Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
(٤٨) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٢)
بتعديد الصنائع أخو القطع والْهَدْم، فإنه يقال: مننتُ الشيءَ مَنّاً: إذا قطعته،
فهو ممنون، قاله الفيّوميّ(١).
وقوله: (وَالْمُنَفِّقُ) بتشديد الفاء، من نَفّق السِّلْعَةَ: إذا رَوّجها، قاله في
((القاموس))، وفي ((المصباح)): ونَفَقَتِ السِّلْعَةُ، والمرأة نَفَاقاً بالفتح: كَثُرَ
طلابها، وخُطّابها. انتهى.
قوله: (سِلْعَتَهُ) بكسر السين، وسكون اللام: البِضَاعَةُ، جمعها سِلَعٌ، مثلُ
سِدْرَةٍ وسِدَر، وتقدّم تمام البحث فيها قريباً.
وقوله: (بِالْحَلِفِ) بفتح الحاء المهملة، وكسر اللام، ويجوز تسكينها :
أي اليمين.
وقوله: (الْفَاجِرِ) بالجرّ صفة لـ((الحلف))، وهو بمعنى الكاذب في الرواية
السابقة، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، فراجعها
تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل .
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٠٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ -
عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ، وَلَا
يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)).
رجال هذا الإسناد: أربعة، كلهم تقدّموا في الإسنادين الماضيين، غير:
١ - (بِشْرِ بْنِ خَالِدٍ) الْعَسكريّ، أبي محمد الفرائضيّ النيسابوريّ، نزيل
البصرة، ثقةٌ يُغْربُ [١٠] (ت٢٥٣) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٠/٢٣.
وقوله: (وَحَدَّثَنِيهِ) الضمير للحديث الماضي الذي رواه عن شيخه أبي
بكر بن خلاد الباهليّ.
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٨١.

٢٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بالإسناد المذكور قبله، وهو إسناد الأعمش،
عن سليمان بن مُسْهِر، عن خَرَشَة بن الْحُرّ، عن أبي ذرّ ظُه.
وقوله: (وَقَالَ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ الله)) ... إلخ) يعني: أن رواية محمد بن
جعفر، وإن كان إسناده إسناد سفيان الثوريّ، لكنه يخالفه في المتن، فسفيان
قال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنّان ... إلخ))، وأما محمد، فرواه
بلفظ: ((ثلاثة لا يكلّمهم الله، ولا ينظر إليه، ولا يُزكّيهم ... إلخ)).
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر هذه أخرجها الإمام أحمد، فقال في
((مسنده)) :
(٢٠٥٠٧) حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سليمان، قال:
سمعت سليمان بن مُسْهِر، عن خَرَشَةَ بن الْحُرّ، عن أبي ذَرِّ، قال: قال
رسول الله وَل: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا
يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنّان بما أَعْطَى، والمسبِلُ إزارَهُ، والْمُنَفِّق سلعته
بالحلف الكاذب)).
وأخرجها أيضاً النسائيّ في ((المجتبى)) بسند المصنّف، فقال:
(٢٥١٧) أخبرنا بشر بن خالد، قال: حدثنا غُندَر، عن شعبة، قال:
سمعت سليمان - وهو الأعمش - عن سليمان بن مُسْهِر، عن خَرَشَة بن الْحُرّ،
عن أبي ذَرّ، قال: قال رسول الله وَّه: ((ثلاثة لا يكلمهم الله وم يوم القيامة،
ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنّان بما أَعْطَى، والمسبِلُ
إزاره، والْمُنَفِّق سلعَتَهُ بالحلف الكاذب))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الکتاب قال:
[٣٠٣] (١٠٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو
مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
(ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَّا يُزَكِّيهِمْ - قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ،
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ -: شَيْخُ زَانٍ، وَمَلِكَ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ)).

٢٨٣
(٤٨) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٣)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو حَازِم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، مولى عزّة الأشجعيّة، ثقة [٣]
(ت على رأس المائةً) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤٢.
[تنبيه]: ذكر النوويّ في ((شرحه)) أن أبا حازم هو سلمان الأغرّ مولى
عزّة، وهذا خطأ؛ لأن سلمان الأغرّ غير سلمان الأشجعيّ، وكلاهما يرويان
عن أبي هريرة ◌ُه، فأبو حازم هو سلمان الأشجعيّ مولى عزّة الأشجعيّة،
وأما سلمان الأغرّ فهو أبو عبد الله المدنيّ، مولى جُهَينة، فراجع ترجمتهما في
(تهذيب التهذيب)) (٦٩/٢ - ٧٠)، و((التقريب)) (ص١٣٠)، والله تعالى أعلم.
٢ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير بَرُّه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢،
والباقون تقدّموا قبل باب، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث،
والعنعنة، والقول.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي حازم.
٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالكنى، غير الأعمش، ووكيعٌ معه أبو معاوية.
٦ - (ومنها): أن أبا معاوية أثبت الناس في الأعمش، إلا أن يكون
الثوريّ.
٧ - (ومنها): أن أبا حازم ممن لازم أبا هريرة ربه، وأطال صحبته،
فقد جالسه خمس سنين.
٨ - (ومنها): أن أبا هريرة ظبه أحفظ من روى الحديث في دهره، وهو
رأس المكثرين السبعة من الصحابة ، روى (٥٣٧٤) حديثاً، وقد سبق هذا
غير مرّة، وإنما أعدته تذكيراً، والله تعالى أعلم.

٢٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: (« ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ) أي لا يكلّمهم أصلاً، أو لا يكلّمهم كلاماً يَسُرُّهم؛ لأنه ثبت أنه يكلّم
أهل النار، كما قال تعالى: ﴿أَخَْثُواْ فِيَهَا وَلَا تُكَلِّمُونٍ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وهؤلاء
لا يَكُونون أسوأ من الكفّار، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك في حديث أبي
ذرّ ◌ُه (وَلَا يُزَكِّيهِمْ) أي لا یطهّرهم من دنس ذنوبهم.
وقوله: (قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) إشارة إلى اختلاف وكيع وأبي
معاوية في الحديث، فأما أبو معاوية، فزاد في روايته قوله: ((ولا ينظر إليهم))،
وأما وکیع فلم یذکر ذلك.
[تنبيه]: رواية وكيع هذه ساقها الحافظ أبو عوانة تَّتُ في ((مسنده)) (١/
٤٦)، فقال:
(١١٤) حدثنا علي بن حرب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن
أبي حازم، عن أبي هريرة (ح) وحدثنا الصاغانيّ، قال: أنبأنا ابن نمير، قال:
ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله ◌َي: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب
أليم: شيخ زانٍ، وملكٌ كَذّابٌ، وعائلٌ مستكبرٌ)).
وقال الحافظ أبو نُعيم في ((مستخرجه)) :
(٢٨٩) حدثنا جعفر بن محمد الأحمسيّ، ثنا أبو حصين الوادعيّ، ثنا
يحيى بن عبد الحميد، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي
هريرة (ح) وحدثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر بن
أبي شيبة، ثنا وكيع، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي
هريرة، سمعت رسول الله وَل﴿ يقول: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا
يزكيهم - قال أبو معاوية: ولا ينظر إليهم -: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل
متکبر)).
[فإن قلت]: رواية وكيع ساقها الإمام أحمد رحمه الله تعالى كرواية أبي
معاوية، وفيها تلك الزيادة، فقال في ((مسنده)) :
(٩٨٣٧) حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة،

٢٨٥
(٤٨) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٣)
قال: قال رسول الله وَله: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم،
ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخٌ زانٍ، وملكٌ كَذَابٌ، وعائلٌ مستكبرٌ)).
فكيف تجمع بين هذا، وبين ما قاله المصنّف؟.
[قلت]: يمكن أن يُجمع بينهما بأن وكيعاً رَوَى الحديث بالوجهين، فنفي
المصنّف يُحمَل على أنه ما وصلت إليه رواية أحمد، والله تعالى أعلم
بالصواب.
(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي مؤلِمٌ (شَيْخُ زَانٍ) خبر لمحذوف: أي أحدهم:
رجلٌ كبيرٌ السنّ الذي بلغ إلى حالة لا يَحتاجِ فيها كثيراً إلى النساء (وَمَلِكَ
كَذَّابٌ) وفي رواية النسائيّ: ((وَالْإِمَامُ الْكَذَّابُ))، وفي رواية له: ((والإمام
الجائر)).
(وَعَائِلٌ) أي فقير، والْمُعِيل: الكثير العيال. يقال: عال الرجلُ يَعِيل، من
باب باع، فهو عائلٌ: إذا افتقر. والْعَيْلَة: الفقر، وأعال فهو مُعِيلٌ: إذا كثر
عياله. وجمع العائل: عالةٌ، وهو في تقدير فُعَلَة، مثلُ كافر وكَفَرَة، أفاده في
(المصباح)).
(مُسْتَكْبِرٌ))) أي متكبّر، وعند النسائيّ: و(العائلٌ الْمَزْهُوُّ))، و((المزُهُوّ))
بصيغة اسم المفعول: أي المتكبّر، من زُهِي الرجل بالبناء للمفعول على
الأكثر، أو من زَهَا بالبناء للفاعل، على قلّة.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى في ((المفهم): وإنما غُلّظ العقاب على
هؤلاء الثلاثة؛ لأن الحامل لهم على تلك المعاصي محض المعاندة،
واستخفاف أمر تلك المعاصي التي اقتحموها؛ إذ لم يحملهم على ذلك حاملٌ
حاجيّ، ولا دعتهم إليها ضرورة، كما يدعو من لم يكن مثلهم. وبيان ذلك أن
الشيخ لا حاجة، ولا داعية له تدعوه إلى الزنى؛ لضعف داعية النكاح في حقّه،
ولكمال عقله، ولقرب أجله؛ إذ قد انتهى طَرَفٌ من عمره، ونحو ذلك الملك
الكذّاب؛ إذ لا حاجة له إلى الكذب، فإنه يمكنه أن يُمَشِّي أغراضه بالصدق؛
فإن خاف من الصدق مفسدةً ورَّی.
وأما العائل المستكبر، فاستحقّ ذلك لغلبة الكبر على نفسه؛ إذ لا سبب
له من خارج يحمله على الكبر، فإن الكبر غالباً إنما يكون بالمال، والْخَدَم،

٢٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
والجاه، وهو قد عَدِمَ ذلك كلّه، فلا موجب له إلا غلبة الكبر على نفسه، وقلّة
مبالاته بتحريمه، وتوتُّد الشرع عليه، مع أنّ اللائق به، والمناسب لحاله الرّقّة،
والتواضع؛ لفقره وعجزه. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(١).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وأما سبب تخصيصه له هؤلاء
الثلاثة بالوعيد المذكور أنّ كلّ واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بُعْدها
منه، وعدم ضرورته إليها، وضعف دواعيها عنده، وإن كان لا يُعذَر أحد
بذنب، لكن لما لم تدعهم إلى هذه المعاصي ضرائر مُزْعِجَة، ولا دواعٍ معتادة،
ولا حملهم عليها أسبابٌ لازمةٌ أشبه إقدامهم عليها المعاندة، والاستخفاف
بحقّ الله تعالى، وقصد معصيته، لا لحاجة غيرها .
فإن الشيخ لكمال عقله، وتمام معرفته بطول ما مرّ عليه من الزمان،
وضعف أسباب الجماع، والشهوة للنساء، واختلال دواعيه لذلك، وبرد
مزاجه، وإخلاق جديده عنده ما يريحه من دواعي الحلال في هذا، ويخلي سرّه
منه بطبيعته، فكيف بالزنا الحرام؟ وإنما دواعي ذلك الشباب، والحرارة
الغريزيّة، وقلّة المعرفة، وغلبة الشهوة؛ لضعف العقل، وصغر السنّ.
وكذلك الإمام لا يَخشى من أحد من رعيّته، ولا يَحتاج إلى مداهنته،
ومصانعته، فإن الإنسان إنما يُداهن، ويصانع بالكذب وشبهه من يَحذَره،
ويخشى أذاه، ومعاتبته، أو يطلب عنده بذلك منزلة، أو منفعة، وهو غنيّ عن
الكذب مطلقاً .
وكذلك العائل المستكبر قد عَدِمَ المال، وإنما سبب الفخر، والخيلاء،
والتكبّر، والارتفاع على القرناء إنما هو الثَّرْوَةُ في الدنيا؛ لكونه ظاهراً فيها،
وحاجات أهلها إليه، فإذا لم يكن عنده أسبابها، فلماذا يستكبر، ويحتقر
غيره؟، فلم يبق إلا أن في استكبار هذا، وزنا الشيخ الكبير، وكذب الإمام
ضرباً من الاستخفاف بحقّ الله تعالى، ومعاندة نواهيه وأوامره، وقلّة الخوف
من وعيده؛ إذ لم يبقَ حاملٌ لهم على هذه الأفعال السيّئة إلا هذا، مع ما سبق
(١) راجع: ((المفهم) ٣٠٥/١.

٢٨٧
(٤٨) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٣)
القدر لهم بالشقاء. انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى ببعض تصرّف(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا تفرّد به
المصنف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٠٣/٤٨] (١٠٧)، و(النسائيّ) في
((الزكاة)) (٢٥٧٥)، وفي ((الكبرى)) (٢٣٥٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٣٣/٢)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١١٤)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٢٨٩)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٤٤١٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦١/٨)، و(البغويّ)
في ((شرح السنّة)) (٣٥٩١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان غلظ تحريم هذه الأشياء المذكورة في الحديث، وأنها
تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيرادها في أبواب الإيمان؛ لأنها
ضدّه، والشيء ألصق بضدّه.
٢ - (ومنها): بيان أن مرتكبي المعاصي تتفاوت مراتبهم بحسب الدواعي
الحاملة لهم على ارتكابها، فمن كان له داع يحمله، ويقهره على ارتكابها، كان
أخفّ جُرْماً ممن لا داعي له إلى ذلك.
٣ - (ومنها): بيان عظمة رحمة الله قال الرؤوف الرحيم بعباده المؤمنين،
حيث خفّف العقاب عن المغلوب المقهور؛ إذ حامله عليه قهر النفس،
والشهوة، وأما من ليس كذلك، فإنه يَعْظُم عقابه، حيث كان حامله على
الارتكاب مجرّد الاستخفاف بأمر الله تعالى، وقلّة خوفه منه، ﴿رَبََّا لَا تُعْ قُلُوبَنَا
[آل عمران: ٨]، والله
بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ أْوَقَابُ ﴾﴾﴾
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) ((إكمال المعلم)) ٤٥٨/١ - ٤٦٠، و((شرح مسلم للنوويّ)) ٢٩٨/٢ - ٣٠٠.

٢٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٠٤] (١٠٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذَا حَدِيثُ
أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((ثَلَاثٌ لَا يُكَّلِّمُهُمُ الهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ
إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ، يَمْنَعُهُ مِنِ
ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلُ بَايَعَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ لَأَخَذَهَا بِكَذَا
وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَاماً، لَا يُبَابِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، فَإِنْ
أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا، إلا:
١ - (أَبَا صَالِح) هو: ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣]
(ت١٠١) (ع) تقدم فيَّ ((المقدمة)) ٤/٢.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﴿به، وفي رواية للبخاريّ، من طريق عبد الواحد بن
زياد، عن الأعمش، سمعت أبا صالح، يقول: سمعت أبا هريرة رظه، وقوله:
(وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ) يعني: أن اللفظ الذي ساقه هنا هو لفظ شيخه أبي
بكر بن أبي شيبة، وأما أبو كريب، فرواه بمعناه (قَالَ) أبو هريرة ◌َظ ◌ُبه (قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: (ثَلَاثٌ) هكذا معظم الأصول في هذه الرواية عن أبي هريرة ◌َد ◌ُه
بلفظ: ((ثلاث)) بحذف الهاء، وكذا وقع في بعض الأصول في الرواية الثانية عن
أبي ذر ظُه، وله وجه صحيح، وهو أن يقدّر ثلاث أنفس، و((النفس مؤنّثة))،
وإنما جاء الضمير في ((يكلّمُهم)) مذكّراً على المعنى، يعني: أن معنى الأنفس
مذكّر؛ لأنه بمعنى الأشخاص، أو الناس، والله ◌َلَ أعلم(١).
(لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي بكلام مَن رَضِي عنه، وإنما يكلّمهم
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١١٨/٢.

٢٨٩
(٤٨) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيم ◌ِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٤)
بكلام مَن سَخِطَ عليه، كما جاء في ((صحيح البخاريّ)) من حديث أبي
هريرة ظُه، مرفوعاً: ((يقول الله لمانع الماء: اليوم أمنعك فضلي، كما منعت
فضل ما لم تعمل يداك))، وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز أنه يقول
للكافرين: ﴿أَخْسَئُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وقيل: معناه: لا يكلّمهم
بغير واسطة، استهانةً بهم، وقيل: معنى ذلك الإعراض عنهم، والغضب
عليهم، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفّى في حديث أبي ذرّ ◌َظُه، فلا تَنْسَ.
(وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) أي نظر لطف، ورحمة، وإحسان إليهم؛ إذ نظره تعالى محيط
بكل شيء (وَلَا يُزَكِّيهِمْ) أي لا يُثني عليهم، ومن لم يُثن عليه عذّبه، وقيل: لا
يُطهّرهم من خُبث أعمالهم؛ لعظيم جُرْمهم (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي شديد الألم
الموجع (رَجُلٌ) بدل تفصيل من ((ثلاثةٌ))، أو خبر لمحذوف: أي أحدهم رجلٌ
(عَلَى فَضْلِ مَاءٍ) من إضافة الصفة للموصوف: أي على ماء فاضل، والوصف
بالفضل من باب: زيدٌ عدلٌ، والمراد ما فَضَلَ عن كفايته التي يستحقّها السابقُ
للماء، فإنه أحقّ من غيره، حتى يأخذ حاجته منه، فإذا منع المستحقّ بعد أخذه
كفايته عما زاد على حاجته، فقد استحقّ هذا الوعيد (بِالْفَلَاةِ) بفتح الفاء: هي
المفازة، والقفر التي لا أنيس بها، قاله النوويّ(١)، وقال الفيوميّ: ((الفلاة)):
الأرض لا ماءَ فيها، والجمع فلاً، مثلُ حَصَاةٍ وحَصاً، وجمع الجمع: أفلاء،
مثلُ سَبَبٍ وأسباب. انتهى (٢). وفي رواية النسائيّ: ((بالطريق))، وهو معنى
الفلاة هنا (يَمْتَعُهُ) أي فضل الماء (مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ) أي المسافر، ولفظ
النسائيّ: ((يَمْنَعُ ابْنَ السَّبِيلِ مِنْهُ))، والمعنى واحد، وإن تغاير المفهومان؛
لتلازمهما؛ لأنه إذا منعه من الماء، فقد منع الماء منه، أفاده في ((الفتح))(٣).
و ((ابن السبيل)): هو المسافر، و((السبيل)): الطريق، وسمّي المسافر بذلك؛
لأن الطريق تُبْرِزه، وتُظْهِره، فكأنها ولدته، وقيل: سُمّي بذلك؛ لملازمته إياه،
كما يقال في الغراب: ابن دَأْيَة؛ لملازمته دَأْية البعير الدَّبِرِ لينقُرها(٤).
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٦/٢ - ١١٧.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٨١/٢.
(٣) ((الفتح)) ٢١٤/١٣ - ٢١٥.
(٤) (البعير الدبر)): هو الذي تقرّحت دأيته، والدأية من البعير: هو الموضع الذي تقع
عليه ظَلِفَةُ الرحل، فيعقره.

٢٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(وَ) الثاني (رَجُلٌ بَابَعَ رَجُلاً) أي عقد البيع معه (بِسِلْعَةٍ) قال القرطبيّ
رحمه الله تعالى: رويناه ((سِلْعَةً)) بغير باء، ورويناه بالباء، فعلى الباء بايع بمعنى
ساوم، كما جاء في الرواية الأخرى: ((ساوم))، مكان ((بايع))، وتكون الباء
بمعنى: ((عن))، كما في قول الشاعر [من الطويل]:
فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي بَصِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ
أي عن النساء. وعلى إسقاطها يكون معنى ((بايع)) باع، فيتعدّى بنفسه،
و((سلعة)) مفعوله. انتهى.
وفي رواية جرير الآتية: ((وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلاً بسلعة))، وهو مفاعلةٌ من
السَّوْم، يقال: سام البائع السِّلْعة سَوْماً، من باب قال: إذا عَرضَها للبيع،
والتساوم بين اثنين أن يعرض البائع السلعة بثمن، ويطلبها صاحبه بثمن دون ما
طلبه، أفاده الفيّوميّ.
(بَعْدَ الْعَصْرِ) أي بعد صلاة العصر، وخصّ بعد العصر مبالغةً في الذّمّ؛
لأنه وقتٌ يتوب فيه المقصّر تمام النهار، ويشتغل فيه الموفَّقُ بالذكر ونحوه،
فالمعصية في مثله أقبح.
وقال النوويّ: وخصّ ما بعد العصر بالحلف؛ لشرفه بسبب اجتماع
ملائكة الليل والنهار، وغير ذلك.
وقال الخطّابيّ: خصّ وقت العصر بتعظيم الإثم فيه، وإن كانت اليمين
الفاجرة محرّمة في كلّ وقت؛ لأن الله عظّم شأن هذا الوقت، بأن جعل
الملائكة تجتمع فيه، وهو وقت ختام الأعمال، والأمور بخواتيمها، فَغُلِّظت
العقوبة فيه؛ لئلا يُقْدِم عليها تجرّؤاً، فإن مَن تجرّأ عليها فيه اعتادها في غيره.
وكان السلف رحمهم الله تعالى يُحَلِّفُون بعد العصر، وجاء ذلك في
الحديث أيضاً، كما قاله في ((الفتح))(١).
وقال القرطبيّ: وتخصيصه بما بعد العصر يدلّ على أن لهذا الوقت من
الفضل والحرمة ما ليس لغيره من ساعات اليوم، ويظهر لي أن يقال: إنما كان
ذلك؛ لأنه عقب الصلاة الوسطى، ولما كانت هذه الصلاة لها من الفضل،
(١) ((الفتح)) ٢١٦/١٣.

٢٩١
(٤٨) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٤)
وعظيم القدر أكثر مما لغيرها، فينبغي لمصلّيها أن يَظْهَر عليه عَقِبها من التحفّظ
على دينه، والتحرّز على إيمانه أكثر مما ينبغي له عَقِبَ غيرها؛ لأن الصلاة
حقّها أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الضَّلَوةَ تَنْهَى
عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٥]: أي تحمل على الامتناع عن ذلك
مما يَحْدُث في قلب المصلّي بسببها من النور، والانشراح، والخوف من الله
تعالى، والحياء منه، ولهذا أشار النبيّ وَّ بقوله: ((من لم تنهه صلاته عن
الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلا بعداً))(١)، وإذا كان هذا في الصلوات
كلّها، كانت الوسطى بذلك أولى، وحقّها في ذلك أكثر، وأوفى، فمن اجترأ
بعدها على اليمين الغموس التي يأكل بها مال الغير، كان إثمه أشدّ، وقلبه
أفسد، والله تعالى أعلم.
(١) قال الهيثميّ في ((مجمع الزوائد)) ٢٥٨/٢: رواه الطبرانيّ في ((الكبير))، وفيه ليث بن
أبي سُليم، وهو ثقة، ولكنه مدّس، من حديث ابن عباس، ورواه أيضاً من حديث
ابن مسعود، ورجاله رجال الصحيح.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل الحديث ضعيف مرفوعاً، وقوله: ليث بن أبي
سليم ثقة، فيه نظر، بل هو متروك؛ لأنه اختلط أخيراً، ولم يتميّز حديثه، فترك،
كما قاله الحافظ في ((التقريب)). أما أثر ابن مسعود ره فصحيح، موقوفاً عليه،
لكن تكلّم العلماء فيه، قال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى: لا
يصحّ حمله على ظاهره؛ لأن ظاهره معارض بما ثبت في الأحاديث الصحيحة من
أن الصلاة مكفّرة للذنوب، فكيف تكون مكفّرة، ويزداد بها بعداً؟ هذا مما لا يُعقل،
ثم قال: وحمل الحديث على المبالغة والتهديد ممكن على اعتبار أنه موقوف على
ابن عباس، أو غيره، وأما على أنه من كلامه ◌َ ﴿ فهو بعيد عندي - والله أعلم -.
قال: ويشهد لذلك ما ثبت في البخاريّ: أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فذكر ذلك
للنبيّ وََّ، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. انتهى مختصراً.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى: هذا الحديث ليس بثابت عن
النبيّ وَّ؛ لكن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر كما ذكر الله في كتابه، وبكل
حال فالصلاة لا تزيد صاحبها بعداً، بل الذي يصلي خير من الذي لا يصلي،
وأقرب إلى الله منه، وإن كان فاسقاً. انتهى. انظر: تفاصيل أقوالهم في ((السلسلة
الضعيفة)) للشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى ١٤/١ - ١٧ رقم الحديث ٢.

٢٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال: وهذا الذي ظهر لي أولى مما قاله القاضي أبو الفضل، فإنه قال:
إنما كان ذلك لاجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار في ذلك الوقت؛ لوجهين:
[أحدهما]: أن هذا المعنى موجود في صلاة الفجر؛ لأن النبيّ وَّ- قال:
((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ثم يجتمعون في صلاة العصر،
وصلاة الفجر))، متّفقٌ عليه، وعلى هذا فتبطل خصوصيّة العصر؛ لمساواة الفجر
لها في ذلك.
[وثانيهما]: أن حضور الملائكة، واجتماعهم إنما في حال فعل هاتين
الصلاتين، لا بعدهما، كما قد نصّ عليه في الحديث، حين قال: ((يجتمعون
في صلاة الفجر، وصلاة العصر، وتقول الملائكة: أتيناهم، وهم يصلّون،
وتركناهم، وهم يصلّون))، وهذا يدلّ دلالة واضحةً على أن هؤلاء الملائكة لا
يشاهدون من أعمال العباد إلا الصلوات فقط، وبها يشهدون، فتدبّر ما ذكرته،
فإنه الأنسب الأسلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(١)، وهو تحقيقٌ
مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
(فَحَلَفَ لَهُ) أي للذي بايعه (بِاللهِ لَأَخَذَهَا) أي لقد أخذ السلعة، يعني: أنه
اشتراها (بِكَذَا وَكَذَا) أي من الثمن، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني: أنه
كَذَبَ، فزاد في الثمن الذي اشترى به، فَكَذَبَ، واستخفّ باسم الله تعالى،
حين حَلَفَ به على الكذب، وأَخَذَ مال غيره ظلماً، فقد جمع بين كبائرَ،
فاستحقّ هذا الوعيد الشديد. انتهى(٢).
وفي رواية البخاريّ من طريق أبي حمزة السُّكّريّ، عن الأعمش: ((فَحَلَفَ
لَهُ بِاللهِ، لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا كَذَا وَكَذَا)) بضمّ همزة ((أُعطي))، وكسر الطاء، مبنيّاً
للمفعول: أي أعطاه غيره ثمناً معيّناً، ويجوز أن يكون مبنيّاً للفاعل، والضمير
للحالف: أي دفع هو ثمناً معيّناً، ورجّح في ((الفتح)) هذا الثاني، قال: ووقع
في رواية عبد الواحد، عن الأعمش بلفظ: ((لقد أَعْطَيتُ بها))، وفي رواية أبي
معاوية: ((فَحَلَفَ له بالله لأخذها بكذا))، وفي رواية عمرو بن دينار، عن أبي
صالح: (لقد أَعْطَى بها أكثر مما أُعطي))، بفتح الهمزة والطاء، وفي بعضها
(١) «المفهم)) ٣٠٧/١ - ٣٠٨.
(٢) ((المفهم)) ٣٠٧/١.

٢٩٣
(٤٨) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٤)
بضمّ أوله، وكسر الطاء، والأول أرجح، قاله في ((الفتح))(١).
(فَصَدَّقَهُ) أي صدّق المحلوف له الحالف، وقوله: (وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ)
جملة في محلّ نصبٍ على الحال: أي والحال أن الواقع خلاف ما ذكره، بل
كان شراؤه بثمن أقلّ مما حلف عليه، وإنما حلف على ذلك ليوقع صاحبه على
شرائه بثمن أکثر.
وفي رواية البخاريّ: ((فصدّقه، فأخذَهَا، ولم يُعطِ بها)): أي لم يُعْطِ
القدر الذي حَلَفَ أنه أَعْطَى عِوَضَها .
(وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَاماً، لَا يُبَابِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا) وفي رواية البخاريّ: ((وَرَجُلٌ بَايَعَ
إِمَاماً لِدُنْيَا))، وفي رواية: ((إمامه)) (فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا) أي من أغراضه من تلك
الدنيا التي بايع من أجلها (وَفَى) أي ما عليه من الطاعة، مع أن الوفاء واجب
عليه مطلقاً، وفي رواية البخاريّ: ((إِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ)) (وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ
مِنْهَا) وفي رواية البخاريّ: ((وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ)): أي ما يريده، فالمفعول الثاني
محذوف للعلم به (لَمْ يَفٍ)، وللبخاريّ: (لَمْ يَفِ لَهُ)).
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هكذا الرواية ((وفَى)) بتخفيف الفاء،
و(يَفٍ)) محذوف الواو، والياء، مخفّفاً، وهو الصحيح هنا، روايةً، ومعنّى؛
لأنه يقال: وَفَى بعهده يَفِي وَفَاءً، والوفاءُ بالعهد ممدوداً: ضِدُّ الغدر،
ويقال: (أوفى)) بمعنى وَفَى، وأما ((وفّى)) المشدّد الفاء، فهي بمعنى توفية
الحقّ، وإعطائه، يقال: وَفّاه حقّه يوفّيه توفيّةً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ
الَّذِى وَقَ (4)﴾ [النجم: ٣٧]: أي قام بما كلّفه من الأعمال، كخصال الفطرة،
وغيرها، كما قال الله تعالى: ﴿فَتَّمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وحكى الجوهريّ:
أوفاه حقّه، قال: وعلى هذا، وعلى ما تقدّم فيكون ((أوفى)) بمعنى الوفاء
بالعهد، وتوفية الحقّ، والأصل في ((أوفى)): أطلّ على الشيء، وأشرف
عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
(١) ((الفتح)) ٢١٤/١٣ - ٢١٥.

٢٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٠٤/٤٨ و٣٠٥ و٣٠٦] (١٠٨)،
و(البخاريّ) في ((المساقاة)) (٢٣٥٨ و٢٣٦٩)، و((الشهادات)) (٢٦٧٢)،
و((الأحكام)) (٧٢١٢)، و((التوحيد)) (٧٤٤٦)، و(أبو داود) في (البيوع))
(٣٤٧٤)، و(الترمذيّ) في ((السير)) (١٥٩٥)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٤٤٦٤)،
وفي «الكبرى» (٦٠٥٤)، و(ابن ماجه) في ((التجارات)) (٢٢٠٧)، و((الجهاد))
(٢٨٧٠)، و((الفتن)) (٤٠٣٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥٣/٢)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (١١٨ و١١٩ ١٢٠ و١٢١ و١٢٢)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه))
(٢٩٠ و٢٩١ و٢٩٢)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٦٢٢ و٦٢٥ و٦٢٦)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٣٠/٥) و(١٥٢/٦) و(١٦١/٨ و١٧٧ و١٧٨)، وفي
((الأسماء والصفات)) (٣٥٢/١ و٣٥٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنة)) (١٦٦٩
و٢٥١٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون هذه الأشياء تنافي كمال الإيمان، وهو وجه
المطابقة في إيرادها في أبواب الإيمان؛ لأنها ضدّه؛ إذ من شُعَب الإيمان
النصيحة للأئمة، ولعامة المسلمين، فمن فعل هذه الأشياء فقد ترك نصيحتهم،
حيث ظلمهم.
٢ - (ومنها): بيان غِلَظ الوعيد الشديد لمن خَدَع مسلماً في البيع بحلفه
الكاذب.
٣ - (ومنها): أن فيه الوعيد الشديد لمن نكث بيعة إمام، وخَرَج عليه؛
وذلك لما فيه من تفريق الكلمة، وشقّ العصى، ونشر الفساد والظلم والفحشاء
بين الأمة، وفي الوفاء بالعهد تحصين للفروج، والأموال، وحقن للدماء.
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى أيضاً: إنما استحقّ مَن
بايع إماماً للدنيا هذا الوعيد الشديد؛ لأنه لم يَقُم لله تعالى بما وجب عليه من
البيعة الدينيّة، فإنها من العبادات التي تجب فيها النّة، والإخلاص، فإذا فعلها

(٤٨) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٤)
٢٩٥
لغير الله تعالى من دنيا يَقْصِدها، أو غرض عاجل يقصده، بقيت عُهْدَتُها عليه؛
لأنه مُنَافقٌ مُراءٍ غاشٌّ للإمام والمسلمين، غير ناصح في شيء من ذلك، ومن
كان هذا حاله كان مُثيراً للفتن بين المسلمين، بحيثُ يَسْفِك دماءهم، ويستبيح
أموالهم، ويَهْتِك بلادهم، ويسعى في إهلاكهم؛ لأنه إنما يكون مع مَن بّغه إلى
أغراضه، فيبايعه لذلك، وينصره، ويغضب له، ويقاتل مخالِفَهُ، فينشأ من ذلك
تلك المفاسد، وقد تكون هذه المخالفة في بعض أغراضه، فينكُث بيعته،
ويطلب هلكته، كما هو حال أهل أكثر هذه الأزمان، فإنهم قد عمّهم الغدر،
والخذلان. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدّاً.
٥ - (ومنها): بيان أن كلّ عمل لا يراد به وجه الله تعالى، بل الغرض
الدنيويّ، فإنه وبالٌ على صاحبه، وخسران مبين.
٦ - (ومنها): الوعيد الشديد لمن منع فضل الماء المسافر المحتاج إلى
الماء، قال النوويّ: لكن يُسْتَثْنَى من ذلك الحربيّ، والمرتدّ، إذا أصرّا على
الكفر، فلا يجب بذل الماء لهما. انتهى.
٧ - (ومنها): أن هذا الماء الذي ورد الوعيد فيه في هذا الحديث هو
الذي قد نَهَى النبيّ نَّهَ عن منعه بقوله: ((لا يُمْنَعُ فضلُ الماء؛ ليُمْنَعَ به الكلُّ))،
متّفقٌ عليه.
وقد أجمع المسلمون على تحريم ذلك؛ لأنه مَنْعُ ما لا حقّ له فيه من
مستحقّه، وربّما أتلفه، أو أتلف ماله وبهائمه، فلو منعه هذا الماء حتى مات
عطشاً قيد منه، عند مالك؛ لأنه قتله، كما لو قتله بالجوع، أو بالسلاح، قاله
القرطبيّ رحمه الله تعالى(٢).
٨ - (ومنها): أنه يستفاد من مجموع أحاديث الباب عشر خصال مذمومة،
وهي: (١) الإسبال، و(٢) المنّ بالعطاء، و(٣) تنفيق السلعة بالحلف الكاذب،
و(٤) زنا الشيخ، و(٥) كَذِبُ الملك، و(٦) تكبّر الفقير، و(٧) منع فضل الماء
من ابن السبيل، و(٨) مبايعة الإمام لأجل الدنيا، و(٩) الحلف بعد العصر على
أخذ سلعة بكذا، ولم يأخذها به، و(١٠) الحلف بعد العصر على مال مسلم
(١) ((المفهم)) ٣٠٨/١ - ٣٠٩.
(٢) ((المفهم)) ٣٠٦/١.

٢٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ليقتطعه(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٠٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا
سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الْأَشْعَنِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرُ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ،
غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ جَرِيرٍ : ((وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد الْحَرَشيّ، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
حافظٌ، أكثر عنه المصنّف [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد المذكور قبل باب.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَثِيُّ) هو: سعيد بن عمرو بن سهل الكنديّ الأشعثيّ،
أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٠) (م س) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤.
[تنبيه]: ((الأشعثيّ)) بالشين المعجمة، والعين المهملة، والثاء المثلّثة:
منسوب إلى جدّه الأشعث بن قيس الكِنديّ، فإنه سعيد بن عمرو بن سهل بن
إسحاق بن محمد بن الأشعث بن قيس الكنديّ، قاله النوويّ (٢).
٤ - (عَبْثَر) بفتح العين المهملة، وسكون الموحّدة، وفتح الثاء المثلّثة،
هو: ابن القاسم الزُّبَيدي - بالضمّ - أبو زُبيد - بالضمّ أيضاً - الكوفيّ، ثقة [٨].
رَوَى عن حُصين بن عبد الرحمن، والعلاء بن المسيَّب، ومُطَرِّف بن طَرِيف،
وسليمان التيميّ، وإسماعيل بن أبي خالد، والأجلح بن سِنَان، والأعمش، وأبي
إسحاق الشَّيبانيّ، ويُرْد بن أبي زياد، والثوريّ، ويزيد بن أبي زياد، وجماعة.
ورَوَى عنه أحمد بن عبد الله بن يونس، وابنه أبو حُصَين عبد الله بن
(١) راجع: ((الفتح)) ٢١٥/١٣ ((كتاب الأحكام)) رقم (٧٢١٢) فقد ذكره مجملاً، وأنا
فصّلته؛ تتميماً للفائدة، والله تعالى وليّ التوفيق.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١٥/٢.

٢٩٧
(٤٨) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ) ... إلخ - حديث رقم (٣٠٥)
أحمد، وسعيد بن عمرو الأشعثيّ، وأبو نعيم، وعمرو بن عون، ويحيى بن آدم،
ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وخَلَف بن هشام البزار، وأبو غسان النَّهْديّ،
وقتيبة بن سعيد، وهنَّاد بن السَّريّ، ومحمد بن سليمان لُوَين، وغيرهم.
قال صالح بن أحمد، عن أبيه: صدوقٌ ثقةٌ، وقال ابن معين، والنسائيّ:
ثقةٌ، وقال أبو داود: ثقة ثقة، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال يعقوب بن
سفيان: كوفيٍّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثيرَ الحديث، وذكره ابن حبان
في ((الثقات)).
قيل: إنه مات سنة تسع وسبعين ومائة، وقال ابن سعد: تُؤُفِّي سنة
(١٧٨)، وقال البخاريّ في ((تاريخه)): يقال: توفي سنة (٨).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثاً.
وقوله: (كِلَاهُمَا) أي جرير، وعبثر.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي
هريرة رضيالله .
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل متن الحديث الماضي.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ جَرِيرٍ: ((وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ)) يعني: أن
لفظ رواية جرير بن عبد الحميد مخالفة لرواية أبي معاوية، فإنه رواها بلفظ:
((ورجلٌ ساوم رجلاً بسلعةٍ))، بدل قوله: ((ورجلٌ بايع رجلاً بسلعة))، وأما عبثٌ،
فقد رواها بلفظ أبي معاوية.
ثم إن معنى بايع، وساوم هنا واحدٌ.
قال ابن الأثير: ((المساومة)): المجاذبة بين البائع والمشتري على السلعة،
وفصلُ ثمنها، يقال: سام يسوم سَوْماً، وساوم، واستام. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ: سام البائع السِّلْعة سَوْماً، من باب قال: عَرَضَها للبيع،
وسامها المشتري، واستامها: طلب بيعها، قاله الفيّوميّ(٢).
[تنبيه]: رواية جرير التي أشار إليها المصنّف أخرجها الإمام البخاريّ
رحمه الله تعالى في ((صحيحه))، فقال:
(١) ((النهاية)) ٤٢٥/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٩٧/١.

٢٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(٢٤٧٦) حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن
الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ظبه، قال: قال رسول الله وَله:
((ثلاثةٌ لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجلٌ
على فضل ماء بطريق، يمنع منه ابنَ السبيل، ورجلٌ بايع رجلاً لا يبايعه إلا
للدنيا، فإن أعطاه ما يريد وَفَى له، وإلا لم يف له، ورجلٌ ساوم رجلاً بسلعة
بعد العصر، فحلف بالله، لقد أَعْطَى بها كذا وكذا، فأخذها)).
وأما رواية عبثر فلم أجد من أخرجها غير المصنّف، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام الحافظ الحجة مسلم بن الحجاج رحمه الله
تعالى المذكور أولَ الکتاب قال:
[٣٠٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي
صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُرَاهُ مَرْفُوعاً، قَالَ: (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ، وَلَا يَنْظُرُ
إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، عَلَى مَالٍ
مُسْلِمٍ، فَاقْتَطَعَهُ ... ))، وَبَاقِي حَدِيثِهِ نَحْوُ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان
البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمران ميمون الْهِلاليّ، أبو محمد الكوفيّ،
ثم المكّيّ الثقة الحافظ الفقيه الإمام الحجة، من كبار [٨] (ت١٩٨)، وله
(٩١) سنة (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣.
٣ - (عَمْرو) بن دينار الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١.
والباقيان تقدّما قبله، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ: أُرَاهُ مَرْفُوعاً) الظاهر أن القائل هو سفيان بن عيينة، قال
الإمام البخاريّ بعد أن ساق الحديث من طريق عبد الله بن محمد المسنديّ،

٢٩٩
(٤٨) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٦)
عن سفيان، ما نصّه: قال عليّ - يعني: ابن المدينيّ -: حدّثنا سفيان غير مرّة،
عن عمرو: أنه سمع أبا صالح، يبلُغ به النبيّ ◌َّر. انتهى.
قال في ((الفتح)): قوله: ((قال عليّ: حدثنا سفيان غير مرة ... إلخ))،
يشير إلى أن سفيان كان يُرسل هذا الحديث كثيراً، ولكنه صَحَّحَ الموصول؛
لكون الذي وصله من الحفاظ، وقد تابعه سعيد بن عبد الرحمن المخزوميّ،
وعبد الرحمن بن يونس، ومحمد بن أبي الوزير، ومحمد بن يونس فوصلوه،
قاله الإسماعيليّ، قال: وأرسله غيرهم.
قال الحافظ: وقد وصله أيضاً عمرو الناقد، أخرجه مسلم عنه - يعني:
هذه الرواية - وصفوان بن صالح، أخرجه ابن حبّان من طريقه. انتهى (١).
وقوله: (فَاقْتَطَعَهُ) أي يأخذه لنفسه متملِّكاً، وهو يَفْتَعِلُ من القطع، قاله
ابن الأثير(٢)، وفي ((المصباح)): اقتَطَعتُ من ماله قِطعَةً: أخذتها. انتهى(٣).
وقوله: (وَبَاقِي حَدِيثِهِ نَحْوُ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ) يعني: أن بقيّة متن حديث
عمرو بن دينار نحو حديث الأعمش، وفيه ما سيأتي.
[تنبيه]: رواية عمرو بن دينار هذه ساقها الحافظ أبو نُعيم رحمه الله تعالى
في (مستخرجه)) (١/ ١٧٧)، فقال:
(٢٩٢) حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر، ثنا أحمد بن الحسن
الصوفيّ، ثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة، أُراه رفعه، قال: ((ثلاثةٌ لا يكلمهم الله، ولا ينظر
إليهم، ولهم عذاب أليم: رجلٌ حَلَفَ على يمين بعد العصر على مال مسلم
ليقطعه، ورجلٌ حَلَف لقد أُعطي بسلعتهِ أكثرَ مما أُعطي، وهو كاذب، ورجل
بيع فضل (٤) ما عنده، قال الله تعالى: اليوم أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما
لم تعمل يداك)).
(١) ((الفتح)) ٥٤/٥ حديث رقم (٢٣٦٩). (٢) ((النهاية)) ٨٢/٤.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٠٨/٢.
(٤) هكذا النسخة، والظاهر أنَّها تصحفت من: ((ورجل منع فضل ماء عنده))، أو نحو
ذلك، فليُحرَّر، والله تعالى أعلم.

٣٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) :
(٢١٩٦) حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي
صالح السمان، عن أبي هريرة راپته.
[تنبيه آخر]: قوله: ((وباقي حديثه نحو حديث الأعمش))، ظاهره أن سياق
حديث عمرو بن دينار مثل سياق حديث الأعمش، لكن بين سياقيهما تخالف،
فقد ساق متن رواية عمرو بن دينار، عن أبي صالح، الإمام البخاريّ في
(الشّرب)) و((التوحيد)) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة، عن النبي وسط * قال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة،
ولا ينظر إليهم: رجلٌ حَلَف على سلعة، لقد أَعطَى بها أكثر مما أَعطى، وهو
كاذب، ورجلٌ حلف على يمين كاذبة بعد العصر؛ ليقتطع بها مال رجل مسلم،
ورجل منع فضل ماء، فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما لم
تعمل يداك)).
قال الكرماني: ذَكَرَ عوض الرجل الثاني، وهو المبايع للإمام آخر - يعني
في رواية البخاريّ - وهو الحالف ليقتطع مال المسلم، وليس ذلك باختلاف؛
لأن التخصيص بعدد، لا ينفي ما زاد عليه. انتهى.
وقال الحافظ: ويحتمل أن يكون كلٌّ من الراويين، حفظ ما لم يحفظ
الآخر؛ لأن المجتمع من الحديثين أربع خصال، وكل من الحديثين مُصَدَّر
بـ(ثلاثة))، فكأنه كان في الأصل أربعة، فاقتصر كلٌّ من الراويين على واحد،
ضمّه مع الاثنين اللذين توافقا عليهما، فصار في رواية كل منهما ثلاثة، ويؤيده
ما سيأتي في التنبيه التالي.
[تنبيه آخر]: قال في ((الفتح)): أخرج مسلم هذا الحديث(١) من رواية
الأعمش أيضاً، لكن عن شيخ له آخر، بسياق آخر - يعني الحديث الماضي قبل
الحديثين - قال: فذكر من طريق أبي معاوية، ووكيع جميعاً، عن الأعمش، عن
أبي حازم، عن أبي هريرة، كصدر حديث الباب - يعني حديث أبي صالح هذا -
(١) يعني: حديث أبي هريرة من رواية عمرو بن دينار، عن أبي صالح، عنه، وهو آخر
الحديث في هذا الباب عند مسلم.