Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١
(٣٥) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ حُبَّ الأَنْصَارِ وَعَلِيٍّ ◌ُه ... إلخ - حديث رقم (٢٤٢)
ووقع في ((إعراب الحديث)) لأبي البقاء الْعُكْبَريّ: ((إنه الإيمان)) - بهمزة
مكسورة، ونون مشددة، وهاء - و((الإيمان)) مرفوع، وأعربه، فقال: ((إن))
للتأكيد، والهاء ضمير الشأن، و((الإيمان)): مبتدأ، وما بعده خبر، ويكون
التقدير: إن الشأن الإيمانُ حُبُّ الأنصار.
وهذا تصحيف منه، ثم فيه نظر من جهة المعنى؛ لأنه يقتضي حصر
الإيمان في حب الأنصار، وليس كذلك.
[فإن قيل]: واللفظ المشهور أيضا يقتضي الحصر، وكذا رواية البراء.
رضىعنه
الآتية هنا، وقد أوردها البخاريّ في ((فضائل الأنصار)) قال في الأنصار: ((لا
یحبهم إلا مؤمن، ولا يُبغضهم إلا منافق)).
[فالجواب]: عن الأول: أن العلامة كالخاصّة تَطَّرِد ولا تنعكس، فإن
أُخذ من طريق المفهوم، فهو مفهومُ لَقَب لا عبرة به.
سلمنا الحصر، لكنه ليس حقيقياً، بل ادعائياً؛ للمبالغة، أو هو حقيقي،
لكنه خاص بمن أبغضهم من حيث النصرة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الجواب يأتي فيما قاله أبو البقاء
أيضاً، فله أن يُجيب بهذا، والصواب الردّ عليه بعدم ثبوت الرواية بما قاله،
وإلا فالجواب له ظاهر، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم.
[والجواب]: عن الثاني: أن غايته أن لا يقع حب الأنصار إلا لمؤمن،
وليس فيه نفي الإيمان عمن لم يقع منه ذلك، بل فيه أن غير المؤمن لا يحبهم.
[فإن قيل]: فعلى الشق الأوّل، هل يكون من أبغضهم منافقاً وإن صَدّق
وأقرّ؟. [فالجواب]: أن ظاهر اللفظ يقتضيه، لكنه غير مراد، فيحمل على تقييد
البغض بالجهة، فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة، وهي كونهم نَصَروا
رسول الله وَلّ، أَثّر ذلك في تصديقه، فيصح أنه منافق، ويُقَرِّب هذا الحمل
زيادةُ أبي نعيم في ((المستخرج)) في حديث البراء بن عازب: ((من أحب الأنصار
فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم))، ويأتي مثل هذا في
الحبّ كما سبق.
وسيأتي حديث أبي سعيد الخدريّ رُه، رفعه: ((لا يبغض الأنصار رجل يؤمن
بالله واليوم الآخر))، ولأحمد من حديثه: ((حب الأنصار إيمان، وبغضهم نفاق)).
٥٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ويحتمل أن يقال: إن اللفظ خرج على معنى التحذير، فلا يراد ظاهره،
ومن ثَمَّ لم يقابل الإيمان بالكفر الذي هو ضده، بل قابله بالنفاق؛ إشارة إلى
أن الترغيب والترهيب، إنما خوطب به من يظهر الإيمان، أما من يظهر الكفر
فلا؛ لأنه مرتكب ما هو أشد من ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((كتاب الإيمان)) [٢٤٢/٣٥ و٢٤٣] (٧٤)،
و(البخاريّ) في ((كتاب الإيمان)) (١٧) و((كتاب المناقب)) (٣٧٨٤)، و(النسائيّ)
في ((كتاب الإيمان)) (٥٠٢١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٩٠٧ و١١٩٦١
و١٣١٩٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٣٣ و٢٣٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان علامة الإيمان، وهو أن الشخص إذا أحب الأنصار دلّ
على أنه مؤمنٌ، كما نصّ عليه النبيّ بَّ، والعكس بالعكس.
٢ - (ومنها): بيان أن حبّ الأنصار، بل وحبّ الصحابة ﴿ّ جميعاً
عنوانٌ لحبّ رسول الله وَّه، وأن بغضهم عنوان لبغضه وَّ؛ لقوله وَّل: ((فبحبي
أحبهم، وببغضي أبغضهم)).
٣ - (ومنها): بيان أن حبّ الأنصار عنوان لمحبّة الله تعالى لمن أحبهم،
وبغضه لمن أبغضهم؛ لقوله {وَ﴿ الآتي: ((مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ
أَبْغَضَهُ اللهُ)) .
٤ - (ومنها): بيان مناقب الأنصار ظ﴿ه، حيث جعل الله تُقَالَ حبهم شعبة
من شعب الإيمان؛ لمبادرتهم بالاستجابة لدينه تعالى، ونصرهم رسوله ول
وإیوائهم له وللمهاجرين في دينهم.
قال في ((الفتح)): وإنما خُصَّ الأنصار بهذه المنقبة العظمى؛ لما فازوا به
دون غيرهم من القبائل، من إيواء النبي ونَ ﴿ ومن معه، والقيام بأمرهم،
٥٢٣
(٣٥) - بَابُ الدَِّيلِ عَلَى أَنَّ حُبَّ الأَنَّصَارِ وَعَلِيٍّ ◌ُه ... إلخ - حديث رقم (٢٤٢)
ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على
أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجباً لمعاداتهم جميع الفِرَق الموجودين من
عرب وعجم، والعداوة تَجُرُّ الْبُغْضَ، ثم كان ما اختصوا به مما ذُكِر موجباً
للحسد، والحسد يجر البغض، فلهذا جاء التحذير من بغضهم والترغيب في
حبهم، حتى جُعل ذلك آية الإيمان والنفاق؛ تنويهاً بعظيم فضلهم، وتنبيهاً على
كريم فعلهم، وإن كان مَن شاركهم في معنى ذلك مشاركاً لهم في الفضل
المذكور، كُلّ بقسطه، وقد ثبت في ((صحيح مسلم)) - يعني الحديث الآتي آخر
الباب - عن علي رضيالله أن النبي وَل قال له: ((لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك
إلا منافق))، وهذا جار باطراد في أعيان الصحابة ظه؛ لتحقق مُشْتَرَكِ الإكرام
في جميعهم؛ لما لهم من حسن الغَنَاء في الدين. انتهى (١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى - بعد ذكره مزايا الأنصار، وقد قدّمناه ـ ما
نصّه: وهذا المعنى جار في أعيان الصحابة ﴿، كالخلفاء الراشدين،
والعشرة، والمهاجرين، بل وفي كلّ الصحابة ◌ِؤُه؛ إذ كلُّ واحد منهم له
شاهد، وغَنَاءٌ في الدين، وأَثَرٌ حسنٌ فيه، فحُبُّهم لذلك المعنى محض الإيمان،
ويُغضهم له محضُ النفاق، وقد دلّ على صحّة ما ذكرناه قوله {َّه فيما أخرجه
البزّار (٢) في أصحابه كلّهم: ((فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فيبغضي
(١) ((فتح)) ٩٠/١ - ٩١.
(٢) بل أخرجه الترمذيّ رحمه الله تعالى، فكان الأولى عزوه إليه، ولفظه:
حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا عَبِيدة بن أبي
رائطة، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن مُغَفَّل، قال: قال رسول الله وَّه:
((اللّهَ اللهَ في أصحابي، لا تتخذوهم غَرَضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن
أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن
آذى الله يوشك أن يأخذه)).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
هكذا قال، ولكن فيه عبد الرحمن بن زياد مجهول، لم يرو عنه إلا عبيدة بن أبي
رائطة، لكن الحديث له شواهد، كأحاديث الباب، وكحديث أبي هريرة ظه الآتي
للمصنّف في ((فضائل الصحابة)) قال: قال رسول الله وَالى: ((لا تسبوا أصحابي، =
٥٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أبغضهم))، لكنهم لَمّا كانوا في سَوَابقهم، ومراتبهم متفاوتين، فمنهم المتمكّن
الأمكن، والتالي والمقدّم، خَصّ الأمكن منهم بالذكر في هذا الحديث، وإن
كان كلٌّ منهم له في السوابق أشرف حديثٍ، وهذا كما قال العليّ الأعلى ◌ُعَالَ:
﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُمْ مَنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَلّ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَّ﴾
[الحديد: ١٠]. ثم قال:
[تنبيه]: من أبغض من ذكرنا من الصحابة ه من غير تلك الجهات التي
ذكرناها، بل لأمر طارئ وحَدَثٍ واقع، من مخالفة غرض أو ضرر حصل، أو
نحو ذلك لم يكن كافراً ولا منافقاً بسبب ذلك؛ لأنهم - رضي الله تعالى عن
جميعهم - قد وقعت بينهم مخالفات عظيمة، وحروب هائلة، ومع ذلك لم يُكفّر
بعضهم بعضاً، ولا حكم عليه بالنفاق لما جرى بينهم من ذلك، وإنما كان
حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام، فإما أن يكون كلهم مصيباً فيما
ظهر له، أو المصيب واحد، والمخطئ معذورٌ، بل مخاطب بالعمل على ما
يراه ويظنّه مأجورٌ، فمن وقع له بغضٌ في واحد منهم لشيء من ذلك، فهو
عاصٍ يجب عليه التوبة من ذلك، ومجاهدة نفسه في زوال ما وقع له من ذلك،
بأن يذكر فضائلهم، وسوابقهم، وما لهم على كلّ من بعدهم من الحقوق الدينيّة
والدنيويّة؛ إذ لم يصل إلى أحد ممن بعدهم شيء من الدنيا ولا الدين إلا بهم
وبسببهم وأدبهم وصلت إلينا كلّ النعم، واندفعت عنا كلّ الجهالات والنقم،
ومن حصلت به مصالح الدنيا والآخرة، فبغضه كفران النعم، وصفقة خاسرة.
انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيس، والله
تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: هذا المعنى
يرجع إلى ما تقدّم من أن من أحبّ المرء لا يحبّه إلا لله من علامات الإيمان،
وأن الحبّ في الله من أوثق عُرى الإيمان، وأنه أفضل الإيمان، فالأنصار
فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهباً، ما أدرك مُدَّ أحدهم، ولا
=
نَصِيفه))، وغيره من الأحاديث الكثيرة، فتحسين الترمذي رحمه الله تعالى يكون من
هذا الباب، والله تعالى أعلم.
٥٢٥
(٣٥) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ حُبَّ الأَنْصَارِ وَعَلِيٍّ ◌ُه ... إلخ - حديث رقم (٢٤٣)
نصروا الله تعالى ورسوله وقَ، فمحبّتهم من تمام محبّة الله تعالى ورسوله
قال: فمحبّة أولياء الله تعالى وأحبابه عموماً من الإيمان، وهي من أعلى
مراتبه، وبغضهم محرّم، فهو من خصال النفاق؛ لأنه مما لا يُتَظاهر به غالباً،
ومن تظاهر به فقد تظاهر بنفاقه، فهو شرّ ممن كتمه وأخفاه، ومن كان له مزيّة
في الدين لصحبته النبيّ وَلّ، أو لقرابته، أو نصرته، فله مزيد خصوصيّة في
محبّته وبغضه، ومن كان من أهل السوابق في الإسلام كالمهاجرين الأولين،
فهو أعظم حقّاً مثل عليّ ظُه، وقد رُوي أن المنافقين إنما كانوا يُعرفون ببغض
عليّ رَّه ومن هو أفضل من عليّ، كأبي بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما،
فهو أولى بذلك، ولذلك قيل: إن حبهما من فرائض الدين، وقيل: إنه يرجى
على حبّهما ما يُرجى على التوحيد من الأجر. انتهى كلام الحافظ ابن رجب
رحمه الله تعالى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الکتاب قال:
[٢٤٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ
الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِِّ أَنَّهُ
قَالَ: ((حُبُّ الْأَنْصَارِ آيَةُ الْإِيمَانِ، وَبُغْضُهُمْ آيَةُ النِّفَاقِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) (م ٤) تقدم
في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سليمان، ويُقال: ابن الحارث بن
سُليم بن عُبيد بن سُفيان الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبتٌ [٨].
رَوَى عن حميد الطويل، وأيوب، وابن عون، وهشام بن عروة،
وعبيد الله بن عمر، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة، والثوري، وعبد
(١) ((فتح الباري شرح صحيح البخاري)) للحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى ٦٤/١ - ٦٦.
٥٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الملك بن أبي سليمان، وابن جريج، وهشام بن حسان، وهشام الدستوائي،
وجماعة.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق بن راهويه، وعلي ابن المديني، ومسدد،
وعارم، والفلاس، وعبد الله بن عبد الوهاب الْحَجَبيّ، وعبيد الله بن معاذ،
ويحيى بن حبيب بن عربي، ونصر بن علي الْجَهْضَميّ، والحسن بن عرفة وهو
آخر أصحابه، وغيرهم، وحَدَّثَ عنه شعبة، وهو من شيوخه.
قال ابن عَمّار عن القطان: ما رأيت خيراً من سفيان وخالد بن
الحارث، وقال الأثرم عن أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال
الْمَرُّوذيُّ عن أحمد: كان خالد بن الحارث يجيء بالحديث كما يَسْمَع، وقال
أبو زرعة: كان يقال له خالدُ الصدقِ، وقال ابن سعد: ثقة. وقال أبو حاتم:
إمام ثقة، وقال النسائي: ثقة ثبت، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان
من عُقلاء الناس ودُهاتهم، وقال معاوية بن صالح: قلت ليحيى بن معين: من
أثبت شيوخ البصريين؟ قال: خالد بن الحارث، مع جماعة سماهم، وقال
الترمذي: ثقة مأمون، سمعت ابن مثنى يقول: ما رأيت بالبصرة مثله، وقال
ابن شاهين في ((الثقات)): قال فيه حماد بن زيد: ذاك الصدوق، وقال
الآجري: سألت أبا داود عن خالد ومعاذ، فقال: معاذ صاحب حديث،
وخالد كثير الشكوك، وذكر من فضله، وقال الدارقطني: رَوَى عنه حسان بن
إبراهيم الكرماني، وهو أكبر من خالد، وأقدم وفاةً، وقال في موضع آخر:
أحد الأثبات.
وقال عمرو بن عليّ: وُلد سنة عشرين ومائة، وقال هو وابن سعد: مات
سنة (١٨٦)، وقال ابن حبّان: وُلد سنة (١١٩).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٧) حديثاً .
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله تقدّمت
هناك.
وقوله: (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ) قد تقدّم سبب زيادة ((يعني)) عند قوله في
الباب الماضي: ((وهو ابن عمّار))، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
٥٢٧
(٣٥) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ حُبَّ الأَنْصَارِ وَعَلِيٍّ ﴿ه ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٤٤] (٧٥) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ (ح)
وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ بْنِ
ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ نَِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْأَنْصَارِ: ((لَا
يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ
أَبْغَضَهُ اللهُ».
قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ لِعَدِيٍّ: سَمِعْتَهُ مِنَ الْبَرَاءِ؟ قَالَ: إِيَّاتَ حَدَّثَ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ) بن نصر بن حسّان الْعَنْبَريّ، أبو المثنّى البصريّ
القاضي، ثقةٌ مُتقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) بن معاذ الْعَنْبريّ، أبو عَمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
[١٠] (ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج المذكور في السند الماضي.
٥ - (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقة رُمي بالتشيّع [٤].
رَوَى عن أبيه، وجده لأمه عبد الله بن يزيد الخطميّ، والبراء بن عازب،
وسليمان بن صُرَد، وعبد الله بن أبي أوفى، وزيد بن وهب، وزيد بن حبيش،
وغيرهم.
ورَوَى عنه أبو إسحاق السبيعي، وأبو إسحاق الشيباني، ويحيى بن سعيد
الأنصاري، والأعمش، وزيد بن أبي أنيسة، وحجاج بن أَرْطاة، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وكان
إمام مسجد الشيعة وقاصَّهُم، وقال العجليّ والنسائيّ: ثقة، قال ابن عبد البر:
عُبيد بن عازب هو جد عديّ بن ثابت، وقال غيره: هو عدي بن أبان بن
ثابت بن قيس بن الْخَطِيم الأنصاري الظَّفَريّ، وثابت صحابيّ معروف.
.
٥٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال الْبَرْقانيّ: قلت للدارقطنيّ: فعديّ بن ثابت عن أبيه، عن جده؟ قال:
لا يثبت، ولا يعرف أبوه ولا جده، وعدي ثقة، وقال الطبريّ: عدي بن ثابت
ممن يجب التثبت في نقله، وقال ابن معين: شيعيٌّ مُفْرِط، وقال الْجُوزجاني:
مائل عن القصد، وقال عفان: قال شعبة: كان من الرَّفَّاعين، وقال ابن أبي
داود: حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده معلول، وقال السلمي: قلت
للدار قطني: فعدي بن ثابت؟ قال: ثقة، إلا أنه كان غالياً - يعني في التشيع -،
وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال أحمد: ثقة، إلا أنه كان يتشيع، وذكره ابن
حبان في ((الثقات))، وقال: مات في ولاية خالد على العراق، وقال ابن قانع:
مات سنة ست عشرة ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٤) حديثاً.
٦ - (الْبَرَاءُ) بْنُ عَازِبٍ بن الحارث بن عَدِيّ بن مَجْدَعة بن حارثة بن
الحارث بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الأوسيّ، يُكنى أبا عُمارة،
ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو الظُّفيل المدني الصحابي ابن الصحابي، نزل
الكوفة، ومات بها زَمَنَ مصعب بن الزبير.
روى عن النبي ◌ِّر، وعن أبي بكر، وعمر، وعلي، وأبي أيوب، وبلال،
وغيرهم.
وروى عنه عبد الله بن يزيد الْخَظْميّ، وأبو جُحَيفة، ولهما صحبة،
وعُبيد، والربيع ويزيد ولوط أولاد البراء، وابن أبي ليلى، وعديّ بن ثابت،
وأبو إسحاق، ومعاوية بن سُويد بن مُقَرّن، وأبو بُرْدة وأبو بكر ابنا أبي موسى،
وخلق كثير.
قال أحمد: حدّثنا يزيد، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال:
استصغرني رسول الله وَ﴿ يوم بَدْر أنا وابن عمر، فردّنا، فلم يشهدها(١).
وقال أبو داود الطيالسيّ في ((مسنده)): حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق،
سمع البراء يقول: استُصغرتُ أنا وابن عمر يوم بدر. ورواه عبد الرحمن بن
(١) قال الحافظ الهيثميّ في ((الزوائد)) ١١١/٦: رواه الطبرانيّ، ورجاله رجال
الصحيح.
٥٢٩
(٣٥) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ حُبَّ الأَنْصَارِ وَعَلِيٍّ ﴿ه ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤)
عَوْسَجة عن البراء نحوه، وزاد: ((وشهدت أحداً)) أخرجه السّرّاج. ورُوي عنه
أنه غزا مع رسول الله وّل أربع عشرة غزوة، وفي رواية: خمس عشرة. وإسناده
صحيح. وعنه قال: سافرت مع رسول الله وَلقر ثمانية عشر سفراً. أخرجه أبو
ذرّ الْهَرَويّ. وروى أحمد بإسناد صحيح، من طريق الثوريّ، عن أبي إسحاق،
عن البراء نظّه قال: ما كلّ ما نُحَدّثكموه عن رسول الله وَ ل سمعناه منه،
حدّثناه أصحابنا، وكان يشغلنا رَعِيَّةُ الإبل.
وهو الذي افتتح الريّ سنة (٢٤) في قول أبي عمرو الشَّيْبَانيّ، وخالفه
غيره. وشهد غزوة تُسْتَر مع أبي موسى، وقيل: هو الذي أرسل النبي ◌َّر معه
السهم إلى قليب الحديبية، فجاش بالريّ، والمشهور أن ذلك ناجية بن جُندب،
قال ابن عبد البرّ: وأول مشاهده أُحُد. وقال العسكري: أول مشاهده الخندق،
وشَهِد مع علي الْجَمَل وصِفِّين والنَّهْرَوان، ونزل الكوفة، وابتنى بها داراً، وكان
يُلَقَّب ذا الْغُرّة، قال الحافظ: كذا قيل، وعندي أن ذا الغرة آخر. انتهى.
وقال ابن حبان: استصغره النبي وَّ﴿ يوم بدر، وكان هو وابن عمر لِدَةَ،
مات سنة (٧٢)(١) .
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٤) حديثاً (٢).
[تنبيه]: ((البراء)) ربه بفتح الموحّدة، وتخفيف الراء، والمدّ، هذا هو
المشهور عند أهل العلم من المحدّثين، وأهل اللغة والأخبار، وأصحاب الفنون
كلِّها، قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: وحفظت فيه عن بعض أهل
اللغة القصر والمدّ. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم.
(١) راجع: ((الإصابة)) ٤١١/١ - ٤١٢، و((تهذيب التهذيب)) ٢١٥/١ - ٢١٦.
(٢) هكذا في برنامج الحديث، والذي ذكرته في ((قرة العين)) نقلاً عن ابن الجوزيّ أن
له من الأحاديث (٣٠٥) حديث، اتّفق الشيخان على (٢٢) وانفرد البخاريّ بـ (١٥)
ومسلم بـ(٦)، ويمكن أن يقال: الاختلاف بسبب التكرار، لكن الفرق كبير، وإن
رجحنا رجحنا ما في البرنامج؛ لأن أحاديثه مكتوبة مسلسلة بالأرقام، فيبعد الخطأ
فيها، والله تعالى أعلم.
(٣) راجع: ((الصيانة)) ص٢٥٦، و((شرح النوويّ)) ٦٥/٢.
٥٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة غير شيخيه، فالأول ما أخرج له
الترمذيّ، والثاني، ما أخرج له الترمذيّ وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين غير زهير فنسائيّ ثم بغداديّ،
والصحابي فمدنيّ ثم كوفيّ.
٤ - (ومنها): أن عديّ بن ثابت هذا أول محل ذكره في هذا الكتاب،
وكذا صحابيّه رَظُه وأبوه صحابيّ أيضاً مًُّا.
٥ - (ومنها): أنه لا يوجد في ((الصحيحين)) من اسمه براء غير هذا، وكذا
ليس فيهما من اسمه عديّ غير ابن ثابت هذا وعديّ بن حاتم الطائيّ
الصحابيّ
٦ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، فله في هذا
الحديث إسنادان، يلتقيان في معاذ بن معاذ.
٧ - (ومنها): أن فيه قوله: ((وَاللَّفْظُ لَهُ))، أي لعبيد الله بن معاذ، وهو
إشارة إلى أن شيخيه لم يتفقا في اللفظ، فهذا اللفظ لعبيد الله، وأما زهير،
فرواه بمعناه، وقد تقدّم بيان هذا غير مرّة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ) بن عازب
(يُحَدِّثُ عَن النَّبِيِّ وَّهِ) جملة في محلّ نصب على الحال، أو هو مفعول ثان
الـ(سمعت))، على قول بعض النحاة (أَنَّهُ) وَ (قَالَ فِي الْأَنْصَارِ) متعلّقٌ بـ((قال)»،
أي قال هذا الكلام في بيان شأن الأنصار، ومناقبهم، ومزاياهم، وفضائلهم
((لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، مَنْ أَحَبَّهُمْ) ((من)) شرطيّة أو
موصولة، مبتدأ خبرها قوله: (أَحَبَّهُ اللهُ) قال السنديّ رحمه الله تعالى: أراد
بمحبّتهم - والله أعلم - محبتهم لنصرة دين الله تعالى، وكذلك بغضهم إذا كان
لذلك، وإلا فكثيراً ما تجري معاملة تؤدّي إلى المحبّة والبغض، وهما خارجان
د ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤)
(٣٥) - بَابُ الدَِّيلِ عَلَى أَنَّ حُبَّ الأَنْصَارِ وَعَلِيٍّ
٥٣١
عما يقتضيه المقام(١).
وقال ابن التين تَخُّْهُ: المراد حبّ جميعهم، وبغض جميعهم؛ لأن ذلك
إنما يكون للدين، ومن أبغض بعضهم لمعنى يسوغ البغض له، فليس داخلاً في
ذلك، وهو تقرير حسنٌ، كما قاله في ((الفتح))(٢) .
(وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللهُ))) قال القرطبيّ تَخَُّهُ: هذا على مقابلة اللفظ
باللفظ، ومعناه أن من أحبّهم جازاه الله على ذلك جزاء المحبوب المحبّ من
الإكرام، والترفيع، والتشفيع، وعكس ذلك في البغض، وظاهر هذا الكلام أنه
خبرٌ عن مآل كلِّ واحد من الصنفين، ويصلح أن يُقال: إن ذلك الخبر خرج
مخرج الدعاء لكلّ واحد من الصنفين، فكأنه قال: اللهم افعل بهم ذلك، كما
قال ◌َله، والله أعلم. انتهى (٣).
(قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ لِعَدِيُّ: سَمِعْتَهُ مِنَ الْبَرَاءِ؟ قَالَ: إِيَّتَ حَدَّثَ).
(قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجاج (قُلْتُ لِعَدِيٍّ) أي ابن ثابت شيخه في هذا
الحديث (سَمِعْتَهُ مِنَ الْبَرَاءِ؟) رَظَلُبه، بتقدير همزة الاستفهام، ولفظ ابن ماجه:
((أَسَمِعْتَهُ مِنَ الْبَرَاءِ بن عازبٍ؟)) (قَالَ) عديّ (إِيَّايَ) مفعول مقدّم لـ(حَدَّثَ) هذا
تأكّد من شعبة رحمه الله تعالى واستيثاق، لا شكّ في صدق عديّ رَّتُهُ، ولذا
قدّم عديّ المفعول؛ لإفادة الحصر، ويحتمل أنه إنما سأله لاحتمال أن يكون
بينهما واسطة، حيث لم يُصرّح بالتحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب ﴿ها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٤٤/٣٥] (٧٥)، و(البخاريّ) في
((المناقب)) (٣٧٨٣)، و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٩٠٠)، و(النسائيّ) في
(١) ((شرح السندي)) ١٠٦/١.
(٣) ((المفهم)) ٢٦٦/١.
(٢) ((الفتح)) ١٤٤/٧.
٥٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
((فضائل الصحابة)) (٢٢٩)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (١٦٣)، و(علي بن
الجعد) في ((مسنده)) (٤٩٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٥٧/١٢)،
و(أحمد) في («مسنده)) (٢٨٣/٤ و٢٩٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٣٥)،
و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٧٢٧٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٩٦٧)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن حبّ الأنصار من الإيمان، وبغضهم من النفاق،
وهو وجه إيراد المصنّف رحمه الله تعالى له هنا .
٢ - (ومنها): بيان فضل الأنصار
٣ - (ومنها): أن محبة الأنصار سبب لمحبّة الله تعالى لمن أحبّهم،
وبغضهم سبب لبغضه لمن أبغضهم - نعوذ بالله من بغضه -.
٤ - (ومنها): أن الجزاء من جنس العمل، فإن الأنصار لَمّا أحبوا
رسول الله صل، وأصحابه الكرام ﴿ه جازاهم الله تعالى بأن جعل حبهم علامة
الإيمان وبغضهم علامة النفاق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٤٥] (٧٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ:
(لَا يُبْغِضُ الْأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِّنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٠)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) هو: يعقوب بن عبد الرحمن بن
محمد بن عبد الله بن عَبْدٍ القاريّ المدنيّ، حليف بني زُهْرَة، سكن
الإسكندرية، ثقةٌ [٨].
٥٣٣
(٣٥) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ حُبَّ الأَنْصَارِ وَعَلِيٍّ ﴿ه ... إلخ - حديث رقم (٢٤٥)
رَوَى عن أبيه، وزيد بن أسلم، وعمرو بن أبي عمرو، وموسى بن عقبة،
وأبي حازم بن دينار، وسهيل بن أبي صالح، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن وهب، وسعيد بن كثير بن عُفير، وسعيد بن منصور، وأبو
صالح كاتب الليث، وأبو صالح عبد الغفار بن داود، ويحيى بن بكير،
ويحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد، ويزيد بن سعيد الصَّبَاحيّ، وغيرهم.
قال أحمد: ثقةٌ، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في
((الثقات)).
قال ابن يونس: تُوفّي بالإسكندريّة سنة (١٨١).
روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في
هذا الكتاب (٤٨) حديثاً .
٣ - (سُهَيْل) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقة [٦] (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٤/ ١٦١.
٤ - (أَبُوهُ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت١٠١) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٥ - (أَبُو هُرَيرَةَ) ظُبه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢، والله تعالى أعلم.
ومن لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه فبغلانيّ، وفيه
رواية الابن عن أبيه، وشرح الحديث واضح يُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة عبه هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله
تعالی.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٤٥/٣٥] (٧٦)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٤١٩/٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) في ((فضائل الصحابة)) (٢١٨)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٣٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
٥٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٤٦] (٧٧) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح)
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كِلَهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي
صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((لَا يُبْغِضُ الْأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ
بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن عثمان بن
خُوَاستِي الْعَبْسيّ، أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفيّ، صاحب ((المسند))
و ((التفسير))، ثقة حافظ شهير [١٠].
رَوَى عن هشيم، وحميد بن عبد الرحمن الرُّؤاسيّ، وطلحة بن يحيى
الزُّرَقي، وعبدة بن سليمان، وأبي حفص عمر بن عبد الرحمن الأبار،
ومحمد بن فُضیل، وخلق كثير.
ورَوَى عنه الجماعة، سوى الترمذي، وسوى النسائي، فرَوَى في ((اليوم
والليلة)) عن زكريا بن يحيى السِّجْزيّ عنه، وفي ((مسند علي)) عن أبي بكر
المروزي عنه، وروى عنه ابنه محمد، وابن سعد ومات قبله، وأبو زرعة، وأبو
حاتم، وزياد بن أيوب الطوسي، وعثمان بن خرزاذ، والذهلي، وخلق كثير.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: ابن أبي شيبة ما تقول فيه - أعني أبا
بكر -؟ فقال: ما علمت إلا خيراً، وكأنه أنكر المسألة عنه، قلت لأبي عبد الله:
فأخوه عثمان؟ فقال: وأخوه عثمان ما علمت إلا خيراً، وأثنى عليه، وقال:
عثمان رجل سليم، وقال فضلك الرازي: سألت ابن معين عن محمد بن حميد
الرازي، فقال: ثقة، وسألته عن عثمان بن أبي شيبة، فقال: ثقة، فقلت: من
أحب إليك؛ ابن حميد أو عثمان؟ فقال: ثقتان أمينان مأمونان، وقال
الحسين بن حيان عن يحيى: ابنا أبي شيبة: عثمان وعبد الله ثقتان صدوقان،
ليس فيه شك، وقال أبو حاتم: سمعت رجلاً يسأل محمد بن عبد الله بن نمير
عن عثمان، فقال: سبحان الله، ومثله يسأل عنه! إنما يسأل هو عنّا، وقال ابن
٥٣٥
(٣٥) - بَابُ الدَِّيلِ عَلَى أَنَّ حُبَّ الأَنْصَارِ وَعَلِيٍّ ◌َ﴿ُه ... إلخ - حديث رقم (٢٤٦)
أبي حاتم عن أبيه: كان عثمان أكبر من أبي بكر إلا أن أبا بكر صَنّف، قال:
وقال أبي: هو صدوق، وقال العجلي: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ثقة،
وأخوه عثمان ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال الدارقطني في ((كتاب التصحيف وأخبار المصحّفين)): ثنا أبو القاسم
علي بن محمد بن كاس النخعي القاضي، ثنا إبراهيم بن عبد الله الخصاف
قال: قرأ علينا عثمان بن أبي شيبة في التفسير: فلما جهزهم بجهازهم جعل
السفينة في رجل أخيه، فقيل له: إنما هو جعل السقاية في رحل أخيه، قال:
أنا وأخي أبو بكر لا نقرأ لعاصم، قال الدارقطني: وقيل: إنه قرأ عليهم في
التفسير: واتبِعُوا ما تتلوا الشياطين بكسر الباء، قال: وثنا أحمد بن كامل،
حدثني الحسن بن الحسن بن الحباب المقرئ أن عثمان بن أبي شيبة قرأ عليه
في التفسير: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ الْفِيلِ ﴾﴾ قالها: الّم، يعني كأول
البقرة .
قال الحافظ الذهبيّ في ((الميزان)) - بعد أن حكى القصّة -: قلت: لعله سبق
لسان، وإلا فقطعاً كان يحفظ سورة الفيل، وهذا تفسیره قد حمله الناس عنه.
قال الخطيب في ((جامعه)): لم يُحك عن أحد من المحدّثين من
التصحيف في القرآن الكريم أكثر مما حُكي عن عثمان بن أبي شيبة، ثم ساق
بسنده عن إسماعيل بن محمد التستريّ، سمعت عثمان بن أبي شيبة يقرأ: فإن
لم يُصبها وابلٌ فظلٌّ، وقرأ مرّةً: الخوارج مكلبين، وقال أحمد بن كامل
القاضي: حدثنا أبو شيخ الأصبهانيّ محمد بن الحسن قال: قرأ علينا عثمان بن
أبي شيبة: بطشتم خبّازين، وقال محمد بن عبيد الله بن المنادي: قال لنا
عثمان بن أبي شيبة: ن والعلم في أيّ سورة هو؟، وقال مطيّن: قرأ عثمان بن
أبي شيبة: فضرب لهم بسنور له ناب، فردّوا عليه، فقال: قراءة حمزة عندنا
بدعة .
ثم قال الذهبيّ: قلت: فكأنه كان صاحب دُعابة، ولعله تاب وأناب.
(١)
انتھی
(١) ((ميزان الاعتدال)) ٣٥/٣ - ٣٩.
٥٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الذهبيّ تَخْتُ هو التأويل
المتعيّن علينا تجاه هذا الإمام الذي اعتمده الشيخان في ((صحيحيهما)) إن صحّت
الحكايات المذكورة عنه، والظاهر أنها لا تصحّ، فليُتَنّه، والله تعالى أعلم.
قال محمد بن عبد الله الحضرمي وغيره: مات في المحرم سنة (٢٣٩)،
وقال السراج عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة: وُلد أبي سنة (٥٦).
أخرج له الجماعة، وفي ((الزهرة)»: روى عنه البخاري (٥٣) ومسلم
(١٣٥)(١).
٢ - (جَرِيرٌ) بن عبد الحميد بن قُرط الضّبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ
وقاضيها، ثقة، صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، أخو
عثمان الكوفيّ الحافظ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في
((المقدمة)) ١/١.
٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) هو: حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم، الكوفيّ،
ثقة ثبتٌ، من كبار [٩] (٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٥ - (الْأَعْمَش) سليمان بن مِهْران الإمام الحجة المشهور تقدّم قريباً.
٦ - (أَبُو صَالِح) ذكوان المذكور في السند الماضي.
٧ - (أَبُو سَعِيٍَّ) الخدريّ سعد بن مالك بن سِنَان الأنصاريّ الصحابي
ابن الصحابيّ ◌ًا (ت٦٣) أو (٧٤) وقيل غيره (ع) تقدم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص٤٨٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر فما أخرج له
الترمذيّ.
(١) هكذا في ((تهذيب التهذيب)) ٧٨/٣، والذي في برنامج الحديث (صخر) أن
البخاريّ روى عنه (٦١) حديثاً، وأن مسلماً روى عنه (١١٧) حديثاً، ولعل
الاختلاف حصل بالتكرار، أو لاختلاف النسخ، فالله أعلم.
٥٣٧
(٣٥) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ حُبَّ الأَنْصَارِ وَعَلِيٍّ ﴿ه ... إلخ - حديث رقم (٢٤٧)
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير أبي صالح وأبي سعيد،
فمدنيّان .
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن الأعمش أكثر من روى عن أبي صالح، روى عنه نحو
ألف حديث.
٦ - (ومنها): أن أبا سعيد نظالله من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠)
حديثاً .
وأما شرح الحديث فواضح، يُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ظُه هذا تفرّد به المصنّف
رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٤٦/٣٥] (٧٧)، و(أبو داود
الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢١٨٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنفه)) (١٦٣/١٢ -
١٦٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤/٣ و٤٥ و٧٢ و٩٣)، و(أبو يعلى) في
(مسنده)) (١٠٠٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٣٦)، و(ابن منده) في
(الإيمان)) (٥٣٦ و٥٣٧ و٥٣٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٤٧] (٧٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ،
عَنِ الْأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن
الْأَعْمَشِ، عَنْ عَدِيٍّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ زِرِّ، قَالَ: قَالَ عَلِيّ: ((وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ
النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأَمِّيِّ ◌َهَ إِلَيَّ أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضَنِي
إِلَّا مُنَافِقٌ)).
٥٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ الحافظ الشهير تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة ثبت، أحفظ الناس
الحديث الأعمش، من كبار [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٣ - (وكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظٌ
عابدٌ، من كبار [٩] (١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٤ - (زِرِّ - بكسر الزاي، وتشديد الراء ــ ابْنِ حُبَيْشٍ) بمهملة، فموحّدة،
فمعجمة، مصغّراً، ابن حُباشة - بضم المهملة، بعدها موحّدة، ثم معجمة - ابن
أَوْس بن بلال، وقيل: هلال الأسديّ، أبو مريم، ويقال: أبو مُطَرِّف الكوفيّ،
ثقة جليلٌ مخضرمٌ، أدرك الجاهلية [٢].
رَوَى عن عمر، وعثمان، وعلي، وأبي ذر، وابن مسعود، وعبد
الرحمن بن عوف، والعباس، وسعيد بن زيد، وحذيفة، وأبي بن كعب،
وصفوان بن عَسّال، وعائشة ﴿ه، وغيرهم.
ورَوَى عنه إبراهيم النخعي، وعاصم بن بَهْدَلة، والمنهال بن عمرو،
وعدي بن ثابت، والشعبي، وزبيد اليامي، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، وقال عاصم
عن زِرّ: خرجت في وفد من أهل الكوفة، وايم الله إِنْ حَرَّضَني على الوفادة إلا
لقاء أصحاب محمد رَّه، فلقيت عبد الرحمن بن عوف، وأُبَيّ بن كعب، فكانا
جَلِيسيَّ، قال عاصم: وكان زِرّ من أعرب الناس، وكان عبد الله يسأله عن
العربية، وقال العجليّ: كان من أصحاب عليّ، وعبد الله، ثقة، وقال أبو
جعفر البغداديّ: قلت لأحمد: فزِرٌّ، وعلقمة، والأسود؟ قال: هؤلاء أصحاب
ابن مسعود، وهم الثبت فيه، وقال عاصم: كان أبو وائل عثمانياً، وكان زِرّ
عَلَوِيّاً، وكان مصلاهما في مسجد واحد، وكان أبو وائل معظماً لزٍرّ، وقال ابن
عيينة عن إسماعيل: قلت لزِرّ: كم أتى عليك؟ قال: أنا ابن عشرين ومائة.
قال أبو عمر الضرير: مات قبل الجماجم، وقال أبو عبيد القاسم بن
سلام: مات سنة (٨١)، وقال عمرو بن علي: سنة (٨٢)، وقال ابن زَبْر: سنة
(٨٣)، وقال أبو نعيم: مات وهو ابن (١٢٧) سنةً، وصحح ابن عبد البر في
(٣٥) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ حُبَّ الأَنْصَارِ وَعَلِيٍّ ◌َ﴿ه ... إلخ - حديث رقم (٢٤٧)
٥٣٩
(الاستيعاب)) سنة (٣)، وقال: كان عالماً بالقرآن قارئاً فاضلاً.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا
الحديث، وحديث (١٧٤): ((رأى جبريل له ستمائة جناح ... ))، وكرّره ثلاث
مرّات، وحديث (٧٦٢): في ليلة القدر، وكرّره أربع مرّات.
٥ - (عَلِيّ) بن أبي طالب نَظ ◌ُه، تقدّم في ((المقدمة)) ٢/٢.
والباقون تقدّموا قريباً، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة غير شيخيه، فالأول لم يُخرج له
الترمذيّ، والثاني لم يخرج له أبو داود وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، غير شيخه يحيى فنيسابوريّ،
وعديّ فمدنيّ، وعليّ ضُه سكن الكوفة.
٤ - (ومنها): أنه فيه ثلاثة من ثقات التابعين، يروي بعضهم عن بعض:
الأعمش، عن عديّ، عن زِرّ.
٥ - (ومنها): أنه لا يوجد في الكتب الستة من يُسمّى زِرّاً إلا المذكور
هنا، وهذا أول محل ذكره في هذا الكتاب، وهو من المعمّرين أدرك الجاهليّة،
ومات سنة (٨٢) وهو ابن (١٢٠) سنة، وقيل: (١٢٢)، وقيل: (١٢٧)، وهو
أسديّ كوفيّ، وقد ذكرت آنفاً جملة ما روى له المصنّف في هذا الكتاب.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة
المبشّرين بالجنة، وابن عم المصطفى ◌َّ﴿، وزوج ابنته فاطمة، وأبو الحسنين،
جَمّ المناقب ◌َُه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(وَالَّذِي
(عَنْ زِرّ) بن حُبيش رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: قَالَ عَلِيّ)
فَلَقَ الْحَبَّةَ) أي شقّها بالنبات، يقال: فَلَقْتُهُ فَلْقاً، من باب ضَرَبَ: شَقَقتُهُ
فانفلق، وفَلّقتُّهُ بالتشديد مبالغة، قاله الفيّوميّ (وَبَرَأَ) بالهمزة: أي خلق (النَّسَمَةَ)
بفتح النون والسين: الإنسان، وقيل: النفس، وحكى الأزهريّ: أن النسمة هي
٥٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
النفس، وأن كلّ دابّة في جوفها روح فهي نسمة، قاله النوويّ(١).
وقال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: النَّسِيمُ: نَفَسُ الريح، والنَّسَمَةُ مثله، ثم
سُمّيت بها النَّفْسُ بالسكون، والجمع نَسَمٌ، مثلُ قَصَبَة وقَصَبٍ، والله بارئ
النَّسَمِ: أي خالق النفوس. انتهى (٢).
زاد في رواية أبي نعيم: ((وتَرَدّى العظمة))، معنى تردّى العظمة: أي
لبسها، يقال: تردّت الجارية: توشّحت ولبست الرداء، كارتدت، قاله في
((القاموس))(٣).
وهذا في معنى الحديث الآخر الذي أخرجه مسلم في ((صحيحه)) عن أبي
مسلم الأغر، عن أبي سعيد الخدريّ وأبي هريرة قال: قال رسول الله وعليه:
((العزة إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته)).
وأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضيته بلفظ:
قال رسول الله وسلم قال الله رحمت: ((الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن
نازعني واحداً منهما قذفته في النار))، وفي لفظ: ((في جهنّم)).
(إِنَّهُ) الضمير للشأن تُفسّره الجملة بعده (لَعَهْدُ) بفتح فسكون: أي وصيّةُ
وميثاقُ (النَّبِيِّ الْأَمِّيِّ وَّهَ) قال أبو العبّاس القرطبيّ ◌َّتُهُ: ((الأميّ)): هو الذي لا
يَكْتُبُ، كما قالِ وَّهَ: ((إنا أُمة أُميّة لا نكتب ولا نحسُبُ))، متّفقٌ عليه(٤). وهو
منسوب إلى الأمّ؛ لأنه باق على أصل ولادتها؛ إذ لم يتعلّم كتابةً ولا حساباً.
وقيل: يُنسب إلى معظم أمّة العرب؛ إذ الكتابة كانت فيهم نادرةً، وهذا الوصف
من الأوصاف التي جعلها الله تعالى من أوصاف كمال النبيّ وَّ، ومدحه بها،
وإنما كانت صفة نقص في غيره؛ لأن الكتابة والدراسة والدرْبة على ذلك هي
الطرق الموصلة إلى العلوم التي بها تشرف نفس الإنسان، ويعظُم قدرها عادةً،
(١) ((شرح النووي)) ٦٤/٢ - ٦٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٠٨/٢.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص١١٥٩.
(٤) أخرجه أحمد في ((مسنده)) ٤٣/٢ و٥٢ و١٢٩، والبخاريّ (١٩١٣)، ومسلم
(١٠٨٠)، وأبو داود (٢٣١٩ و٢٣٢٠ و٢٣٢١)، والنسائيّ ١٣٩/٤ و١٤٠، من
حديث ابن عمر