Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١
(٥١) - بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ - حديث رقم (٣١٧)
((الموطأ)) في هذا الحديث ((حنين)) بدل ((خيبر))، وخالفه محمد بن وَضّاح، عن
يحيى بن يحيى، فقال: ((خيبر))، مثل الجماعة، وهو الصواب، كما نَبَّهَ عليه
ابن عبد البر، والله تعالى أعلم.
(فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْنَا، فَلَمْ نَغْتَمْ) بفتح أوله، وثالثه، يقال: غَنِمْتُ الشيءَ
أَغْنَمُهُ، من باب تَعِبَ غُنْماً بالضمّ ومَغْنَماً، قال أبو عُبيد: ((الْغَنِيمةُ)): ما نِيلَ من
أهل الشرك عَنْوَةً والحرب قائمة، و((الفيءُ)): ما نِيلَ منهم بعد أن تَضَعَ الحرب
أوزارها. انتهى(١). وقوله: (ذَهَباً) منصوب على المفعوليّة (وَلَا وَرِقاً) بفتح
الواو، وكسر الراء، وتُسكّن للتخفيف: الفضّة المضروبة، ومنهم من يقول: هي
الفضّة مضروبةً كانت أو غير مضروبة، قال الفارابيّ: الْوَرِقُ: المال من
الدراهم، ويُجمع على أوراق، والرِّقَةُ، مثلُ عِدَةٍ: الوَرِقُ. انتهى.
وفي رواية البخاريّ: ((ولم نَغْنَمْ ذهباً، ولا فضّةً)).
(غَنِمْنَا الْمَتَاعَ، وَالطَّعَامَ، وَالثَِّابَ) وفي رواية البخاريّ: ((إنما غَنِمنا البقر،
والإبل، والمتاع، والحوائط))، وعند رُوَاة ((الموطأ)): ((إلا الأموال، والثياب،
والمتاع))، وعند يحيى الليثيّ وحده: ((إلا الأموال، والثياب)).
قال الحافظ: والأول هو المحفوظ، ومقتضاه أن الثياب والمتاع لا
تُسَمَّى مالاً، وقد نَقَلَ ثعلب، عن ابن الأعرابيّ، عن الْمُفَضَّل الضبيّ قال:
المالُ عند العرب الصامت والناطق، فالصامت الذهب والفضة والجوهر،
والناطق البعير والبقرة والشاة، فإذا قُلتَ عن حَضَريّ: كَثُرَ ماله، فالمراد
الصامت، وإذا قُلتَ عن بَدَويّ، فالمراد الناطق. انتهى.
وقد أطلق أبو قتادة ظبه على البستان مالاً، فقال في قصة السَّلَب الذي
تَنَازع فيه هو والقُرَشيّ في غزوة حُنين: ((فابتعتُ به مِخْرَفاً، فإنه لأول مال
تأثلته))، فالذي يظهر أن المال ما له قيمة، لكن قد يَغْلِب على قوم تخصيصه
بشيء، كما حكاه الْمُفَضَّلُ، فتحمل الأموال على المواشي والحوائط، التي
ذكرت في رواية الباب، ولا يراد بها النقود؛ لأنه نفاها أوّلاً. انتهى(٢).
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٥٤/٢ - ٤٥٥.
(٢) ((الفتح)) ٥٥٩/٧ ((المغازي)) رقم الحديث (٤٢٣٤).
٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(ثُمَّ انْطَلَقْنَا) أي ذهبنا (إِلَى الْوَادِي) وفي رواية البخاريّ: ((إلى وادي
القرى))، قال الفيّوميّ: وادي الْقُرى: موضع قريبٌ من المدينة على طريق
الحاجّ من جهة الشام. انتهى(١).
(وَمَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ عَبْدٌ لَهُ) زاد في رواية البخاريّ: ((يقال له: مِدْعَم))،
وفي رواية ((الموطّأ)): ((فأهدى رفاعة بن زيد لرسول الله وسلّ غُلاماً أسود، يقال
له: مِدْعَم)). انتهى. وهو بكسر الميم، وسكون الدال المهملة، وفتح العين
المهملة، قاله في ((الفتح)).
وقال النوويّ في ((شرحه)): قوله: ((ومع النبيّ ◌ََّ عبد له))، فاسمه مِدْعَم،
كذا جاء مُصَرَّحاً به في ((الموطأ)» في هذا الحديث بعينه.
قال الجامع: بل جاء في ((صحيح البخاريّ)) في نفس الحديث، كما
أسلفته آنفاً .
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقيل: إنه غير مِدْعَم، قال: ووَرَدَ
فى حديثٍ مثلِ هذا اسمه كِرْكِرَة، ذكره البخاري. انتهى كلام القاضي، وكِركِرَة
بفتح الأولى، وكسرها، وأما الثانية فمكسورة فيهما، قاله النوويّ(٢).
قال الجامع: حديث البخاريّ الذي أشار له عياض هو ما أخرجه من
طريق سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن عمرو، قال: كان على ثَقَلِ
النبيّ وَّه رجل يقال له: كِرْكِرة، فمات، فقال رسول الله وَل: ((هو في النار))،
فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عَبَاءةً قد غَلَّها.
قال في ((الفتح)): وكلام عياض يُشعر بأن قصّته مع قصّة مِدْعَم مُتَّحِدَةٌ،
والذي يظهر من عدّة أوجه تغايرهما، نعم، عند مسلم من حديث عمر قهبه:
ولَمّا كان يومُ خيبر قالوا: فلانٌ شهيدٌ، فقال النبيّ وَّ: ((كلا إني رأيته في النار
في بُرْدة غَلّها، أو عباءة))، فهذا يُمكن تفسيره بكركرة، بخلاف قصّة مِدْعَم،
(١) ((المصباح)) ٢/ ٦٥٤.
(٢) قال في ((الفتح)): واختُلف في ضبطه، فذكر عياضٌ أنه يقال بفتح الكافين،
وبكسرهما، وقال النوويّ: إنما اختُلف في كافه الأولى، وأما الثانية فمكسورة
اتفاقاً. انتھی.
٣٨٣
(٥١) - بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ - حديث رقم (٣١٧)
فإنها كانت بوادي القرى، ومات بسهم عائر، وغَلَّ شَمْلَةً، والذي أهدى
للنبيّ وَّ كركرة هَوْذَةُ بن عليّ، بخلاف مِدْعم، فأهداه رفاعة، فافترقا. انتهى
كلام الحافظ، وهو بحثٌ نفيس.
وذكر البيهقي في روايته أنه وسلّ حاصر أهل وادي القرى، حتى فتحها،
وبَلَغَ ذلك أهل تَيْمَاء، فصالحوه(١).
(وَهَبَّهُ لَهُ) وفي رواية البخاريّ: ((أهداه له)) (رَجُلٌ مِنْ جُذَامَ) بضمّ الجيم،
وفتح الذال المعجمة، آخره ميم: أبو قبيلة من اليمن، قال السمعانيّ: جُذام،
ولَخْمٌّ قبيلتان من اليمن، نزلتا الشام، و((جُذَام)) هو: الصدف بن شوّال بن
عمرو بن دعمي بن زيد بن حضرموت، ويقال: إنه الصدف بن أسلم بن زيد بن
مالك بن زيد بن حضرموت الأكبر. انتهى(٢).
(يُدْعَى) بالبناء للمفعول: أي يُسمَّى ذلك الرجل الْجُذَاميّ (رِفَاعَةَ) بكسر
الراء، وتخفيف الفاء (بْنَ زَيْدٍ، مِنْ بَنِي الصُّبَيْبِ) بضم الضاد المعجمة، وبعدها
باء موحّدة مفتوحة، ثم ياء مثناة من تحتُ ساكنة، ثم باء موحّدة مصغّراً، هكذا
وقع عند المصنّف، ووقع عند البخاريّ: ((أحد بني الضِّبَاب))، قال في
((الفتح)): كذا في رواية أبي إسحاق، بكسر الضاد المعجمة، وموحدتين،
الأولى خفيفة، بينهما ألف، بلفظ جمع الضَّبِّ، وفي رواية أبي إسحاق:
((رِفَاعة بن زيد الْجُذَاميّ، ثم الضُّبَنِيُّ، بضم المعجمة، وفتح الموحّدة، بعدها
نون، وقيل: بفتح المعجمة، وكسر الموحّدة: نسبة إلى بطن من جُذَام، قال
الواقديّ: كان رِفَاعة قد وَفَدَ على رسول الله وَّ في ناس من قومه، قبل
خروجه إلى خيبر، فأسلموا، وعَقَدَ له على قومه. انتهى(٣).
(فَلَمَّا نَزَلْنَا الْوَادِي) أي وادي القرى (قَامَ عَبْدُ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) تقدّم أن
اسمه مِدْعَم (يَحُلّ) بضمّ الحاء، من باب نصر (رَحْلَهُ) بفتح الراء، وسكون
الحاء المهملة: هو مَرْكَب الرجُل على البعير، قاله النوويّ.
(١) راجع: ((الفتح)) ٧/ ٥٦٠ ((كتاب المغازي)) رقم الحديث (٤٢٣٤).
(٢) راجع: ((الأنساب)) ٥٦/٢، و((اللباب)) ٢٦٥/١.
(٣) راجع: ((الفتح)) ٥٥٩/٧.
٣٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال الفيّوميّ: ((الرَّحْلُ)): كلُّ شيء يُعَدُّ للرَّحِيل، من وِعَاء للمتاع،
ومَرْكَب للبعير، وحِلْسٍ، وَرَسَنٍ، وجمعه: أَرْحُلٌ، ورِحالٌ، مثلُ أَفْلُسِ وسِهَامِ.
(١)
انتھی(١).
وفي رواية البخاريّ: ((فبينما هو يَحُظُ رَحْلَ رسول اللهِ وَّ))، وزاد في
رواية البيهقيّ: ((وقد استَقْبَلتنا يهودُ بالرَّمي، ولم نَكُن على تَعْبِيَةٍ)).
(فَرُمِيَ بِسَهْم) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية البخاريّ: ((إذ جاء سهمٌ
عائرٌ حتى أصابَّ ذلك العبد))، و((العائر)) بعين مهملة، بوزن فاعل: أي لا
يُدْرَى مَن رَمَى به، وقيل: هو الحائد عن قصده، قاله في ((الفتح)).
(فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ) بفتح الحاء المهملة، وسكون التاء، بعدها فاء: أي
موته، وجمعه: حُتُوفٌ، قال حَنَشُ بن مالك [من المتقارب]:
فَنَفْسَكَ أَحْرِزْ فَإِنَّ الْحُتُو فَ يَنْبَأْنَ فِي كُلِّ وَادِ
قاله في ((اللسان))(٢)، وقولهم: مات حتف أنفه، هو أن يموت على
فراشه، كأنه سقط لأنفه فمات، والْحَتْفُ: الهلاكُ، كانوا يتخيّلون أن روح
المريض تخرُج من أنفه، فإن جُرِح خرجت من جِرَاحته، أفاده ابن الأثير(٣).
وقال الفيّوميّ: ((الْحَتْف)): الهلاك، قال ابن فارس، وتبعه الجوهريّ:
ولا يُبنَى منه فعلٌ، يقال: مات حَتْفَ أنفه: إذا مات من غير ضرب، ولا قتل،
وزاد الصغانيّ: ولا غَرَق، ولا حَرَقٍ، وقال الأزهريّ: لم أسمع للْحَتْف فِعلاً،
وحكاه ابن الْقُوطيّة، فقال: حَتَفَهُ الله يَحْتِفْه حَتْفاً: أي من باب ضَرَبَ: إذا
أماته، ونَقْلُ العدل مقبولٌ، ومعناه: أن يموت على فراشه، فيَتَنَفَّسَ حتى يَقْضِيَ
رَمَقَهُ، ولهذا خُصّ الأنف، ومنه يقال للسمك يموت في الماء، ويَطْفُو: مات
حَتْفَ أنفه، وهذه الكلمة تكلّم بها أهل الجاهليّة، قال السَّمَوْأَلُ:
وَمَا مَاتَ مِنَّا سَيِّدٌ حَتْفَ أَنْفِهِ (٤)
(فَقُلْنَا: هَنِيئاً لَهُ الشَّهَادَةُ، يَا رَسُولَ اللهِ) برفع ((شهادة)) على الفاعليّة
لـ((هنيئاً)): أي لِتَهْنِتْهُ الشهادةُ: أي لتسرّه، يقال: هَنَأَني الولدُ يهنؤني مهموزاً،
(١) ((المصباح المنير)) ٢٢٢/١.
(٣) ((النهاية)) ٣٣٧/١.
(٢) راجع: ((لسان العرب)) ٣٨/٩.
(٤) (المصباح المنير)) ١٢٠/١.
٣٨٥
(٥١) - بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ - حديث رقم (٣١٧)
من بابي نفع وضرب: أي سَرّني، وهَنُؤَ الشيء بالضمّ مع الهمز هَنَاءةً بالفتح
والمدّ: إذا تيسّر من غير مشقّة، ولا عناء، أفاده الفيّوميّ(١).
وقال ابن منظور: التَّهْنِئَةُ: خلاف التعزية، يقال: هَنَأَهُ بالأمر، والولاية
هَنْأً، وهَنَّأَهُ تَهْنِئَةً، وتَهْنيئاً: إذا قال له: لِيَهْنِثْكَ، والعرب تقول: لِيَهْنِتْكَ الفارسُ
بجزم الهمزة، ولِيَهْنيكَ الفارسُ بياء ساكنةٍ، ولا يجوز لِيَهْنِك كما تقول العامّة،
قال: قال سيبويه: قالوا: هَنِيئاً مَرِيئاً، وهي من الصفات التي أُجريت مُجْرَى
المصادر الْمَدْعُوّ بها في نصبها على الفعل غير المستعمَلِ إظهاره، واختزاله؛
لدلالته عليه، وانتصابه على فعل من غير لفظه، كأنه ثَبَتَ له ما ذُكِرَ له ◌َنِيئاً،
وأنشد الأخطل :
إِلَى إِمَام تُغَادِينَا فَوَاضِلُهُ أَظْفَرَهُ اللهُ فَلْيَهْنِىءْ لَهُ الظَّفَرُ
انتهى كلام ابن منظور باختصار(٢).
(قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((كَلَّا) أي ارتدعوا، وانزجروا عما تقولونه من إثبات
الشهادة لهذا العبد (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ نَّهِ بِيَدِهِ) فيه إثبات اليد لله تعالى على
ما يليق بجلاله، ومشروعيّة القسم به (إِنَّ الشَّمْلَةَ) بفتح، فسكون: كساء يُتَغَطَى،
ويُتَلَفَّفُ فيه، قاله ابن الأثير(٣).
وقال ابن عبد البرّ: وأما الشَّمْلة فكساء مُحَمَّلٌ، وقال الخليل: اشتمل
بالثوب أداره على جسده، قال: والاسم الشَّمْلَة، قال: والشَّمْلة: كساءٌ ذو
خَمْلٍ، وقال الأخفش: الشَّمْلة: إزار من الصوف. انتهى (٤).
وقال الفيّوميّ: (الشَّمْلَةُ)): كساء صغير يُؤْتَزَرُ به، والجمع شَمَلَات، مثلُ
سَجْدَةٍ وسَجَدَاتٍ، وشِمَالٌ أَيضاً، مثلُ كَلْبَةٍ وكِلابٍ. انتهى (٥) .
(لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَاراً) وفي رواية البخاريّ: ((لتشتعل عليه ناراً))، وهو
بمعناه، قال في ((الفتح)): يَحْتَمِلُ أن يكون ذلك حقيقةً بأن تَصِير الشَّمْلة نفسُها
ناراً، فيُعَذَّب بها، ويحتمل أن يكون المراد أنها سببٌ لعذاب النار، وكذا
(١) ذكره في ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٤٢، ونقلته بتصرّف، واختصار.
(٣) ((النهاية)) ٢/ ٥٠١.
(٢) (لسان العرب)) ١٨٤/١ - ١٨٥.
(٤) ((التمهيد)) ٢١/٢.
(٥) ((المصباح)) ٣٢٣/١.
٠
٣٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
القول في الشراك الآتي ذكره. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الأرجح؛ لظاهر
النصّ، ومما ينبغي أن يُعلم، وإن كان كثير من الناس يغفُل عنه أنّ ظاهر النصّ
لا يُعدل عنه إلا لدليل ناقل، فليُتنّه، والله تعالى أعلم.
(أَخَذَهَا) أي تلك الشَّمْلة، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً، وهو ما وقع
جواباً عن سؤال مقدَّر، وتقديره هنا: ما سبب التهابها عليه؟، فأجاب بأنه
أخذها (مِنَ الْغَنَائِم بَوْمَ خَيْبَرَ) أي يوم وقعة خيبر، وقوله: (لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ»)
جملة في محلّ نصب على الحال، من المفعول، و((المقاسم)) بالفتح: جمع
مَقْسَم بفتح، فسكون: بمعنى النصيب، قال في ((القاموس)): الْقِسْمُ بالكسر،
وكمِنْبَر، ومَقْعَدٍ: النصيب، كالأُقْسُومة. انتهى (٢). والمراد أنه أخذها دون أن
يقع عليها نصيبه عند قسمة الغنائم.
(قَالَ: فَفَزِعَ النَّاسُ) بكسر الزاي، من باب تَعِبَ: أي خاف الناس من أن
يلحقهم ما لحِقَ هذا العبدَ بسبب الشّملة (فَجَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف
على اسمه (بِشِرَاكِ) بكسر المعجمة، وتخفيف الراء: سَيْرُ النَّعْل على ظهر القَدَم
(أَوْ) الظاهر أنها للشكّ من الراوي (شِرَاكَيْنٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ يَوْمَ
خَيْبَرَ) قال النوويّ: كذا في الأصول، وهو صحيح، وفيه حذف المفعول: أي
أصبت هذا. انتهى. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ: ((شِرَاكُ مِنْ نَارٍ) خبر لمحذوف: أي
هذا شراك من نار، وقد مرّ آنفاً أن حمله على ظاهره هو الظاهر (أَوْ شِرَاكَانٍ
مِنْ نَارٍ))) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فيه تنبيهٌ على المعاقبة عليهما،
وقد تكون المعاقبة بهما أنفسهما، فيُعَذَّب بهما، وهما من نار، وقد يكون ذلك
على أنهما سبب لعذاب النار. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبق قريباً ترجيح الاحتمال الأول،
فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((الفتح)) ٥٥٩/٧ - ٥٦٠.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١٠٣٦.
٣٨٧
(٥١) - بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ - حديث رقم (٣١٧)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رَُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣١٧/٥١] (١١٥)، و(البخاريّ) في
((المغازي)) (٤٢٣٤)، و((الأيمان والنذور)) (٦٠٧٧)، و(أبو داود) في ((الجهاد))
(٢٧١١)، و(النسائيّ) في ((الأيمان والنذور)) (٣٨٥٤)، و((الكبرى)) (٤٧٦٨)،
و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٨٥١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣٨)، و(أبو
نعيم) (٣٠٤ و٣٠٥)، و(البيهقيّ) (١٠٠/٩)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(٢٨٢٨)، وفي ((التفسير)) (٣٦٧/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان غِلَظ تحريم الغلول، وأنه من الكبائر التي تنافي كمال
الإيمان، وهو وجه المطابقة لإيراده هنا.
٢ - (ومنها): أن الغلول محرّم كلّه، لا فرق بين قليله وكثيره، حتى
الشراك.
٣ - (ومنها): أن الغلول يَمنع من إطلاق اسم الشهادة على مَن غَلّ إذا
قُتل في المعركة.
٤ - (ومنها): أنه لا يدخل الجنة أحدٌ ممن مات على الكفر، وهذا
بإجماع المسلمين .
٥ - (ومنها): جواز الْخَلِف بالله تعالى من غير ضرورة؛ لقوله وَله:
«والذي نفس محمد بيده)).
٦ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: في هذا
الحديث أيضاً دليل على أنّ الغالّ لا يجب حَرْقُ متاعه؛ لأن رسول الله وَّو لم
يُحَرِّق رَحْل الذي أَخَذَ الشَّملة ولا متاعه، ولا أحرق متاع صاحب الْخَرَزات،
ولو كان حَرْقُ متاعه واجباً لفعله بَّهِ حينئذ، ولو فعله لنُقِل ذلك في الحديث،
وقد رُوي عن النبيّ وَّرَ أنه قال: ((مَن غَلّ فأحرقوا متاعه، واضربوه))، رواه
أسد بن موسى وغيره، عن الدَّرَاوردي عن صالح بن محمد بن زائدة، عن
سالم، عن ابن عمر، وقال بَعضُ رواة هذا الحديث فيه: ((فاضربوا عنقه،
٣٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وأحرقوا متاعه))، وهو حديث يدور على صالح بن محمد بن زائدة، وهو
ضعيف، لا يُحتجُّ به. انتهى كلام ابن عبد البرّ، وسيأتي تمام البحث في
اختلاف العلماء في عقوبة الغالّ في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -.
٧ - (ومنها): حلّ الغنائم، وهو من خصوصيّات النبيّ ◌َّ، فلم تحلّ
لأحد من الأنبياء قبله، فقد أخرج الشيخان من حديث جابر نظريته مرفوعاً:
قال: ((أُعطِيت خمساً لم يُعطَهُنّ أحدٌ قبلي))، وفيه: ((وأُحِلَّت لي المغانم، ولم
تحل لأحد قبلي ... )) الحديث.
٨ - (ومنها): أن فيه عَلَماً من أعلام النبوّة، ومعجزة ظاهرة للنبيّ
وَسيِّلة
صَلَىاللّه
حيث أطلعه الله تعالى على المغيّبات من أحوال الموتى، فيرى المعذّبين، ونوع
عذابهم، وسَببه.
٩ - (ومنها): بيان حرص النبيّ ◌َّهر على تحذير أمته من الوقوع في أسباب
العذاب، فقد أخبر في هذا الحديث أصحابه ﴿ بما لهذا العبد من العذاب،
وبطلان الشهادة بسبب غلوله، تحذيراً لهم، ولأمته جميعاً عن التعرض لمثله،
فهو من مِصداق قوله رَك: ﴿لَقَدْ جَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا
عَنِتُمْ حَرِيمُ عَلَيْكُمْ بِلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (٧٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
١٠ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: في هذا
الحديث أن بعض العرب، وهي دَوْسٌ لا تُسَمِّي العين مالاً، وإنما الأموال
عندهم الثياب، والمتاع، والعروض، وعند غيرهم المال الصامت من الذهب
والورق، وذكر ابن الأنباريّ عن أحمد بن يحيى النحوي قال: ما قَصَرَ عن
بلوغ ما تجب فيه الزكاة من الذهب والورق والماشية، فليس بمال، وأنشد
[من البسيط]:
وَاللهِ مَا بَلَغَتْ بِي قَطُ مَاشِيَةٌ حَدَّ الزَّكَاةِ وَلَا إِبْلٌ وَلَا مَالُ
قال: وأنشد أحمد بن يحيى أيضاً [من الوافر]:
مَلْأتُ يَدِي مِنَ الدُّنْيَا مِرَاراً فَمَا طَمِعَ الْعَوَاذِلُ فِي اقْتِصَادِي
وَلَا وَجَبَتْ عَلَيَّ زَكَاةُ مَالٍ وَهَلْ تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى جَوَادٍ
وهذان البيتان أنشدهما الزبير بن بكّار، عن محمد بن عيسى لِفُليح بن
إسماعيل.
٣٨٩
(٥١) - بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ - حديث رقم (٣١٧)
قال أبو عمر: المعروف من كلام العرب أن كُلَّ ما تُمُوِّل وتُمُلُّك فهو
مال، ألا ترى إلى قول أبي قتادة السَّلَمِيّ ◌َُّبه: ((فابتعت - يعني: بسلب القتيل
الذي قتله يوم حنين - مَخْرَفاً في بني سَلِمَة، فإنه لأول مال تأثلته في
الإسلام))؟، وقال الله رَّ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا﴾ [التوبة:
١٠٣]، وأجمعوا أن العين مما تُؤخذ منه الصدقة، وأن الثياب والمتاع لا يؤخذ
منها الصدقة، إلا في قول مَن رَأَى زكاة العُرُوض للمدير التاجر، نَضَّ(١) له في
عامه شيء من العين، أو لم يَنُضّ، وقال بَّهِ: ((يقول ابن آدم: مالي مالي،
وإنما له من ماله ما أكل فأفنى، أو تصدق فأمضى، أو لبس فأبلى))، وهذا أبين
من أن يحتاج فيه إلى استشهاد، فمن حَلَفَ بصدقة ماله، فذلك على كل نوع
من ماله، سواء كان مما تجب فيه الزكاة، أو لم يكن إلا أن ينوي شيئاً بعينه،
فيكون على ما نوى، ولا معنى لقول من قال: إن ذلك على أموال الزكوات؛
لأن العلم محيط، واللسان شاهد في أن ما تُمُلِّك وتُمُوِّل يسمى مالاً.
١٠ - (ومنها): جواز قبول الإمام الهدية، فإن كانت لأمر يختص به في
نفسه أَنْ لَوْ كان غير والٍ، فله التصرف فيها بما أراد، وإلا فلا يتصرف فيها إلا
للمسلمين، وعلى هذا التفصيل يُحْمَل حديث: ((هدايا الأُمراء غُلُولٌ))، فيخص
بمن أَخذها، فاستبدّ بها، وخالف في ذلك بعض الحنفية، فقال: له الاستبداد
مطلقاً، بدليل أنه لو ردَّها على مُهديها لجاز، فلو كانت فيئاً للمسلمين، لَمَا
رَدّها، وفي هذا الاحتجاج نظرٌ لا يخفى، قاله في ((الفتح)) (٢)، وسيأتي تمام
البحث في هذا في المسألة التالية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الرابعة): ذكر الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ رحمه الله
تعالى: أن في الحديث إباحةَ قبول الهدية للخليفة إلا أن ذلك لا يجوز لغير
النبي 8﴿ إذا كان منه قبولها على جهة الاستبداد بها، دون رعيته، أخرج
(١) يقال: نضّ الثمن: حصل، وأهل الحجاز يُسمّون الدراهم والدنانير نَضّاً وناضّاً إذا
تحوّل عيناً بعد أن كان متاعاً، قاله في ((المصباح)) ٦١٠/٢.
(٢) ((الفتح)) ٧ / ٥٦٠.
٣٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قا قالت: ((كان رسول الله
البخاريّ فى ((صحيحه)) من حديث عائشة
يقبل الهدية، ويثيب عليها))(١).
قال أبو عمر: قبول رسول الله وسلّ الهدايا أشهر، وأعرف، وأكثر من أن
تحصى الآثار في ذلك، لكنه كان ◌َل﴿ مخصوصاً بما أفاء الله عليه من غير
قتال، من أموال الكفار أن يكون له خاصة، دون سائر الناس، ومن بعده من
الأئمة حكمه في ذلك خلاف حكمه؛ لأن ذلك لا يكون له خاصة دون
المسلمين بإجماع؛ لأنه فيء، وفي حديث أبي حميد الساعدي في قصة ابن
اللتبيّة ما يدل على أن العامل لا يجوز له أن يستأثر بهدية، أهديت إليه بسبب
ولايته؛ لأنها للمسلمين.
ثم أخرج بسنده حديث أبي حميد الساعدي مظانه قال: استعمل النبي وَل
رجلاً من الأزد، يقال له: ابن الأُتْبية على الصدقة، فلَمّا قَدِمَ قال: هذا لكم،
وهذا أهدي لي، قال: ((فهلا جَلَس في بيت أبيه، أو بيت أمه، فينظر يُهدَى له
أم لا؟ والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحد منه شيئاً إلا جاء به يوم القيامة، يحمله
على رقبته، إن كان بعيراً له رُغَاء، أو بقرة لها خُوَار، أو شاة تَيْعَر))، ثم رَفَع
بيده(٢) حتى رأينا عُفْرة إبطيه: ((اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت))؟ ثلاثاً، متّفقٌ
عليه .
قال أبو عمر: وفي قوله في هذا الحديث: ((إلا جاء به يوم القيامة يحمله
على عنقه)) دليلٌ على أنه غُلولٌ، حرامٌ نارٌ، قال الله وَى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ
ج
يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وقال النبيّ نَّه: ((هدايا الأُمراء غُلول))، ومن
ذلك قوله {وَّر في حديث ثور بن زيد هذا: ((إن الشَّمْلة التي أخذها يوم خيبر من
المغانم، لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه ناراً))، فكُلُّ مَن غَلّ شيئاً في سبيل الله،
أو خان شيئاً من مال الله، جاء به يوم القيامة إن شاء الله، والغلول من حقوق
الآدميين، ولا بُدّ فيه من القصاص بالحسنات والسيئات، ثم صاحبه في المشيئة.
(١) ذكر أبو عمر هذا الحديث من طريق ضعيف، ثم تكلم على ضعفه، فعدلت عنه إلى
ما أخرجه البخاريّ، فتنبّه.
(٢) هكذا نصّ البخاريّ ((بيده)) بالباء.
٣٩١
(٥١) - بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ - حديث رقم (٣١٧)
قال: ورَوَى وكيع وغيره، عن الأعمش، عن شقيق، قال: كان
رسول الله ﴿ه قد استَعمَل معاذ بن جبل على اليمن، فلما استُخلِف أبو بكر
بَعَثَ عمر على الموسم في تلك السنة، وقَدِم معاذ من اليمن برقيق، فلقي عمر
بعرفة، فقال له عمر: ما هؤلاء؟، قال: هؤلاء لأبي بكر، وهؤلاء لي، فقال له
عمر: أرى أن تأتي بهم إلى أبي بكر، فتدفعهم إليه فإن سلمهم لك، وإلا فهو
أحق بهم، فقال: وما لي أدفع رقيقي إلى أبي بكر؟، لا أعطيه هديتي،
فانصرف بهم إلى منزله، فلما كان من الغد جاء إلى عمر، فقال: يا ابن
الخطاب، لقد رأيتني الليلةَ أُشرِف على نار، قد أُوقدت، فأكاد أتَقَحَّمها،
وأَهْوِي فيها، وأنت آخذ بِحُجْزَتي، ولا أراني إلا مطيعك، قال: فذهب إلى
أبي بكر، فقال: هؤلاء لك، وهؤلاء أُهدوا لي، قال: فإنّا قد سلّمنا لك
هديتك، فرجع معاذ إلى منزله، فصلى، فإذا هم خلفه يصلون، قال: ما بالكم؟
قالوا: نصلي، قال: لمن؟ قالوا: لله، قال: فاذهبوا فأنتم لله، فأعتقهم.
وذكر يعقوب بن شيبة قال: حدثنا محمد بن يحيى النيسابوريّ، قال:
حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ عن ابن لكعب بن مالك،
قال: بعث رسول الله ﴿ ﴿ معاذاً إلى اليمن أميراً، وكان أوّل من تَجَرَ في
مال الله، فمَكَث حتى أصاب مالاً، وقُبض رسول الله وَّ ثم قدم معاذ، فقال
عمر لأبي بكر: أرسل إلى هذا الرجل، فدَعْ له ما يَعِيش به، وخذ سائره منه،
فقال أبو بكر: إنما بعثه رسول الله وَله لِيَجْبُره، ولست بآخذ منه شيئاً إلا أن
يعطيني. انتهى ملخّص كلام ابن عبد البرّ، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدّاً، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في حكم هدايا المشركين:
أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ عن عياض بن حمار اته:
أنه أهدى للنبيّ وَ ﴿ هديةً له، أو ناقةً، فقال النبيّ وَّر: ((أسلمت؟)) قال: لا،
قال: ((فإني نُهِيت عن زَبْدِ المشركين)) (١)، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح.
ومعنى قوله: ((إني نُهيت عن زَبْد المشركين)) يعني: هداياهم، وقد رُوي
(١) يقال: زبدت الرجل زَبداً، من باب ضرب: إذا أعطيته، ومنحته. اهــ ((المصباح)).
٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
عن النبيّ ◌َّ: أنه كان يقبل من المشركين هداياهم، وذَكَر في هذا الحديث
الكراهية، واحتَمَل أن يكون هذا بعدما كان يَقبَل منهم، ثم نُهِي عن هداياهم.
انتھی کلام الترمذيّ.
ولفظ أحمد: عن عياض بن حمار المجاشعيّ، وكانت بينه وبين النبيّ
معرفة قبل أن يُبعث، فلما بُعِث النبيّ وَّ أهدى له هديةً، قال: أحسبها إيلاً،
فأبى أن يقبلها، وقال: ((إنا لا نَقبل زَبْد المشركين))، قال: قلت: وما زبد
المشركين؟ قال: رِفْدُهم، وهديتهم.
وأخرج أبو عمر بسنده عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن مالك، عن
عامر بن مالك الذي يقال له: مُلاعب الأسنة، قال: قَدِمت على النبيّ وَل
بهدية، فقال: ((إنا لن نقبل هدية مشرك)).
قال أبو عمر: واختَلَف العلماء في معنى هذين الحديثين، فقال منهم
قائلون: فيهما النسخ لما كان عليه رسول الله وَلقر من قبول الهدية من أهل
الشرك، مثل أُكَيدر دُومَة، وفَرْوَة بن نُفَاثة، والْمُقَوْقِس، وغيرهم.
وقال آخرون: ليس فيهما ناسخ ولا منسوخ، والمعنى فيهما: أنه كان لا
يَقبَل هديةَ مَن يَطْمَع بالظهور عليه، وأخذ بلده، أو دخوله في الإسلام، فعن
مثل هذا نُهِي أن يَقْبَل هديته، ويُهادِنه، ويُقِرَّه على دينه، مع قدرته عليه، أو
طمعه في هدايته؛ لأن في قبول هديته حملاً على الكفّ عنه، وقد أُمِر أن يقاتل
الكفار حتى يقولوا: لا إله إلا الله.
وقال آخرون: كان مُخَيَّراً في قبول هديتهم، وترك قبولها؛ لأنه كان من
خلقه وَ* أن يُثيب على الهدية بأحسن منها، فلذلك لم يَقْبَل هدية مشرك؛ لئلا
يُتيبه بأفضل منها .
قال أبو عمر: وقد قيل: إنه إنما تَرَك ذلك تَنَزُّهاً، ونُهِي عن زَبْد المشركين؛
لما في التهادي، والزَّبْد من التحابّ، وتليين القلوب، والله رَق يقول: ﴿لَّ تَجِدُ
قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية،
والله أعلم بما أراد رسوله وَّه بقوله ذلك، وقد قبل بَ ل هديةَ قوم من المشركين(١).
(١) راجع: ((التمهيد)) ٣/٢ - ١٤.
٣٩٣
(٥١) - بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ - حديث رقم (٣١٧)
قال الجامع عفا الله تعالى: القول الثاني هو أقرب الأجوبة عندي،
وحاصله أن النهي عن قبول هدايا المشركين محمول على ما إذا رأى الإمام
المصلحة في ردّها بأن طمع في إسلامه، ونحو ذلك؛ جمعاً بين النصوص،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في عقوبة الغالّ:
قال الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: قد اختلف العلماء في عقوبة
الغالّ، فذهب مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأصحابهم، والليث بن سعد،
إلى أن الغالّ يعاقب بالتعزير، ولا يُحَرَّق متاعه.
وقال الشافعيّ، وداود بن علي: إن كان عالِماً بالنهي عُوقب، وهو قول
الليث، قال الشافعيّ: وإنما يعاقب الرجل في بدنه لا في ماله.
وقال الأوزاعيّ: يُحَرَّق متاع الغالّ كله إلا سلاحه وثيابه التي عليه،
وسرجه، ولا تُنتزَع منه دابته، ويُحَرّق سائر متاعه كله، إلا الشيء الذي غَلَّ،
فإنه لا يحرّق، ويعاقب مع ذلك، وقول أحمد وإسحاق، كقول الأوزاعي في
هذا الباب کله.
وروي عن الحسن البصريّ أنه قال: يحرق رحله كله، إلا أن يكون حيواناً
أو مصحفاً، وممن قال يُحَرَّق رحل الغالّ ومتاعه مكحول، وسعيد بن عبد العزيز.
وحجةُ مَن ذَهَبَ إلى هذا القول حديثُ صالح المذكور، وهو عندنا
حديثٌ لا يجب به انتهاك حرمة، ولا إنفاذ حكم، مع ما يعارضه من الآثار
التي هي أقوى منه، فأما رواية من رَوَى: ((فاضربوا عنقه، وأحرقوا متاعه))،
فإنه يعارضه قوله ومثل: ((لا يَحِلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ... ))
الحديث، وهو يَنفي القتل في الغلول، ورَوَى أبو الزبير(١)، عن جابرنَظُبه أن
النبيّ وَ ل﴿ قال: ((ليس على الخائن ولا على المنتهب، ولا على المختلِس
قطع))(٢). وهذا أيضاً يعارض حديث صالح بن محمد بن زائدة، وهو أقوى من
جهة الإسناد، والغالُّ خائن في اللغة والشريعة.
(١) وقع في نسخة ((التمهيد)): ((ابن الزبير))، وهو تصحيف من أبي الزبير، فتنبّه،
(٢) حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد، وأصحاب السنن.
٣٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال الطحاويّ: لو صحّ حديث صالح المذكور احتَمَلَ أن يكون كان
حين كانت العقوبات في الأموال، كما قال في مانع الزكاة: ((إنا آخذوها وشَطْرَ
ماله، عَزْمَةٌ من عَزَمات الله))، وكما رَوَى أبو هريرة ◌َُّه في ضالة الإبل
المكتومة: ((فيها عزامتها ومثلها معها))، وكما رَوَى عبد الله بن عمرو بن العاص
في الثَّمَر المعلَّق غرامة مثليه، وجَلَدات نكال، وهذا كله منسوخ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الطحاويّ النسخ في هذا الحديث،
وأنه كان حين كانت العقوبة في الأموال فيه نظر لا يخفى، فالصواب في
الجواب ما سبق في كلام ابن عبد البرّ، وهو كون الحديث ضعيفاً، وأما
العقوبة بالمال، فلا يصحّ فيها دعوى النسخ، بل هي مما اختَلَفَ العلماءُ فيها،
وأن الحقّ أنها يُعمَل بها فيما ورد النصّ فيه، كما في مانع الزكاة، ونحوه،
وقد حقّقته في ((شرح النسائيّ)) في ((كتاب الزكاة)) بما فيه الكفاية، فلتراجعه،
والله تعالى وليّ التوفيق.
قال أبو عمر رحمه الله تعالى: الذي ذهب إليه مالك، والشافعيّ، وأبو
حنيفة، ومن تابعهم في هذه المسألة أولى من جهة النظر، وصحيح الأثر، والله
تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذهب إليه أبو عمر رحمه الله
تعالى من ترجيح مذهب هؤلاء الأئمة، وهو عدم إحراق متاع الغالّ، وإنما
يُعَزَّر بما يراه الإمام هو الذي يترجّح عندي؛ لظهور حجته، كما قاله أبو عمر
رحمه الله تعالى.
قال أبو عمر رحمه الله تعالى: وأجمع العلماء على أن على الغالّ أن يَرُدّ
ما غَلَّ إلى صاحب المقاسم، إن وَجَدَ السبيل إلى ذلك، وأنه إذا فَعَل ذلك فهي
توبة له، وخروج عن ذنبه، واختلفوا فيما يَفْعَلُ بما غَلَّ إذا افترق أهل العسكر،
ولم يَصِل إليهم، فقال جماعة من أهل العلم: يَدِفَع إلى الإمام خمسه، ويتصدق
بالباقي، وهذا مذهب الزهريّ، ومالك، والأوزاعيّ، والليث، والثوريّ، ورُويَ
ذلك عن عبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان، والحسن البصريّ، وهو
يُشبِهِ مذهب ابن مسعود، وابن عباس؛ لأنهما كانا يريان أن يُتَصَدَّق بالمال
الذي لا يُعْرَف صاحبه.
٣٩٥
(٥١) - بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ - حديث رقم (٣١٧)
وذكر بعضُ الناس عن الشافعيّ أنه كان لا يَرَى الصدقة بالمال الذي لا
يُعرَف صاحبه، وقال: كيف يَتَصَدَّق بمال غيره؟ .
قال أبو عمر: وهذا عندي معناه فيما يمكن وجود صاحبه، والوصول
إليه، أو إلى ورثته، وأما إن لم يمكن شيء من ذلك، فإن الشافعيّ كَّهُ لا
يَكْرَه الصدقة به حينئذ - إن شاء الله -.
ذكر سُنَيد: حدثنا أبو فَضَالة، عن أزهر بن عبد الله قال: غزا
مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم، فَغَلّ رجل مائة دينار، فَأَتَى بها
معاوية بن أبي سفيان، فأبى أن يقبلها، وقال: قد نَفَر الجيش، وتفرق،
فخرج فلَقِي عبادة بن الصامت، فذكر ذلك له، فقال: ارجع إليه، فقل له:
خذ خمسها أنت، ثم تصدق أنت بالبقية، فإن الله عالم بهم جميعاً، فأَتَى
معاوية، فأخبره، فقال: لأَن كنتُ أنا أفتيتك بهذا كان أحب إلي من كذا
وكذا .
وقد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف، وانقطاع
صاحبها، وجعلوه إذا جاء مُخَيَّراً بين الأجر والضمان، وكذلك الغصوب، وبالله
التوفيق. انتهى كلام ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره أبو عمر رحمه الله تعالى في هذه
المسألة تحقيقٌ حسنٌ.
وحاصله وجوب ردّ الغالّ ما غلّه إذا وَجد إلى ذلك سبيلاً، وإلا
تصدّق به.
وأما الأثر الذي ذكره عن سُنيد، فسُنيد ضعيفٌ مع إمامته ومعرفته
بالتفسير(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِّدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَّهِ أُنِبُ﴾ .
(١) ((التمهيد)) ٢/ ٢٢ - ٢٥.
(٢) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ١٢٠/٢، و((التقريب)) ص١٣٨.
٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(٥٢) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ قَاتِلَ نَفْسِهِ لَا يَكْفُرُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣١٨] (١١٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
جَمِيعاً، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
زَيْدٍ، عَنْ حَجَّاجِ الصَّوَّافِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ الطَّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو
الدَّوْسِيَّ، أَتَى النَّبِيِّ نََّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنْعَةٍ؟،
قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ ◌َ لِلَّذِي ذَخَرَ اللهُ
لِلْأَنْصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ وَهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيْهِ الطَّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَهَاجَرَ
مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَى (١) الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ
بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ، حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطَّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ
وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّياً يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي
بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِّهِ وَّهِ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّاً يَدَيْكَ؟، قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ
نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ:
((اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قريباً.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: إسحاق بن راهويه، تقدّم قريباً أيضاً.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديّ الْوَاشحيّ البصريّ، نزيل مكة،
وقاضيها، ثقةٌ، إمامٌ حافظٌ [٩] (ت٢٢٤) (ع).
وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، هذا الحديث برقم (١١٦)،
(١) في معظم النسخ: ((واجتووا)) بالجمع، وهو خطأ، والإصلاح من ((المفهم))
للقرطبي، كما يأتي بيانه في الشرح.
٣٩٧
(٥٢) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ قَاتِلَ نَفْسِهِ لَا يَكْفُرُ - حديث رقم (٣١٨)
وحديث (٦٨٣): ((إذا كان في سفر، فعرّس بليل ... ))، و(١٤٣٨): ((وما
ذاكم؟ قالوا: الرجل تكون المرأة ... ))، و(١٤٧٢): ((ألم يكن الطلاق الثلاث
على عهد رسول الله (وَالٍ ... ؟))، و(١٦٧١): ((ألا تخرجون مع راعينا ... ؟))،
و(١٨٣١): ((لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة ... ))، و(٢٦٠١): ((اللهم إني
أتّخذ عندك عهداً ... ))، و(٢٩٥٣): ((إن عُمِّر هذا لم يُدركه الهَرَم ... ))،
وتقدّمت ترجمته في ((المقدّمة)) ٦٨/٦.
٤ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٥ - (حَجَّاجُ الصَّوَّافُ) هو: حجّاج بن أبي عثمان الصّوّاف، أبو الصَّلْت،
ويقال: أبو عثمان الكنديّ مولاهم البصريّ، واسم أبي عثمان: ميسرة، وقيل:
سالم، ثقة حافظ [٦].
رَوَى عن حميد بن هلال، والحسن البصريّ، ويحيى بن أبي كثير، وأبي
رجاء مولى أبي قلابة، ومعاوية بن قُرّة، وأبي الزبير، وغيرهم.
ورَوَى عنه الحمادان، والقطان، وهُشيم، ويزيد بن زُريع، وأبو عوانة،
وبشر بن الْمُفَضَّل، وابنُ أبي عديّ، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وأبو
عاصم، وجماعة.
قال يحيى القطان: وهو فَطِنٌ، وصحيحٌ، كَيِّسٌ، وقال أحمد، وابن
معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذيّ، والنسائيّ: ثقةٌ، زاد أحمد: شيخٌ،
وزاد الترمذيّ: حافظٌ، وقال العجليّ، وأبو بكر البزار: بصريّ ثقةٌ، وقال ابن
حبان في ((الثقات)): كان متقناً، وقال يزيد بن زُريع: ليس به بأسٌ، وقال أبو
حاتم: سألت علي ابن المدينيّ: مَن أثبت أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ فقال:
هشام الدَّستوائيّ، قلت: ثم مَن؟ قال: الأوزاعيّ، وحجاج بن أبي عثمان،
وحسينٌ المعلِّم، وقال ابن سعد: كان ثقةً - إن شاء الله تعالى - وقال ابن
خزيمة في ((صحيحه)): سمعت محمد بن يحيى الذَّهْليّ يقول: حجاج الصّوّاف
مَتِينٌ، قال ابن خزيمة: يريد أنه ثقةٌ حافظٌ .
قال خليفة: مات سنة (١٤٣).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثاً.
٣٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٦ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ:
صدوقٌ، يدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٧ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ
ابن الصحابيّ ◌َّها، مات بعد السبعين، وابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان))
١١٧/٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه له
شیخان، قرن بينهما .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج
له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه: قوله: ((قال أبو بكر: حدّثنا سليمان بن حرب))،
وهو بيان لاختلاف شيخيه، فأبو بكر صرّح بتحديث سليمان له، وأما إسحاق
فلم يُصرّح به.
٤ - (ومنها): أن جابراً ظله من المكثرين السبعة من الصحابة
،
روی (١٥٤٠) حديثاً .
[فإن قلت]: هذا الحديث مما عنعن فيه أبو الزبير عن جابر نظُه، وهو
مدلّسُ، ولا تقبل عنعنته إلا أن يصرّح بالسماع، أو يكون الراوي عنه الليث بن
سعد؛ لأنه لا يروي عنه إلا ما سمعه من جابر، كما تقدّم بيان ذلك، وليس
هذا الحديث من رواية الليث عنه، ولم يُصرّح بالسماع في جميع الطرق التي
أخرجها الأئمة الذين سيأتي ذكرهم في التخريج، فكيف أخرجه مسلم في
((الصحيح))؟.
[قلت]: أجيب عن هذا بأن مسلماً، بل وأصحاب الصحاح - كما صرّح
بذلك ابن حبّان في أول ((صحيحه)) - لا يُخرجون من حديث المدلّس إلا ما
ثبت عندهم تصريحه بالسماع، فلولا أنه ثبت لديه ذلك لما أخرجه هنا، فتأمل،
والله تعالى أعلم.
٣٩٩
(٥٢) - بَابُ الدَِّيلِ عَلَى أَنَّ قَاتِلَ نَفْسِهِ لَا يَكْفُرُ - حديث رقم (٣١٨)
شرح الحديث:
. (أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرِو الدَّوْسِيَّ) هو: الطّفَيل بن عمرو بن
(عَنْ جَابِرٍ)
طَرِيف بن العاص بن ثعلبة بن سُليم بن فَهُم بن غَنْم بن دَوْس الدَّوْسيّ، وقيل:
هو ابن عبد عمرو بن عبد الله بن مالك بن عمرو بن فَهْم، لقبه ذو النور،
وحَكَى الْمَرْزَبانيّ في ((معجمه)): أنه الطُّفَيل بن عمرو بن حُمَمَة، قال البغويّ:
أحسبه سكن الشام، وروى البخاريّ في ((صحيحه)) من طريق الأعرج، عن أبي
هريرة ◌َظُه قال: قَدِمَ الطّفيل بن عمرو الدَّوْسيّ على رسول الله بضله، فقال: يا
رسول الله، إن دَوْساً قد عَصَت، فادع الله عليهم، فقال: ((اللهم اهد دَوْساً))،
ورَوَى ابن إسحاق في نسخةٍ من ((المغازي)) من طريق صالح بن كيسان، عن
الطفيل بن عمرو في قصة إسلامه خبراً طويلاً، وفيه: أن النبيّ وَّ بعثه إلى ذي
الْكَفَّين، صنم عمرو بن حُمَمَة، فأحرقه بالنار، ويقول [من الرجز]:
يَا ذَا الْكَفَّيْنِ لَسْتُ مِنْ عُبَّادِكَا مِيلَادُنَا أَكْبَرُ مِن مِيلَادِكًا
إِنِّي حَشَوْتُ النَّارَ فِي فُؤَادِكَا
وفيه: أنه رَأَى في عهد أبي بكر ◌َُّه أن رأسه حُلِقٍ، وخَرَج من فمه
طائر، وأن امرأة أدخلته في فرجها، وأن ابنه طلبه طَلَباً حثيثاً، فلم يَقْدِر عليه،
وأنه أَوَّلَها أن رأسه يُقطع، وأن الطائر روحه، والمرأة الأرض، يُدْفَن فيها،
وأن ابنه عَمرو بن الطفيل يَطلُب الشهادة فلا يلحقها، فقُتِل الطُّفيل يوم اليمامة،
وعاش ابنه بعد ذلك، وذكرها ابن إسحاق في سائر النسخ بلا إسناد، وأخرجه
ابن سعد أيضاً مُطَوَّلاً من وجه آخر، وكذلك الأمويّ، عن ابن الكلبيّ بإسناد
آخر، وقال ابن سعد: أسلم الطفيل بمكة، ورجع إلى بلاد قومه، ثم وافى
النبي ◌ُّ في عمرة القضية، وشَهِدَ الفتح بمكة، وكذا قال ابن حبان، وقال ابن
أبي حاتم: قَدِمَ على النبيّ ◌َّه مع أبي هريرة بخيبر، ولا أعلم رُويَ عنه شيء.
وقد أخرج البغويّ، من طريق إسماعيل بن عيّاش، حدثني عبد ربه بن
سليمان، عن الطفيل بن عمرو الدوسيّ، قال: ((أقرأني أَبَيّ بن كعب القرآن،
فأهديت له قوساً ... )) الحديث، قال: غريب، وعبد ربه، يقال له: ابن زيتون،
ولم يسمع من الطفيل بن عمرو.
وروى الطبريّ من طريق ابن الكلبيّ قال: سبب تسمية الطُّفيل بذي النور
٤٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أنه لَمّا وَفَدَ على النبيّ ◌ََّ، فدعا لقومه، قال له: ابعثني إليهم، واجعل لي
آيةً، فقال: ((اللهم نَوِّرْ له))، فسَطَعَ نور بين عينيه، فقال: يا رب أخاف أن
يقولوا: مُثْلَةٌ، فَتَحَوَّل إلى طرف سوطه، فكان يضيء له في الليلة المظلمة.
وذكر أبو الفرج الأصبهانيّ من طريق ابن الكلبيّ أيضاً أن الطفيل لَمّا قَدِمَ
مكة ذَكَرَ له ناس من قريش أَمْرَ النبيّ وَلّه، وسألوه أن يختبر حاله، فأتاه فأنشده
من شعره، فتلا النبيّ وَّر الإخلاص والمعوذتين، فأسلم في الحال، وعاد إلى
قومه، وذَكَرَ قصة سوطه ونوره، قال: فدعا أبويه إلى الإسلام، فأسلم أبوه،
ولم تُسْلِم أمه، ودعا قومه، فأجابه أبو هريرة وحده، ثم أتى النبيّ وََّ، فقال:
هل لك في حِصْنٍ حَصِين، ومَنَعَة - يعني أرض دَوْس ـ؟. قال: ولما دعا
النبيّ ◌َّ﴿ لهم قال له الطفيل: ما كنت أُحب هذا، فقال: ((إن فيهم مثلَك
كثيراً))، قال: وكان جندب بن عمرو بن حُمَمة بن عوف الدَّوسيّ يقول في
الجاهلية: إن للخلق خالقاً، لكني لا أدري من هو؟ فلما سَمِع بخبر النبيّ وَّ
خرج، ومعه خمسة وسبعون رجلاً من قومه، فأسلم، وأسلموا، قال أبو هريرة:
فكان جندب يُقَدِّمهم رجلاً رجلاً، وكان عمرو بن حُممة حاكماً على دوس
ثلاثمائة سنة، وإليه ينسب الصلح المعروف.
وأنشد الْمَرزبانيّ في ((معجمه)) للطفيل بن عمرو يخاطب قريشاً، وكانوا
هَدَّدوه لما أسلم [من الوافر]:
عَلَى الشَّنْآنِ وَالْعَضَبِ الْمُرَدِّ
أَلَا أَبْلِغْ لَدَيْكَ بَنِي لُؤَيِّ
تَعَالَى جَدُّهُ عَنْ كُلِّ نِدٍّ
بِأَنَّ اللهَ رَبَّ النَّاسِ فَرْدٌ
دَلِيلُ هُدَّى وَمُوضِحُ كُلِّ رُشْدٍ
وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدٌ رَسُولٌ
وَأَعْلَى جَدَّهُ فِي كُلِّ جَدِّ
وَأَنَّ اللهَ جَلَّلَهُ بَهَاءً
قيل: استُشهِد باليمامة، قاله ابن سعد تبعاً لابن الكلبيّ، وقيل:
باليرموك، قاله ابن حبان، وقيل: بأجنادين، قاله موسى بن عقبة، عن ابن
شهاب، وأبو الأسود، عن عروة، ذكر هذا كلّه في ((الإصابة))(١).
(أَتَى النَّبِيَّ وَ﴿) أي بمكة قبل أن يُهاجر إلى المدينة، كما جاء مصرّحاً به
(١) ((الإصابة)) ٤٢٢/٣ - ٤٢٤.