Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيم قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ - حديث رقم (٢٨٤)
قوله: ((فذكرته)) ما يدُلّ على أنه قاله ابتداءً قبل تقدُّم علم النبيّ وَّر به، والله
تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ(١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((أَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَقَتَلْتَهُ؟)) قال ابن التين
رحمه الله تعالى: في هذا اللَّوْم تعليم، وإبلاغ في الموعظة حتى لا يُقْدِم أحدٌ
على قتل مَن تلفظ بالتوحيد.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: في تكراره القول إنكار شديد، وزجرٌ
وَكِيدٌ، وإعراضٌ عن قبول عذر أسامة الذي أبداه بقوله: ((إنما قالها خوفاً من
السلاح)). انتهى.
(قَالَ) أسامة (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا قَالَهَا) أي كلمة التوحيد (خَوْفاً مِنَ
السِّلَاحِ) وفي رواية حصين الآتية: ((إنما كان مُتَعَوِّذاً))، وفي رواية ابن أبي
عاصم من وجه آخر، عن أسامة: ((إنما فَعَلَ ذلك لِيَحْرِز دمه)).
(قَالَ) وَِّ («أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ، حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟)) قال النوويّ
رحمه الله تعالى: الفاعل في قوله: ((أقالها؟)) هو القلب، ومعناه: أنك إنما
كُلِّفتَ بالعمل بالظاهر، وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلى
معرفة ما فيه، فأنكر عليه امتناعه من العمل بما ظهر باللسان، وقال: ((أفلا
شققت عن قلبه))؛ لتنظر هل قالها القلبُ، واعتقدها، وكانت فيه، أم لم تكن
فيه، بل جَرَت على اللسان فحسبُ؟، يعني: وأنت لست بقادر على هذا،
فاقتصر على اللسان فحسبُ، يعني: ولا تطلب غيره. انتهى كلام النوويّ
رحمه الله تعالى(٢).
(فَمَا زَالَ) وَلِ (يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ) أي يُعِيد مقالته المذكورة، وقال القرطبيّ:
قوله: ((يكرّرها)): أي كلمة الإنكار، وظاهر هذه الرواية: أن الذي كرّر عليه
إنما هو قوله: ((أفلا شَقَقتَ عن قلبه، حتى تعلم أقالها أم لا؟))، وفي الرواية
الأخرى: أن الذي كرّره عليه إنما هو قوله: ((كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا
جاءت يوم القيامة؟))، ووجه التوفيق بينهما أن يكون النبيّ وَلقوله كرّر الكلمتين
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٧/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠٤/٢.

١٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
معاً، غير أن بعض الرواة ذكر إحدى الكلمتين، وذكر آخر الأخرى. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ويحتمل أن يكون بعض الرواة رواه
بالمعنى، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ) أي أن إسلامي كان ذلك اليوم؛ لأن
الإسلام يَجُبُّ ما قبله، فتمنى أن يكون ذلك الوقت أَوّلَ دخوله في الإسلام؛
ليأمن من جَرِيرة تلك الْفَعْلة، ولم يُرد أنه تَمَنَّى أن لا يكون مسلماً قبل ذلك.
وقال الخطابي: لعل أسامة تأوّل قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَُهُمْ لَمَّا
رَأَوْاْ بَأْسَنّ﴾ [غافر: ٨٥]، ولذلك عَذَره النبيّ وََّ، فلم يُلزِمه ديةً ولا غيرها.
قال الحافظ: كأنه حَمَل نفي النفع على عمومه دنيا وأخرى، وليس ذلك
المراد، والفرق بين المقامين أنه في مثل تلك الحالة ينفعه نفعاً مقيداً، بأن
يَجِبَ الكَفُّ عنه حتى يُخْتَبَر أمره، هل قال ذلك خالصاً من قلبه، أو خشيةً من
القتل؟، وهذا بخلاف ما لو هَجَم عليه الموتُ، ووَصَلَ خروج الروح إلى
الغرغرة، وانكشف الغطاء، فإنه إذا قالها لم تنفعه بالنسبة لحكم الآخرة، وهو
المراد من الآية. انتهى.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وإنما تمنّى أسامة أن يتأخّر إسلامه إلى
يوم المعاتبة ليسلم من تلك الجناية السابقة، وكأنه استصغر ما كان منه من
الإسلام، والعمل الصالح قبل ذلك في جنب ما ارتكبه من تلك الجناية؛ لِمَا
حَصَلَ في نفسه من شدّة إنكار النبيّ وَّ لذلك وعِظَمه.
[فإن قيل]: إذا استحال أن يكون قتل أسامة لذلك الرجل عمداً؛ لما
ذكرتم، وثَبَتَ أنه خطأ، فلِمَ لم تلزمه الكفّارة، والعاقلةَ الديةُ؟.
[فالجواب]: أن ذلك مسكوت عنه، وغير منقول شيءٌ منه في الحديث، ولا
في شيء من طرقه، فَيَحْتَمِلُ أن يكون النبيّ وَّهِ حَكَمَ بلزوم ذلك أسامة وعاقلته،
ولم يُنقَل، وفيه بُعدٌ؛ إذ لو وقع شيء من ذلك لنُقِل في طريق من الطرق، مع أن
العادة تقتضي التحديث بذلك والإشاعة، ويحتمل أن يقال: إن ذلك كان قبل نزول
حكم الكفّارة والدية، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ (٢).
(١) ((المفهم)) ٢٩٦/١ - ٢٩٧.
(٢) («المفهم)) ٢٩٧/١ - ٢٩٨.

١٨٣
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيم قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُه - حديث رقم (٢٨٤)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني الراجح، وسيأتي تمام
البحث فيه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(قَالَ) أي أبو ظبيان (فَقَالَ سَعْدٌ) أي ابن أبي وقّاص نَظُه (وَأَنَا وَاللهِ لَا
أَقْتُلُ مُسْلِماً حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ) - بضم الباء - تصغير بَطْن، قال القاضي
عياض رحمه الله تعالى: قيل لأسامة: ذو الْبُطَين؛ لأنه كان له بطنٌ عظيم.
انتهى. وقوله: (- يَعْنِي أُسَامَةَ -) العناية من أحد الرواة، المصنّف، أو من
فوقه، يعني بقوله: ((ذو البطين)): أسامة بن زيد صاحب القصّة هنا.
(قَالَ) الراوي، والظاهر أنه أبو ظبيان (قَالَ رَجُلٌ) منكراً قول سعد
المذكور (أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الذِينُ كُلُّهُ
لِلّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]؟)، قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى في ((تفسيره))
(٣٥٣/٢): هذا أمرٌ بالقتال لكل مشرك، في كل موضع، على مَن رآها
ناسخةً، ومن رآها غير ناسخة قال: المعنى: قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم:
﴿فَإِن قَلُوَّكُمْ﴾، والأول أظهر، وهو أَمْرٌ بقتالٍ مُطلق، لا بشرطِ أن يبدأ الكفار،
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الذِينُ لِلّهِ﴾، وقال وَلَّ: ((أُمِرتُ أن أقاتل الناس
حتى يقولوا: لا إله إلا الله))، فدَلَّت الآية والحديث على أنّ سبب القتال هو
الكفر؛ لأنه قال: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: أي كُفْرٌ، فجَعَل الغاية عدمَ
الكفر، وهذا ظاهرٌ، قال ابن عباس، وقتادة، والربيع، والسُّدِّيّ، وغيرهم:
الفتنة هنا الشرك، وما تابعه من أذى المؤمنين، وأصل الفتنة الاختبار
والامتحان، مأخوذ من فَتَنْتُ الفضة: إذا أدخلتها في النار؛ لتميز رديئها من
جَيِّدها. انتهى كلام القرطبيّ(١) .
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في ((تفسيره)) (٣٠٩/٢): وقال
الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾ يعني: لا يكون شرك،
وكذا قال أبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسُّدّيّ،
ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، وقال محمد بن إسحاق: بلغني عن الزهريّ،
عن عروة بن الزبير وغيره، من علمائنا: ﴿حَّ لَا تَكُونَ فِثْنَةٌ﴾ حتى لا يُفْتَنَ مسلم
(١) ((جامع أحكام القرآن)) ٣٥٣/٢ - ٣٥٤.

١٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
على دينه، وقوله: ﴿وَيَكُونَ الِدِينُ كُلُّمُ لِلَّهِ﴾، قال الضحاك، عن ابن عباس
في هذه الآية، قال: يُخْلَص التوحيد لله، وقال الحسن، وقتادة، وابن جرير:
﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّمُ لِلَّهِ﴾، أن يقال: لا إله إلا الله، وقال محمد بن
إسحاق: ويكون التوحيد خالصاً لله، ليس فيه شركٌ، ويُخْلَع ما دونه من الأنداد،
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، لا يكون مع
دينكم كفرٌ، ويشهد لهذا ما ثَبَتَ في ((الصحيحين)) من حديث ابن عمر ◌ًا، عن
رسول الله و ﴿ أنه قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا
قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله رَّك)).
وأخرجا من حديث أبي موسى الأشعريّ وَلي قال: سئل رسول الله وَلايقل عن
الرجل يقاتل شجاعةً، ويقاتل حميةً، ويقاتل رياءً، أَيُّ ذلك في سبيل الله رَات؟
فقال: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله ريات))(١).
(فَقَالَ سَعْدٌ) بن أبي وقّاص ◌َّبِهِ ردّاً على إنكاره (قَدْ قَاتَلْنَا) أي الكفّار
(حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي حتى لا يَفْتِن الكفّار المؤمنين (وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ) يريد
الذين يتقاتلون بينهم، لا للكفر، بل لأغراض أخرى بتأويل، أو بغير تأويل،
فسعد
رَظُه ممن لم ير القتال معهم (تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونُ فِتْنَةٌ) أي حتى
توجد الفتنة بين المسلمين.
[تنبيه]: هذا الذي جرى بين سعد بن أبي وقّاص ظُبه وبين الرجل، قد
جرى مثله لعبد الله بن عمر رضيها، وذلك فيما أخرجه الإمام البخاريّ رحمه الله
تعالى في ((صحیحه))، فقال:
(٤١٥٣) حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله،
عن نافع، عن ابن عمر ﴿ه، أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير، فقالا: إن الناس
صَنَّعُوا، وأنت ابن عمر، وصاحب النبيّ وََّ، فما يمنعك أن تَخْرُجُ؟ فقال:
يمنعني أن الله حَرَّم دم أخي، فقالا: ألم يقل الله: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّ لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾؟
فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى
تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله.
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٧٥/٧ - ٧٨.

١٨٥
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُه - حديث رقم (٢٨٤)
وزاد عثمان بن صالح، عن ابن وهب، قال: أخبرني فلان، وحيوة بن
شريح، عن بكر بن عمرو الْمَعَافريّ، أن بُكير بن عبد الله حدَّثه، عن نافع: أن
رجلاً أتَى ابن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما حَمَلك على أن تَحُجّ عاماً،
وتعتمر عاماً، وتترك الجهاد في سبيل الله رَ، وقد عَلِمت ما رَغَّب الله فيه؟
قال: يا ابن أخي، بُنِي الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله، والصلوات
الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت، قال: يا أبا عبد الرحمن،
ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِن ◌َاِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَّأَ
فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَثَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَتِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَّى تَفِىّءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]،
ج
﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾؟ قال: فعلنا على عهد رسول الله وَّهِ، وكان
الإسلام قليلاً، فكان الرجل يُفْتَن في دينه، إما قتلوه، وإما يعذبونه، حتى كَثُر
الإسلام، فلم تكن فتنة، قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أما عثمان
فكان الله عفا عنه، وأما أنتم فكرهتم أن يعفو عنه، وأما عليّ فابن عم
رسول الله صَ ل﴾، وخَتَنه، وأشار بيده، فقال: هذا بيته حيث ترون.
و(٤٦٥١) حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا بيان أن ابن وَبَرَة
حدثه، قال: حدثني سعيد بن جبير، قال: خَرَج علينا، أو إلينا ابن عمر ضًَّا،
فقال رجلٌ: كيف تَرَى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان
محمد ﴿ يقاتل المشركين، وكان الدخول عليهم فتنة، وليس بقتالكم على
الملك. هذا كله سياق البخاري رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أُسامة بن زيد ﴿ًّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٨٤/٤٣ و٢٨٥] (٩٦)،
و(البخاريّ) في ((المغازي)) (٤٢٦٩)، و((الديات)) (٦٨٧٢)، و(أبو داود) في
((الجهاد)) (٢٦٤٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٠٠/٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى))
كما في ((تحفة الأشراف)) (٤٤/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٩٢ و١٩٣

١٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
و١٩٤ و١٩٥ و١٩٦)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٢٧٦ و٢٧٧)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٤٧٥١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم قتل الكافر بعدما قال: ((لا إله إلا الله)).
٢ - (ومنها): الإنكار على من يتسارع في النيل ممن أظهر إسلامه، بظنّ
أنه إنما يريد به غرضاً دنيويّاً؛ لأن الحكم بما ظهر، لا بما استتر.
٣ - (ومنها): بيان قدر ((لا إله إلا الله))، فإن النبيّ وَله قال لأسامة بنظ لهبه :
((كيف تصنع بلا إله إلا الله))؟.
٤ - (ومنها): أن ((لا إله إلا الله)) تُحَاجّ عن صاحبها يوم القيامة؛ لأنه وَ ال
قال له: ((كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟))، وهو نظير ما وقع
لأبي طالب، حيث قال له النبيّ وَّرَ: ((أي عمّ قل: لا إله إلا الله، كلمةً أُحاجٌ
لك بها عند الله))، متفقّ عليه.
٥ - (ومنها): أن فيه دليلاً على ترتّب الأحكام على أسبابها الظاهرة دون
الباطنة.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله وَله: ((أفلا شَقَقت عن قلبه؟))، فيه
دليل للقاعدة المعروفة في الفقه والأصول، أن الأحكام يُعْمَل فيها بالظواهر،
والله يتولى السرائر. انتهى(١).
٦ - (ومنها): أن في قول أسامة رُّه: ((حتى تمنيتُ أني أسلمتُ يومئذ))
إشعاراً بأنه ظلّتُه استصغر ما سَبَقَ له قبل ذلك من عمل صالح، في مقابلة هذه
الْفَعْلة لَمّا سَمِع من النبيّ وََّ، من الإنكار الشديد، وإنما أورد ذلك على سبيل
المبالغة، قاله القرطبيّ.
٧ - (ومنها): أن الإسلام يَجُبّ ما قبله، فإن أسامة ظُبه ما تمنّى إسلامه
يومئذ إلا لما عَلِم أنه يزيل عنه التبعات، وقد جاء مصرّحاً به في حديث عمرو بن
العاص ته الآتي للمصنّف أنه وَّل﴿ قال له: ((أما علمت أن الإسلام يَهْدِم ما
كان قبله، وأن الهجرة تَهدِم ما كان قبلها، وأن الحج يَهدِم ما كان قبله؟)).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٧/٢.

١٨٧
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا الله) - حديث رقم (٢٨٤)
٨ - (ومنها): أنه استدل به النوويّ على رَدّ الفرع الذي ذكره الرافعيّ
فيمن رأى كافراً أسلم، فأُكرِم إكراماً كثيراً، فقال: ليتني كنت كافراً لأكرم،
وقال الرافعيّ: يكفر بذلك، وردّه النووي: بأنه لا يَكفُر؛ لأنه جازمُ الإسلام
في الحال والاستقبال، وإنما تَمَنَّى ذلك في الحال الماضي مُقَيِّداً له بالإيمان؛
ليتم له الإكرام، واستَدَلَّ بقصة أسامة ◌ُله، ثم قال: ويمكن الفرق. انتهى.
٩ - (ومنها): ما قاله ابن بطال رحمه الله تعالى: إن هذه القصة كانت
سبب حلف أسامة ظه أن لا يقاتل مسلماً بعد ذلك، ومن ثَمَّ تَخَلَّف عن
علي ◌َُّهُ فِي الْجَمَل وصِفِّين. انتهى.
١٠ - (ومنها): أن القرطبي قال: فيه دليلٌ لأهل السنّة على أن حديث
النفس كلام وقولٌ، فهو ردّ على من أنكر ذلك من المعتزلة، وأهل البِدَعِ.
انتھی .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استدلال القرطبيّ بهذا الحديث على إثبات
الكلام النفسيّ، إن أراد به ما أراده المتكلّمون من أن المراد بكلام الله تعالى
هو الكلام النفسيّ، وأما الكلام اللفظيّ فهو عبارة عن النفسيّ، وهو مذهب
الأشاعرة وغيرهم من أهل الكلام، فهذا مذهبٌ باطل منابذٌ لنصوص الكتاب
والسنّة التي هي صريحة في إثبات الكلام اللفظيّ، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ
الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] الآية، وكقوله وَّ: ((من
قرأ حرفاً من كتاب الله، فله به حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم
حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف))(١)، وغير ذلك من
النصوص، وقد استوفيت البحث في هذه المسألة في ((التحفة المرضيّة))،
و((شرحها))، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فيما قاله العلماء في عدم ذكر وجوب القصاص والدية
والكفّارة على أسامة بنظُه في هذا الحديث:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: أما كونه وَل ولم يوجب على أسامة
قصاصاً، ولا ديةً، ولا كفارةً، فقد يُسْتَدل به لإسقاط الجميع، ولكن الكفارة
(١) حديث صحيحٌ، أخرجه الترمذيّ في ((جامعه)) (٢٨٣٥) بإسناد صحيح.

١٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
واجبةٌ، والقصاص ساقطٌ للشبهة، فإنه ظنّه كافراً، وظنّ أن إظهاره كلمة التوحيد
في هذا الحال لا يجعله مسلماً، وفي وجوب الدية قولان للشافعي رحمه الله
تعالى، وقال بكل واحد منهما بعضٌ من العلماء، ويجاب عن عدم ذكر الكفارة
في قصّة أسامة ربه: بأنها ليست على الفور، بل هي على التراخي، وتأخير
البيان إلى وقت الحاجة جائز على المذهب الصحيح عند أهل الأصول، وأما
الدية على قول من أوجبها، فيَحْتَمِل أنّ أسامة كان في ذلك الوقت مُعسِراً بها،
فَأُخّرت إلى يساره. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): وأما كونه وَ ل﴿ لم يُلزِمِه ديةً، ولا كفارةً فتوقف فيه
الداوديّ، وقال: لعله سَكَت عنه؛ لعلم السامع، أو كان ذلك قبل نزول آية
الدية والكفارة.
وقال المازريّ رحمه الله تعالى: لم يَذكُر في الحديث قصاصاً، ولا
عقلاً، فيحتمل أن يكون إنما أَسقَط ذلك عنه؛ لأنه متأوّلٌ، ويكون ذلك حجّةً
في إسقاط العقل على إحدى الروايتين عند المالكيّة في خطأ الإمام، ومن أَذِن
له في شيء، فأتلفه غلطاً، كالأجير والخاتن.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: لا امتراء أن أسامة نظرائه إنما قتله
متأوّلاً، وظانّاً أن الشهادة عند معاينة القتل لا تنفع، كما لا تنفع عند حضور
الموت، ولم يَعلَم بعدُ حكم النبيّ ◌َّ فيه، ألا تراه كيف قال: إنما قالها
متعوّذاً؟، فحكمه حكم الخاطئ، فسقوط القصاص عنه بَيِّنٌ، وأما سقوط الدية،
فلكونه من العدوّ، ولعله لم يكن له وليّ من المسلمين تكون له ديته كما قال
تعالى: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوِّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾
الآية [النساء: ٩٢]، فلم يجعل عليه قصاصاً، ولا ديةً سوى الكفّارة، وهذا
مذهب ابن عبّاس، وجماعة في الآية أنها في المؤمن يُقتَلُ خطأ، وقومه كفّار،
فليس على عاقلته سوى الكفّارة.
وذهب بعضهم إلى أن الآية فيمن كان أولياؤه معاهدين، وذُكر عن مالك،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٦/٢.

١٨٩
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُه - حديث رقم (٢٨٤)
والمشهور عنه أنها فيمن لم يُهاجر من المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ
ج
يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِّنْ وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُّهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢].
فيكون هذا الحديث ومثله، حُجّةً لهذه المقالات، أو يكون قتله هذا لم
يُعلَم إلا بقول أسامة ◌َظُه، ولم تَقُم بذلك بينةٌ، ولا تعقل العاقلة اعترافاً.
قال الجامع: في قوله: ((إلا بقول أسامة ... إلخ) نظر؛ لأنه سيأتي في
الرواية الآتية: أن البشير بَلَّغ بذلك النبيّ وَلّ قبل أسامة، فتبصّر، والله تعالى
أعلم.
قال: ولم يكن لأسامة ◌َظُله مالٌ، فيكون فيه الدية، أو يكون قد تحقّق
النبيّ ◌َّه بوحي الله تعالى أن المقتول لم يقل: لا إله إلا الله مخلصاً، بل قالها
معتصماً بها من القتل، غير معتقد لها، فكان كافراً في الباطن، لكن شدّد
النبيّ وَّرَ على أسامة الأمر، وعظّمه عليه؛ لئلا يواقعه ثانية في قائلها عن صحّة
وحقيقة، وممن يكتم إيمانه، كما قال للمقداد صوته، فلهذا كان أسامة بعدُ لا
يقاتل مسلماً، وحَلَفَ على ذلك، ولهذا قَعَد عن نصرة عليّ نَظُه. انتهى كلام
القاضي رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع: قوله: ((إن المقتول لم يَقُلْ مخلصاً، بل معتصماً ... إلخ))
فيه نظر؛ إذ السياق يدفعه، فتأمله بإنصاف، ولهذا قال القرطبيّ رحمه الله تعالى
بعدما ذكر نحو هذه الأجوبة، ما نصّه: وهذه الأوجه لا تَسْلَمُ عن الاعتراض،
وتتبّع ذلك يُخرج عن المقصود، ولم أجد لأحد من العلماء اعتذاراً عن سقوط
إلزام الكفّارة، فالأولى التمسّك بالاحتمالين المتقدّمين. انتهى كلام القرطبيّ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: أراد القرطبيّ بالاحتمالين: احتمال كون
النبيّ وَلّر حكم بلزوم ذلك لأسامة وعاقلته، ولكنه لم يُنقَل، واحتمال أن يكون
ذلك قبل نزول حكم الكفّارة والدية.
والذي يظهر لي أن الاحتمال الثاني هو أوجه الاحتمالين، وأرجحهما،
وذلك لأن الاحتمال الأول بُعده ظاهرٌ، كالاحتمالات السابقة؛ لأن كونه وَل
حكم به، ثم لا ينقله أحد من الرواة، ولا يثبت في طرق من طرق الحديث
(١) ((إكمال المعلم)) ٤٤٥/١ - ٤٤٨.
(٢) ((المفهم)) ٢٩٧/١ - ٢٩٨.

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أبعد، وأبعد؛ لأن العادة تقتضي التحدّث بمثل ذلك، وإشاعته.
والحاصل أن أقرب الأجوبة هو: أن الواقعة إنما وقعت قبل شرع الكفّارة
والدية، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٨٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا خُصَيْنٌ،
حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، يُحَدِّثُ قَالَ: بَعَثَنَا
رَسُولُ اللهِ وَّةِ إِلَى الْحُرَقَةِ، مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ، فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا
وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، رَجُلاً مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، فَكَفَّ عَنْهُ
الْأَنْصَارِيُّ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا، بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ وَِّ، فَقَالَ
لِي: ((يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ؟))، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ،
إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّداً، قَالَ: فَقَالَ: ((أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ؟)) قَالَ: فَمَا زَالَ
يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَثَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) هو: يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن أفلح العبديّ
مولاهم، أبو يوسف الدورقيّ البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥.
٢ - (هُشَيْم) بن بشير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي
خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٣ - (حُصَيْن) بن عبد الرحمن السلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ابن عم
منصور بن المعتمر، ثقةٌ تغيّر حفظه في الآخر [٥] (ت١٣٦) وله (٩٣).
رَوَى عن جابر بن سمرة، وعمارة بن رُوَيبة، وعن زيد بن وهب،
وعمرو بن ميمون، ومُرّة بن شَرَاحيل، وهلال بن يساف، وأبي وائل، وأبي
ظبيان، والشعبي، وغيرهم.

١٩١
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيم قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُه - حديث رقم (٢٨٥)
وروى عنه شعبة، والثوري، وزائدة، وجرير بن حازم، وسليمان التيمي،
وهُشيم بن بشير، وخلف بن خليفة، وجرير بن عبد الحميد، وخالد الواسطي،
وغيرهم.
قال أبو حاتم عن أحمد: حصين بن عبد الرحمن الثقة المأمون، من كبار
أصحاب الحديث، وقال ابن معين: ثقة. وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث،
والواسطيون أروى الناس عنه، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه،
فقال: ثقة، قلت: يُحتج بحديثه؟ قال: إي والله، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة
في الحديث، وفي آخر عمره ساء حفظه، وقال هشيم: أَتَى عليه (٩٣) سنة،
وكان أكبر من الأعمش، وقال علي بن عاصم عن حصين: جاءنا قتل الحسين،
فمكثنا ثلاثاً كأن وجوهنا طُلِيت رماداً، قلت: مثل من أنت يومئذ؟ قال: رجلٌ
مُنَاهِد، وقال أسلم بن سهل في ((تاريخ واسط)): ثنا أحمد بن سنان، سمعت
عبد الرحمن يقول: هشيم عن حصين أحب إلي من سفيان، وهشيم أعلم الناس
بحديث حصين، وقال علي بن عاصم: قَدِمُت الكوفة يوم مات منصور، فاشتد
عليّ، فلقيت حصيناً - يعني: وأنا لا أعرفه - فقال: أدلك على مَنْ يذكر يومَ
أُهدِيت أم منصور إلى أبيه؟ قلت: مَنْ هو؟ قال: أنا، قال أسلم: قال هشيم:
رَوَى حصين عن ستة من الصحابة، قال أسلم: واتصل بنا أنه رَوَى عن ثمانية
وامرأتين، فذكر أبا جحيفة، وعمرو بن حريث، وابن عمر، وأنساً، وعُمارة بن
رُويبة، وجابر بن سمرة، وعُبيد الله بن مُسلم الحضرمي، وأم عاصم امرأة
عتبة بن فَرْقد، وأم طارق مولاة سعد، كذا قال، قال الحافظ: وفيه بعض
ما فيه.
وقال النسائي: تغير، وذكره الْعُقيليّ، ولم يذكر إلا قول يزيد بن هارون:
إنه نَسِيَ. وقال الحسن - يعني: الحلواني - عن يزيد بن هارون: اختلط، وأنكر
ذلك ابن المديني في ((علوم الحديث))، فقال: ما اختلط، ولكن تغير، وقال ابن
عدي: له أحاديث، وأرجو أنه لا بأس به، وذكر ابن أبي خيثمة عن يزيد بن
هارون قال: طلبت الحديث، وحصين حَيّ يُقرأ عليه بالْمُبَارك(١)، وقد نَسِي،
(١) اسم موضع.
:

١٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال ابن حبان في أتباع التابعين من ((الثقات)) له: يقال: إنه سمع من عُمارة بن
رُوَيبة، فإن صحّ ذلك فهو من التابعين، وكان قد ذكر في التابعين: حُصين بن
عبد الرحمن السُّلَميّ، سَمِع عمارة بن رُويبة، رَوَى عنه أهل العراق، مات سنة
(١٦٣). قال الحافظ: فكأنه ظنّ غيرَ هذا، وهو هو، وإنما لَمّا وقع له الغلط
في تاريخ وفاته ظنه آخرَ، والصواب في سنة وفاته - كما قاله مطيّن - أنه
سنة (١٣٦).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٨) حديثاً، والباقيان تقدّما في
السند الماضي.
وقوله: (وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) قال في ((الفتح)): ((لم أقف على
اسم الأنصاريّ المذكور في هذه القصّة))، وكذا قال صاحب ((التنبيه))(١): لا
أعرف الأنصاريّ، وقال في ((هدي الساريّ)): لم أعرف اسم الأنصاريّ،
ويحتمل أن يكون أبا الدرداء ظُه، ففي تفسير عبد الرحمن بن زيد ما يُرشد
(٢)
إليه. انتهى(٢).
وقوله: (رَجُلاً مِنْهُمْ) قد تقدّم أنه مِرداس بن نَهِيك، أو ابن عمرو بن
هيك.
وقوله: (فَلَمَّا غَشِينَاهُ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، معجمتين، من باب تَعِبَ،
أي: لَحِقنا به، حتى تَغَطَّى بنا.
وقوله: (فَلَمَّا قَدِمْنَا) أي المدينة النبويّة.
وقوله: (بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ وَهَ) وفي رواية الأعمش الماضية: ((فوقع في
نفسي من ذلك شيء، فذكرته للنبيّ وَّ))، وفي حديث جندب بن عبد الله
منه
ضى
الآتي: ((فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى النَّبِيِّوَِّ» فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ
الرَّجُلِ ... ))، وتقدّم وجه التوفيق بين هذه الروايات في الحديث الماضي، فلا
تَغْفُل.
وقوله: (إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذاً) أي متحصّناً ومعتصماً بهذه الكلمة، وتمام شرح
(١) راجع: (تنبيه المعلم)) ص ٦١ - ٦٢.
(٢) راجع: ((الفتح)) ١٩٥/١٢، و((هدي الساري)) ص٣٠٧.

١٩٣
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيم قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُه - حديث رقم (٢٨٦)
الحديث، وبيان المسائل المتعلّقة به، قد استوفيتهما في الحديث الماضي، فلا
تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٨٦] (٩٧) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَذَّثَنَا عَمْرُو بْنُ
عَاصِم، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، أَنَّ خَالِداً الْأَنْبَجَ، ابْنَ أَخِي
صَفْوَانُ بْنِ مُحْرِزٍ، حَدَّثَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، أَنَّهُ حَدَّثَ، أَنَّ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللهِ
الْبَجَلِيَّ، بَعَثَ إِلَى عَسْعَسِ بْنِ سَلَامَةَ، زَمَنَ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: اجْمَعْ لِي نَفَرأَ
مِنْ إِخْوَانِكَ، حَتَّى أُحَدِّثَهُمْ، فَبَعَثَ رَسُولاً إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَ جُنْدَبٌّ،
وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ أَصْفَرُ، فَقَالَ: تَحَدَّثُوا بِمَا كُنْتُمْ تَحَدَّثُونَ بِهِ، حَتَّى دَارَ الْحَدِيثُ، فَلَمَّا
دَارَ الْحَدِيثُ إِلَيْهِ، حَسَرَ الْبُرْنُسَ عَنْ رَأْسِهِ، فَقَالَ: إِنِّي أَتَيْتُكُمْ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ
أُخْبِرَكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ بَعَثَ بَعْئاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَى قَوْمٍ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّهُمُ الْتَقَوْا، فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى رَّجُل
مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ، وَإِنَّ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ، قَالَ: وَكُنّا
نُحَدَّثُ أَنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، فَقَتَلَهُ،
فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ، كَيْفَ صَنَعَ،
فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: ((لِمَ قَتَلْتَهُ؟)) قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلَ
فُلَاناً وَفُلَاناً، وَسَمَّى لَهُ نَفَرَأَ، وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ
إِلَّا اللهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَقَتَلْتَهُ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ
إِلَّا اللهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟)) قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: ((وَكَيْفَ
تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟)) قَالَ: فَجَعَلَ لَا يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ
يَقُولَ: ((كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ) أبو جعفر البغداديّ المذكور في الباب الماضي.

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٢ - (عَمْرُو بْنُ عَاصِم) بن عُبيد الله بن الوازع الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان
البصريّ، صدوقٌ في حفظهً شيء، من صغار [٩].
رَوَى عن جدّه، وشعبة، وحمّاد بن سلمة، وهمام بن يحيى، وجرير بن
حازم، وسليمان بن المغيرة، وعمران القطان، ومعتمر بن سليمان، وعدة.
ورَوَى عنه البخاريّ، وروى هو والباقون له بواسطة أحمد بن إسحاق
السُّرْماريّ، والحسن بن علي الخلال، وأحمد بن الحسن بن خِرَاش، وأبو
خيثمة، وأبو موسى محمد بن المثنى، وبندار، وعُقبة بن مُكْرَم، وإبراهيم
الجوزجانيّ، وعبد بن حميد، والدارميّ، وأبو داود الحراني، ومحمد بن يونس
الْكُدیميّ، وآخرون.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن سعد: صالح، وقال الآجريّ، عن أبي
داود: لا أنشط لحديثه، قال: وسألته عنه، وعن الحوضيّ في همام، فقَدَّم
الحوضيّ، قال: وقال بندار: لولا فَرَقي من آل عمرو بن عاصم، لتركت
حديثه، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال
إسحاق بن سيار: سمعته يقول: كتبت عن حماد بن سلمة بضعة عشر ألفاً .
ولَمّا ذكر الذهبي قول بندار عَبّر بقوله: لولا شيءٌ لتركته، ثم قال: وكذا
قال أبو داود: يا بُندار، قال: لولا سلامةٌ في بندار لتركته.
قال البخاري وغيره: مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، وكذا ذكر ابن
حبان، وزاد: في غرة جمادى الأولى.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا
الحديث، و(٦٣٥): ((من صلّى البردين دخل الجنة))، و(٢٤٥٤): ((كان
رسول الله صل* يزورها ... ))، و(٢٤٥٥): ((إني أرحمها، قُتل أخوها معي))،
و(٢١٤٤): ((بارك الله لكما في غابر ليلتكما))، و(٢٤٦٥): ((من جمع القرآن
على عهد رسول الله وَلات))، و(٢٧٦٤): ((هل حضرت الصلاة معنا ... )).
٣ - (مُعْتَمِر) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، الملقّب بالظُفيل،
ثقةٌ، من كبار [٩] (ت١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١.
٤ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخَان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ
[٤] (ت١٤٣)، وهو ابن (٩٧) سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.

١٩٥
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُه - حديث رقم (٢٨٦)
٥ - (خَالِدٌ الْأَنْبَجُ، ابْنُ أَخِي صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) هو: خالد بن عبد الله بن
مُخْرِز المازنيّ البصريّ، صدوقٌ [٧].
رَوَى عن عمه صفوان، وعن عبد الله بن عمر، والصحيح عن عمه عنه،
وعن زُرارة بن أوفى، والحسن البصريّ، وسِنَان بن سَلَمة بن الْمُحَبِّق، وغيرهم.
ورَوى عنه سليمان التيميّ، وعاصم الأحول، وعوف الأعرابيّ،
وإبراهيم بن طَهْمان، وغيرهم.
قال العجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له المصنّف، هذا الحديث فقط، والنسائيّ.
٦ - (صَفْوَانُ بْنُ مُحْرِزٍ) بن زياد المازنيّ، وقيل: الباهليّ، وقال
الأصمعيّ: كان نازلاً في بني مازن، وليس منهم، ثقةٌ، عابدٌ [٤].
رَوَى عن ابن عمر، وابن مسعود، وعمران بن حُصين، وأبي موسى
الأشعري، وابن عباس، وحكيم بن حزام، وجندب بن عبد الله.
ورَوى عنه أبو صَخْرة جامع بن شداد، وخالد بن عبد الله الأثبج،
وعاصم الأحول، وقتادة، ومحمد بن واسع، وعلي بن زيد بن جُدْعان،
وغيرهم.
قال أبو حاتم: جليل، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله فَضْلٌ وورَعٌ، قال
الواقديّ: تُوُفّي في ولاية بشر بن مروان، وقال ابن حبان في ((الثقات)): مات
سنة (٧٤) في ولاية عبد الملك، وكان من العباد، اتَّخَذ لنفسه سَرَباً يبكي فيه،
ورَوَى محمد بن نصر في ((قيام الليل)) من طريق يزيد الرَّقَاشيّ: أن صفوان بن
مُحرز كان إذا قام إلى التهجد قام معه سكان داره من الجنّ، فصَلَّوْا بصلاته،
وقال العجلي: بصري تابعي ثقة.
قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي، ما نصّه: قتادةُ، ومحمد بن واسع،
وعلي بن زيد بن جُدْعان إنما طلبوا العلم قبل التسعين وبعدها، فهذا يدل على
أن الواقديّ وَهِمَ في تاریخ موته، وتَبِعَهُ ابنُ حبان.
قلت(١): ما وَهِمَ الواقديّ، فقد قال خليفة في ((الطبقات)): مات بعد
(١) القائل هو الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.

١٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
انقضاء أمر ابن الزبير بقليل، ومن هنا أخذ ابن حبان قولَهُ: مات سنة أربع؛
لأن قتل ابن الزبير كان آخر سنة ثلاث، وما ذكره الحافظ أبو عبد الله الذهبي
من أن الذين سماهم لم يطلبوا العلم إلا بعد ذلك لا يمنع سماعهم من
صفوان، فكم ممن سَمِعَ حديثاً أو أحاديث قديماً، ثم اشتغل بعد مُدّة وطَلَبَ،
والله أعلم. انتهى(١).
أخرج ه البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله
في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط: هذا الحديث، وحديث (١٠٤): ((أنا بريء
ممن حَلَق، وسَلَق، وخَرَق))، و(٢٧٦٨): ((يُدنَى المؤمن يوم القيامة من
ربه رحل ... )).
٧ - (جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ) هو: جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن سفيان
الْبَجَليّ، ثمّ الْعَلَقيّ - بفتحتين، ثم قاف - أبو عبد الله، وقد يُنسَب إلى جدّه،
فيقال: جندب بن سفيان، سَكَن الكوفة، ثم البصرة، قَدِمها مع مصعب بن
الزبير، وروى عنه أهل المصرين، قلت: وروى عنه من أهل الشام شهر بن
حوشب، فقال: حدثني جندب بن سفيان، قال ابن السكن: وأهل البصرة
يقولون: جندب بن عبد الله، وأهل الكوفة يقولون: جندب بن سفيان، غير
شريك وحده، ويقال له: جندب الخير، وأنكره ابن الكلبيّ، وقال البغويّ:
يقال له: جندب الخير، وجندب الفاروق، وجندب ابن أم جندب، وقال ابن
حبان: هو جندب بن عبد الله بن سفيان، ومن قال: ابن سفيان نسبه إلى جده،
وقد قيل: إنه جندب بن خالد بن سفيان، والأول أصحّ، وحَكَى الطبرانيّ نحو
ذلك، وفي الطبرانيّ من طريق أبي عمران الْجَوْنيّ قال: قال لي جندب: كنت
على عهد رسول الله وَل﴿ غلاماً حَزَوَّراً(٢).
رَوَى عن النبي ◌َّ، وعن حذيفة، وروى عنه الأسود بن قيس، وأنس بن
سيرين، والحسن البصري، وأبو مِجْلَز، وأبو عمران الْجَونيّ، وأبو تميمة
الهُجیميّ، وصفوان بن مُحرِز، وغيرهم.
وقال البغوي عن أحمد: جُنْدب ليست له صحبة قديمة، قال البغوي:
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٢١٤/٢ - ٢١٥.
(٢) ((الإصابة)) ٥٠٩/١.

١٩٧
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيم قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُه - حديث رقم (٢٨٦)
وهو جندب ابن أم جندب، وقال ابن حبان: هو جندب الخير، وقال خليفة:
مات في فتنة ابن الزبير، وذكره البخاري في ((التاريخ)) فيمن توفي من الستين
إلى السبعين .
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثاً (١)، والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالی.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيخه، فتفرّد به هو،
والترمذيّ، وخالداً الأثبج، فتفرّد به هو والنسائيّ، وصفوان بن محرز، فما
أخرج له أبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، وبالبصريين، إلا شيخه، فبغداديّ،
والصحابيّ سكن الكوفة، ثم البصرة، وروى عنه أهل البلدتين(٢).
٤ - (ومنها): أن من شيخه، ومعتمراً، وأباه، هذا أول محلّ ذكرهم في
هذا الكتاب، وقد تقدّم عدد مروياتهم آنفاً، فلا تغفل.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، والراوي عن عمه.
٦ - (ومنها): أن رواية سليمان بن طرخان عن خالد الأثبج من رواية
الأكابر عن الأصاغر؛ لأن سليمان تابعيّ، وخالد من تابعي التابعين، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن سليمان التيميّ (أَنَّ خَالِداً الْأَنْبَجَ) - بفتح الهمزة، وبعدها ثاء مثلثة
ساكنة، ثم باء موحدة مفتوحة، ثم جيم - قال أهل اللغة: ((الأَثْبَجُ)): هو عَرِيضُ
(١) هكذا في برنامج الحديث ((صخر))، والذي ذكرته في ((قرّة العين)) نقلاً من ابن
الجوزيّ: أن له (٤٣) حديثاً، اتفق الشيخان على سبعة، وانفرد مسلم بخمسة
أحاديث، والظاهر أن ما في البرنامج مع التكرار كما هو ظاهر لمن تأمله، والله
تعالى أعلم.
(٢) راجع: ((الإصابة)) ٦١٣/١.

١٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الثَّبَج - بفتح الثاء والباء - وقيل: ناتئ الثَّبَج، والثَّبَج: ما بين الكاهل والظهر،
و((الكاهل)): مقدَّم أعلى الظهر مما يلي الْعُنُق، كما في ((المصباح)) (ابْنَ أَخِي
صَفْوَانَ بْنِ مُحْرٍِ) - بإسكان الحاء المهملة، وبراء، ثم زاي (حَدَّثَ عَنْ
صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، أَنَّهُ) أي صفوان (حَدَّثَ، أَنَّ جُنْدَبَ) بضم الجيم، والدال
وتفتح (ابْنَ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيَّ) - بفتحتين - نسبة إلى قَبِيلة بَجِيلة - بفتح، فكسر
- وهو ابن أنمار بن أراش بن عمرو بن الْغَوْث، أخي الأسد بن الْغَوث،
وقيل: ((إن بَجِلة اسم أمهم، وهي من سَعْد الْعَشِيرة، وأختها باهلة ولدتا قبيلتين
عظيمتين، نزلت الكوفة))، قاله في الأنساب(١). (بَعَثَ) أي أرسل (إِلَى
عَسْعَسٍ) - بعينين، وسينين مهملات، والعينان مفتوحتان، والسين بينهما ساكنة
- (ابْنِ سَلَامَةَ) - بتخفيف اللام - قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله
تعالى في ((الاستيعاب)): هو بصريّ رَوَى عن النبيّ ◌ََّ، يقولون: إن حديثه
مرسلٌ، وإنه لم يسمع النبيّ وََّ، وكذا قال البخاريّ في ((تاريخه)): حديثه
مرسل، وكذا ذكره ابن أبي حاتم وغيره في التابعين، قال البخاريّ وغيره: كنية
عَسْعَس أبو صفرة، وهو تميميّ بصريّ، وهو من الأسماء المفردة، لا يُعْرَف له
نظير، قاله النوويّ في ((شرحه)(٢).
وقال في ((الإصابة)) (٤٩٩/٤):
عَسْعَس بن سلامة، أبو صفرة التميميّ البصريّ، له ذكر في ((الصحيح)) في
حديث جندب، وذكره ابن أبي حاتم بين صحابيين في الأفراد، من حرف
العين، ولم يُفْصِح البخاريّ بشيء، بل رَسَمَ الترجمة، وقال: نسبه شعبة عن
الأزرق، وكذا صنع مسلم، وقال ابن منده: ذُكِر في الصحابة، ولا يثبت،
وقال ابن عبد البر: يقولون: إن حديثه مرسل، وبذلك جزم العسكريّ، وابن
حبّان، وقد رَوَى حديثه أبو داود الطيالسيّ، عن شعبة، عن الأزرق، عنه: أن
النبيّ وَ﴿ قال: ((صبر ساعة في بعض المواطن، خير من عبادة أربعين
عاماً ... )) الحديث، وله حديث آخر، أخرجه الدارقطنيّ، وقال ابن المبارك في
((الزهد)): أنبأنا محمد بن ثابت العبديّ، حدثنا هارون بن رئاب، سَمِعت
(١) راجع: ((الأنساب)) ٢٩٧/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠٣/٢ - ١٠٤.

١٩٩
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُه - حديث رقم (٢٨٦)
عسعس بن سلامة يقول لأصحابه: سأحدثكم ببيت من شعرٍ، فتعجبوا، فقال
[من الطويل]:
إِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ وَإِلَّا فَإِنِّي لَا إِخَالُكَ مَاضِيَا
أي إن تنج من مسألة القبر، فأخذ القوم يبكون بكاءً ما رأيتهم بَكَوا من
شيء ما بَكَوا يومئذ. انتهى(١).
(زَمَنَ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ) أي أيام حربه مع بني أميّة، وهي قصّة مشهورة،
وذلك أن ابن الزبير حين مات معاوية ظه امتنع من البيعة ليزيد بن معاوية،
وأَصَرَّ على ذلك حتى أغرى يزيد بن معاوية مسلمَ بن عقبة بالمدينة، فكانت
وقعة الْحَرَّة، ثم توجه الجيش إلى مكة، فمات أميرهم مسلم بن عقبة، وقام
بأمر الجيش الشاميِّ حُصَين بن نُمَير، فحصر ابن الزبير بمكة، ورَمَوا الكعبة
بالْمَنْجَنِيق حتى احتَرَقَت، ففجأهم الخبر بموت يزيد بن معاوية، فرجعوا إلى
الشام، وقام ابن الزبير في بناء الكعبة، ثم دعا إلى نفسه، فبويع بالخلافة،
وأطاعه أهل الحجاز، ومصر، والعراق، وخُراسان، وكثير من أهل الشام، ثم
غَلَب مروان على الشام، وقَتَلَ الضحاك بن قيس الأمير من قبل ابن الزبير بِمَرْج
راهط، ومضى مروان إلى مصر، وغَلَب عليها، وذلك كلَّه في سنة أربع
وستين، وكَمُل بناء الكعبة في سنة خمس، ثم مات مروان في سنة خمس
وستين، وقام عبد الملك بن مروان مَقَامه، وغَلَب المختار بن أبي عُبيد على
الكوفة، ففَرَّ منه من كان من قبل ابن الزبير، وكان محمد بن علي بن أبي
طالب المعروف بابن الحنفية، وعبد الله بن عباس مقيمين بمكة، منذ قُتِل
الحسين، فدعاهما ابن الزبير إلى البيعة له، فامتنعا، وقالا: لا نبايع حتى
يجتمع الناس على خليفة، وتبعهما جماعة على ذلك، فشَدَّد عليهم ابن الزبير،
وحَصَرهم، فبلغ المختارَ، فجهز إليهم جيشاً، فأخرجوهما، واستأذنوهما في
قتال ابن الزبير، فامتنعا، وخرجا إلى الطائف، فأقاما بها حتى مات ابن عباس
سنة ثمان وستين، ورحل ابن الحنفية بعده إلى جهة رَضْوَى جبل بينبع، فأقام
هناك، ثم أراد دخول الشام، فتوجه إلى نحو أيلة، فمات في آخر سنة ثلاث،
(١) ((الإصابة)) ٤/ ٤١٢.

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أو أول سنة أربع وسبعين، وذلك عقب قتل ابن الزبير على الصحيح، وقيل:
عاش إلى سنة ثمانين أو بعد ذلك، وعند الواقديّ: أنه مات بالمدينة سنة
إحدى وثمانين، وزَعَمت الكيسانية أنه حيّ لم يَمُت، وأنه المهديّ، وأنه لا
يموت حتى يملك الأرض، في خُرَافات لهم كثيرة، ليس هذا موضعها، ذكر
هذا كلّه في ((الفتح))(١).
(فَقَالَ) جُندب رَبُهُ (اجْمَعْ لِي نَفَراً) بفتحتين: جماعة الرجال من ثلاثة
إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة، قاله
الفيّوميّ (٢). (مِنْ إِخْوَانِكَ) الظاهر أنه أراد بالإخوان ما يعمّ النسب والدين،
كما قال تعالى: ﴿إِنََّا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الآية (حَتَّى أُحَدِّثَهُمْ) بالنصب بـ((أن))
مضمرة بعد ((حتى))، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ ((حَتَّى)) هَكَذَا إِضْمَارُ ((أَنْ)) حَتْمٌ كَـ«جُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ))
ومعنى ((حتى)) هنا التعليل، بمعنى ((كي))، أي كي أُحدّثهم، كقوله تعالى:
﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ حَّى يَرُذُوكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]، وقوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا
نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُواْ﴾ الآية(٣) [المنافقون: ٧] (فَبَعَثَ)
عسعسٌ (رَسُولاً إِلَيْهِمْ) أي إلى إخوانه، قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرف هذا
الرسول. انتهى (٤). (فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَ جُنْدَبٌ) رَبه (وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ) جملةٌ في
محلّ نصب على الحال، و((الْبُرْنُسُ)) - بضم الباء، وسكون الراء، وضمّ النون -
قال ابن الأثير: هو كلُّ ثوب رأسُهُ منه، مُلْتزِقٌ به، دُرَّاعَةً كان، أو جُبَّةً، أو
مِمْطَرَةً، أو غيرها، وقال الجوهريّ: هو قَلَنْسُوَةٌ طويلةٌ كان النُّسّاكِ يَلبسُونها في
صدر الإسلام، وهو من الْبِرْسِ - بكسر الباء - القطن، والنون زائدة، وقيل: إنه
غیر عربيّ. انتهى(٥) .
وقوله: (أَصْفَرُ) صفة لبُرْنُس، ((والصُّفْرة)): لونٌ دون الْحُمْرة، والأصفر:
(١) ((الفتح)) ١٧٧/٨ - ١٧٨ (كتاب التفسير)) ((سورة التوبة)) رقم الحديث (٤٦٦٥).
(٢) ((المصباح المنير)) ٦١٧/٢.
(٣) راجع: ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ١٢٥/١.
(٤) ((تنبيه المعلم)) ص٦٣.
(٥) ((النهاية)) ١٢٢/١.