Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ (٥٠) - بَابٌ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٢) ((في))، وفاعل ((كان)) ضمير ((الرجل)): أي فلما استقرّ في الليل، ووصل إليه (لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ) أي لشدّة ألمه، وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب: ((فوجد الرجل ألم الجراحة)) (فَقَتَلَ نَفْسَهُ) أي بنحر نفسه، وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب المتقدّمة: ((فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أسهماً، فَنَحَرَ بها نفسه)) . (فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ وَّهِ بِذَلِكَ) وفي رواية البخاريّ المذكورة: ((فاشتدّ رجال من المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، صدَّقَ الله حديثك، انتحر فلانٌ، فقتل نفسه)) (فَقَالَ) وَرِ ((اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ))) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله وَلي: ((الله أكبر إلخ)) عند وقوع ما أخبر به من الغيب دليلٌ على أن ذلك من جملة معجزاته ﴿ ﴿، وإن لم يقترن بها في تلك الحال تَحَدٍّ قوليٍّ، وهذا على خلاف ما يقوله المتكلّمون: إن من شروط المعجزة اقتران التحدّي القوليّ بها، فإن لم تكن كذلك فالخارق كرامة، لا معجزة، والذي ينبغي أن يقال: إن ذلك لا يُشترط، بدليل أن الصحابة ﴿ه كانوا كلّما ظهر لهم خارقٌ للعادة على يدي النبيّ ◌َ﴿ استدلّوا بذلك على صدقه، وثبوت رسالته، كما قد اتّفق لعمر بنظُله، حين دعا رسول الله وَ لّ على قليل الأزواد، فكثرت، فقال عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وكقول أسامة بن زيد ها، وبدليل الاتّفاق: على نبع الماء من بين أصابعه بَّر، وتسبيح الحصى في كفّه، وحَنِين الْجِذع من أظهر معجزاته وَّهِ، ولم يصدر عنه مع شيء من ذلك تحدٍّ بالقول عند وقوع تلك الخوارق، ومع ذلك فهي معجزات، والذي ينبغي أن يقال: إن اقتران القول لا يلزم، بل يكفي من ذلك قولٌ كليٍّ يتقدّم الخوارق، كقول الرسول وَله: الدليل على صدقي ظهور الخوارق على يدي، فإن كلّ ما يظهر على يديه منها بعد ذلك يكون دليلاً على صدقه، وإن لم يقترن بها واحداً واحداً قولٌ، ويمكن أن يقال: إن قرينة حاله تدلّ على دوام التحدّي، فيتنزّل ذلك منزلة اقتران القول. انتهى كلام القرطبيّ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن اشتراط اقتران التحدّي في (١) ((المفهم)) ٣٠١٩/١ - ٣٢٠. ٣٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان حدوث المعجزة مما لا دليل عليه، وإنما المعجزة تحدث بحسب الحاجة، فمن ذلك أنه * لما فقد شيئاً يستتر به عند قضاء الحاجة، أمر جابراً ظته أن يأمر الشجرتين حتى تأتيا، وتستراه، ففعلتا ذلك، ولما فقد الصحابة ضه ماء للوضوء، ورأى شدّة حاجتهم إليه وضع يده على الإناء، فنبع الماء حتى توضؤوا من عند آخرهم، ولما دعاه جابر رُه في غزوة الخندق إلى طعام قليل، فرأى شدّة الجوع على أصحابه ﴿ه، فبرّك في ذلك الطعام حتى أكلوا كلّهم، وشبعوا، وكذلك فَعَلَ في طعام أم سليم ◌َّا، وطعام وليمة زينب بنت جحش ريا، وكحنين الجذع، وشكوى البعير الذي يُجيعه صاحبه، وغير ذلك مما ثبت في ((الصحيحين))، وغيرهما، وليس في ذلك كلّه شيء من التحدّي، بل إنما حدث لتقوية إيمان الصحابة، وتثبيته؛ لأنه يزيد بكثرة الأدلّة، وزيادة الآيات. والحاصل أن أكثر معجزات النبيّ ◌َ ر ليس معها تحدّ أصلاً، فمن اشترط ذلك من المتكلّمين فإنما حمله على ذلك جهله بالسنّة، وعدم اطّلاعه على الأخبار التي جاءت ببيان المعجزات، وإنما الغريب على مثل القرطبيّ الذي عنده علم بالسنة، وأخبار المعجزات يذكر مذهب المتكلّمين، ولا يفتّده، بل يأتي بما يقرّره، إن هذا لشيء عجاب، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (ثُمَّ أَمَرَ) بالبناء للفاعل، وفاعله ضمير النبيّ وَّ، وقوله: (بِلَالاً) تضوء منصوب على المفعولية، ومتعلَّقه محذوف لدلالة ما بعده عليه: أي بالنداء، وفي رواية عند المصنّف: ((يا ابن الخطّاب))، وفي رواية عند البيهقيّ: أن المنادي بذلك عبد الرحمن بن عوف، ويُجمَعُ بينها بأنهم نادوا جميعاً في جهات مختلفة، قاله في ((الفتح)) (١). (فَنَادَى فِي النَّاسِ: ((إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) يجوز في ((إنّه))، وكذا في ((إِنّ الله ليؤيّد)) كسر همزة ((إنّ))، وفتحها، وقد قُرئ في السبع قول الله رَى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِىِ الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ [آل عمران: ٣٩] بفتح الهمزة وكسرها، قاله النوويّ(٢). (١) ((فتح)) ٥٤٢/٧ ((كتاب المغازي)) رقم الحديث (٤٢٠٧ - ٤٢٠٨). (٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٢/٢. ٣٤٣ (٥٠) - بَابٌ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٢) (إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ))) وفي رواية للبخاريّ: ((لا يدخل الجنة إلا مؤمن)). قال القرطبيّ: قوله: ((نفسٌ مسلمة)): أي مؤمنة؛ لأن الإسلام الْعَرِيَّ عن الإيمان لا ينفع صاحبه في الآخرة، ولا يُدخله الجنّة، وذلك بخلاف الإيمان، فإن مجرّده يُدخل صاحبه الجنّة، وإن عُوقب بترك الأعمال، على ما سنذكره - إن شاء الله تعالى - فدلّ هذا على أن هذا الرجل كان مرائياً منافقاً، ومما يدلّ على ذلك أيضاً قوله وَله: ((إن الله ليؤيِّد هذا الدين بالرجل الفاجر))، متّفقٌ عليه، وهو الكافر، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوَأْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧]، وإنما أمر النبيّ و # بلالاً أن ينادي بذلك القول تنبيهاً على وجوب الإخلاص في الجهاد، وأعمال البرّ، وتحذيراً من الرياء والنفاق. انتهى كلام القرطبيّ، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم(١). (وَإِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ))) يحتمل أن تكون ((أل)) في ((الرجل)) للعهد، والمراد به قُزمان المذكور، ويحتمل أن تكون للجنس. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قال في ((الفتح)) (٢)، وعندي أن كونها للجنس أقرب، فتأمّله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة عبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في ((الإيمان)) [٣١٢/٥٠] (١١١)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٣٠٦٢)، و((المغازي)) (٤٢٠٣)، و((القدر)) (٦٦٠٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٩٥٧٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٠٩/٢ - ٣١٠)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٣٣)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٢٩٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٥١٩)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٥٢٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩٨/٨)، و(القضاعيّ) (١٠٩٧)، والله تعالى أعلم. (١) ((المفهم)) ٣٢٠/١ - ٣٢١. (٢) ((فتح)) ٧/ ٥٤١. ٣٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تعظيم قتل النفس؛ لضجر أصابه مهما بلغت الآلام، وأنه ينافي الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان. ٢ - (ومنها): بيان أن الجنة محرّمة إلا على المؤمنين. ٣ - (ومنها): بيان أن الله تعالى يؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر. ٤ - (ومنها): بيان معجزة النبيّ وَله الظاهرة، وآياته الباهرة حيث أخبر بالمغیّبات، فظهر صدقه في حينه. ٥ - (ومنها): جواز الإخبار عن حال الرجل السيئ إذا كان الإخبار به يُحقّق مصلحة شرعية، من تحذير، أو غيره. ٦ - (ومنها): بيان عظمة الإسلام، ومكانته الرفيعة حيث جعله الله تعالى مؤيّداً، ومؤزّراً بأهله، وبغير أهله. ٧ - (ومنها): بيان أن العبرة بالخاتمة، فلا ينبغي الحكم بما يظهر من حال المرء حتى يُعلم مصيره، وخاتمته التي خرج بها من الدنيا، وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((كتاب القدر)) من ((صحيحه))، ((باب العملُ بالخواتيم))، وأورد فيه حديث أبي هريرة، وسهل بن سعد ﴿ المذكور في الباب، وفي آخر حديث سهل ظه ما نصّه: ((وإنما الأعمال بالخواتيم))، وأخرج الترمذيّ، وصحّحه من حديث أنس ظُته، مرفوعاً: ((إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله))، قيل: كيف يستعمله؟ قال: ((يوفّقه لعمل صالح، ثم يقبضه عليه))، وأخرجه أحمد مطوّلاً، وأوله: ((لا تعجبوا لعمل عامل حتى تنظروا بم يُختم له ... ))، وأخرج البزّار من حديث ابن عمر ظًا، وفيه ذكر الكتابين، وفي آخره: ((العمل بخواتيمه، العمل بخواتيمه))(١). ٨ - (ومنها): بيان أنه لا يجوز لأحد أن يجزم لأحد من الناس بالجنّة، ولا بالنار، بسبب ما يراه من حال الإنسان من خير أو شرّ، إلا لمن حكم له النبيّ وَّة، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال: كَلَا وَلَا هَذَا مِنَ الأَبْرَارِ وَلَا تَقُلْ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ (١) راجع: ((الفتح)) ٥٠٧/١١ - ٥٠٨ ((كتاب القدر)) رقم (٦٦٠٩). ٣٤٥ (٥٠) - بَابٌ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٢) إِلَّا لِمَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ الْمُصْطَفَى فَالْفَوْزُ وَالنَّارُ لِمَنْ قَدْ وَصَفَا ٩ - (ومنها): بيان وجوب الإخلاص في الأعمال، وأنه لا ينفع منه إلا ما كان خالصاً لله تعالى. ١ - (ومنها): بيان خطر الرياء، والسمعة، وأنهما يُفسدان العمل الصالح؛ إذ فيهما من الشرك المحبط للعمل، كما قال الله : ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ [الفرقان: ٢٣]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه ٠ عَمَلٍ فَجَعَلْنَنهُ هَبَآءُ ◌َنْتُورًا المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان الاختلاف الواقع في هذا الحديث: (اعلم): أنه وقع اختلاف في هذا الحديث أشار إليه البخاريّ في ((كتاب المغازي)) من ((صحيحه))، ودونك عبارته مع شرح الحافظ له، قال رحمه الله تعالى : (٤٢٠٤) حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة ظبه قال: شهدنا خيبر، فقال رسول الله وَل لرجل ممن معه يَدَّعِي الإسلام: «هذا من أهل النار))، فلما حَضَرَ القتالَ، قاتل الرجل أشدّ القتال، حتى كَثُرت به الجراحة، فكاد بعض الناس يرتاب، فَوَجَد الرجل أَلَمَ الجراحة، فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أَسْهُماً، فنحر بها نفسه، فاشتد رجال من المسلمين، فقالوا: يا رسول الله صَدَّق الله حديثك، انتَحَر فلان، فقتل نفسه، فقال: ((قم يا فلان، فأَذِّنْ: إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر))، تابعه معمرٌ، عن الزهريّ. وقال شبيب، عن يونس، عن ابن شهاب: أخبرني ابن المسيب، وعبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، أن أبا هريرة قال: شَهِدنا مع النبي وَ له حُنَيْناً. وقال ابن المبارك، عن يونس، عن الزهريّ، عن سعيد، عن النبيّ مَلآ، تابعه صالح، عن الزهريّ. وقال الزُّبيديّ: أخبرني الزهريّ، أن عبد الرحمن بن كعب أخبره، أن عبيد الله بن كعب قال: أخبرني مَن شَهِد مع النبيّ وَّ خيبر. قال الزهريّ: وأخبرني عبيد الله بن عبد الله، وسعيد، عن النبيّ وَلّ. انتھی . ٣٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان فقال في ((الفتح)): قوله: (تابعه معمر)): أي تابع شعيباً، عن الزهريّ: أي بهذا الإسناد، وهو موصول عند المصنف في آخر ((الجهاد))، مقروناً برواية شعيب، عن الزهري. وقوله: ((وقال شبيب)): أي ابن سعيد، عن يونس: أي ابن يزيد، عن ابن شهاب: أي الزهري بهذا الإسناد. وقوله: ((شَهِدنا حنيناً)): يريد أن يونس خالف معمراً وشعيباً، فذكر بدل ((خيبر)) لفظة ((حنين))، ورواية شبيب هذه وصلها النسائيّ مُقْتَصِراً على طرف من الحديث، وأوردها الذَّهْليّ في ((الزهريات))، ويعقوب بن سفيان في ((تاريخه))، كلاهما عن أحمد بن شبيب، عن أبيه بتمامه، وأحمد من شيوخ البخاريّ، وقد أخرج هذا، وقد وافق يونسُ معمراً وشعيباً في الإسناد، لكن زاد فيه مع سعيد بن المسيب عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، وساق الحديث عنهما، عن أبي هريرة. وقوله: ((وقال ابن المبارك، عن يونس، عن الزهريّ، عن سعيد، عن النبيّ وَ (9)) يعني: وافق شبيباً في لفظ ((حنين))، وخالفه في الإسناد، فأرسل الحديث، وطريق ابن المبارك هذه وصلها في ((الجهاد))، ولم أر فيها تعيين الغزوة . وقوله: ((وتابعه صالح)) يعني: ابن كيسان، عن الزهريّ، وهذه المتابعة ذكرها البخاري في ((تاريخه))، قال: قال لي عبد العزيز الأَوَيسيّ، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن بعض مَن شَهِد مع النبيّ وَّ قال: إن النبيّ وَّه قال لرجل معه: ((هذا من أهل النار ... )) الحديث، فظهر أن المراد بالمتابعة أن صالحاً تابع رواية ابن المبارك، عن يونس في ترك ذكر اسم الغزوة، لا في بقية المتن، ولا في الإسناد، وقد رواه يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح، عن الزهريّ، فقال: عن عبد الرحمن بن المسيب، مرسلاً، وَوَهِمَ فيه، وكأنه أراد أن يقول: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، وسعيد بن المسيب، فَذَهِلَ. وقوله: ((وقال الزبيديّ: أخبرني الزهريّ أن عبد الرحمن بن كعب، أخبره ٣٤٧ (٥٠) - بَابٌ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٢) وَا خيبر، قال الزهريّ: أن عبيد الله بن كعب قال: أخبرني مَن شَهِد مع النبيّ وأخبرني عبيد الله بن عبد الله، وسعيد، عن النبيّ وَّر، وفي رواية النسفيّ: عبد الله بن عبد الله، هكذا أورد البخاريّ طريق الزُّبيديَ هذه معلقةً مختصرةً، وأجحف فيها في الاختصار، فإنه لم يفصل بين رواية الزهريّ الموصولة عن عبد الرحمن، وبين روايته المرسلة عن سعيد، وعبيد الله بن عبد الله، وقد أوضح ذلك في ((التاريخ))، وكذلك أبو نعيم في ((المستخرج))، والذَّهليّ في ((الزهريات))، فأخرجوه من طريق عبد الله بن سالم الحمصيّ، عن الزُّبيديّ، فساق الحديث الموصول بالقصة، ثم ساق بعده: قال الزُّبَيديّ: قال الزهريّ: وأخبرني عبد الله بن عبد الله، وسعيد بن المسيب: أن رسول الله وَّ قال: ((يا بلال قُمْ، فأَذِّنْ: إنه لا يدخل الجنة إلا رجل مؤمن، واللهُ يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر))، هذا سياق البخاريّ، وفي سياق الذَّهليّ، قال الزهري: وأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله، وهذا أصوب من عبيد الله بن عبد الله، نَبَّهَ عليه أبو علي الجيانيّ. وقد اقتضى صنيع البخاريّ ترجيحَ رواية شعيب ومعمر، وأشار إلى أن بقية الروايات محتملة، وهذه عادته في الروايات المختلفة، إذا رَجَحَ بعضُها عنده اعتمده، وأشار إلى البقية، وأن ذلك لا يستلزم القَدْحَ في الرواية الراجحة؛ لأن شرط الاضطراب أن تتساوى وجوه الاختلاف، فلا يُرَجَّحَ شيءٌ منها . وذَكَر مسلم في ((كتاب التمييز)) فيه اختلافاً آخر على الزهريّ، فقال: حدثنا الحسن بن الحلوانيّ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب: أخبرني عبد الرحمن بن المسيب، أن النبيّ وَّه قال: ((يا بلال قُمْ، فَأَذِّنْ: إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن))، قال الحلوانيّ: قلت ليعقوب بن إبراهيم: مَنْ عبدُ الرحمن بن المسيب هذا؟ قال: كان لسعيد بن المسيب أخٌ اسمه عبد الرحمن، وكان رجل من بني كنانة يقال له: عبد الرحمن بن المسيب، فأظنه أن هذا هو الكنانيّ، قال مسلم: وليس ما قال يعقوب بشيء، وإنما سَقَطَ من هذا الإسناد واو واحدة، فَفَحُشَ خطؤه، وإنما هو عن الزهريّ، عن عبد الرحمن، وابن المسيب، فعبد الرحمن هو ابن عبد الله بن كعب، وابن المسيب، هو سعید، وقد حدث به عن الزهريّ كذلك ٣٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ابن أخيه، وموسى بن عقبة، ويونس بن يزيد، والله أعلم. وكذا رَجَّحَ الذهليّ رواية شعيب ومعمر، قال: ولا تدفع رواية الأخيرين؛ لأن الزهريّ كان يقع له الحديث من عِدَّة طُرُق، فيحمله عنه أصحابه بحسب ذلك، نعم، ساق من طريق موسى بن عقبة، وابن أخي الزهريّ، عن الزهريّ موافقةَ الزُّبَيديّ على إرسال آخر الحديث. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا حقّق الحافظ رحمه الله تعالى، وهو تحقیقُ نفیسٌ. وحاصله أن الرواية الراجحة هي رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، وقد تابعه معمر وروايته عند مسلم هنا، فالحديث موصول، وأن الغزوة هي خيبر، لا حُنينٌ، فتنبّه لذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الکتاب قال: [٣١٣] (١١٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، حَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ الْتَّقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ، فَاقْتَتَلَّوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ رَجُلٌ، لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً، إِلَّا اتَّبَعَهَا، يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فَقَالُوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ))، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ أَبَداً، قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحاً شَدِيداً، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: ((وَمَا ذَاكَ؟)) قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفاً أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ، (١) ((الفتح)) ٧/ ٥٤١ - ٥٤٢ ((كتاب المغازي)) رقم الحديث (٤٢٠٣ - ٤٢٠٤). ٣٤٩ (٥٠) - بَابٌ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٣) فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، حَتَّى جُرِحَ جُرْحاً شَدِيداً، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْبَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ عِنْدَ ذَلِكَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رَجاء الْبَغْلانيّ، قيل: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حَلِيف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨] (ت١٨١) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥. [تنبيه]: قوله: (حَيٌّ مِنَ الْعَرَبِ) الظاهر أنه من كلام المصنّف، ويحتمل أن يكون من كلام شيخه، يعني أن ((القاريّ)) بالقاف، وتشديد الياء نسبة إلى قبيلة من قبائل العرب. قال السمعانيّ في ((الأنساب)): القاريّ - بالقاف، والراء المهملة المكسورة، وتشديد ياء النسبة، غير مهموزة - هذه النسبة إلى بني قارة، وهم بطن معروف من العرب، قال بعضهم: أيثع بن مليح بن الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، ومن قال: أيثع بن الهون، فقد وَهِمَ، قال أبو عُبيدة: أيثع هو القارة، وقال غيره: القارة: هو الديش بن محلم بن غالب بن عايذة بن أيثع بن مليح بن الهون بن خزيمة بن مدركة، وإنما سُمُّوا القارة لأن يعمر بن عوف الشداخ أراد أن يفرقهم في بطون بني كنانة، فقال رجل منهم [من الوافر]: دَعُونَا قَارَةً لَا تَنْفِرُونَا فَنُجْفِلَ مِثْلَ إِجْفَالِ الظَّلِيمِ فسُمُّوا القارة، ويعمر بن الشداخ أحد بني الليث، وقيل في المثل السائر: قد أنصف من راماها، يصفهم بالرمي والإصابة. انتهى كلام السمعانيّ(١). (١) ((الأنساب)) ٤٠٦/٤. ٣٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٣ - (أَبُو حَازِم) هو: سلمة بن دينار الأعرج الأَقْزر (١) التَّمّار المدنيّ القاصّ، مولى الأسوَّد بن سفيان، ويقال: مولى بني شِجْع من بني ليث، ومن قال: أشجع فقد وَهِمَ، ثقة عابدٌ [٥]. رَوَى عن سهل بن سعد الساعدي، وأبي إمامة بن سهل بن حُنيف، وسعيد بن المسيب، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، ولم يسمع منهما، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن أبي قتادة، وعبيد الله بن مقسم، وغيرهم. ورَوَى عنه الزهري، وعبيد الله بن عمر، وابن إسحاق، وابن عجلان، وابن أبي ذئب، ومالك، والحمادان، والسفيانان، وسليمان بن بلال، وسعيد بن أبي هلال، وابناه عبد الجبار وعبد العزيز، وخلق، آخرهم أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي. قال أحمد وأبو حاتم والعجلي والنسائي: ثقة. وقال ابن خزيمة: ثقة لم يكن في زمانه مثله، وقال ابنه ليحيى بن صالح: مَنْ حَدّثك أن أبي سمع من أحد من الصحابة، غير سهل بن سعد، فقد كَذَب، وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: أصله فارسيّ، وكان أشقر، أحول، أفزر، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان قاصّ أهل المدينة، ومن عبّادهم، وزُهّادهم، بَعَث إليه سليمان بن عبد الملك بالزهري في أن يأتيه، فقال للزهري: إن كان له حاجة فليأت، وأما أنا فمالي إليه حاجة، مات سنة (٣٥)، وقد قيل: سنة (٤)، وقال ابن سعد: كان يقصّ بعد الفجر في مسجد المدينة، ومات في خلافة أبي جعفر، بعد سنة أربعين ومائة، وكان ثقة، كثير الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: مات بعد الثلاثين إلى الأربعين، وقال عمرو بن علي: مات سنة (٣٣)، وقال خليفة: سنة (٣٥)، وقال ابن معين: مات سنة أربع وأربعين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٠) حديثاً. (١) قال في ((اللسان)) ٥٣/٥: الْفُزُور: الشُّقوق والصُّدوع، ويقال: فَزَرْتُ أنف فلان فَزْراً: أي ضربته بشيء فشققته، فهو مَفْزُورُ الأنف. انتهى. ٣٥١ (٥٠) - بَابٌ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٣) ٤ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدِ السَّاعِدِيُّ) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ الساعديّ، أبو العباس، ويقال: أبو يحيى الصحابيّ ابن الصحابيّ رَوَى عن النبيِ وََّ، وعن أَبَيّ بن كعب، وعاصم بن عدي، وعمرو بن عَبسة، ومروان بن الحكم، وهو دونه. ورَوَى عنه ابنه عباس، والزهري، وأبو حازم بن دينار، ووَفَاء بن شُريح الْحَضْرميّ، ويحيى بن ميمون الحضرمي، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ذُبَاب، وعمرو بن جابر الحضرميّ، وغيرهم. قال شعيب، عن الزهري، عن سهل بن سعد: أنّ رسول الله وَلِّ تُوُفِّي، وهو ابن (١٥) سنة، قال أبو نعيم وغير واحد: مات سنة (٨٨)، زاد بعضهم: وهو ابن (٩٦) سنة، وقال الواقدي وغيره: مات سنة (٩١)، وهو ابن مائة سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة. قال الحافظ: رواية شعيب صحيحة، وهي المعتمدة في مولده، فيكون مولده قبل الهجرة بخمس سنين، فأيّ سنة مات يضاف إليها الخمس، فيخرج مبلغ عمره على الصحة، وما يخالف ذلك لا يُعَوَّل عليه. وقال ابن حبّان: كان اسمه حَزْناً فسماه رسول اللهِ وَ سَهْلاً، وقال أبو حاتم الرازي: عاش مائة سنة، أو أكثر، فعلى هذا، يكون تأخر إلى سنة (٩٦) أو بعدها، وزعم قتادة أنه مات بمصر، وزعم أبو بكر بن أبي داود أنه مات بالإسكندرية، قال الحافظ: وهذا عندي أنه وَلَدُهُ عباس بن سهل، انتقل الذهن إليه، وأما سهل فموته بالمدينة. انتهى(١). أخرج الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثاً. [تنبيه]: قوله: (السَّاعديّ) نسبة إلى بني ساعدة، قبيلة من الأنصار، وهو: ساعدة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة(٢)، والله تعالى أعلم. (١) ((تهذيب التهذيب)) ١٢٤/٢. (٢) راجع: ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢/ ٩٢. ٣٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو (٩) من رباعيات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فإنه بَغْلانيّ - بفتح الموحّدة، وسكون الغين المعجمة - نسبة إلى قرية من قرى بَلْخَ، والظاهر أنه دخل المدينة؛ للأخذ من مشايخها . ٤ - (ومنها): أنه ليس في الرواة من يُسمّى قُتيبة غير شيخ المصنّف هذا، وقد سبق الخلاف في اسمه آنفاً . ٥ - (ومنها): أن جملة من يُكنى بأبي حازم في الرواة ستة، وقد تقدّم بيانهم في ترجمة أبي حازم سلمان الأشجعيّ في ((الإيمان)) (١٤٢/٩) وكذا بيان الفرق بين أبي حازم المترجم هنا، والمترجم هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٦ - (ومنها): أن سهل بن سعد صحابيّ ابن صحابيّ ظًَّا، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة ظه، على الأصحّ، مات سنة (٩١)، وهو ابن مائة سنة، كما بيّنته آنفاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) ◌َتْهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ) زاد في رواية عند البخاريّ: ((في بعض مغازيه))، قال الحافظ: ولم أقف على تعيين كونها خيبر، لكنه مبني على أن القصة التي في حديث سهل ظُه متحدة مع القصة التي في حديث أبي هريرة تَظُه، وقد صُرِّح في حديث أبي هريرة أن ذلك كان بخيير. وفيه نظر، فإن في سياق سهل أن الرجل الذي قَتَل نفسه اتكأ على حَدِّ سيفه حتى خرج من ظهره، وفي سياق أبي هريرة أنه استخرج أَسْهُماً من كنانته، فنحر بها نفسه، وأيضاً ففي حديث سهل: أن النبيّ وَّ﴿ قال لهم لَمّا أخبروه بقصته: ((إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ... )) الحديث، وفي حديث أبي ٣٥٣ (٥٠) - بَابٌ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٣) هريرة أنه قال لهم لَمّا أخبروه بقصته: ((قُمْ يا بلال، فأَذِّن: إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن))، ولهذا جنح ابن التين إلى التعدد. ويمكن الجمع بأنه لا منافاة في المغايرة الأخيرة، وأما الأُولى فيحتمل أن يكون نَحَرَ نفسه بأسهمه، فلم تُزْهَق روحه، وإن كان قد أشرف على القتل، فاتّكأ حينئذ على سيفه استعجالاً للموت. لكن جزم ابن الجوزيّ في ((مشكله)) بأن القصة التي حكاها سهل بن سعد وقعت بأحد، قال: واسم الرجل قُزْمَانِ الظَّفَريّ، وكان قد تَخَلَّف عن المسلمين يوم أحد، فَعَيَّره النساء، فخرج حتى صار في الصف الأول، فكان أوَّل مَن رَمَى بسهم، ثم صار إلى السيف، ففعل العجائب، فلما انكشف المسلمون كَسَرَ جَفْنَ سيفه، وجَعَلَ يقول: الموت أحسن من الفرار، فَمَرَّ به قتادة بن النعمان، فقال له هنيئاً لك بالشهادة، قال: والله إني ما قاتلت على دين، وإنما قاتلت على حَسَب قومي، ثم أقلقته الجراحة، فقتل نفسه. قال الحافظ: وهذا الذي نقله أخذه من مغازي الواقديّ، وهو لا يُحْتَجُّ به إذا انفرد، فكيف إذا خالف؟. نعم، أخرج أبو يعلى من طريق سعيد بن عبد الرحمن القاضي، عن أبي حازم حديث الباب، وأوَّله أنه قيل لرسول الله وَل * يوم أحد: ما رأينا مثل ما أَبْلَى فلان، لقد فَرَّ الناسُ، وما فَرَّ، وما ترك للمشركين شاذّةً، ولا فاذَّةً ... الحديث بطوله، على نحو ما في ((الصحيح))، وليس فيه تسميته، وسعيد مُختَلف فيه، وما أظن روايته خَفِيت على البخاريّ، وأظنه لم يَلتَفِت إليها؛ لأن في بعض طرقه عن أبي حازم: غزونا مع رسول الله وَل9، وظاهره يقتضي أنها غير أحد؛ لأن سَهْلاً ما كان حينئذ ممن يُطلِقِ على نفسه ذلك؛ لصغره؛ لأن الصحيح أن مَوْلِده قبل الهجرة بخمس سنين، فيكون في أحد ابن عشرة، أو إحدى عشرة، على أنه قد حَفِظَ أشياء من أمر أُحُد، مثل غَسْل فاطمة ◌َّا جراحة النبيّ وََّ، ولا يلزم من ذلك أن يقول: غزونا، إلا أن يُحْمَل على المجاز، كما سيأتي لأبي هريرة، لكن يدفعه ما سيأتي من رواية الكشميهني قريباً(١). (١) يعني: قوله: ((فقلت)) بضمير المتكلّم. ٣٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن قصّة سهل صوته هذه غير قصّة أبي هريرة حظوته التي قبلها، كما لا يخفى ذلك على من تأمّل سياقهما، وأما الجمع بينهما بالتأويل فتكلّفٌ ظاهر، لا داعي إليه، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (فَاقْتَتَلُوا) أي المسلمون، والمشركون، أي قتل بعضهم بعضاً. [تنبيه]: قال المجد رحمه الله تعالى: تقاتلوا، واقتتلوا بمعنَى، ولم يُدغم؛ لأن التاء غير لازمة، ويقال أيضاً: قَتَّلُوا يُقَتِّلُونَ بنقل حركة التاء إلى القاف فيهما، وبحذف الألف؛ لأنها مُجْتَلَبَةٌ للسكون، والفاعل من الأول: مُقَتِّلٌ، ومن الثاني: مُقِتِّلٌ - بكسر القاف - وأهل مكة يقولون: مُقُتِّلٌ، يُتْبِعُون الضمّةَ الضمَّةَ. انتهى (١). (فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلَى عَسْكَرِهِ) أي رجع بعد فراغ القتال في ذلك اليوم (وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَ رَجُلٌ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: اسمه قُزْمان، قاله الخطيب البغداديّ، قال: وكان من المنافقين. انتهى (٢). وقال في ((الفتح)): وقع في كلام جماعة ممن تكلم على هذا الكتاب أن اسمه قُزْمَان - بضم القاف، وسكون الزاي ـ الظّفْريّ - بضم المعجمة، والفاء -: نسبة إلى بني ظُفْر بطن من الأنصار، وكان يُكنى أبا الْغَيْدَاق - بمعجمة مفتوحة، وتحتانية ساكنة، وآخره قاف - ويَعكُر عليه ما تقدم(٣). انتهى (٤). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما على دعوى اتّحاد القصّتين فلا يُشكل، وأما على اختلافهما، وهو الذي رجّحته فيما مرّ آنفاً، فلا يصحّ كونه قُزمان، فتأمله، والله تعالى أعلم. (لَا يَدَعُ) بفتح أوله، وثانيه، مضارع وَدَعَ، وقد زعم بعض أهل النحاة: (١) ((القاموس المحيط)) ص ٩٤٢ - ٩٤٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٣/٢. (٣) لعله أراد قوله فيما سبق: إنه من طريق الواقدي، وهو لا يُحتجّ به، أو أراد ما سبق من الخلاف: هل قصّة سهل هذه هي قصة أبي هريرة الماضية أم لا؟. (٤) ((الفتح)) ٥٣٩/٧. ٣٥٥ (٥٠) - بَابٌ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٣) أن العرب أماتت ماضيه، ومصدره، واسم الفاعل منه، لكن الصواب أن ماضيه مستعمل، وقد قُرئ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف، ومنه هذا الحديث، وحديث: ((لينتهيَنَّ أقوام عِن وَدْعِهم الجمعة)) (١)، وقد سبق تحقيق هذا مستوفّى (لَهُمْ) أي للمشركين (شَاذَّةً) هكذا معظم النسخ، ووقع في النسخة التي شرحها الأبيّ بلفظ: ((شاذّة، ولا فاذّة))، فزاد ((فاذّة))، وكذا هو في ((مستخرج أبي نُعيم))، وهو الذي في ((صحيح البخاريّ)). قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: ((الشّاذّ)): الخارج عن الجماعة، والشاذّ: المتفرّق أيضاً، و((الفاذّ)): الفرد، ومعناه لا يخلُص منه مَن خَرَج وفَرّ، وأنّث الكلمة على معنى النسمة، أو تشبيه الخارج بشاذّ الغنم وفاذّتها، وهو بمعنى متَقَصِّ للقتل، حتى لا يدع أحداً على طريق المبالغة، قال ابن الأعرابيّ: يقال: فلان لا يدع شاذّةً ولا فاذّةً إذا كان شجاعاً، لا يلقاه أحد إلا قتله. انتهى كلام القاضي (٢). وقال في ((الفتح)): ((الشاذّة)) - بتشديد الذال المعجمة -: ما انفرد عن الجماعة، و((الفاذّة)) - بالفاء - مثله، ما لم يَختَلِط بهم، ثم هما صفة لمحذوف: أي نَسَمَةً، والهاء فيهما للمبالغة، والمعنى: أنه لا يَلْقَى شيئاً إلا قتله، وقيل: المراد بالشاذّ والفاذْ: ما كَبُرَ وصَغُرَ، وقيل: الشاذّ: الخارج، والفاذّ: المنفرد، وقيل: هما بمعنَّى، وقيل: الثاني إتباع. انتهى(٣). (إِلَّ اتَّبَعَهَا) وقوله: (يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَقَالُوا) أي الصحابة الحاضرون، وفي رواية للبخاريّ: ((فقال)): أي قائلٌ، وفي رواية الكشميهني: ((فقلتُ)) بضمير المتكلّم، قال في ((الفتح)): فإن كانت محفوظةً عُرِف اسم قائل ذلك. انتهى (٤). (١) هو ما يأتي للمصنّف رحمه الله تعالى: (٨٦٥) من طريق الْحَكَم بن مِيناء: أن عبد الله بن عمر، وأبا هريرة حدثاه، أنهما سمعا رسول الله وَل﴿ يقول على أعواد منبره: (لَيَنْتَهِيَنَ أقوام عن وَدْعِهم الجمعات، أو لَيَخْتِمَنَّ الله على قلوبهم، ثم لَيَكُونُنَّ من الغافلين)). (٢) ((إكمال المعلم)) ١/ ٤٧٣ - ٤٧٤. (٤) ((الفتح)) ٧/ ٥٤٠. (٣) ((الفتح)) ٧/ ٥٤٠. ٣٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال الجامع عفا الله عنه: أراد أن القائل هو سهل بن سعد الراوي، لكن الكشميهني لا يعتمدون على روايته، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ) بالهمز: أي ما أغنى وكفَى أحدٌ مثلَ غنائه، وکفایته. قال القرطبيّ: كذا صحّت روايتنا فيه رباعيّاً مهموزاً، ومعناه: ما أغنى، ولا كَفَى، وفي ((الصحاح)): أجزأني الشيءُ: كفاني، وجزى عنّي هذا الأمر: أي قَضَى، ومنه قوله تعالى: ﴿لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]: أي لا تقضي، ومنه قوله ◌َ﴿ لأبي بُردة ◌َُّبه: ((ولن تَجْزي عن أحد بعدك))، متّفقٌ عليه، قال: وبنو تميم يقولون: أجزأت عنك شاةٌ بالهمز، وقال أبو عبيد: جزأتُ بالشيء، وأجزأتُ: أي اكتفيتُ به، وأنشد [من الوافر]: فَإِنَّ اللَّؤْمَ فِي الأَقْوَامِ عَارٌ وَإِنَّ الْمَرْءَ يَجْزَأُ بِالْكُرَاعِ أي یکتفي به. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، كـ((ألا)) (إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ))) وفي رواية عند البخاريّ: ((فقالوا: أيُّنا من أهل الجنة، إن كان هذا من أهل النار؟))، وفي حديث أكثم بن أبي الجون الخزاعيّ، عند الطبرانيّ: قال: قلنا: يا رسول الله، فلان يجزئ في القتال، قال: ((هو في النار))، قلنا: يا رسول الله، إذا كان فلان في عبادته، واجتهاده، ولِين جانبه في النار، فأين نحن؟ قال: ((ذلك أخباث النفاق))، قال: فكنا نتحفظ عليه في القتال(١). (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْم) قال في ((الفتح)): هذا الرجل هو أكثم بن أبي الجون، كما سيظهر من سياق حديثه (أَنَا صَاحِبُهُ أَبَداً) وفي رواية للبخاريّ: ((فقال رجل من القوم: لأتبعنه))، قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: أي لا أفارقه، وأتتبّع أمره حتى أعرف مآله؛ إذ أخبر النبيّ وَّ بما دلّ على سوء عُقباه وخاتمته، أو سُوء جَرِيرته بكونه من أهل النار، وخبرُهُ وَِّ﴿ صادقٌ، لا شكّ فيه، وكان ظاهره غيرَ ذلك، من نَصْر الدين، وحُسن البصيرة فيه، فأراد معرفة السبب الموجب لكونه من أهل النار؛ ليزداد يقيناً وبصيرةً، كما فَعَل وذكر في (١) (فتح)) ٥٤٠/٧. ٣٥٧ (٥٠) - بَابٌ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٣) نفس الحديث، ولتجديد شهادته بالنبوّة. انتهى(١). (قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ) أي ذلك الرجل الذي أخبر عنه النبيّ وَّلـ بكونه من أهل النار (وَقَفَ مَعَهُ)، أي وقف هذا الرجل الذي وعد أنه يُصاحبه أبداً (وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ) فعلٌ ونائب فاعله (جُرْحاً شَدِيداً) الجرح بفتح الجيم مصدرُ جَرَحه من باب نَفَعَ، وبضمها اسم منه، زاد في رواية أكثم: فقلنا: يا رسول الله قد استُشهِد فلان، فقال: ((هو في النار)) (فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ) أي طلب سرعة موته؛ لشدّة الألم (فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ) وفي نسخة: ((في الأرض))، و((النَّصْلُ)) بفتح النون، وسكون الصاد المهملة: حديدة السهم، والرمح، والسيف ما لم يكن له مَقْبِضٌ، أفاده في ((القاموس)) (٢)، وقال القرطبيّ: نصلُ السيف: حديدتها كلّها، وأنشدوا: كَالسَّيْفِ سُلَّ نَصْلُهُ مِنْ غِمْدِهِ ويقال: عليها مُنْصُلٌ، والمراد بالنصل في هذا الحديث: طرف النَّصْلِ الأسفل الذي يُسمّى الْقَبِيعةَ، والرِّئاس(٣)، وذُبابُهُ: طرفه الأعلى المحدّد المهلَّلُ، وظُبَتاه وغَرْبَاهُ: حدّاه، وصدرِ السيف: من مَقبِضه إلى مَضرِبِه، ومضربُهُ: موقعُ الضرب منه، وهو دون الذُّبَاب بشبر. انتهى(٤). (وَذُبَابَهُ) بضم الذال المعجمة، وتخفيف الباء الموحدة المكررة: قال ابن الأثير: ذُبابُ السيف: طرفه الذي يُضرَب به. انتهى(٥). وقال النوويّ: هو طرفه الأسفل، وأما طرفه الأعلى فَمَقْبِضه(٦). (بَيْنَ قَدْيَيْهِ) تثنية ((تَدْيِ)) بفتح الثاء، وهو يُذَكَّر على اللغة الفصيحة التي اقتصر عليها الفَرّاء، وثُعلب، وغيرهما، وحَكَى ابن فارس، والجوهريّ، وغيرهما فيه التذكير والتأنيث، قال ابن فارس: الثديُ للمرأة، ويقال لذلك الموضع من الرجل ثَنْدُوَة، وتُنْدُؤَّةٌ بالفتح بلا همزة، وبالضم مع الهمزة، وقال الجوهريّ: والشَّدْيُ للمرأة (١) ((إكمال المعلم)) ٤٧٦/١. (٢) ((القاموس)) ص ٩٥٧. (٣) رئاس السيف بالكسر: مقبضه، أو قَبيعته. اهـ. ((ق)). (٤) ((المفهم)) ٣١٨/١. (٦) ((شرح النوويّ)) ١٢٢/٢. (٥) ((النهاية)) ٢/ ١٥٢. ٣٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وللرجل، فعلى قول ابن فارس يكون في هذا الحديث قد استعار الثَّدْي للرجل، وجمع الثَّدْي: أَثْدٍ، وتُدِيٌّ بضم الثاء، وكسرها، ذكره النوويّ(١). وقال الفيّومي: ((الثَّدْيُ)) للمرأة، وقد يقال في الرجل أيضاً، قاله ابن السّكّيت، ويُذكَّر، ويؤنّث، فيقال: هو الثَّدْيُ، وهي الثَّدْيُ، والجمع أَقْدٍ، وتُدِيٌّ، وأصلُهُما أَفْعُلٌ، وفُعُولٌ، مثلُ أفلُسٍ، وفُلُوسٍ، وربّما جُمع على ثِدَاء، مثلُ سَهْم وسِهَام، والتُّنْدُوة وَزْنُها فُنْعُلةٌ بضمّ الفاء والعين، ومنهم من يَجعَل النون أصليّةً، وَالواو زائدةً، ويقول: وزنُها فُعْلُوَةٌ، قيل: هي مَغْرِزُ الثّدي، وقيل: هي اللَّحْمة التي في أصله، وقيل: هي للرجل بمنزلة الثَّدْي للمرأة، وكان رُؤية يَهْمِزُها، قال أبو عُبيد: وعامّة العرب لا تَهْمِزُها، وحَكَى في البارِع ضمّ الثاء مع الهمزة، وفتح الثاء مع الواو، وقال ابن السّكّيت: وجمع التُّنْدُوة: ثَنَادٍ على النقص. انتهى(٢). (ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ) أي كلّف نفسه ما لا تُطيقه، وهو الوقوع على سيفه، قال في ((القاموس)): تحامل في الأمر، وبه: تكلّفه على مَشَقَّة، وتحاملَ عليه: كلّفه ما لا يُطيق. انتهى(٣). (فَقَتَلَ نَفْسَهُ) وفي رواية للبخاريّ: ((فَوَضَعَ نصاب سيفه في الأرض، وذُبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه، فقتل نفسه))، وفي حديث أكثم: ((أخذ سيفه، فوضعه بين ثدييه، ثم اتكأ عليه، حتى خرج من ظهره، فأتيت النبيّ ◌َلآ، فقلت: أشهد أنك رسول الله))(٤). (فَخَرَجَ الرَّجُلُ) أي الذي قال: أنا صاحبه أبداً (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَاهِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ) وَّرِ ((وَمَا ذَالَكَ؟))) أي ما سبب تجديدك للشهادة برسالتي؟ (قَالَ) الرجل (الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفاً) أي قريباً، وقد تقدّم الكلام عليها (أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ) أي عظّموه، وكُبُر عليهم، وإنما كان كذلك؛ لأنهم نظروا إلى صورة الحال، ولم يَعرِفوا الباطن، ولا المآل، فأعلم العليمُ الخبيرُ البشيرَ النذيرَ بمغَيَّب الأمر وعاقبته، وكان ذلك من (١) ((شرح النوويّ)) ١٢٣/٢ - ١٢٤. (٣) ((القاموس المحيط)) ص٨٨٨. (٢) ((المصباح المنير)) ١/ ٨١. (٤) راجع: ((الفتح)) ٧/ ٥٤٣. ٣٥٩ (٥٠) - بَابٌ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٣) أدلّة صدق الرسولِ وَلّه، وصحّة رسالته، ففيه التنبيه، قالهُ القرطبيّ(١). (فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ) أي أنا أكفيكم شأنه، وما يؤول إليه أمره (فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، حَتَّى جُرِحَ جُرْحاً شَدِيداً، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ عِنْدَ ذَلِكَ) أي عندما أخبره الرجل بحال الرجل ((إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ) قال النووي: معناه أن هذا قد يقع (عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا دليلٌ على أن ذلك الرجل لم يكن مُخلِصاً في جهاده، وقد صرّح الرجل بذلك فيما يُروى عنه أنه قال: إنما قاتلتُ عن أحساب قومي، فيتناول هذا الخبر أهل الرياء، فأما حديث أبي هريرة به الذي قال فيه: ((إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنّة، ثم يُختم له بعمل أهل النار، فيدخلها))(٢)، فإنما يتناول من كان مخلصاً في أعماله، قائماً بها على شرطها، لكن سبقت عليه سابقة القدر، فُبُدِّلَ به عند خاتمته، كما يأتي تحقيقه في ((كتاب القدر)) - إن شاء الله تعالى -. انتهى كلام القرطبيّ(٣). (وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) جملة حاليّة من فاعل ((يَعْمَل)) (وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)) زاد في حديث أكثم: (تُدركه الشقاوة والسعادة عند خروج نفسه، فيُختَم له بها))، وسيأتي شرح الكلام الأخير في ((كتاب القدر)) - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد طيّ هذا متّفقٌ عليه. (١) ((المفهم)) ٣١٨/١. (٢) سيأتي هذا الحديث للمصنّف في ((كتاب القدر)) برقم: (٢٦٥١) من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ ﴿ه قال: ((إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يُختَم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة)). (٣) ((المفهم)) ٣١٩/١. ٣٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) (٣١٣/٥٠] (١١٢)، وفي ((القدر)) (١١٢) مختصراً(١)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٨٩٨)، و((المغازي)) (٤٢٠٢ و٤٢٠٧)، و((الرقاق)) (٦٤٩٣)، و((القدر)) (٦٦٠٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٪ ٣٣١ و٣٣٢ و٣٣٥)، و(أبو القاسم البغويّ) في ((الجعديّات)) (٣٠٣٩)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٤٠)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٣٠٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٧٨٤ و٥٧٩٨ و٥٧٩٩ و٥٨٠٦ و٥٨٢٥ و٥٨٣٠ و٥٨٩١ و٥٩٥٢ و٦٠٠١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦١٧٥)، و(ابن أبي عاصم) في ((السنّة)) (٢١٦)، و(الآجريّ) في ((الشريعة)) (ص١٨٥)، و(البيهقيّ) في ((دلائل النبوّة)) (٤/ ٢٥٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن قتل النفس من الكبائر الموبقة، وأنه ينافي الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان. ٢ - (ومنها): التنبيه على ترك الاعتماد على الأعمال، والتعويل على فضل ذي العزّة والجلال. ٣ - (ومنها): أنه يؤخذ من قوله: ((لا يدع لهم شاذّة)) جواز الإغياء في الكلام، والمبالغة فيه، إذا احتيج إليه، ولم يكن ذلك تعمّقاً، ولا تشدّقاً، فيجوز أن يُعبَّر بالعموم عن الكثير الغالب، كقوله رَِّ: ((لا يَضَعُ عصاه عن عاتقه))(٢). ٤ - (ومنها): بيان أن الأعمال بخواتيمها، فلا ينبغي الاغترار بالأعمال، والركون إليها؛ مخافة من انقلاب الحال عن انقضاء الآجال؛ للقدر السابق، وكذا ينبغي للعاصي أن لا يَقْنَط، ولغيره أن لا يُقنطه من رحمة الله تعالى. ٥ - (ومنها): أنه لا ينبغي أن يُطلق على من قُتل في الجهاد أنه شهيد؛ (١) ولفظه: (١١٢) عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله وَلل قال: ((إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة)). (٢) راجع: ((إكمال المعلم)) ٤٧٤/١، و «المفهم)» ٣١٧/١.