Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
(٤٠) - بَابُ ذِكْرِ الْكَبَائِرِ، وَبَيَانِ أَكْبَرِهَا - حديث رقم (٢٦٦)
بِشْرٌ وَإِسْمَاعِيلُ يَا أُخَيُّ
قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ رَوَى الثَّوْرِيُّ
نَجْلُ أَبِي عَدِيٍّ أَيْضاً أَخَذَا
وَبَعْدَهُ يَزِيدُ عِيسَى وَكَذَا
بَلْ كَبِرَ الشَّيْخُ فَرَقَّ مَا ضَبَظْ
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ عَنْهُ مَا اخْتَلَظْ
فقوله: ((بشر)) هو ابن المفضّل، و((إسماعيل)) هو ابن عليّة، و((يزيد)) هو
ابن هارون، وعيسى ((هو ابن يونس))، و((نجل ابن أبي عديّ)) هو محمد بن
إبراهيم، والله تعالى أعلم.
وقال ابن سعد: قالوا: توفي سنة (١٤٤). وكذا أرّخه ابن حبان، وقال:
كان قد اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين، ورآه يحيى بن سعيد القطان، وهو
مختلط، ولم يكن اختلاطه فاحشاً.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٨) حديثاً.
[تنبيه]: قوله: ((الْجُريريُّ)) - بضم الجيم، وفتح الراء، مصغّراً -: نسبة
إلى جُرَير بن عُبَادُ(١) بن ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن
بكر بن وائل، قال السَّمْعاني: وإنما قيل لسعيد بن إياس: الْجُريريّ؛ لأنه من
ولد جُرَير بن عباد أخي الحارث بن عباد، وقد قيل: إنه من مولى بني قيس بن
ثعلبة بن بكر بن وائل. انتهى (٢). والله تعالى أعلم.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث الثقفيّ، أبو بَحْر،
ويقال: أبو حاتم البصريّ، وهو أول مولود، وُلِد في الإسلام بالبصرة، ثقة [٢].
رَوَى عن أبيه، وعلي، وعبد الله بن عمرو بن الأسود بن سَرِيع، والأشجّ
الْعَصَري.
وَرَوَى عنه ابن أخيه ثابت بن عبيد بن أبي بكرة، وابن ابنه بحر بن
مَرّار بن عبد الرحمن، وخالد الحذاء، ومحمد بن سيرين، وعلي بن زيد،
وقتادة، وجماعة.
ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن سعد: هو أول مولود وُلد
(١) ((عُبَاد - بضم العين، وتخفيف الباء - بطن من بكر بن وائل)). انتهى. ((شرح
النوويّ)) ٨٤/٢.
(٢) راجع: ((الأنساب)) ٧٨/٢.

٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
بالبصرة، فَأَطعَم أبوه أهل البصرة جَزُوراً، فكفتهم، وكان ثقةً، وله أحاديث
ورواية، وقال ابن خلفون في ((الثقات)): يقال: وُلد سنة (١٤)، ومات سنة
(٩٦)، وكذا أَرَّخ وفاته إسحاق القَرّاب، وقال خليفة: تُؤُفّي بعد الثمانين، وقال
العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال البلاذريّ: حدثني أبو الحسن البلاذري،
حدثني أبو الحسن المدائني، قال: كان عبد الرحمن بن أبي بكرة فَرّاساً،
وشارف التسعين، ووقع في بعض النسخ من ((مختصر السنن)) للمنذري بتقديم
السين على الباء، وهو خطأ، وقال أبو هلال: كان زياد وَلَّى عبدَ الرحمن
بيوتَ الأموال، وَوَلَّى عبدَ الله سجستان، وقال أبو اليقظان: ولاه عَلِيّ بيت
المال ثم ولاه ذاك زياد.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثاً.
٥ - (أَبُوهُ) هو: نُفيع بن الحارث بن كَلَدة بن عمرو الثقفيّ، وقيل: اسمه
مَسْرُوح، الصحابيّ المشهور ظُه، مات سنة إحدى وخمسين: وقيل: سنة
ثنتين وخمسين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث
بالإفراد في الأول، والجمع في موضعين، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، غير شيخه، فبغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ: سعيد عن
عبد الرحمن.
٥ - (ومنها): أن فيه من لُقّب بصورة الكنية، وهو أبو بكرة ◌َظ ◌ُبه، فإنه
لقّب؛ لأنه تدلّى من حصن ثقيف ببكرة البئر، فأسلم، وكان عبداً، فأعتقه
النبيّ ◌َّة، ومن معه من العبيد، وكانوا جماعة.
٦ - (ومنها): أن عبد الرحمن أول مولود في الإسلام بالبصرة، كما سبق
آنفاً، والله تعالى أعلم.

٢٣
(٤٠) - بَابُ ذِكْرِ الْكَبَائِرِ، وَبَيَانِ أَكْبَرِهَا - حديث رقم (٢٦٦)
شرح الحديث:
عن (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) نُفَيع بن الحارِث ◌َُّته، أنه
(قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَلِ، فَقَالَ: ((أَلَا) أداة استفتاح، وتنبيه (أَنَبِّئُكُمْ)، وفي
رواية للبخاري: ((ألا أخبركم))، وهي رواية أبي عوانة في ((المستخرج))، (بِأَكْبَرِ
الْكَبَائِرِ) قال الشيخ ابن دقيق العيد تَُّهُ: هذا يدلّ على انقسام الذنوب إلى
صغائر وكبائر، وعليه أيضاً يدلّ قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا نُنْهَوْنَ
عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، وفي الاستدلال بهذا الحديث على ذلك نظر؛ لأن من
قال: كلّ ذنب كبيرة، فالكبائر والذنوب عنده متواردان على شيء واحد، فكأنه
قيل: ألا أنبئكم بأكبر الذنوب؟، وعن بعض السلف: أن كلّ ما نهى الله رَات
عنه فهو كبيرة، وظاهر القرآن والحديث على خلافه، ولعله أخذ الكبيرة باعتبار
الوضع اللغويّ، ونَظَرَ إلى عِظَم المخالفة للأمر والنهي، وسَمَّى كل ذنب كبيرة.
قال: ويدلّ أيضاً على انقسام الكبائر في عظمها إلى كبير وأكبر؛ لقوله وَله :
((ألا أنبئكم بأكبر))، وذلك بحسب تفاوت مفاسدها، ولا يلزم من كون الذي ذكره
أنه أكبر الكبائر استواء رُتبها في نفسها، فإن الإشراك بالله تعالى أعظم كبيرة من
كلّ ما عداه من الذنوب المذكورة في الأحاديث التي ذُكر فيها الكبائر. انتهى (١).
[تنبيه]: قوله: ((أكبر الكبائر)) ليس على ظاهره من الحصر، بل ((من)) فيه
مقدرةٌ، فقد ثبت في أشياء أُخَر أنها من أكبر الكبائر:
(منها): حديث أنس رُبه في قتل النفس، فقد وقع في رواية للبخاريّ في
((الديات)) من طريق شعبة، عن ابن أبي بكرة، أنه سمع أنساً، عن النبيّ وَالـ
قال: ((أكبر الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس ... )) الحديث.
(ومنها): حديث ابن مسعود رضيبه المتقدّم: ((أيُّ الذنب أَعظم؟))، فذكر
فيه الزنا بحليلة الجار.
(ومنها): حديث عبد الله بن أنيس الجهني رَظُبه مرفوعاً قال: ((من أكبر
الكبائر ... )) فذكر منها: ((اليمين الغموس))، أخرجه الترمذيّ بسند حسن، وله
شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ◌ًا، عند أحمد.
(١) ((إحكام الأحكام)) بنسخة الحاشية ((العدّة)) ٤٣٨/٤.

٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(ومنها): حديث أبي هريرة رَُّه رفعه: ((إن من أكبر الكبائر استطالةَ المرء
في عرض رجل مسلم))، أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن.
(ومنها): حديث بريدة رَظُبه رفعه: ((من أكبر الكبائر ... )) فذكر منها: منع
فضل الماء، ومنع الفحل. أخرجه البزار بسند ضعيف.
(ومنها): حديث ابن عمر ﴿ما رفعه: ((أكبر الكبائر سوء الظن بالله))،
أخرجه ابن مردويه بسند ضعيف.
ويَقْرُب منه حديث أبي هريرة ◌َُّه مرفوعاً: ((ومن أظلم ممن ذَهَب يخلُقُ
كخلقي ... )) الحديث، متّفقٌ عليه.
(ومنها): حديث عائشة ثا مرفوعاً: ((أبغض الرجال إلى الله الألدّ
الخصم))، متفقٌ عليه.
(ومنها): حديث عبد الله بن عمرو ﴿يا مرفوعاً: ((من أكبر الكبائر أن
يسب الرجل أباه ... ))، ولكنه من جملة العقوق، والله تعالى أعلم.
(ثَلَاثاً) أي قال لهم ذلك ثلاث مرّات على عادته في تكرير الشيء ثلاث
مرّات؛ تأكيداً؛ لينتبه السامع على إحضار قلبه وفهمه للخبر الذي يذكره، وفهم
منه الفاكهيّ أن المراد بقوله: ((ثلاثاً)) عدد الكبائر، وهو غلطً، فقد وقع عند
البخاريّ في ((كتاب استتابة المرتدّين)) بلفظ: ((أكبر الكبائر: الإشراك، وعقوق
الوالدين، وشهادة الزور)) ثلاثاً، وأصرح منه ما وقع عند أبي عوانة في ((مسنده))
بلفظ: ((ألا أخبركم بأكبر الكبائر، قالها ثلاثاً))، وقد ترجم البخاريّ رحمه الله
في ((كتاب العلم))، ((باب من أعاد الحديث ثلاثاً؛ ليُفهم عنه))، وذكر فيه طرفاً
من هذا الحديث تعليقاً(١).
(الإِشْرَاكُ بِاللهِ) قال الشيخ ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: يحتمل أن
يراد به مطلق الكفر، فيكون تخصيصه بالذكر لغلبته في الوجود، ولا سيّما في
بلاد العرب، فذكره تنبيهاً على غيره من أصناف الكفر، ويحتمل أن يُراد به
خصوصه، إلا أنه يَرِد على هذا الاحتمال أنه قد يظهر أن بعض الكفر أعظم
قُبْحاً من الإشراك، وهو التعطيل؛ لأنه نفيٌّ مطلقٌ، والإشراك إثبات مقيَّدٌ،
(١) ((الفتح)) ٣١١/٥ ((كتاب الشهادات)) رقم (٢٦٥٤).

٢٥
(٤٠) - بَابُ ذِكْرِ الْكَبَائِرِ، وَبَيَانِ أَكْبَرِهَا - حديث رقم (٢٦٦)
فيترجّح الاحتمال الأول على هذا. انتهى(١).
(وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) أي عصيانهما، وترك الإحسان إليهما، وأصل الْعَقّ:
الشقّ، يقال: عقّ ثوبه، كما يقال: شقّه بمعناه، ومنه يقال: عقّ الولد أباه
عُقُوقًاً، من باب قَعَدَ: إذا عصاه، وترك الإحسان إليه، فهو عاقٌ، والجمع
عَقَقَةٌ، قاله في ((المصباح)) (٢).
وقال في ((المفهم)): ((عقوق الوالدين)): عصيانهما، وقطع البرّ الواجب
عنهما، وأصل العَقّ: الشقّ والقطع، ومنه قيل للذبيحة عن المولود: عقيقةً؛
لأنه يُشَقّ حُلقُومها، قاله الهرويّ وغيره(٣) .
وقال في ((الفتح)): ((الْعُقُوق)) بضمّ العين المهملة: مشتقّ من العقّ، وهو
القطع، والمراد به صدور ما يتأذّى به الوالد من ولده، من قول أو فعل إلا في
شرك، أو معصية ما لم يتعنّت الوالد، وضبطه ابن عطيّة بوجوب طاعتهما في
المباحات فعلاً وتركاً، واستحبابها في المندوبات، وفروض الكفاية كذلك،
ومنه تقديمهما عند تعارض الأمرين، وهو كمن دَعَته أمه ليمرّضها مثلاً، حيث
يفوت عليه فعل واجب إن استمرّ عندها، ويفوت ما قصدته من تأنيسه لها،
وغير ذلك لو تركها وفعله، وكان مما يمكن تداركه مع فوات الفضيلة، كالصلاة
أول الوقت، أو في الجماعة. انتهى (٤).
وقال النوويّ في ((شرحه)): أما عقوق الوالدين، فهو مأخوذ من الْعَقّ،
وهو القطع، وذَكَرَ الأزهريّ أنه يقال: عَقَّ والده يَعُقُّه - بضم العين - عَقّاً
وعُقُوقاً: إذا قطعه، ولم يَصِلْ رحمه، وجمع العاقّ: عَقَّقَةٌ - بفتح الحروف كلها
- وعُقُقٌ - بضم العين والقاف -، وقال صاحب ((المحكم)): رجلٌ عاقٌّ، وعَقٍّ
بالفتح، وعَقَقُ محرّكة، وعُقُقُ بضمّتين، وجمع الأولى عَقَقَةٌ مُحرَّكةً، وكلها
بمعنى واحد، وهو الذي شَقَّ عصا الطاعة لوالده، هذا قول أهل اللغة.
وأما حقيقة العقوق المحرَّم شرعاً، فقَلَّ مَن ضبطه، وقد قال الشيخ الإمام
أبو محمد بن عبد السلام رحمه الله تعالى: لم أقف في عقوق الوالدين، وفيما
(١) المصدر السابق.
(٣) ((المفهم)) ٢٨٢/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٢٢/٢.
(٤) ((الفتح)) ٤١٩/١٠ - ٤٢٠.

٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
يختصان به من الحقوق على ضابط أَعْتمده، فإنه لا يجب طاعتهما في كل ما
يأمران به، وينهيان عنه باتفاق العلماء، وقد حُرِمَ على الولد الجهاد بغير
إذنهما؛ لما يَشُقّ عليهما مِن توقُّع قتله، أو قطع عضو من أعضائه، ولشدة
تفجعهما على ذلك، وقد أُلْحِق بذلك كلُّ سفر يخافان فيه على نفسه، أو عضو
من أعضائه. انتهى كلام الشيخ أبي محمد.
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى في ((فتاويه)): العُقُوق
المحرَّم كلُّ فعل يتأذى به الوالد أو نحوه تأذياً، ليس بالْهَيِّن، مع كونه ليس من
الأفعال الواجبة، قال: وربما قيل: طاعةُ الوالدين واجبة في كل ما ليس
بمعصية، ومخالفة أمرهما في ذلك عقوقٌ، وقد أوجب كثير من العلماء
طاعتهما في الشبهات، قال: وليس قولُ مَن قال من علمائنا: يجوز له السفر
في طلب العلم، وفي التجارة بغير إذنهما، مُخالِفاً لما ذكرته، فإن هذا كلام
مطلق، وفيما ذكرته بيان لتقييد ذلك المطلق، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ
بزيادة في الضبط(١).
(وَشَهَادَةُ الزُّورِ) أي الشهادة بالكذب والباطل، وإنما كانت من أكبر
الكبائر؛ لأنها يُتوصَّل بها إلى إتلاف النفوس والأموال، وتحليل ما حرّم الله،
وتحريم ما حلّل الله، فلا شيء من الكبائر أعظم ضرراً، ولا أكثر فساداً منها
بعد الشرك (٢).
(أَوْ قَوْلُ الزُّورِ) هكذا في رواية ابن عليّة عن الجريريّ بـ((أو))، وفي رواية
خالد، عنه: ((ألا وقول الزور، وشهادة الزور)) بالواو، قال الشيخ ابن دقيق
العيد رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون من باب ذكر الخاصّ بعد العامّ؛ لأن
کلّ شهادة زور قول زور، بخلاف عكسه.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: أما الزور، فقال الثعلبيّ المفسر، وأبو
إسحاق وغيره: أصله تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتى يُخَيَّل إلى
(١) ((شرح مسلم)) ٨٧/٢ بزيادة من ((القاموس)) في ألفاظ العقوق.
(٢) «المفهم)) ١/ ٢٨٢.

٢٧
(٤٠) - بَابُ ذِكْرِ الْكَبَائِرِ، وَبَيَانِ أَكْبَرِهَا - حديث رقم (٢٦٦)
من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به، فهو تمويه الباطل بما يُوهِم أنه حَقّ.
(١).
انتھی
وقال في ((الفتح)): وضابط الزور وَصْفُ الشيء على خلاف ما هو به،
وقد يُضاف إلى القول، فيشمل الكذب والباطل، وقد يُضاف إلى الشهادة،
فيختصّ بها، وقد يضاف إلى الفعل، ومنه ((لابس ثوبي زور))، ومنه تسمية
الشعر الموصول زُوراً، كما سيأتي في موضعه، وقد اختلف في المراد بقوله
تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]، والراجح أن المراد به
الباطل، والمراد أنهم لا يحضرونه. انتهى(٢).
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: ينبغي أن يُحمل قول الزور على
شهادة الزور؛ لأنا لو حملناه على الإطلاق لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقاً
كبيرة، وليس كذلك، وقد نصّ الفقهاء على أن الكذبة الواحدة، وما يقاربها لا
تُسقط العدالة، ولو كانت كبيرة لأسقطت، وقد نصّ الله تعالى على عظم بعض
الكذب، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيْئَةً أَوْ إِنْمَا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيْئًا فَقَدِ أَحْتَمَلَ
[النساء: ١١٢]، وعظم الكذب ومراتبه متفاوتة بحسب
بُهْتَنَّا وَإِثْمًا مُّبِينًا
تفاوت مفاسده، وقد نَصَّ في الحديثِ الصحيح على أن الغيبة والنميمة كبيرة،
والغيبة تختلف بحسب القول المغتاب به، فالغيبة بالقذف كبيرة؛ لإيجابها
الحدّ، ولا تساويها الغيبة بقبح الخِلقة، أو الهيئة في اللباس مثلاً، وليس
العقوق، وقول الزور مساوياً للإشراك بالله قطعاً إلا إذا فعل ذلك معتقداً حلّه،
ومعلوم أن الكافر شاهد بالزور، وقائل به. انتهى(٣).
وقال غيره: يجوز أن يكون من عطف الخاصّ على العامّ؛ لأن كل
شهادة زور قول زور بغير عكس، ويُحْمَل قول الزور على نوع خاص منه.
ورجّح الحافظ ما قاله الشيخ ابن دقيق العيد، قال: ويؤيده وقوع الشك
في ذلك في حديث أنس ظبه الذي بعده، فدلّ على أن المراد شيء واحد.
(١) ((شرح مسلم)) ٢/ ٨٤.
(٢) ((الفتح)) ٤٢٦/١٠ ((كتاب الأدب)) رقم الحديث (٥٩٧٧).
(٣) ((إحكام الأحكام)) ٤٤٤/٤، و(الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٨/١٠ - ٣٩.

٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وزعم بعضهم أن المراد بشهادة الزور في هذا الحديث الكفر، فإن الكافر شاهد
بالزور، وهو ضعيف، وقيل: المراد مَن يستحل شهادة الزور، وهو بعيد.
انتھی(١).
(وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ◌ِِّ مُتَّكِئاً، فَجَلَسَ) جلوسه وَلِّ بعد أن كان متكئاً يُشعر
بأنه اهتمّ بهذا الأمر، وهو يفيد تأكيد تحريمه، وعِظَم قبحه، وسببُ الاهتمام
بذلك كون قول الزور، أو شهادة الزور أسهل وقوعاً على الناس، والتهاون بها
أكثر، فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم، والعُقُوق يَصرف عنه الطبع، وأما
الزور فالحوامل عليه كثيرة، كالعداوة، والحسد، وغيرهما، فاحتيج إلى
الاهتمام بتعظيمه، وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذُكِر معها من الإشراك
قطعاً، بل لكون مفسدة الزور متعدّية إلى غير الشاهد، بخلاف الشرك، فإن
مفسدته قاصرة غالباً(٢).
(فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا) أي يكرّر جملة ((شهادة الزور))، أو قول الزور، ولفظ
البخاريّ في ((كتاب الأدب)): ((فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور، ألا
وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال يقولها، حتى قلت: لا يسكت))، (حَتَّى
قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ) إنما قالوه، وتَمَنَّوه شفقةً على رسول الله وََّ، وكراهةً لما
يُزْعِجُهُ، ويُغْضِبُهُ، وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه وَّهِ، والمحبّة له،
والشفقة عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي بكر به هذا متّفقٌ عليه ..
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٦٦/٤٠] (٨٧)، و(البخاريّ) في
((الشهادات)) (٢٦٥٤)، و((الأدب)) (٥٩٧٦)، و((الاستئذان)) (٦٢٧٣ و٦٢٧٤)،
(١) راجع: ((الفتح)) ٤٢٥/١٠ - ٤٢٦ ((كتاب الأدب)) رقم الحديث (٥٩٧٧).
(٢) ((الفتح)) ٣١١/٥.

٢٩
(٤٠) - بَابُ ذِكْرِ الْكَبَائِرِ، وَبَيَانِ أَكْبَرِهَا - حديث رقم (٢٦٦)
و((استتابة المرتدّين)) (٦٩١٩)، و(الترمذيّ) في البرّ والصلة (١٩٠١)،
و((الشهادات)) و(٢٣٠١)، و((تفسير القرآن)) (٣٠١٩)، وفي (الشمائل)) (١٣١)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦/٥ و٣٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٤٦)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٦٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الكبائر، وأكبرها، وهو الشرك، وهو وجه المناسبة
لإيراده في هذا الباب.
٢ - (ومنها): بيان انقسام الذنوب إلى كبير وأكبر، ويؤخذ منه ثبوت
الصغائر؛ لأن الكبيرة بالنسبة إليها أكبر منها، والاختلاف في ثبوت الصغائر
مشهور، وأكثر ما تمسك به مَن قال: ليس في الذنوب صغيرة كونه نَظَرَ إلى
عِظَم المخالفة لأمر الله ونهيه، فالمخالفة بالنسبة إلى جلال الله كبيرة، لكن لمن
أثبت الصغائر أن يقول: هي بالنسبة لما فوقها صغيرة، كما دلّ عليه حديث
الباب، وقد فُهِمَ الفرقُ بين الصغيرة والكبيرة من مَدَارك الشرع، وسيأتي في
أبواب الصلاة ما يُكَفِّر الخطايا ما لم تكن كبائر، فَثَبَتَ به أن من الذنوب ما
يُكَفَّر بالطاعات، ومنها ما لا يُكَفَّر، وذلك هو عين الْمُدَّعَى، ولهذا قال الغزاليّ
رحمه الله تعالى: إنكار الفرق بين الكبيرة والصغيرة لا يليق بالفقيه، ثم إن
مراتب كلٍّ من الصغائر والكبائر مختلف بحسب تفاوت مفاسدها .
٣ - (ومنها): بيان تحريم شهادة الزور؛ لما يترتَّب عليها من المفاسد،
وإن كانت مراتبها متفاوتة، وفي معناها كُلُّ ما كان زُوراً، من تعاطي المرء ما
لیس له أهلاً.
٤ - (ومنها): أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، ولا شكّ في عظم
مفسدته؛ لعظم حقّ الوالدين.
٥ - (ومنها): بيان انقسام الكبائر إلى شرك وغيره.
٦ - (ومنها): الاهتمام بذكر الشيء للتنبيه على وعيه ومنعه.
٧ - (ومنها): استحباب إعادة الموعظة ثلاثاً؛ لتُفْهَم.
٨ - (ومنها): انزعاج الواعظ في وعظه؛ ليكون أبلغ في الوعي عنه،
والزجر عن فعل ما يَنْهَى عنه.

٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٩ - (ومنها): أن فيه التحريض على مجانبة كبائر الذنوب؛ ليحصل تكفير
الصغائر بذلك، كما قال رَى: ﴿إِن تَّجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] الآية.
١٠ - (ومنها): أن فيه إشفاق التلميذ على شيخه إذا رآه منزعجاً، وتمنّي
عدم غضبه؛ لما يترتّب على الغضب من تغيّر مزاجه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الکتاب قال:
[٢٦٧] (٨٨) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَذَّثَنَا خَالِدٌ، وَهُوَ
ابْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَن النَّبِيِّ ◌َيّـ
فِي الْكَبَائِرِ قَالَ: ((الشِّرْلُكُ بِاللهِ، وَحُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَوْلُ الزُّورِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقة [١٠] (ت٢٤٨) (م٤) تقدم
فى ((الإيمان)) ١٦٥/١٤.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج المذكور في الباب الماضي.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) بن أنس بن مالك، أبو معاذ البصريّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن جدّه، وقيل: عن أبيه، عن جده.
ورَوَى عنه أخوه بَكْر بن أبي بكر بن أنس، والحمادان، وشدّاد بن سعيد،
وشعبة، وعتبة بن حميد الضَّيّ، ومُبارك بن فَضَالة، وهشيم، ومحمد بن عبد العزيز
الراسبيّ على خلاف فيه، ومُرَجَّى بن رَجَاء، وعليّ بن عاصم، وآخرون.
قال أحمد، وابنُ معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم:
صالح، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا،
وأعاده بعده، وحديث (٢١٥٧): ((أن رجلاً اطلع من بعض حُجر

٣١
(٤٠) - بَابُ ذِكْرِ الْكَبَائِرِ، وَبَيَانِ أَكْبَرِهَا - حديث رقم (٢٦٧)
النبيّ وَلا ... ))، و(٢١٦٣): ((إذا سلّم عليكم أهل الكتاب ... ))، و(٢٦٣١):
((من عال جاريتين ... ))، و(٢٦٤٦): ((إن الله رَ قد وكّل بالرحم ملكاً ... )).
٥ - (أَنَس) بن مالك الصحابيّ الشهير بظلاله تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢،
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين، كالسند الآتي، وكذا ما قبله،
قال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما الإسنادان اللذان ذكرهما - يعني: هذا، وما
بعده ـ فهما بصريون كلَّهُم من أولهما إلى آخرهما، إلا أن شعبة واسطيّ
بصريّ، فلا يقدح هذا في كونهما بصريين، وهذا من الطرف المستحسنة، وقد
تقدّم في الباب الذي قبل هذا نظيرهما في الكوفيين. انتهى(١).
٣ - (ومنها): أنه قد قدّمنا فائدة قوله: ((وهو ابن الحارث))، ولم يقل: ((خالد بن
الحارث))، وهو أنه إنما سَمِعَ في الرواية ((خالداً))، ولخالد مشاركون في اسمه،
فأراد أن يُمَيِّزه لمن يحدّثهم، ولا يجوز له أن يقول: حدثنا خالد بن الحارث؛ لأنه
يصير كاذباً على شيخه، حيث لم يَقُل له ذلك، وإنما قال: حدّثنا خالدٌ، فَعَدَل إلى
زيادة قوله: ((وهو ابن الحارث))؛ لتحصل الفائدة بالتميز، والسلامة من الكذب.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه، وهو عبيد الله بن أبي بكر
عن جدّه أنس بن مالك
٥ - (ومنها): أن أنساً ظُله أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً،
وهو المشهور بخدمة النبيّ وَلّر، خدمه عشر سنين، وهو آخر من مات بالبصرة من
الصحابة ◌ّه، ومن المعمّرين منهم، مات سنة (٢) أو (٩٣)، وقد جاوز المائة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما شرح الحديث فسيأتي في الذي بعده،
وإنما أخرته إليه؛ لكونه أتمّ من هذا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((شرح مسلم)) ٨٣/٢.

٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٦٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ
مَالِكِ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِوَهِ الْكَبَائِرَ، أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ، فَقَالَ: ((الشِّرْدُ
بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ))، وَقَالَ: ((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟))، قَالَ:
(قَوْلُ الزُّورِ))، أَوْ قَالَ: ((شَهَادَةُ الزُّورِ))، قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ شَهَادَةُ الزُّورِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة أيضاً:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ) القرشيّ الْبُسريّ - بضمّ الموحّدة،
وسكون المهملة - من ولد بُسْر بن أرطاة العامريّ، يُلَقّب حَمْدان، البصريّ،
قَدِمَ بغداد، يُكنى أبا عبد الله، ثقة [١٠].
رَوَى عن مروان بن معاوية، وغندر، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعبد
الوهاب الثقفي، وابن مهدي، والقطان، ووكيع، وأبي زُكَير المدني، وغيرهم.
ورَوى عنه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي عاصم،
وزكرياء الساجيّ، وابن خزيمة، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: سَمِع منه أبي بالبصرة في الرحلة الثالثة، وسئل عنه،
فقال: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قيل: إنه مات بعد سنة خمسين ومائتين، وله في هذا الكتاب (١١) حديثاً(١).
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أبو عبد الله البصريّ، المعروف بغُنْدر، ثقةٌ،
صحيح الكتاب [٩] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢، والباقون تقدّموا
في السند الماضي، وكذا لطائف الإسناد، والله تعالى أعلم.
(١) وكذا له عند ابن ماجه (١١) حديثاً، وعند البخاريّ أربعة أحاديث، وهذا هو الذي
سُجّل في برنامج الحديث (صخر)، ونقل في ((تهذيب التهذيب)) عن ((الزهرة)) أن
البخاريّ روى عنه سبعة أحاديث، ومسلماً خمسة أحاديث، والظاهر أن ما في
البرنامج أقرب إلى الصواب، فتأمله، والله تعالى أعلم.

٣٣
(٤٠) - بَابُ ذِكْرِ الْكَبَائِرِ، وَبَيَانِ أَكْبَرِهَا - حديث رقم (٢٦٨)
شرح الحديث :
عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ) وَظُلُهُ (قَالَ:
ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ الْكَبَائِرَ، أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ)، كذا وقع في هذه الرواية عند
المصنّف بالشكّ، ووقع عند أبي عوانه في ((مسنده)) من طريق أبي داود، عن
شعبة بلفظ: ((سُئل النبيّ وَّ عن الكبائر، فقال ... )) بدون شكّ.
ووقع عند البخاريّ كرواية المصنّف بالشكّ، فقد رواه في (كتاب الأدب))
عن شيخ المصنّف، بسنده، ولفظه، فقال في ((الفتح)): كذا في هذه الرواية
بالشكّ، وجزم في الرواية التي في ((كتاب الشهادات)) بالثاني، قال: ((سئل ...
إلخ))، ووقع في ((كتاب الديات)) عن عَمْرو، وهو ابن مرزوق، عن شعبة، عن
ابن أبي بكر، سمع أنساً، عن النبيّ وَ ل﴿ قال: ((أكبر الكبائر الإشراك بالله ... ))
الحديث، وكذا رَوَيناه في ((كتاب الإيمان)) لابن منده، وفي ((كتاب القضاة))
للنقاش، من طريق أبي عامر الْعَقَديّ، عن شعبة، وقد عَلَّق البخاريّ في
((الشهادات))، طريق أبي عامر، ولم يسق لفظه، وهذا موافق لحديث أبي
بكرة به في أن المذكورات من أكبر الكبائر، لا من الكبائر المطلقة. انتهى(١).
(فَقَالَ) وَِّ ((الشِّرْكُ بِاللهِ)، تقدّم الكلام عليه، (وَقَتْلُ النَّفْسِ) التي حرّم الله
قتلها إلا بالحقّ، (وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ))) تقدّم الكلامِ عليه.
(وَقَالَ) وللبخاريّ: ((فقال))، بالفاء ((أَلَا أَنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟))، قَالَ:
((قَوْلُ الزُّورِ) قال في ((الفتح)): هذا ظاهره أنه خصّ أكبر الكبائر بقول الزور،
ولكن الرواية التي أشرت إليها قبلُ قد تؤذن بأن الأربع المذكورات مشتركات
في ذلك. انتهى.
أَوْ قَالَ: ((شَهَادَةُ الزُّورِ))، قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْبَرُ) بالباء الموحدة، (ظَنِّي أَنَّهُ
شَهَادَةُ الزُّورِ) كذا في هذه الرواية شكّ شعبة، ووقع في رواية خالد بن
الحارث، عن شعبة التي قبلها: ((وقول الزور))، ولم يشك، وكذا وقع الجزم
بذلك في رواية وهب بن جرير، وعبد الملك بن إبراهيم عند البخاريّ في
((كتاب الشهادات))، قال قتيبة: ((وشهادة الزور))، ولم يشكّ.
(١) ((الفتح)) ٤٢٦/١٠ ((كتاب الأدب)) رقم الحديث (٥٩٧٧).

٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قوله وهو: ((ألا أنبئكم بأكبر
الكبائر؟، قول الزور، أو شهادة الزور))، فليس على ظاهره المتبادر إلى الأفهام
منه؛ وذلك لأن الشرك أكبر منه بلا شكّ، وكذا القتل، فلا بُدّ من تأويله، وفي
تأويله ثلاثة أوجه:
[أحدها]: أنه محمول على الكفر، فإن الكافر شاهد بالزور، وعامل به . .
[والثاني]: أنه محمول على المستحلّ، فيصير بذلك كافراً.
[والثالث]: أن المراد: من أكبر الكبائر، كما قدمناه في نظائره، وهذا
الثالث هو الظاهر، أو الصواب، فأما حمله على الكفر فضعيف؛ لأن هذا
خرج مخرج الزجر عن شهادة الزور في الحقوق، وأما قبح الكفر، وكونه أكبر
الكبائر فكان معروفاً عندهم، ولا يتشكك أحد من أهل القبلة في ذلك، فحمله
عليه يُخرجه عن الفائدة.
ثم الظاهر الذي يقتضيه عموم الحديث، وإطلاقه، والقواعد أنه لا فرق
في كون شهادة الزور بالحقوق كبيرةً، بين أن تكون بحق عظيم أو حقير، وقد
يحتمل على بُعْد أن يقال فيه الاحتمال الذي قَدَّمته عن الشيخ أبي محمد بن
عبد السلام في أكل تمرة من مال اليتيم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ظته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في ((الإيمان)) [٢٦٧/٤٠ و٢٦٨] (٨٨)، و(البخاريّ)
في ((الشهادات)) (٢٦٥٣)، و((الأدب)) (٥٩٧٧)، و((الديات)) (٦٨٧١)،
و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٢٠٧)، و((التفسير)) (٣٠١٨)، و(النسائيّ) في
((القسامة)) (٤٨٦٨)، و((الكبرى)) (٣٤٧٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٥/٣،
(وأبو عوانة) في ((مسنده)) (١٤٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٦١)، وفوائد
الحديث تقدّمت في حديث أبي بكرة نظرته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٣٥
(٤٠) - بَابُ ذِكْرِ الْكَبَائِرِ، وَبَيَانِ أَكْبَرِهَا - حديث رقم (٢٦٩)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٦٩] (٨٩) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ:
((الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيم،
وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّيِ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) - بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة - السعديّ
مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (٢٥٣) (م د س ق) تقدم في
«الإیمان)) ٢٢٥/٢٩.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد
المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب
المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٠.
٤ - (ثَوْرُ(١) بْنُ زَيْدٍ) الدِّيليّ - بكسر الدال المهملة، بعدها تحتانيّة -
المدنيّ، ثقة [٦].
رَوَى عن سالم أبي الغيث، وأبي الزناد، وسعيد المقبريّ، وعكرمة،
والحسن البصريّ، وغيرهم، وأرسل علن ابن عباس(٢).
ورَوَى عنه مالك، وسليمان بن بلال، وابن عجلان، وعبد الله بن
سعيد بن أبي هند، والدَّرَاوَرْديّ، وجماعة.
(١) باسم الحيوان المعروف. اهـ. ((ت)) ص٥٢.
(٢) قال الحافظ: قوله: أرسل عن ابن عباس يخالفه قولُ ابن الحذّاء، حيث ذكره في
((رجال الموطأ))، فذكر عن ابن الْبَرْقيّ أن مالك ترك ذكر عكرمة بين ابن عباس
وثور. انتهى. ((تهذيب التهذيب)) ٢٧٦/١.

٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال أحمد، وأبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن معين، وأبو زرعة،
والنسائيّ: ثقة، وقال ابن عبد البرّ: هو صدوق، ولم يتهمه أحد بكذب، وكان
يُنسَب إلى رأي الخوارج، والقول بالقدر، ولم يكن يدعو إلى شيء من ذلك،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الآجريّ: سئل أبو داود عنه، فقال: هو
نحو شريك - يعني: ابن أبي نَمِر -، قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي في
((الميزان)): اتّهمه ابن الْبَرقيّ بالقدر، ولعله شُبِّهَ عليه بثور بن یزید. انتهى.
قال الحافظ: والْبَرْقيّ لم يتهمه، بل حَكَى في الطبقات أن مالكاً سئل:
كيف رَوَيت عن داود بن الحصين، وثور بن زيد، وذكر غيرهما، وكانوا يُرْمَون
بالقدر؟ فقال: كانوا لأن يَخِرُّوا من السماء إلى الأرض أسهل عليهم من أن
يكذبوا كَذْبةً، وقد ذكر المزيّ أن مالكاً روى أيضاً عن ثور بن يزيد الشاميّ،
فلعله سئل عنه، وذكره ابن المديني في الطبقة التاسعة من الرواة عن نافع.
قال ابن عبد البر في ((التمهيد)): مات سنة (١٣٥)، لا يختلفون في ذلك.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث: هذا الحديث،
وحديث (١١٥): ((إن الشملة لتلتهب عليه ناراً ... ))، و(٢٥٤٦): ((لو كان
الإيمان عند الثريّا ... ))، و(٢٨٦٣): ((إن العرق يوم القيامة ليذهب ... ))،
و(٢٩٠٩): ((ذو السويقتين من الحبشة يخرّب بيت الله ... ))، و(٢٩١٠): ((لا
تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان ... ))، و(٢٩٢٠): ((سمعتم بمدينة
جانب منها في البرّ ... ))، و(٢٩٨٢): ((الساعي على الأرملة والمسكين
كالمجاهد ... ))، و(٢٩٨٣): «كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين ... )).
٥ - (أَبُو الْغَيْثِ) هو: سالم مولى ابن مطيع المدنيّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وعنه ثور بن زيد الدِّيليّ، وسعيد المقبريّ،
وإسحاق بن سالم، وصفوان بن سُليم، وعُمر بن عطاء، وعثمان بن عمر بن
موسى التيميّ، ويزيد بن خُصَيفة.
قال أحمد: لا أعلم أحداً رَوَى عنه إلا ثورٌ، وأحاديثه متقاربة، وقال
الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقةٌ يُكتَب حديثه، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال ابن سعد: كان ثقةً، حسن الحديث، وذكر ابن شاهين أن كلام أحمد بن
حنبل اختَلَف فيه.

٣٧
(٤٠) - بَابُ ذِكْرِ الْكَبَائِرِ، وَبَيَانِ أَكْبَرِهَا - حديث رقم (٢٦٩)
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب الأحاديث التسعة التي تقدّمت في
ترجمة ثور بن زید.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) بَ لَّه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث،
والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
البخاريّ، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فأيليّ، ثم مصريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ظله رأس المكثرين السبعة، روى
(٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((اجْتَنِبُوا) أي ابتعدوا،
وهو أبلغ من اترُكوا (السَّبْعَ)، قال العلماء رحمهم الله تعالى: ولا انحصار
للكبائر في عدد مذكور، وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سُئل عن
الكبائر: أسبع هي؟ فقال: هي إلى سبعين - ويُروَى إلى سبعمائة - أقرب.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قوله وَلّ: الكبائرُ سبعٌ، فالمراد به من
الكبائر سبعٌ، فإن هذه الصيغة وإن كانت للعموم، فهي مخصوصة بلا شكّ،
وإنما وقع الاقتصار على هذه السبع، وفي الرواية الأخرى: ثلاثٌ، وفي
الأخرى: أربعٌ، لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها، لا سيما فيما كانت
عليه الجاهلية، ولم يَذكُر في بعضها ما ذَكَر في الأخرى، وهذا مُصَرِّح بما
ذكرته من أن المراد البعض، وقد جاء بعد هذا من الكبائر شتمُ الرجل والديه،
وجاء في النميمة، وعدم الاستبراء من البول أنهما من الكبائر، وجاء في غير
مسلم: من الكبائر اليمين الغَمُوس، واستحلال بيت الله الحرام. انتهى(١).
(١) ((شرح مسلم)) ٨٤/٢.

٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(الْمُوبِقَاتٍ))) بموحّدة، فقاف: أي المهلكات، جمع موبقة، من أوبقه:
إذا أهلكه، قال في ((القاموس)): وَبَقَ كَوَعَدَ، وَوَجِلَ، وَوَرِثَ، وُبُوقاً، وَمَوْبِقاً:
هَلَكَ، كَاسْتَوْبَقَ، وكمَجْلِسٍ: الْمَهْلِكُ، والمَوْعِدُ، والْمَحْبِس، ووَادٍ في جَهِنَّمَ،
وكلُّ شيءٍ حال بين شيئين، وأوبقه: حبَسَهُ، وأهلكه. انتهى.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ((الموبقات)): الْمُهلكات، جمع موبقة،
من أوبق، ووابقه: اسم فاعل من وَبَقَ يَبِقُ وُبُوقاً: إذا هَلَكَ، والْمَوْبِقُ مَفْعِلٌ
منه، كالموعد، مَفْعِلٌ من الوعد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم ◌َّوْيِقًا﴾
[الكهف: ٥٢]، وفيه لغة ثانيةٌ: وَبِقَ بكسر الباء يَوْبَقُ بالفتحِ وَبَقاً، وفيه لغة ثالثةٌ:
وَبِقَ يَبِقُ بالكسر فيهما، وأوبقه: أهلكه، وسُمّيت هذه الكبائر مُوبقات؛ لأنها
تُهلك فاعلها في الدنيا بما يترتّب عليها من العقوبات، وفي الآخرة من
العذاب، ولا شكّ في أن الكبائر أكثر من هذه السبع بدليل الأحاديث المذكورة
في هذا الباب، وفي غيره، ولذلك قال ابن عبّاس ◌ًِّا حين سُئل عن الكبائر،
فقال: ((هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع))، وفي رواية عنه: ((هي إلى
سبعمائة أقرب منها إلى سبع))، وعلى هذا، فاقتصاره بَير على هذه السبع في
هذا الحديث يَحْتَمِل أن يكون لأنها هي التي أُعلم بها في ذلك الوقت بالوحي،
ثم بعد ذلك أُعلم بغيرها، ويحتمل أن يكون ذلك لأن تلك السبع هي التي
دعت الحاجة إليها في ذلك الوقت، أو التي سُئل عنها في ذلك الوقت،
وكذلك القول في كلّ حديث خَصَّ عدداً من الكبائر، والله تعالى أعلم. انتهى
كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(١).
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟) أي السبع المهلكات؟ (قَالَ) وَ («الشِّرْلُ
بِاللهِ) خبر لمحذوف دلّ عليه السؤال: أي هي: الشرك بالله تعالى، ويجوز نصبه
بدلاً من ((السبع))، أو على أنه مفعول لفعل مقدّر: أي أعني، ونحوه، وهكذا
إعراب ما بعده.
وكون الشرك من الكبائر، بل هو أكبرها على الإطلاق، صريح النصّ
القرآنيّ، حيث قال رَالَ: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبُنَّ لَا تُشْرِكَ بِاللَّهِ إِنَ
(١) ((المفهم)) ٢٨٣/١.

٣٩
(٤٠) - بَابُ ذِكْرِ الْكَبَائِرِ، وَبَيَانِ أَكْبَرِهَا - حديث رقم (٢٦٩)
الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣]، وتقدّم حديث ابن مسعود نظُه المتّفق
عليه، قال: قلت: يا رسول الله أيّ الذنب أعظم؟، قال: ((أن تجعل الله ندّاً
وهو خلقك ... )) الحديث، وفيه: وأنزل الله تصديق قول النبيّ وَله: ﴿وَالَّذِينَ لَا
يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨].
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قبح الكفر، وكونه من أكبر الكبائر،
فكان معروفاً عندهم، ولا يتشكّك في ذلك أحدٌ من أهل القبلة. انتهى(١).
(وَالسِّحْرُ) - بكسر السين، وسكون الحاء المهملتين -، قال ابن فارس:
هو إخراج الباطل في صورة الحقّ، ويقال: هو الخديعة، وسَحَرَهُ بكلامه:
استماله بِرِقَّته، وحسن تركيبه، قال الإمام فخر الدين في ((التفسير)): ولفظ
(السحر)) في عرف الشرع: مختص بكلِّ أمر يَخْفَى سببه، ويُتَخَيَّلُ على غير
حقيقته، ويَجْرِي مَجْرَى التمويه والخِدَاعِ، قال تعالى: ﴿يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أََّ
تَتْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وإذا أُطلِقِ ذُمَّ فاعلُهُ، وقد يُسْتَعمَلُ مُقَيَّداً فيما يُمْدَح ويُحْمَد،
نحو قوله عليه الصلاة والسلام: ((إن من البيان لَسِحْراً)): أي إن بعض البيان
سِحْرٌ؛ لأن صاحبه يُوَضِّح الشيء المشكل، ويَكْشِف عن حقيقته بحسن بيانه،
فَيَسْتَمِيل القلوب، كما تُسْتَمالُ بالسحر، وقال بعضهم: لَمّا كان في البيان من
إبداع التركيب، وغرابة التأليف ما يَجْذِب السامعَ، ويُخرِجِه إلى حَدٍّ يكاد يَشْغَله
عن غيره شُبِّه بالسحر الحقيقيّ، وقيل: هو السحر الحلال، ذكره الفيّوميّ(٢) .
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما عدّه وَّ السحر من الكبائر، فهو
دليلٌ لمذهبنا الصحيح المشهور، ومذهب الجماهير، أن السحر حرامٌ، من
الكبائر فعلُه وتعلُّمُهُ وتعليمه، وقال بعض أصحابنا: إنّ تعلمه ليس بحرام، بل
يجوز؛ لِيُعْرَفَ، ويُرَدَّ على صاحبه، ويُمَيَّز عن الكرامة للأولياء، وهذا القائل
يمكنه أن يَحْمِل الحديث على فعل السحر، والله تعالى أعلم. انتهى كلام
النوويّ(٣).
(وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّ بِالْحَقِّ) أي كأن تَقتُل بريئاً عمداً، فيُقتَصَّ
(١) ((شرح مسلم)) ٨٨/٢.
(٣) ((شرح مسلم)) ٨٨/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٦٧/١ - ٢٦٨.

٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
منها، أو تزَني مُحصَنَةً، فَتُرْجَمَ، (وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيم) بفتح الياء التحتانيّة، وكسر
التاء الفوقانيّة، يقال: يَتُمَ يَيْتُمُ، من بابِي تَعِبَ وقَرَّبَ، يُتْماً بضم الياء وفتحها،
لكن الْيُتْم في الناس من قِبَل الأب، فيقال: صغير يَتِيمٌ، والجمعُ أَيْتَامٌ،
ويَتَامى، وصَغيرة يتيمةٌ، وجمعها يَتَامَى، وفي غير الناس من قِبَل الأمّ، وأيتمت
المرأة إيتاماً، فهي موتِمٌ: صار أولادها يَتَامَى، فإن مات الأبوان فالصغير
لَظِيمٌ، وإن ماتت أمه فقط، فهو عَجِيٍّ، قاله الفيّوميّ(١).
والمراد إتلاف ماله، وإنما خصّ الأكل؛ لكونه أعظم المقصود من
المال، قال الله وَك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَى خُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُونَ فِ
بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: ١٠].
(وَأَكْلُ الرِّبًا) المراد كسب الربا، وإنما خصّ الأكل؛ لأنه معظم ما
يكتسب له، ويشمل ربا الفضل وربا النسيئة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِنَّ﴾ الآية
[البقرة: ٢٧٥].
(وَالتَّوَّلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ) أي الفرار من الجهاد، ولقاء العدوّ في الحرب،
و((الزَّحْفُ)): الجيش يَزْحَفُون إلى العدوّ: أي يمشون، يقال: زَحَفَ إليه يَزْحَفُ
زَحْفاً، من باب مَنَعَ: إذا مشى نحوه، أفاده ابن الأثير في ((النهاية)»(٢).
وقال أبو العباس القرطبيّ رحمه الله تعالى: و((الزَّحْفُ)): القتال، وأصله:
المشي المتثاقل، كالصبيّ يَزْحَفُ قبل أن يمشي، والبعير إذا أعيى، فَجَرَّ
فِرْسَنَهُ(٣)، وقد سُمّي الجيش بالزحف؛ لأنه يُزْحَف فيه، والتولّي عن القتال إنما
يكون كبيرةً إذا فرّ إلى غير فئة، وإذا كان العدوّ ضعفي المسلمين على ما يأتي
في ((الجهاد)) - إن شاء الله تعالى -. انتهى(٤).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما عدّه وَّرَ التَّوَلِّي يوم الزحف من
الكبائر، فدليل صريح لمذهب العلماء كافّة في كونه كبيرةً، إلا ما حُكِيَ عن
الحسن البصريّ رحمه الله تعالى أنه قال: ليس هو من الكبائر، قال: والآية
(١) ((المصباح المنير)) ٦٧٩/٢.
(٣) أي طرف خفّه.
(٢) ((النهاية)) ٤٤٨/٢.
(٤) ((المفهم)) ٢٨٤/١.