصيغة الإفراد
في أوله؛ لكونه سمعه وحده، والجمع في ثانيه؛ لكونه سمعه مع جماعة،
والإخبار بصيغة الإفراد في ثالثه؛ لكونه قرأه بنفسه، والعنعنة في الباقي.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من إسماعيل.
٣ - (ومنها): أن فيه قوله: (قال ابن أيوب ... إلخ) إشارة إلى الاختلاف
الواقع بين شيوخه الثلاثة، فيحيى بن أيوب صرّح بالسماع من شيخه إسماعيل،
والآخران لم يصرّحا به.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ: العلاء عن
أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ) أي
سابقوا بتكثير الأعمال الصالحة، قال المجد: بادره مُبادرةً، وبِدَاراً، وابتدره،
وبَدَرَ غيره إليه: عاجله. انتهى(١). وقال الفيّوميّ: بَدَرَ إلى الشيء، بُدُوراً،
وبادر إليه مبادرةً، وبِدَاراً، من باب فَعَدَ، وقاتل: أسرع، وفي التنزيل العزيز:
﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَيِدَارًا أَنْ يَكْبَرُواْ﴾ [النساء: ٦](٢).
وقوله: (فِتَناً) أي أيام فِتَن، منصوب على المفعوليّة، وهو بكسر الفاء،
وفتح التاء المثنّاة الفوقيّة، ثم نون: جمع فِتنة، بكسر، فسكون: وهي الْمِحنة
والابتلاء، وأصلها من قولك: فَتَنتُ الذهب والفضّةَ: إذا أحرقته بالنار؛ ليَبِين
الجيّد من الرديء(٣).
(١) ((القاموس المحيط)) ص٣١٤.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٦٢.
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٣٨/١.

٤١٩
(٥٤) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِالأَعْمَالِ قَبْلَ تَظَاهُرِ الْفِتَنِ - حديث رقم (٣٢٠)
وقال الطيبيّ: معنى قوله: ((بادروا بالأعمال فِتَناً)) أي سابقوا وقوع الفِتَن
بالاشتغال بالأعمال الصالحة، واهتمّوا بها قبل نزولها، فالمبادرة: المسارعة
بإدراك الشيء قبل فواته، أو بدفعه قبل وقوعه. انتهى(١).
وقال القرطبيّ: معناه: سابقوا بالأعمال الصالحة هُجُوم الْمِحَن المانعة
منها، السالبة لشرطها المصحِّح لها: الإيمانِ، كما قال: ((يُصبح الرجل مؤمناً،
ويُمسي كافراً))، ولا إحالةَ، وَلا بُعْدَ في حَمْل هذا الحديث على ظاهره؛ لأن
الْمِحَن، والشدائد إذا توالت على القلوب أفسدتها بغلبتها عليها، وبما يؤثّر فيها
من القسوة، ومقصود هذا الحديث الحضّ على اغتنام الْفُرْصة، والاجتهاد في
أعمال الخير والبرّ عند التمكّن منها قبل هُجُوم الموانع. انتهى(٢).
وقوله: (كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ) متعلّق بصفة لـ(فِتَن)) أي كائنة كقِطَع الليل
المظلِم، و((الْقِطَعُ)» - بكسر، ففتح -: جمع قطعة، والمراد كجزء من الليل
المظلِم؛ لفرط سوادها وظلمتها، وعدم تبيّن الصلاح والفساد فيها، وفيه إيماء
إلى أن أهل هذه الْفِتَن ممن قال تعالى في حقّهم: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا
مِنَ الَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس: ٢٧]، وقد قرأ ابن كثير، والكسائيّ في الآية بسكون
الطاء على أن المراد به جزء من الليل، أو من سواده، ويرادفه قطعة.
فقوله: ((كقِطَع الليل المظلم)) كناية عن شدّة الفِتَن، وهول الخوف منها،
وإبهام الأمر فيها، وضعف الوصول إلى الحقّ، وسرعة الوقوع في الباطل،
ووصف الليل بالمظلم للتأکید.
وحاصل المعنى: تعجّلوا بالأعمال الصالحة قبل مجيء الفتن المظلمة من
القتل، والنهب، والاختلاف بين المسلمين في أمر الدنيا والدين، فإنكم لا
تطيقون الأعمال على وجه الكمال فيه، والمراد من التشبيه بيان حال الفِتَن من
حيث إنه بَشِيعٌ فَظِيعٌ، ولا يُعرف سببها، ولا طريق الخلاص منها، قاله
القاري (٣).
(يُصْبِحُ) أي يدخل في وقت الصباح، يقال: أصبحنا: أي دخلنا في
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٤٠٦/١١.
(٢) ((المفهم)) ٣٢٦/١.
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) ٢٦٠/٩.

٤٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الصباح، وهو أول النهار(١). (الرَّجُلُ) ذكر الرجل ليس للاحتراز عن المرأة،
فهي مثله في هذا، ولكن الظاهر - والله أعلم - أن ذلك غالب في الرجال؛ لأن
أكثر الفتن تواجههم؛ إذ النساء غالباً يبتعدن عن مواجهتها بسبب لزومهن البيت
غالباً، (مُؤْمِناً) أي متّصفاً بأصل الإيمان، أو بكماله (وَيُمْسِي) أي يدخل في
المساء، وهو خلاف الصباح (كَافِراً) أي حقيقةً، أو كافراً للنعمة، أو مشابهاً
للكفرة، أو عاملاً عمل الكافر، وقيل: المعنى: يُصبح مُحَرِّماً ما حرّمه الله،
ويُمسي مستحلّاً إياه، وبالعكس، وحاصله التذبذب في أمر الدين، والتتبّع لأمر
الدنيا، كما بيّنه بقوله: ((يبيع ... إلخ))، قاله القاري(٢).
وأورد البغويّ في ((شرح السنّة)) (١٥/١٤)، عن الحسن أنه قال في هذا
الحديث: ((يصبح الرجل مؤمناً)) يعني: محرِّماً لدم أخيه وعرضه وماله، ويمسي
مستحلاً. انتهى.
فقوله: ((يُصبح الرجل ... إلخ)) جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً، كأن سائلاً
قال: ما حال الفنتة؟ فأجابه بقوله: ((يُصبح الرجل ... إلخ)).
(أَوْ يُمْسِي مُؤْمِناً، وَيُصْبِحُ كَافِراً) ((أو)) للشكّ من الراوي في أيّ اللفظين
قاله النبيّ وَّه، وكلّ من اللفظين يدلّ على سرعة التحوّل من حال الإيمان إلى
حال الكفر في أقرب وقت، وليس الليل والنهار مقصودين، بل هما كناية عن
السرعة المذكورة؛ إذ يمكن أن يحدث في لحظات قليلة من لحظات الليل
والنهار.
وقوله: (يَبِيعُ) جملة مستأنفة استئنافاً بيانيّاً، وهو ما وقع جواباً لسؤال
مقدّر، تقديره هنا: كيف يصبح مؤمناً، ويمسي كافراً؟، فأجاب بقوله:
(يبيع ... إلخ): أي يبيع الرجل، أو أحدهم (دِينَهُ) أي بتركه (بِعَرَضٍ)
بفتحتين: أي بأخذ متاع دنيء، وثمن رديء، وقال القرطبيّ: عَرَضُ الدنيا بفتح
العين والراء: هو طمعها، وما يَعْرِضُ منها، ويدخل فيه جميع المال، قاله
الهرويّ(٣). (مِنَ الدُّنْيَا) بيان للعرض.
(١) ((المصباح)) ٣٣١/١.
(٣) ((المفهم)) ٣٢٦/١.
(٢) ((المرقاة)) ٢٦٠/٩ - ٢٦١.