Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ (٤٢) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً ... إلخ - حديث رقم (٢٧٩) ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: الحديث دليل على شدّة تهمّم النبيّ وَّر بأمر أمته، وتعلّق قلبه بما يُنجيهم، وخوفه عليهم، ولذلك سكّن جبريل ظلّ قلبه بهذه البشرى، وهذا نحو حديث عمرو بن العاص عقًّا الآتي قريباً الذي قال فيه: إن النبيّ ◌َّ تلا قول إبراهيم علَّ: ﴿فَمَنْ تَبِّعَنِىِ فَإِنَُّ مِنِّ وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقول عيسى عَلَّلاَ: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ ◌َإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَرَبِزُ الْحَكِيمُ (٣٨)﴾ [المائدة: ١١٨]، فرفع النبيّ وَّ يديه، وبكى، وقال: ((ربّ أمتي أمتي))، فنزل جبريل، فقال له مخبراً عن الله تعالى: إن الله سيُرضيك في أمتك، ولا يسوؤك، رواه مسلم، وهذا منه وَلّ مُقتضى ما جَبَلَه الله تعالى عليه من الْخُلُق الكريم، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(١). ٥ - (ومنها): أن أصحاب الكبائر لا يُخَلَّدون في النار، وأن الكبائر لا تَسلُب اسم الإيمان، وأن غير الموحدين لا يدخلون الجنة، والحكمة في الاقتصار على الزنا والسرقة الإشارة إلى جنس حقّ الله تعالى، وحقّ العباد، وكأن أبا ذرّ ◌َ الله استحضر قوله : ((لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن))؛ لأن ظاهره مُعارض لظاهر هذا الخبر، لكن الجمع بينهما على قواعد أهل السنة بحمل هذا على الإيمان الكامل، وبحمل حديث الباب على عدم التخليد فى النار. ٦ - (ومنها): أن بعض أهل العلم قال: إن هذا الحديث وأمثاله محمول على ما قبل نزول الفرائض، والأوامر والنواهي، قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى بعد أن أخرج الحديث، ما نصّه: هذا عند الموت، أو قبله إذا تاب، ونَدِمَ، وقال: ((لا إله إلا الله)) غفر له. انتهى. ٧ - (ومنها): أن فيه المراجعة في العلم بما تقرَّر عند الطالب في مقابلة ما يَسمَعُه مما يخالف ذلك؛ لأنه تقرَّر عند أبي ذرّ ◌َُّبه من الآيات، والآثار الواردة في وعيد أهل الكبائر بالنار وبالعذاب، فلَمّا سَمِعِ أنَّ مَن مات لا يُشرك بالله تعالى دخل الجنة، استَفْهَم عن ذلك بقوله: ((وإن زَنَى، وان سَرَقَ))، (١) ((المفهم)) ٢٩١/١. ١٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان واقتصر على هاتين الكبيرتين؛ لأنهما كالمثالين فيما يتعلق بحقّ الله تعالى وحق العباد، وأما قوله في الرواية الأخرى: ((وإن شَرِب الخمر))، فللإشارة إلى فُحْش تلك الكبيرة؛ لأنها تؤدي إلى خَلَل العقل الذي شُرِّف به الإنسان على البهائم، وبوقوع الخلل فيه قد يزول التوقي الذي يَحْجُز عن ارتكاب بقية الكبائر. ٨ - (ومنها): أن فيه أن الطالب إذا أَلَحَّ في المراجعة، يُزْجَرُ بما من يليق به؛ أخذاً من قوله وَله: ((وإن رَغِمَ أنفُ أبي ذرّ)). قال في ((الفتح)) يريد شرح قوله: ((ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة)): وحاصل ما أشار إليه أن الحديث محمول على مَن وَخَّد ربه، ومات على ذلك تائباً من الذنوب التي أشير إليها في الحديث، فإنه موعود بهذا الحديث بدخول الجنة ابتداءً، وهذا في حقوق الله باتفاق أهل السنة، وأما حقوق العباد فيشترط ردُّها عند الأكثر، وقيل: بل هو كالأول، ويُثيب الله صاحبَ الحق بما شاء، وأما مَن تلبّس بالذنوب المذكورة، ومات من غير توبة، فظاهر الحديث أنه أيضاً داخل في ذلك، لكن مذهب أهل السنة أنه في مشيئة الله تعالى، ويدل عليه حديث عبادة بن الصامت ظُّه الماضي، فإن فيه: ((ومن أتى شيئاً من ذلك، فلم يعاقَب به، فأمره إلى الله تعالى، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه))، وهذا الْمُفَسَّر مقدَّم على المبهم، وكلٌّ منهما يَرُدُّ على المبتدعة من الخوارج، ومن المعتزلة الذين يَدَّعون وجوب خلود من مات من مرتكبي الكبائر من غير توبة في النار - أعاذنا الله من ذلك بمنّه وكرمه -. ونقل ابن التين عن الداوديّ أن كلام البخاري خلاف ظاهر الحديث، فإنه لو كانت التوبة مشترطة، لم يقل: ((وإن زَنَى، وإن سرق))، قال: وإنما المراد أنه يدخل الجنة إما ابتداءً، وإما بعد ذلك، والله تعالى أعلم. انتهى(١). وقال في موضع آخر من ((الفتح)): وقد حمله البخاريّ كما مضى في (اللباس)) على من تاب عند الموت، وحمله غيره على أن المراد بدخول الجنة أعمّ من أن يكون ابتداءً، أو بعد المجازاة على المعصية، والأول هو وَفْقَ ما (١) ((الفتح)) ٢٩٥/١٠ ((كتاب اللباس)) رقم الحديث (٥٨٢٦ - ٥٨٢٨). ١٤٣ (٤٢) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً ... إلخ - حديث رقم (٢٧٩) فَهِمه أبو ذَرّ رَظُه، والثاني أولى للجمع بين الأدلة، ففي الحديث حجةٌ لأهل السنة، ورَدُّ على مَن زَعَم من الخوارج والمعتزلة أن صاحب الكبيرة إذا مات من غير توبة يُخَلَّد في النار، لكن في الاستدلال به لذلك نظر؛ لِمَا مَرّ من سياق كعب بن ذُهْل عن أبي الدرداء: أنّ ذلك في حقّ مَنْ عَمِل سوءاً، أو ظلم نفسه، ثم استغفر، وسنده جيد عند الطبرانيّ. وحمله بعضهم على ظاهره، وخَصَّ به هذه الأمة؛ لقوله فيه: ((بَشِّر أمتك))، و((أن من مات من أمتي)). وتعقب بالأخبار الصحيحة الواردة في أن بعض عُصَاة هذه الأمة يُعَذَّبون، ففي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة رَظُبه: ((المفلس من أمتي ... )) الحديث، وفيه تَعَقُّب على من تأوّل في الأحاديث الواردة في أن ((مَن شَهِد أن لا إله إلا الله دخل الجنة))، وفي بعضها: ((حُرِّم على النار)) أن ذلك كان قبل نزول الفرائض، والأمر والنهي، وهو مرويّ عن سعيد بن المسيب، والزهريّ. ووجه التعقب ذكر الزنا والسرقة فيه، فذُكِر على خلاف هذا التأويل. وحَمَله الحسن البصريّ على من قال الكلمة، وأَدَّى حقَّها بأداء ما وَجَب، واجتناب ما نُهِي، ورجحه الطيبيّ إلا أن هذا الحديث يَخدِشُ فيه، وأشكل الأحاديث وأصعبها قوله: ((لا يَلْقَى الله بهما غير شاّ فيهما، إلا دخل الجنة))، وفي آخره: ((وإن زَنَى، وإن سَرَقَ)). وقيل: أشكلها حديث أبي هريرة قالله عند مسلم بلفظ: ((ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، إلا حَرَّمه الله على النار))؛ لأنه أَتَّى فيه بأداة الحصر، و((مِن)) الاستغراقية، وصرح بتحريم النار، بخلاف قوله: ((دَخَل الجنّة))، فإنه لا ينفي دخول النار أوّلاً . قال الطيبيّ: لكن الأول يترجح بقوله: ((وإن زَنَى، وإن سَرَق))؛ لأنه شَرْطٌ لمجرد التأكيد، ولا سيما وقد كَرَّره ثلاثاً مبالغةً، وخَتَم بقوله: ((وإن رَغِمَ أنفُ أبي ذرّ))؛ تتميماً للمبالغة، والحديث الآخر مُظْلَقٌ يَقبل التقييد، فلا يقاوم قوله: ((وإن زنى، وإن سَرَق)). وقال النوويّ بعد أن ذكر المتون في ذلك، والاختلاف في هذا الحكم: مذهب أهل السنة بأجمعهم أن أهل الذنوب في المشيئة، وأن من مات موقناً ١٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان بالشهادتين يدخل الجنة، فإن كان دَيِّناً أو سليماً من المعاصي دخل الجنة برحمة الله، وحُرِّم على النار، وإن كان من المخلطين بتضييع الأوامر أو بعضها، وارتكاب النواهي أو بعضها، ومات من غير توبة فهو في خَطَر المشيئة، وهو بصَدَد أن يَمضي عليه الوعيد، إلا أن يشاء الله أن يعفو عنه، فإن شاء أن يعذبه، فمصيره إلى الجنة بالشفاعة. انتهى. وعلى هذا فتقييد اللفظ الأول تقديره: ((وإن زَنى وإن سَرَق)) دخل الجنة، لكنه قبل ذلك إن مات مُصِرّاً على المعصية في مشيئة الله، وتقدير الثاني: ((حَرَّمه الله على النار)) إلا أن يشاء الله، أو حرمه على نار الخلود، والله تعالى أعلم(١). [فائدة]: قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: قال بعض المحققين: قد يتخذ من أمثال هذه الأحاديث الْمُبطلة والْمُلاحيّة ذريعةً إلى طرح التكاليف، ودفع الأحكام، وإبطال العمل معتقدين بأنّ الشهادة وعدم الشرك كافٍ، وربّما يتمسّك بها المرجئة، وهذا الاعتقاد يستلزم طَيَّ بساط الشريعة، وإبطال الحدود، والزواجر السمعيّة، ويوجب أن يكون التكليف بالترغيب في الطاعات، والتحذير عن المعاصي والجنايات غير متضمّن طائلاً، وبالأصل باطلاً، بل يقتضي الانخلاع عن رِبْقة الدين والملّة، والانسلال عن قيد الشريعة والسنّة، والخروج عن الضبط، والولوج في الخبط، وترك الناس سُدّى مُهْمَلين، يموج بعضهم في بعض، مُعَطَّلين من غير مانع، ولا دافع، وذلك يُفضي إلى خَرَاب الدنيا، بعد أن أفضَى إلى خراب العُقْبى، والْمُشَبِّث بهذا الحديث، ونظيره ساقطٌ، وعن معارج القدس إلى حضيض النفس لاقط، مع أن قوله في بعض طرق الحديث: ((أن يعبدوه)) يتضمن جميع أنواع التكاليف الشرعية، وقوله: ((ولا يشركوا به شيئاً)) يَشْمَل كلا قسمي الشرك: الجلي والخفي. فلا راحة للتمسك به في ترك العمل؛ لأن الأحاديث إذا ثبتت وجب ضَمُّ بعضها إلى بعض، فإنها في حكم الحديث الواحد، فيُحمَل مطلقها على (١) ((الفتح)) ٢٧٣/١١ - ٢٧٤ ((كتاب الرقاق)) رقم الحديث (٦٤٤٥). ١٤٥ (٤٢) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً ... إلخ - حديث رقم (٢٨٠) مقيدها؛ ليحصل العمل بجميع ما في مضمونها، وبالله التوفيق. انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله تعالى(١) بزيادة من ((الفتح))(٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتقرير أنيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الکتاب قال: [٢٨٠] ( .. ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا ذَرِّ حَدَّثَهُ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌ََّ، وَهُوَ نَائِمٌ، عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، وَقَدِ اسْتَيْقَظَ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ، إِلَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ))، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ))، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ)) ثَلَاثاً، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: ((عَلَى رَغْم أَنْفِ أَبِي ذٍَّ)، قَالَ: فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ، وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرِّ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شَدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ) هو: أحمد بن الحسن بن خِرَاش، أبو جعفر البَغداديّ، خُرَاسانيّ الأصل، ثقةٌ(٣) [١١]. (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢/ ٤٧٧. (٢) هو من قوله: ((فلا راحة ... إلخ)). (٣) قال في ((التقريب)): صدوق، وما هنا أولى؛ لأنه وثقه الخطيب البغداديّ، وابن حبان، وهو من شيوخ مسلم في ((صحيحه))، وروى عنه جمع من الثقات، ولم أر لأحد طعناً فيه، فهو ثقة على الإطلاق، فتنبّه. ١٤٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان رَوَى عن شَبَابة، وأبي عامر الْعَقَديّ، وابن مهديّ، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وجماعة. ورَوى عنه مسلم، والترمذيّ، وعُبيد العجليّ، وعبد الله بن أحمد، والسرّاج. قال الخطيب: كان ثقةً، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال السرّاج: مات سنة (٢٤٣) عن ستين سنة. وله في هذا الكتاب (١٤) حديثاً. ٣ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) الْعَنبريّ مولاهم التَّنّوريّ (١)، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة) ٨٢/٦. ٤ - (أَبُوهُ) هو: عبد الوارث بن سعيد بن ذَكْوان الْعَنبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨. ٥ - (حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ) هو حسين بن ذَكْوان الْمُعَلِّم المكتب الْعَوْذيّ البصريّ، ثقةٌ، ربّما وَهِمَ [٦] (ت١٤٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٩/١٩. ٦ - (ابْنُ بُرَيْدَةَ) هو: عبد الله بن بريدة بن الْحُصيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ، قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت١٠٥) وقيل: (١١٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١. ٧٠ - (يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ(٢)) البصريّ، نزيل مرو وقاضيها، ثقةٌ فصيحٌ، يُرسل [٣] مات قبل المائة، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١. ٨ - (أَبُو الْأَسْوَدِ الدِّیلِيُّ) البصريّ، اسمه ظالم بن عَمْرو بن سفيان، وقيل غیر ذلك(٣)، ثقةٌ فاضلٌ، مخضرَمٌ [٢] مات سنة (٦٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩. [تنبيه]: ((الدِّيليّ)) بكسر المهملة، وسكون التحتانيّة، ويقال: الدُّؤَليّ بالضمّ، بعدها همزة مفتوحة. (١) بفتح التاء المثنّاة، وتشديد النون. (٢) هو: بفتح التحتانيّة، وسكون العين المهملة، وضمّ الميم. وفتحها. ((شرح النوويّ)) ٩٥/٢، و((التقریب)) ص ٣٨٠. (٣) يقال: عمرو بن ظالم، ويقال: بالتصغير فيهما، ويقال: عمرو بن عثمان، أو عثمان بن عمرو. ١٤٧ (٤٢) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً ... إلخ - حديث رقم (٢٨٠) وقال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)): وأما ((الدِّيليّ)) فكذا وقع هنا بكسر الدال، وإسكان الياء، وقد اختُلِف فيه، فذكر القاضي عياض أن أكثر أهل السنة (١) يقولون فيه، وفي كُلِّ مَن يُنْسَب إلى هذا البطن الذي في كنانة: دِيلِيّ - بكسر الدال، وإسكان الياء ــ كما ذكرنا، وأن أهل العربية يقولون فيه: الدُّؤَليّ - بضم الدال، وبعدها همزة مفتوحة - وبعضهم يكسرها، وأنكرها النحاة، هذا كلام القاضي. وقد ضَبَطَ الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى هذا، وما يتعلق به ضبطاً حسناً، وهو معنى ما قاله الإمام أبو عليّ الغسانيّ، قال الشيخ: هو الدِّيليّ، ومنهم من يقول: الدُّؤَليّ على مثال الْجُهَنِيّ، وهو نسبة إلى الدُّئِل - بدال مضمومة، بعدها همزة مكسورة - حَيّ من كنانة، وفَتَحُوا الهمزة في النسب، كما قالوا في النسب إلى نَمِر نَمَريّ - بفتح الميم - قال: وهذا قد حكاه السيرافيّ عن أهل البصرة، قال: ووجدت عن أبي عليّ القاليّ - وهو بالقاف - (٢) في (كتاب البارع)) أنه حَكَى ذلك عن الأصمعيّ، وسيبويه، وابن السِّكِيت، والأخفش، وأبي حاتم، وغيرهم، وأنه حَكَى عن الأصمعيّ، عن عيسى بن عمر أنه كان يقول فيه: أبو الأسود الدُّئِلِيّ - بضم الدال، وكسر الهمزة - على الأصل، وحكاه أيضاً عن يونس وغيره عن العرب، قال: يَدْعُونه في النسب على الأصل، وهو شاذّ في القياس، وذكر السيرافيّ عن أهل الكوفة أنهم يقولون: أبو الأسود الدِّيليّ - بكسر الدال، وياء ساكنة - وهو محكيّ عن الكسائيّ، وأبي عبيد، القاسم بن سلام، وعن صاحب ((كتاب العين))، ومحمد بن حَبِيب(٣) كانوا يقولون في هذا الحيّ من كنانة: الدِّيل - بإسكان الياء، وكسر الدال ـ ويجعلونه مثل الدِّيل الذي هو حيٍّ من عبد القيس، وأما الدُّوْلُ - بضم الدال، وإسكان الواو - فَحَيّ من بني حَنِيفة، والله تعالى أعلم. (١) لعله أراد بأهل السنّة هنا المحدّثين؛ لأنه قابلهم بأهل العربيّة، فيُنظر، والله تعالى أعلم. (٢) منسوب إلى قالي قلا، بلدةٌ من ديار بكر. (٣) بفتح الباء، غير مصروف؛ لأنها أمه. ((شرح النوويّ)) ٩٦/٢. ١٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان انتهى كلام الشيخ أبي عمرو رحمه الله تعالى(١). وإلى قياس القاعدة في النسب إلى نحو دُئِل، ونَمِر، وإِيل أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في ((الخلاصة)) حيث قال: وَأَوْلِ ذَا الْقَلْبِ انْفِتَاحاً وَفَعِلْ وَفَعِلٌ عَيْنَهُمَا افْتَحْ وَفِعِلْ وأما الصحابيّ ◌ُبه فقد تقدّم في السند الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وأن له فيه شیخین، قَرَن بينهما . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، فالأول: ما أخرج له الترمذيّ، والثاني: تفرّد به هو والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخيه، فبغداديّان، والصحابيّ، فمدنيّ، ثم رَبَذيّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره، إلا قوله: ((عن ابن بريدة». ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابنُ بريدة، عن يحيى بن يَعْمُر، عن أبي الأسود الدِّيليّ. ٦ - (ومنها): أن أبا الأسود هو أوّلُ مَن تَكَلَّم في النحو، وولي قضاء البصرة لعليّ بن أبي طالب رَُّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: هذا الإسناد غير ((أحمد بن خِرَاش)) تقدّم بتمامه في (٢٢٤/٢٩) (باب بيان حال إيمان من رَغِب عن أبيه، وهو يَعْلَم))، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ) هو عبد الله، أخو سليمان، وكانا توأمين، ويقال: إنهما ماتا في سنة واحدة (أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ) بفتح أوله، وسكون ثانيه، وفتح ثالثه، ويُضمّ (حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ) تقدّم الخلاف في ضبطه (حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا (١) ((صيانة صحيح مسلم)) ص٢٨١ - ٢٨٣، و((شرح النوويّ)) ٩٥/٢ - ٩٦. ١٤٩ (٤٢) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً ... إلخ - حديث رقم (٢٨٠) ذَرٍّ) ◌َظُهُ حَدَّثَهُ، قَالَ أبو ذرّ رَبُهُ (أَتَيْتُ النَّبِيَّ بَّهِ، وَهُوَ نَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، وقوله: (عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ) حال أيضاً، إما متداخل، أو مترادف، قال الطيبيّ: قال الشارحون: ليس هذا من الزوائد التي لا طائل تحتها، بل قصد الراوي بذلك أن يُقرّر التثبّت والإتقان فيما يرويه في آذان السامعين؛ ليتمكّن في قلوبهم. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): وفائدة وصفه الثوب، وقوله: ((أتيته، وهو نائم، ثم أتيته، وقد استيقظ)) الإشارة إلى استحضاره القصّة بما فيها؛ ليدلّ ذلك على (٢) إتقانه لها. انتهى(٢). (ُمَّ أَتَيْتُهُ) وَّرِ (فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ) ((إذا)) هي الفجائيّة، أي ففاجأني نومه (ثُمَّ أَتَيْتُهُ، وَقَدِ اسْتَيْقَظَ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ((مَا) نافيةٌ (مِنْ) زائدة للتوكيد، وقوله: (عَبْدٍ) مبتدأ خبره جملة ((إلا دخل الجنّة)) (قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ) قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: فيه إشارة إلى الثبات على الإيمان حتى يموت؛ احترازاً عمن ارتدّ، ومات عليه، فحينئذ لا ينفعه إيمانه السابق، قال: ((وثُمّ)) للتراخي في الرتبة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبَُّا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ﴾ [فُصّلت: ٣٠]، وقوله ◌َّ: ((قل: آمنت بالله، ثم استقم))، رواه مسلم. انتهى(٣). (إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ))) قال الطيبيّ: الاستثناء مفرّغ، أي ما من عبد آمن، وثبت عليه يكون له حال من الأحوال إلا حال دخول الجنّة. انتهى. قال أبو ذرّ رُهُ: (قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟) قال ابن مالك رحمه الله تعالى: حرف الاستفهام في أول الكلام مقدّر، ولا بُدّ من تقديره، وقال غيره: التقدير: أَوَ إن زنى، أَوَ إِن سَرَقَ دخل الجنّة، وقال الطيبيّ: أدخل الجنّة، وإن زنى، وإن سَرَق، والشرط حال، ولا يُذكر الجواب مبالغةً وتتميماً لمعنى الإنكار، قال: وإن زنى، وإن سَرَق. (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤٧٨/٢. (٢) ((الفتح)) ١٠/ ٢٩٥ (كتاب اللباس)) رقم (٥٨٢٦ - ٥٨٢٨). (٣) ((الكاشف)) ٤٧٨/٢. ١٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال في ((الفتح)): ووقع في رواية عبد العزيز بن رُفَيع(١): ((قلت: يا جبريل، وإن سَرَقَ، وإن زنى؟ قال: نعم))، وكررها مرتين للأكثر، وثلاثاً للمستملي، وزاد في آخر الثالثة: ((وإن شَرِب الخمر))، وكذا وقع التكرار ثلاثاً في رواية أبي الأسود، عن أبي ذرّ في ((اللباس))، لكن بتقديم الزنا على السرقة(٢)، كما في رواية الأعمش، ولم يقل: ((وإن شرب الخمر))، ولا وقعت في رواية الأعمش، وزاد أبو الأسود: ((على رغم أنف أبي ذرّ))، قال: وكان أبو ذر إذا حدث بهذا الحديث يقول: ((وإِن رَغِمَ أنف أبي ذرّ)). انتهى. (قَالَ) بَةِ ((وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ))) أي يدخلها، وإن تلبّس بالمعاصي الكبار (قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟، قَالَ) بَّ ((وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ)) ثَلَاثاً) أي كان تكرير أبي ذرّ رَظُبه للسؤال، وتكرير النبيّ وَ و للجواب ثلاث مرّات، قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: أما تكرير أبي ذرّ ◌َظُبه، فلاستعظامه شأن الدخول مع مباشرة الكبائر، وتعجّبه منه، وأما تكرير النبيّ وَّ فللإنكار على استعظامه: أي أتبخل يا أبا ذرّ برحمة الله تعالى؟ فرحمة الله تعالى واسعة على خلقه، وإن كَرِهتَ ذلك، فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، وإنما ذكر من الكبائر نوعين، ولم يقتصر على واحد؛ لأن الذنب إما حقّ الله تعالى، وهو الزنى، أو حقّ العباد، وهو أخذ مالهم بغير حقّ، وفي تكريره أيضاً معنى الاستيعاب والعموم، كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ رِزْقُهُمْ فَِهَا بَكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]: أي دائماً. انتهى(٣). قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الحديث فيه حجة لمذهب أهل السنة أن أصحاب الكبائر لا يُقطع لهم بالنار، وأنهم إن دخلوها أُخرجوا منها، وخُتِم لهم بالخلود في الجنة، وقد تقدم هذا كله مبسوطاً، والله تعالى أعلم. (٤) . انتھی (ثُمَّ قَالَ) ◌َِّ (فِي) المرّة (الرَّابِعَةِ: ((عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرِّ)) - بفتح (١) يعني: عند البخاريّ، فقد رواه من طريقه، عن زيد بن وهب، عن أبي ذرّ ـ (٣) ((الكاشف)) ٤٧٩/٢. (٢) أي وهي رواية مسلم هنا. (٤) ((شرح النوويّ)) ٢/ ٩٧. . ١٥١ (٤٢) - بَابُ الدَِّيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً ... إلخ - حديث رقم (٢٨٠) الراء، وضمها، وكسره، مأخوذ من الرَّغَام - بفتح الراء - وهو التراب، قال المجد في ((القاموس)): ((الرَّغْمُ)): الْكُرْهُ، ويُثَلَّثُ، كَالْمَرْغَمَة، ورَغِمَهُ، كعَلِمَهُ، ومَنَعَهُ: كَرِهَه، والترابُ، كالرَّغَام، والْقَسْرُ، والذّلُّ، ورَغُمَ أنفي لله تعالى: مثلّثةً: ذلّ عن كُرْهٍ. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أفاد كلام المجد رحمه الله تعالى أن رَغُمَ مثلّث الغين، من باب نصر، ومنع، وقرب، كما أن مصدره الرَّغْم مثلّث الراء، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال الفيّوميّ: هو كناية عن الذلّ، كأنه لَصِقَ بالرَّغام بالفتح: أي التراب هَوَاناً، ويتعدّى بالألف، فيقال: أرغم الله أنفه، قال: وهذا من الأمثال التي جرت في كلامهم بأسماء الأعضاء، ولا يريدون أعيانها، بل وَضَعُوها لمعانٍ غير معاني الأسماء الظاهرة، ولا حظّ لظاهر الأسماء من طريق الحقيقة، ومنه قولهم: كلامه تحت قدميَّ، وحاجته خلفَ ظهري، يُريدون الإهمال، وعَدَمَ (٢) الاحتفال. انتهى . وقال النوويّ: معنى أرغم الله أنفه: أي ألصقه بالرَّغَام، وأَذَلّه، فمعنى قوله وَله: ((على رغم أنف أبي ذرّ)): على ذُلّ منه؛ لوقوعه مخالفاً لِمَا يريد، وقيل: معناه على كراهة منه، وإنما قال له 18 ذلك؛ لاستبعاده العفو عن الزاني والسارق المنتهك للحرمة، واستعظامه ذلك، وتصوُّر أبي ذرّ بصورة الكاره الْمُمَانع، وإن لم يكن ممانعاً، وكان ذلك من أبي ذرّ؛ لشدة نفرته من معصية الله تعالى وأهلها، قاله النوويّ رحمه الله تعالى(٣). وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: أصل الرَّغْم بفتح الراء، وضمّها(٤): الذلّ، من الرَّغام بالفتح أيضاً، وهو التراب، يقال: أرغم الله أنفه: أي أذلّه، كأنه يُلْصِقُه بالتراب من الذلّ، فيكون هذا في الحديث على وجه الاستعارة، والإغياء في الكلام: أي وإن خالف سؤالَ أبي ذرّ، واعتقادَه، (١) ((القاموس المحيط)) ص ١٠٠٥، وشرحه (تاج العروس)) ٣١٤/٨. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٣١/١ - ٢٣٢. (٤) تقدّم أن راءه مثلّثة، فتنبّه. (٣) ((شرح النوويّ)) ٩٦/٢. ١٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان واستعظامَهُ الغفران للمذنبين، وتَرداده السؤال عن ذلك، فأشبه من أُرْغِمَ بما لا يُريد ذُلّاً وقهراً. وقيل: معناه: وإن اضطرب أنفه، يعني لكثرة ترداده وسؤاله، ومنه قوله تعالى: ﴿مُرَغَمًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٠٠]: أي اضطراباً في الأرض. وقيل: معناه: وإن كره، يقال: ما أرغم منه شيئاً: أي ما أكرهه، ومعنى هذا كله في التجوّز بمعنى الأول؛ إذ لا يَكرَه أبو ذرّ رحمة الله لعباده، ولا ما أخبر به نبيّه ◌َ ل﴿ من فضل الله ◌َ، وسعة مغفرته. انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى(١) . وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: رويناه بفتح الراء، وهي إحدى لغاته، فإنه يقال بفتحها، وضمّها، وكسرها، وهو مصدر رَغَمَ بفتح العين، وكسرها من بابي: نصر، وتَعِبَ، وهو مأخوذ من الرَّغَام، وهو التُّراب، يقال: أرغم الله أنفه: أي ألصقه بالتُّراب، ورَغِمَ أنفي الله: أي خَضَعَ وذَلَّ، فكأنه لَصِقَ بالتّراب، والمراغمة: المغاضبة، والْمُرَاغَمُ: الْمَذْهَبُ والْمَهْرَبُ، ومنه قوله تعالى: ﴿يَجِدْ فِ اَلْأَرَضِ مُرَغَمَا كَثِيرًا وَسَةٌ﴾ [النساء: ١٠٠]، وإنما واجه النبيّ ◌َّ أبا ذرّ بهذه الكلمة؛ لِمَا فَهِمَ عنه من استبعاده دخول من زنى ومن سَرَقَ، الجنّة، وكأنه وَقَعَ له هذا الاستبعاد بسبب ظاهر قوله بَّر: ((لا يزني الزاني، وهو مؤمن ... )) الحديث، متّفقٌ عليه، وما هو في معناه، فرَدّ النبيّ ◌َّ هذا الوهم، وأنكره، وكان الحديث نصّاً في الردّ على المكفّرة بالكبائر، كما تقدّم. (٢) انتھی . (قَالَ) الراوي، والظاهر أنه أبو ذرّ ◌َظُه (فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ) ◌َبه (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة من الفاعل (وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ) - بفتح الغين المعجمة، وكسرها، وضمّها - كما أسلفت تحقيقه آنفاً . إنما قال أبو ذرّ ظُه ذلك؛ رُجوعاً منه عمّا كان وقع له من الاستبعاد مع سعة فضل الله تعالى ورحمته، وانقياداً للحقّ لَمّا تَبيّن له(٣). (١) ((إكمال المعلم)) ٤٣٦/١ - ٤٣٧. (٣) ((المفهم)) ٢٩٢/١. (٢) ((المفهم)) ١/ ٢٩٢. ١٥٣ (٤٣) - بَابُ تَحْرِيم قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ الله) - حديث رقم (٢٨١) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما ما يتعلّق بالحديث من المسائل، فقد استوفيته في الحديث الماضي، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيِّدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . (٤٣) - (بَابُ تَحْرِيم قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ)) [٢٨١] (٩٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، وَاللَّفْظُ مُتَقَارِبٌ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْنِيّ، عَنَّ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلاً مِنَ الْكُفَّارِ، فَقَاتَلَنِي، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ، فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ للهِ، أَفَأَقْتُلُهُ، يَا رَسُولَ اللهِ، بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا تَقْتُلُهُ))، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا، أَفَأَقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ المذكور قبل بابين. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المذكور قبل بابين أيضاً. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن المهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٢) (م ق) تقدَّم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الفقيه الحافظ الحجة الثبت، من رؤوس [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨. ٥ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْنِيُّ) المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت١٠٥) (ع) تقدم في ((شرح المقدّمة)) أيضاً جـ٢ ص٤٨٦. ١٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٦ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ) - بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف التحتانيّة - بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ النّوْفليّ المدنيّ، ثقة [٢]. رَوَى عن عمر، وعثمان، وعليّ، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، والمقداد بن الأسود، ووَحْشيّ بن حَرْب، والْمِسْور بن مَخْرمة، وابن عباس، و كعب الأحبار. ورَوَى عنه عروة بن الزبير، وعطاء بن يزيد الليثيّ، وحُميد بن عبد الرحمن بن عوف، وجعفر بن عمرو بن أمية، وعبيد الله بن المغيرة بن مُعيقيب، وعروة بن عياض، ومعمر بن أبي حبيبة، ويحيى بن يزيد الباهليّ. قال أبو القاسم البغويّ: بلغني أنه وُلِد على عهد رسول الله وَّل، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وقال: أمه: أمُّ قتال بنت أُسَيد بن أبي العيص، ومات بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان ثقةً، قليل الحديث، وقال خليفة: مات في آخر خلافة الوليد، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، من كبار التابعين، وهو ابن أخت عثمان، وقال ابن ماكولا: قُتل أبوه يوم بدر كافراً، وقال ابن إسحاق: حدثني الزهريّ، عن عطاء بن يزيد، عن عُبيد الله بن عديّ بن الْخِيَار، وكان من فُقهاء قُريش وعلمائهم، وقد أدرك أصحاب النبيّ وَ لّ متوافرين، وذكره ابن حبان في الصحابة، وقال: وُلد في زمن النبيّ وَّ﴿ ثم ذكره في ثقات التابعين، وقال: مات سنة (٩٥). قال الحافظ: وأما كون أبيه قتل ببدر فليس بمتفق عليه، فقد ذكر ابن سعيد أباه في مسلمة الفتح، وذكر له المدينيّ قصةً مع عثمان بن عفان في خلافته، ولعلها التي وقعت في البخاريّ بسبب الوليد بن عقبة. انتهى(١). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٧ - (الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ) هو: المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثُمامة بن مَظْرُود الْبَهْرَانِيّ الْكِنْديّ، أبو الأسود الزهريّ، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو مَعْبَد، وقيل غير ذلك في نسبه. (١) ((تهذيب التهذيب)) ٢١/٣. ١٥٥ (٤٣) - بَابُ تَحْرِيم قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُه - حديث رقم (٢٨١) قال ابن الكلبيّ: كان عمرو بن ثعلبة أصاب دماً في قومه، فلحِق بحضرموت، فحالف كندة، فكان يقال له: الكِنديّ، وتزوّج هناك امرأة، فولدت له المقداد، فلما كبِرَ المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حُجر الكنديّ، فضرب رجله بالسيف، وهَرَب إلى مكة، فحالف الأسود بن عبد يغوث الزهريّ، وكَتَب إلى أبيه، فقدِمَ عليه، فتبنّى الأسودُ المقدادَ، فصار يقال له: المقداد بن الأسود، وغلبت عليه، واشتهر بذلك، فلما نزلت: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَّبَآيِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] قيل له: المقداد بن عمرو، واشتهرت شهرته بابن الأسود. أسلم قديماً، وشَهِد بدراً، والمشاهد، وكان فارساً يوم بدر، ولم يثبت ممن شَهِدها فارساً غيره. روى عن النبيّ وَلِّ، وعنه عليّ بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وعبيد الله بن عَدِيّ بن الخيار، وهمام بن الحارث، وسليمان بن يسار، وسُليم بن عامر، وأبو معمر عبد الله بن سَخْبَرَة الأزديّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجُبير بن نُفير، وعُمر بن إسحاق، وزوجته ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وابنته كَرِيمة بنت المقداد، وابنته ضُبَاعة على خلاف في ذلك. قال ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شِماسة الْمَهْريّ، عن سفيان بن صُهَابة، قال: كنت صاحبَ المقداد بن الأسود في الجاهلية، وكان رجلاً من بَهْراء، فأصاب دماً، فَهَرَب إلى كِندة، فحالفهم، ثم أصاب الهجرة الثانية، في قول ابن إسحاق، ثم شَهِد بدراً والمشاهد، ويقال: إن رسول الله وَ﴿ آخى بينه وبين عبد الله بن رَوَاحة، وقال زِرّ بن حُبيش، عن عبد الله بن مسعود: أَوّلُ مَن أظهر إسلامه سبعة، فذكره فيهم، وقال مُخارق، عن طارق، عن ابن مسعود: شَهِدت من المقداد مَشْهَداً، لأن أكون صاحبه أحبّ إليّ مما عُدِل به، فذكر القصة يوم بدر، وهي في البخاريّ. وقال أبو ربيعة الإياديّ، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه: أن النبيّ وَّلـ أَمَرَني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم: عليّ، والمقداد، وأبو ذَرّ، وسلمان. أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، وسنده حسن(١). (١) ((الإصابة)) ١٥٩/٦ - ١٦١. ١٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وذكر البغويّ من طريق أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زِرّ: أول من قاتل على فرس في سبيل الله المقداد بن الأسود. ومن طريق موسى بن يعقوب الزّمَعيّ، عن عمّته قُريبة، عن عمتها كريمة بنت المقداد، عن أبيها: شهِدتُ بدراً على فرسٍ لي، يقال لها: سَبْحَة. ومن طريق يعقوب بن سليمان، عن ثابت البنانيّ، قال: كان المقداد وعبد الرحمن بن عوف جالسين، فقال له: ما لك لا تتزوّج؟ قال: زوّجني ابنتك، فغضب عبد الرحمن، وأغلظ له، فشكا ذلك للنبيّ وَّر، فقال: أنا أزوّجك، فزوّجه بنت عمه ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب. وأخرج يعقوب بن سفيان، وابن شاهين، من طريقه بسنده إلى كريمة زوج المقداد: كان المقداد عظيم البطن، وكان له غلام رُوميّ، فقال له: أشُقّ بطنك، فأُخرج من شحمه حتى تلطف، فشقّ بطنه، ثم خاطه، فمات المقداد، وهَرَب الغلام. قال خليفة بن خياط، وغير واحد: مات سنة ثلاث وثلاثين، قال بعضهم: وهو ابن سبعين سنة بِالْجُرُف، على ثلاثة أميال من المدينة، وحُمِل إلی المدینة، ودُفِن بها . وفي ((فوائد ابن الْبُخْتُريّ))، من رواية سَوّار بن حمزة، عن ثابت، عن أنس: أن المقداد قال: لا أَتَحَمَّل على أحد أبداً، فكانوا يقولون: تَقَدَّم، فَصَلٌّ، فيأبى، وفيه قصّةُ أنه حين استعمله النبيّ وَلِ﴾ (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط(٢): هذا الحديث، وحديث (٢٠٥٥): ((احتلبوا هذا اللبن بيننا ... ))، و(٢٨٦٤): ((تُدنى. الشمس يوم القيامة من الخلق ... ))، و(٣٠٠٢): ((أن نَحْثي في وجوه المداحين التراب ... ))، وأعاده بعده. (١) ((الإصابة)) ١٥٩/٦ - ١٦١، و((تهذيب التهذيب)) ١٤٦/٤. (٢) ذكرت في ((قرّة العين)) (ص٤٥٧) أنه روى من الأحاديث (٤٢) حديثاً، اتّفقا على حديث، وانفرد مسلم بثلاثة أحاديث. ١٥٧ (٤٣) - بَابُ تَحْرِيمٍ قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلََّ الله) - حديث رقم (٢٨١) لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن له فيه شيخين، فرّق بينهما، وإنما لم يقرن بينهما؛ لاختلافهما في صيغة الأداء، وفي اسم شيخهما، حيث قال قتيبة: حدثنا، وقال ابن رُمح: أخبرنا الليث، فالأول أخذه سماعاً، والثاني أخذه قراءةً، والأول قال: ليثٌ، والثاني قال: الليث بإدخال ((أل))، وهو جائز للمح الأصل، كما قال في ((الخلاصة)): لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا وَبَعْضُ الاعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا فَذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ كَالْفَضْلِ وَالْحَارِثِ وَالنُّعْمَانِ ٣ - (ومنها): أن فيه من صيغ الأداء: التحديث، والعنعنة، والإخبار. ٤ - (ومنها): كتابة (ح) وهي إشارة إلى تحويل السند، وقد تقدّم أنها مختصرة من التحويل، أو من الحديث، أو من صحّ، أو من حاجز. ٥ - (ومنها): أن في قوله: ((واللفظ متقارب)) إشارةً إلى أن لفظ هذا السياق ليس لواحد منهما، وإنما هو معناه، ولكن لفظهما متقاربان، وإلى هذا أشار السيوطيّ في ((ألفيّة الحديث))، حيث قال: تَوَافَقَا مَعْنَى وَلَفْظُ مَا اتَّحَدْ وَمَنْ رَوَى مَتْناً عَنَ اشْيَاخِ وَقَدْ يُبَيِّنِ اخْتِصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ مُقْتَصِراً بِلَفْظِ وَاحِدٍ وَلَمْ وَاتَّحَدَ الْمَعْنَى عَلَى خُلْفٍ حَكَوْا أَوْ قَالَ ((قَدْ تَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ)) أَوْ مَعْ (قَالَ)) أَوْ (قَالَا)) فَذَاكَ أَحْسَنُ وَإِنَّ يَكُنْ لِلَفْظِهِ يُبَيِّنُ ٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن عُبيد الله بن عديّ. ٧ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من ابن شهاب، وقتيبة بغلانيّ، والباقيان مصريّان. ٨ - (ومنها): أن صحابيّه صَلّله من أوائل من أسلم، قال عبد الله بن مسعود ربه: أول من أظهر الإسلام بمكة سبعة، منهم: المقداد، وهاجر إلى الحبشة، ويُكنى أبا الأسود، وقيل: أبا عمرو، وقيل: أبا معبد، وليس له في ١٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ((الصحيحين)) إلا أربعة أحاديث(١)، وهذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وكذا عبيد الله، كما أسلفناه آنفاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ) تقدّم أنه المقداد بن عمرو، وإنما الأسود تبنّاه (أَنَّهُ) أي المقداد (أَخْبَرَهُ) أي أخبر عبيد الله (أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلاً مِنَ الْكُفَّارِ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا هو في أكثر الأصول المعتبرة، وفي بعضها: ((أرأيتَ لقيتُ)) بحذف ((إن))، والأول هو الصواب. انتهى(٢). ووقع عند البخاريّ بلفظ: ((قال: يا رسول الله إن لقِيتُ كفاراً، فاقتتلنا، فضرب إحدى يديّ بالسيف ... ))، قال في ((الفتح)): قوله: ((إن لقيتُ)) كذا للأكثر بصيغة الشرط، وفي رواية أبي ذرّ: ((إني لقيتُ كافراً، فاقتتلنا، فضرب يدي فقطعها))، وظاهر سياقه أن ذلك وقع، والذي في نفس الأمر بخلافه، وإنما سأل المقداد عن الحكم في ذلك لو وقع. انتهى. (فَقَاتَلَنِي، فَضَرَبَ إِحْدَى بَدَيَّ بِالسَّيْفِ، فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي) أي اعتصم منّي، وهو معنى قوله: ((قالها مُتَعَوِّذاً)): أي معتصماً، وهو بكسر الواو، قاله النوويّ، وقال الفيّوميّ: لاذ الرجل بالجبل، يَلُوذ لِوَاذاً بكسر اللام، وحُكِي التثليث، وهو الالتجاء، ولاذ بالقوم، وهي الْمُداناة، وألاذ بالألف لغة فيهما . انتھی . وقال المجد: اللَّؤْذُ بالشيء: الاستتار، والاحتصان به، كاللُّوَاذ، مثلَّثةً، واللياذ، والْمُلاوذةِ، والإحاطةُ، كالإلاذةِ، وجانبُ الجبل، وما يُطيف به، ومُنعَطَف الوادي، جمعه أَلْوَاذْ. انتهى(٣). (بِشَجَرَةٍ) قال في ((الفتح)): الشجرة مثال. انتهى. يعني أنه إنما ذُكر على سبيل المثال، لا على سبيل التحديد، فلو لاذ بغير شجرة، كالجدار ونحوه، (١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٢٠٥/٨ - ٢١١. (٢) ((شرح مسلم)) ١٠٤/٢. (٣) ((القاموس المحيط)) ص٣٠٥. ١٥٩ (٤٣) - بَابُ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ) - حديث رقم (٢٨١) كان حكمه كذلك (فَقَالَ: أَسْلَمْت اللهِ﴾ أي دخلتُ في دين الإسلام، وتديّنتُ به، وفيه دليلٌ على أن كلَّ من صَدَرَ عنه أمرٌ يدلّ على الدخول في دين الإسلام من قول أو فعل حُكِم له لذلك بالإسلام، وأن ذلك ليس مقصوراً على النطق بكلمتي الشهادة، وقد حَكَم النبيّ ◌ََّ بإسلام بني جَذِيمة الذين قتلهم خالد بن الوليد، وهم يقولون: صَبَأْنا صَبَأْنَا، ولم يُحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فلما بَلَغ النبيّ وَّر قال: ((اللهم إني أبرأ إليك مما صَنَعَ خالد))، رافعاً يديه إلى السماء، ثم وَدَاهم، رواه البخاريّ. على أن قوله في هذه الرواية: ((أسلمت لله)) يَحْتَمِل أن يكون ذلك نقلاً بالمعنى، فيكون بعض الرواة عَبّر عن قوله: لا إله إلا الله بأسلمتُ، كما قد جاء مُفسَّراً في رواية أخرى، قال فيها: فلَمّا أهويتُ لأقتله قال: لا إله إلا الله. (أَفَأَقْتُلُهُ، يَا رَسُولَ اللهِ، بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟) أي الكملة التي هي قوله: أسلمتُ الله (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا تَقْتُلْهُ))) أي لأنه معصوم الدم بسبب تلك الكلمة (قَالَ) المقداد ◌َظُه (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ بَدِي، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ) أي ما قاله من كلمة الإسلام (بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا) أي يده (أَفَأَقْتُلُهُ؟) أعاده تأكيداً للسؤال (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني - والله أعلم -: أنه بمنزلك في عصمة الدم؛ إذ قد نطق بما يوجب عصمته من كلمتي الشهادة. انتهى (١). وقال الكرمانيّ ◌َخْتُ تعالى: القتل ليس سبباً لكون كل منهما بمنزلة الآخر، لكن عند النحاة مؤول بالإخبار: أي هو سبب لإخباري لك بذلك، وعند البيانيين المراد لازمه، کقوله: يباح دمك إن عصيت. انتهى. (وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ))) قال النوويّ رحمه الله تعالى: اختُلِف في معناه، فأحسن ما قيل فيه، وأظهره ما قاله الإمام الشافعيُّ، وابن القصار المالكيّ، وغيرهما: إن معناه: فإنه معصوم الدم، مُحَرَّمٌ قتله بعد قوله: لا إله إلا الله، كما كنت أنت قبل أن تقتله، وإنك بعد قتله غير معصوم الدم، ولا مُحَرَّم القتل، كما كان هو قبل قوله: لا إله إلا الله، قال ابن (١) ((المفهم)) ٢٩٤/١. ١٦٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان القصّار: يعني: لولا عُذرك بالتأويل المسقط للقصاص عنك، قال القاضي: وقيل: معناه: أنك مثله في مخالفة الحقّ، وارتكاب الإثم، وإن اختلف أنواع المخالفة والإثم، فيسمى إثمه كفراً، وإثمك معصيةً وفقاً. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): قال الخطابيّ: معناه: أن الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن يسلم، فإذا أسلم صار مُصان الدم كالمسلم، فإن قَتَله المسلم بعد ذلك صار دمه مباحاً بحق القصاص كالكافر بحق الدين، وليس المراد إلحاقه في الكفر، كما تقول الخوارج من تكفير المسلم بالكبيرة. وحاصله اتحاد المنزلتين مع اختلاف المأخذ، فالأول: أنه مثلك في صون الدم، والثاني: أنك مثله في الْهَدَر. ونقل ابن التين عن الداودي، قال: معناه: أنك صِرْتَ قاتلاً كما كان هو قاتلاً، قال: وهذا من المعاريض؛ لأنه أراد الإغلاظ بظاهر اللفظ دون باطنه، وإنما أراد أن كلاً منهما قاتل، ولم يُرد أنه صار كافراً بقتله إياه. ونَقَل ابنُ بطال عن المهلب معناه، فقال: أي أنك بقصدك لقتله عمداً آثم، كما كان هو بقصده لقتلك آئماً، فأنتما في حالة واحدة من العصيان. وقيل: المعنى أنت عنده حلال الدم قبل أن تُسلم، وكنت مثله في الكفر، كما كان عندك حلال الدم قبل ذلك. وقيل: معناه: أنه مغفور له بشهادة التوحيد، كما أنك مغفور لك بشهود بدر . ونقل ابن بطال عن ابن القصّار أن معنى قوله: ((وأنت بمنزلته)): أي في إباحة الدم، وإنما قَصَدَ بذلك رَدْعه وزجره عن قتله، لا أن الكافر إذا قال: أسلمت حَرُمَ قتله. وتُعُقِّب بأن الكافر مباح الدم، والمسلم الذي قتله إن لم يتعمد قتله، ولم يكن عَرَف أنه مسلم، إنما قتله مُتأوّلاً، فلا يكون بمنزلته في إباحته . وقال القاضي عياض: معناه: أنه مثله في مخالفة الحقّ، وارتكاب الإثم، وإن اختلف النوع في كون أحدهما كفراً، والآخر معصيةً، وقيل: المراد إن (١) ((شرح مسلم)) للنوويّ ١٠٦/٢.