Indexed OCR Text
Pages 501-520
(٣٤) - بَابُ بَيَانِ كُفْرِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٤١) ٥٠١ ويَحْتَمِل أن يكون المراد به الكفر الحقيقيّ، ويؤيّد ذلك استدلال النبيّ وَل ﴾ [الواقعة: ٨٢]، أي تجعلون شكر بقوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ ثُكَذِّبُونَ رزقكم التكذيب، على حذف المضاف، قاله المفسّرون، وقرأ عليّ ◌َظ ◌ُه(١): ((وتجعلون شكركم))، فعبّر عن الرزق بالشكر، والرزق: الشكر بلغة أزد شنوءة، يقال: ما رزقه: أي ما شكره، وما رزق فلان فلاناً: أي ما شكره. انتهى كلام القرطبيّ(٢) . وقوله: (قَالُوا) هو من باب اللفّ والنشر المرتّب، فهذا راجع لقوله: ((من الناس شاكرٌ))، وقوله: ((وقال بعضهم)) راجع لقوله: ((ومنهم كافر)). ومعنى قوله: (هَذِهِ رَحْمَةُ اللهِ) أي هذه رحمةٌ رَحِمَنا اللهُ تعالى بها، قالوا هذا تحدّثاً بنعمة الله تعالى عليهم، ومثنين عليه بها، فهو معنى كونهم شاكرين، وعند أبي عوانة: ((قال بعضهم: هذه رحمة وضعها الله))، ولأبي نعيم: ((قالوا: هذه رحمة وضعها الله)). (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) الكافرون بتلك الرحمة (لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا))) تقدّم أن النوء يُطلق على الطلوع وعلى الغروب، ويُطلق أيضاً على النجم الطالع والغارب، وقال الزجّاج: الساقطة في المغرب: هي الأنواء، والطالعة في المشرق: هي الْبَوَارِح(٣). (فَنَزَّلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿﴿ فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَقِع (قَالَ) أي ابن عبّاس . (١) لكن أشار في ((الفتح)) أنه ليس قراءة من عليّ ◌ُه، وإنما هو تفسير، ودونك نصّه: وقد رُوِي نحو أثر ابن عباس المعلّق مرفوعاً من حديث علي ظُه، لكن سياقه يدلّ على التفسير لا على القراءة، أخرجه عبد بن حميد، من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، عن عليّ ◌َظُهُ مرفوعاً: ﴿وَعْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ﴾ قال: تجعلون شكركم، تقولون: مُطِرنا بنوء كذا. انتهى. وأما قراءة ابن عبّاس ظ﴿هَا، فقد أخرجها سعيد بن منصور، عن هُشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: ((وتجعلون شكركم أنكم تكذبون)»، وهذا إسناد صحيح، ومن هذا الوجه أخرجه ابن مردويه في ((التفسير المسند)). انتهى ما في ((الفتح)) ٢/ ٦٧٤. (٢) ((المفهم)) ٢٦٠/١ - ٢٦١. (٣) راجع: ((الصيانة)) ص٢٥١. ٥٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان [الواقعة: ٧٥ - ٨٢]) - حَتَّى بَلَغَ - وَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِبُونَ Vo اُلتُّجُومِ فقوله: ﴿فَلَّ أُقْسِمُ﴾ إلخ بدل من ((هذه الآية)). قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: فيه إشكال يزول بالتنبيه على أنه ليس مرادُهُ أن جميع هذا نزل في قولهم في الأنواء، كما توهّمه القاضي عياض على ما بلغنا عنه، فإن الأمر في معنى ذلك، وتفسيره يأبى ذلك، وإنما النازل من ذلك في ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَّْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾﴾، والباقي نزل في غير ذلك، ولكن اجتمعا في وقت النزول، فذكر الجميع من أجل ذلك، ومما يَدُلّ على هذا أن في بعض الروايات عن ابن عباس ◌ًّا في ذلك الاقتصار على هذا القدر اليسير فحسب. انتهى(١). [تنبيه]: قول ابن عبّاس ﴿ها: ((فنزلت هذه الآية)) هذا مما يُعطى حكم الرفع؛ لأن قول الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل في آية من القرآن: ((إنها نزلت في كذا)) مرفوع إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، وذلك كقول ابن عباس ◌ّ هذا، وكقول جابر ظُله: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] الآية، رواه مسلم، وإلى هذا أشار السيوطيّ في ((ألفيّة الحديث))، حيث قال: فِي سَبَبِ النُّزُولِ أَوْ رَأْياً أَبَى وَهَكَذَا تَفْسِيرُ مَنْ قَدْ صَحِبَا تفسير هذه الآيات الكريمات: قوله رمت: ﴿فَلَآ أُقْسِمُ﴾ قال جُويبر عن الضحاك: إن الله تعالى لا يُقْسِم بشيء من خلقه، ولكنه استفتاح يستفتح به كلامه، قال ابن كثير: وهذا القول ضعيف، والذي عليه الجمهور أنه قَسَمٌ من الله تعالى، يُقْسِم بما شاء من خلقه، وهو دليل على عظمته. انتهى(٢). وقال أبو العباس القرطبيّ رحمه الله تعالى في ((المفهم)): هذا وأشباهه قَسَم من الله تعالى على جهة التشريف للمُقْسَم به، والتأكيد للمُقْسَم له، ولله تعالى أن يُقسِم بما شاء من أسمائه، وصفاته، ومخلوقاته، تشريفاً وتنويهاً، كما الْعَدِيَتِ ﴾، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنَا ﴾﴾، ﴿وَلَيْلِ إِذَا يَفْشَى (١) ((الصيانة)) ص٢٥٢ - ٢٥٣. (٢) تفسير ابن كثير ٣٨٩/١٣. ٥٠٣ (٣٤) - بَابُ بَيَانِ كُفْرٍ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٤١) وَالْمُرْسَلَتِ﴾، ﴿وَالنَّزِعَتِ﴾ ونحو هذا، وقد تكلّف بعض العلماء، وقال: إن المقسَم به في مثل هذه المواضع محذوفٌ للعلم به، فكأنه قال: وربّ الشمس، وربّ الليل، والذي حمله على ذلك أنه لَمّا سمع الشرع قد نهانا أن نحلف بغير الله تعالى ظنّ أن الله تعالى يمتنع من ذلك، وهذا ظنّ قاصرٌ وفهم غير حاضر؛ إذ لا يلزم شيء من ذلك؛ لأن الله تعالى أن يحكم بما يشاء، ويفعل من ذلك ما يشاء؛ إذ لا يتوجّه عليه حكمٌ، ولا يترتّب عليه حقّ، وأيضاً فإن الشرع إنما منعنا من القَسَم بغير الله تعالى حماية عن التشبّه بالجاهليّة فيما كانوا يُقسمون به من معبوداتهم ومعظّماتهم الباطلة على ما يأتي الكلام عليه في (كتاب الأيمان)) - إن شاء الله تعالى -. انتهى كلام القرطبيّ(١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. ثم قال بعض المفسرين: ((لا)) ها هنا زائدة، وتقديره: أقسم بمواقع النجوم، رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير، ويكون جوابه: ﴿إِنَُّ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ VV ﴾، وقال آخرون: ليست ((لا)) زائدة لا معنى لها، بل يُؤتَى بها في أول القسم، إذا كان مُقْسَماً به على منفيّ، كقول عائشة مؤثّا: ((لا والله ما مست يدُ رسول الله وَلّ يد امرأة قط))، متّفقٌ عليه، وهكذا ها هنا تقدير الكلام: لا أقسم بمواقع النجوم، ليس الأمر كما زعمتم في القرآن، أنه سحرٌ أو كهانة، بل هو قرآن كريم، وقال ابن جرير: وقال بعض أهل العربية: معنى قوله: ﴿فَلَّ ◌ُقِيمُ﴾ فليس الأمر كما تقولون، ثم استُؤْنِفَ القسمُ بعد ذلك، فقيل: أقسم(٢). وقال أبو عبد الله القرطبيّ في ((تفسيره)): قوله تعالى: ﴿فَلَآَ أُقْسِمُ﴾: ((لا)) صلة في قول أكثر المفسرين، والمعنى: فأقسم بدليل قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفَسَمٌ﴾ وقال الفراء: هي نفيٌ، والمعنى ليس الأمر كما تقولون، ثم استَأْنَفَ أُقسِمُ، وقد يقول الرجل: لا والله ما كان كذا، فلا يريد به نفي اليمين، بل يريد به نفي كلام تقدم، أي ليس الأمر كما ذكرتَ بل هو كذا، وقيل: ((لا)) بمعنى ((ألا)) للتنبيه، كما قال (من الطويل]: أَا عِمْ صَبَاحاً أَيُّهَا الظَّلَلُ الْبَالِي وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ فِي الْعُصُرِ الْخَالِي (١) ((المفهم)) ٢٦٢/١. (٢) ((تفسير ابن كثير)) ٢٩٨/٤. ٥٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ونَبَّهَ بهذا على فضيلة القرآن؛ ليتدبروه، وأنه ليس بشعر، ولا سحر، ولا كهانة، كما زَعَمُوا، وقرأ الحسن، وحميد، وعيسى بن عمر: ((فلأقسم)) بغير ألف بعد اللام على التحقيق، وهو فعلُ حالٍ، ويُقَدَّرُ مبتدأ محذوف التقدير: فلأنا أقسم بذلك، ولو أريد به الاستقبال لَلَزِمت النون، وقد جاء حذف النون مع الفعل الذي يُراد به الاستقبال، وهو شاذٌ. وقوله: ﴿بِمَوَقِعِ النُّجُومِ﴾، اختلفوا في معناه، فقال حكيم بن جُبَير، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: يعني نجوم القرآن، فإنه نَزَلَ جملةً ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ثم نزل مُفَرَّقاً في السنين بعدُ، ثم قرأ ابن عباس هذه الآية، وقال الضحاك عن ابن عباس: نزل القرآن جملةً من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السَّفَرَة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فَنَجَّمَتْهُ السَّفَرَة على جبريل عشرين ليلة، ونجّمه جبريل على محمد وَّ عشرين سنة، فهو قوله : (68)﴾ نجوم القرآن، وكذا قال فَلَّ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ ( عكرمة، ومجاهد، والسُّدّيّ، وأبو حَزْرَة، وقال مجاهد أيضاً: ﴿بِمَوَقِعِ النُّجُومِ﴾ في السماء، ويقال: مطالعها ومشارقها، وكذا قال الحسن، وقتادة، وهو اختيار ابن جرير، وعن قتادة: مواقعها منازلها، وعن الحسن أيضاً: أن المراد بذلك (٧٥) فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ انتشارها يوم القيامة، وقال الضحاك: يعني بذلك الأنواء التي كان أهل الجاهلية إذا مُطِرُوا قالوا: مُطِرِنا بِنَوْء كذا وكذا (١). وقال أبو عبد الله القرطبيّ: قوله تعالى: ﴿يِمَوَفِعِ النُّجُومِ﴾: مواقع النجوم مَساقِطها ومغاربها، في قول قتادة وغيره، وقال عطاء بن أبي رباح: منازلها، وقال الحسن: انكدارها وانتشارها يوم القيامة، وقال الضحاك: هي الأنواء التي كان أهل الجاهلية يقولون إذا مُطِروا، قالوا: مُطرنا بنوء كذا، قال الماوردي: ويكون قوله تعالى: ﴿فَلَّ أُقِيمُ﴾ مستعملاً على حقيقته من نفي القسم، وقال القشيريّ: هو قسم، ولله تعالى أن يقسم بما يريد، وليس لنا أن نقسم بغير الله تعالى وصفاته القديمة. (١) ((تفسير ابن كثير)) ٣٨٩/٤ - ٣٩٠. ٥٠٥ (٣٤) - بَابُ بَيَانِ كُفْرِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٤١) قال القرطبيّ: يدل على هذا قراءة الحسن ((فلأقسم))، وما أقسم به ثَّ من مخلوقاته في غير موضع من كتابه. وقال ابن عباس: المراد بمواقع النجوم نزول القرآن نجوماً، أنزله الله تعالى من اللوح المحفوظ من السماء العليا إلى السفرة الكاتبين، فَنَجَّمه السَّفَرة على جبريل عشرين ليلة، ونَجّمه على محمد عليهما الصلاة والسلام عشرين سنة، فهو يُنْزِله على الأحداث من أمته، حكاه الماورديّ عن ابن عباس والسُّدّيّ، وقال أبو بكر الأنباريّ: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا حجاج بن المنهال، حدثنا همام، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزل القرآن إلى سماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل إلى الأرض نُجوماً، وفرّق بعد ذلك خمس آيات، خمس آيات، وأقل وأكثر، فذلك قول الله تعالى: ﴿﴿ فَلَآ إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ وَإِنَّهُ لَفَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ () أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ (١٥) (®﴾، وحكى الفراء عن ابن مسعود: أن مواقع النجوم هو مُحْكَم القرآن. وقرأ حمزة والكسائيّ: ((بموقع)) على التوحيد، وهي قراءة عبد الله بن مسعود، والنخعيّ، والأعمش، وابن مُحيصن، ورُوَيس عن يعقوب، والباقون على الجمع، فمن أفرد فلأنه اسم جنس، يؤدي الواحد فيه عن الجمع، ومن جَمَعَ فلاختلاف أنواعه. انتهى(١). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَُّ لَفَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمُ (®﴾ أي وإن هذا القسم الذي أقسمتُ به لقسم عظيم، لو تعلمون عَظَمَته لعظمتم المقسم به عليه. وقال القرطبيّ المفسّر: قيل: إن الهاء تعود على القرآن، أي إن القرآن لقسم عظيم، قاله ابن عبّاس وغيره، وقيل: ما أقسم الله به عظيم. انتهى. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ (٣)﴾ أي إن هذا القرآن الذي نَزَلَ على محمد رَ و لكتاب عظيم. وقال أبو العبّاس القرطبيّ: الكريم: الشريف الكثير المنافع السهلها . وقال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر: قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ (*) ذَكَرَ المقسم عليه، أي أقسم بمواقع النجوم: إن هذا القرآن قرآن كريم، ليس (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٢٢٣/١٧ - ٢٢٤. ٥٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان بسحر، ولا كِهانة، وليس بِمُفْتَرىً، بل هو قرآن كريم محمود، جعله الله تعالى معجزة لنبيه وّلة، وهو كريم على المؤمنين؛ لأنه كلام ربهم، وشفاء صدورهم، كريم على أهل السماء؛ لأنه تنزيل ربهم ووحيه، وقيل: كريم أي غير مخلوق، وقيل: كريم لما فيه من كريم الأخلاق ومعالي الأمور، وقيل: لأنه يُكْرِم حافظه ويُعْظِمُ قارئه. انتهى. وقوله تعالى: ﴿فِ كِنَبٍ مَّكْنُونِ (٣٨)﴾ أي مُعَظّم في كتاب محفوظ مُوَقَّر، وقال القرطبيّ المفسّر: قوله: في كتاب مكنون: مَصُون عند الله تعالى، وقيل: مكنون محفوظ عن الباطل، والكتابُ هنا كتاب في السماء، قاله ابن عباس، وقال جابر بن زيد، وابن عباس أيضاً: هو اللوح المحفوظ، وقال عكرمة: التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن، ومن يَنْزِل عليه، وقال السُّدّيّ: الزبور، وقال مجاهد وقتادة: هو المصحف الذي في أيدينا. انتهى. وقوله تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّ الْمُطَهَّرُونَ ﴾﴾ قال ابن جرير: حدثني موسى بن إسماعيل، أخبرنا شريك، عن حكيم هو ابن جُبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿لَّا يَمَشُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٧)﴾، قال: الكتاب الذي في يعني ٧٩ السماء، وقال الْعَوْفيّ عن ابن عباس: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ الملائكة، وكذا قال أنس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وأبو الشَّعْثاء جابر بن زيد، وأبو نَهِيك، والسُّدّيّ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، حدثنا معمر، قال: لا يمسه عند الله إلا ٧٩ عن قتادة: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ المطهرون، فأما في الدنيا، فإنه يمسه المجوسيّ النَّجِس والمنافق الرِّجْس، قال: وهي في قراءة ابن مسعود نظُه: ((ما يمسه إلا المطهرون))، وقال أبو ﴾ ليس أنتم، أنتم أصحاب الذنوب، وقال العالية: ﴿لَا يَمَشُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ابن زيد: زعمت كفار قريش، أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله وَمَا تعالى أنه لا يمسه إلا المطهرون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نَزََّتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (9َ (1)﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ١٢]، يَكْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ وهذا القول قولٌ جَيِّدٌ، وهو لا يَخرُج عن الأقوال التي قبله. ٥٠٧ (٣٤) - بَابُ بَيَانِ كُفْرٍ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٤١) وقال الفراء: لا يجد طَعْمه ونفعه إلا من آمن به. وقال آخرون: ﴿لَّا يَمَسُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (49)﴾ أي من الجنابة والحدث، قالوا: ولفظ الآية خبر ومعناها الطلب، قالوا: والمراد بالقرآن ها هنا المصحف، كما روى مسلم عن ابن عمر: ((أن رسول الله وَّ نَهَى أن يُسَافَرَ بالقرآن إلى أرض العَدُوّ؛ مخافةَ أن يناله العدو)). واحتجوا في ذلك بما رواه الإمام مالك في ((موطئه)) (١١٩٩) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنّ في الكتاب الذي كتبه رسول الله وَ لعمرو بن حزم: ((أن لا يمس القرآن إلا طاهر))، وروى أبو داود في ((المراسيل)) من حديث الزهري قال: قرأت في صحيفة عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن رسول الله وَل﴾ قال: ((ولا يمس القرآن إلا طاهر)) . قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذه وجادة جَيِّدةٌ، قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا ينبغي الأخذ به، وقد أسنده الدارقطني (١١١) عن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عمر، وعثمان بن أبي العاص، وفي إسناد كلِّ منها نظرٌ، والله أعلم. انتهى(١) . وقال أبو عبد الله القرطبيّ: اختُلِفَ في معنى ﴿لَّ يَمَسُّهُ﴾ هل هو حقيقة في المسّ بالجارحة أو معنى، وكذلك اختُلِفَ في ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ مَن هم؟. فقال أنس وسعيد بن جبير: لا يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من الذنوب، وهم الملائكة، وكذا قال أبو العالية وابن زيد: إنهم الذين طُهِّرُوا من الذنوب، كالرسل من الملائكة، والرسل من بني آدم، فجبريل النازل به مُطَهَّر، والرسل الذين يجيئهم بذلك هم السَّفَرَة الكرام الْبَرَرَة، وهذا كله قول واحد، وهو نحو ما اختاره مالك، حيث قال: أحسن ما سمعت في قوله: ﴿لَّا يَمَسُّهُ: »: ﴿فَنْ شَآءَ ذَكَرَهُ أنها بمنزلة الآية التي في ﴿عَسَ وَتَوَلٌَّ ٧٩ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴿﴿ فِي صُحُفٍ مُكَرََّةِ ﴿ فَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَمِ ﴿٣ بِأَيْدِى سَفَرَةِ ﴿ كِرَامٍ بَرَرَ (4)، يريد أن المطهرين هم الملائكة الذين وُصِفوا بالطهارة في سورة ((عبس)). (١) ((تفسير ابن كثير)) ٣٩٠/١٣ - ٣٩١. ٥٠٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقيل: معنى ﴿لَّا يَمَسُّهُ﴾ لا ينزل به إلا المطهرون، أي الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء، وقيل: لا يمس اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرون، وقيل: إن إسرافيل هو الموكل بذلك، حكاه القشيري. قال ابن العربي: وهذا باطل؛ لأن الملائكة لا تناله في وقت، ولا تصل إليه بحال، ولو كان المراد به ذلك، لما كان للاستثناء فيه مجال، وأما من قال: إنه الذي بأيدي الملائكة في الصحف، فهو قول محتمل، وهو اختيار مالك. وقيل: المراد بالكتاب المصحف الذي بأيدينا، وهو الأظهر، وقد رَوَى مالك وغيره أن في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله وله: ((ألّا يمس القرآن إلا طاهر))، وقال ابن عمر: قال النبيّ وَّلو: ((لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر))، وقالت أخت عُمر لعُمر عند إسلامه، وقد دخل عليها ودعا بالصحيفة: ((لا يمسه إلا المطهرون))، فقام واغتسل، وأسلم، وعلى هذا المعنى قال قتادة وغيره: لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث والأنجاس، وقال الكلبيّ: من الشرك، وقال الربيع بن أنس: من الذنوب والخطايا، وقيل: معنى لا يمسه: لا يقرؤه إلا المطهرون إلا الموحّدون، قاله محمد بن فُضیل، وعبدة، وقال عكرمة: كان ابن عباس يَنْهَى أن يُمَكَّن أحد من اليهود والنصارى من قراءة القرآن، وقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه وبركته إلا المطهرون، أي المؤمنون بالقرآن، وقال ابن العربي: وهو اختيار البخاريّ، قال النبيّ وَلقوله: ((ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد وَ له نبيّاً))، وقال الحسين بن الفضل: لا يَعْرِف تفسيره وتأويله، إلا من طهره الله من الشرك والنفاق، وقال أبو بكر الوَرّاق: لا يُوَفَّق للعمل به إلا السعداء، وقيل: المعنى: لا يمس ثوابه إلا المؤمنون، ورواه معاذ عن النبيّ ◌َّد. ثم قيل: ظاهر الآية خبر عن الشرع: أي لا يمسه إلا المطهرون شرعاً، فإن وُجِد خلاف ذلك فهو غير الشرع، وهذا اختيار القاضي أبي بكر ابن العربي، وأبطل أن يكون لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر، وقال المهدويّ: يجوز أن يكون أمراً، وتكون ضمة السين ضمة إعراب، ويجوز أن يكون نَهْياً، وتكون (٣٤) - بَابُ بَيَانِ كُفْرٍ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٤١) ٥٠٩ ضمة السين ضمة بناء، والفعل مجزوم. انتهى (١). وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: المطهّرون بحكم عرف الشرع هم المطهّرون من الحدث، وعليه فتكون ((لا)) نهياً، ويمسّه مجزوم بالنهي، وضُمّت سينه لأجل الضمير، ويجوز أن يكون خبراً عن المشروعيّة، أي لا يجوز مسّه إلا لمن تطهّر من الحدث، ويكون هذا نحو قوله تعالى: ﴿وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وهذا تقرير وجه من استدلّ بالآية على تحريم مسّ القرآن على غير طهارة وهم الجمهور، وأما من أجاز ذلك وهم أهل الظاهر، فحملوا الآية على أنه خبرٌ عمّا في الوجود، أي لا يمسّه، ولا يناله، ولا يباشره إلا الملائكة، وهم المطهّرون بالحقيقة، وتكون الآية مثل قوله تعالى: ﴿في ﴾ [عبس: ١٣ - ١٦]، مُحُفٍ تُكَرََّةٍ ﴿ قَرْفُوعَةٍ مُطَهََّ ﴿ بِأَيْدِى سَفَرَةِ (٥ كِرَاِمٍ بَرَ وإلى هذا صار مالك في تفسير هذه الآية، مع أن مذهبه أنه لا يجوز لمحدِثٍ مسّ المصحف أخذاً بهذا الحكم من السنّة عنده لا من الآية. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق من سوق الأقوال وحججها، أن أرجح الأقول قول من فسّر الآية بأن المراد بقوله تعالى: ﴿لَّ يَمَشُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾﴾ أنه لا يمسّه إلا الملائكة، وهم المطهّرون كما صار إليه الإمام مالك رحمه الله تعالى واختاره، وقال: أحسن ما سمعت في قوله: ﴾ أنها بمنزلة الآية التي في ﴿عَبَسَ وَتَوَلٌَ ﴿لَّا يَمَسُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ رَّ ﴿فِي صُحُفٍ تُكَرََّةِ ﴿٣ ◌َرْفُوعَةِ مُطَهَّرَقِ ﴿ بِأَدِى سَفَرَةِ ﴿ كِرَامٍ بَ (٣)﴾، يريد أن المطهرين هم الملائكة الذين وُصِفوا بالطهارة في سورة ((عبس)). أما مسألة مس المصحف للمحدث فإن مذهب الجمهور هو الأرجح، لا لهذه الآية، بل لكتاب عمرو بن حزم، فإنه وإن قيل بإرساله، إلا أنه مشهور عملت به الأئمة، وقرأه الزهريّ رحمه الله تعالى، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذه وجادة جَيِّدةٌ، قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا ينبغي الأخذ به(٣). (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٢٢٥/١٧ - ٢٢٧. (٢) ((المفهم)) ٢٦٣/١. (٣) ((تفسير ابن كثير)) ٣٩٠/١٣ - ٣٩١. ٥١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقد أشبعت الكلام في هذا، واستوفيته في ((شرح النسائيّ)) (٢٦٥/١٧١) (باب حَجْب الجنب من قراءة القرآن))، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق، وهو الهادي إلى أقوم الطريق. وقوله تعالى: ﴿تَزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ أي هذا القرآن منزل من عند رب العالمين، وليس هو كما يقولون: إنه سحرٌ، أو كهانة، أو شعرٌ، بل هو الحق الذي لا مرية فيه، ولیس وراءه حقّ نافع، قاله ابن كثير. وقال القرطبيّ: هو كقولهم ضَرْبُ الأمير، ونَسْجُ اليمن، وقيل: تنزيل صفة لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ (*)﴾، وقيل: أي هو تنزيل. انتهى. قال الْعَوْفيّ عن ابن عباس: وقوله رَّ: ﴿أَفِهِذَا الْحَدِيثِ أَنْتُ مُدْهِنُونَ (@)﴾ أي غير مُصَدِّقين، وكذا قال الضحاك، وأبو جَزْرَة، والسُّدّيّ، وقال مجاهد: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ أي تريدون أن تمالئوهم فيه وتركنوا إليهم. انتهى (١). وقال أبو العباس القرطبيّ: ﴿أَفَهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني بالحديث القرآن؛ لأنه أحاديث عن الأمم الماضية، والوقائع الآتية، والأحكام الجارية، و﴿مُدْهِنُونَ﴾ مكذّبون، وأصله من الدَّهْن، يقال: أدهن، وداهن: أي ترك ما هو عليه وتلبّس (٢) بغيره. انتهى وقال أبو عبد الله القرطبيّ: قوله: ﴿أَفَهِذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني القرآن ﴿أَنْتُمُ مُدْهِنُونَ﴾ أي مُكَذِّبون، قاله ابن عباس، وعطاء، وغيرهما، والْمُذْهن الذي ظاهره خلاف باطنه، كأنه شُبِّهَ بالدهن في سهولة ظاهره، وقال مقاتل بن سليمان وقتادة: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ كافرون، نظيره: ﴿وَدُواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩]، وقال المؤرِّج: المدهن المنافق، أو الكافر الذي يُلِين جانبه لِيُخفي كفره، والإدهان والمداهنة: التكذيب والكفر والنفاق، وأصله اللِّين، وأن يُسِرَّ خلاف ما يُظهر، وقال أبو قيس بن الأَسْلَت: الَحَزْمُ وَالْقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ الْـب إِذْهَانِ وَالْفُهَّةِ وَالْهَاعَ (٣) (١) راجع: ((تفسير ابن كثير ٢٩٨/٤ - ٣٠٠. (٢) ((المفهم)) ٢٦٣/١. (٣) ((الْفُهّة)): الْعِيُّ، و((الْهَاعُ)) هنا: سوء الحرص مع ضعف. ٥١١ (٣٤) - بَابُ بَيَانِ كُفْرِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٤١) وأَدْهَنَ وداهن واحد، وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غَشَشْتُ، وقال الضحاك: مدهنون: معرضون، وقال مجاهد: ممالئون الكفار على الكفر به، وقال ابن كيسان: المدهن الذي لا يَعْقِل ما حَقُّ الله عليه ويدفعه بالعلل، وقال بعض اللغويين: مدهنون: تاركون للجزم في قبول القرآن. (١) انتهى . وقوله تعالى: ﴿وَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ قال طائفة من المفسّرين: وتجعلون شكركم تكذيبكم بأن الرزاق هو الله تعالى، أي تجعلون التكذيب عِوَضَ الشكر، وتكذيبهم هو قولهم: مُطِرنا بنوء كذا وكذا، روى الترمذيّ بإسناده (٢) عن عليّ بن أبي طالب ◌َُّه رفعه قال: ((﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ قال: شكركم أنكم تُكذّبون، قال: يقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا))، قال الترمذيّ: هذا حديث حسنٌ غريب صحيح(٣). (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٢٢٧/١٧ - ٢٢٨. (٢) وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَّ﴿ قال: ((إن الله لَيُصَبِّح القومَ بالنعمة أو يُمَسِّهم بها، فَيُصبح بها قوم كافرين، يقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا)). قال الجامع عفا الله عنه: رجال هذا الإسناد ثقات، إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلّس. قال محمد - هو ابن إبراهيم -: فذكرت هذا الحديث لسعيد بن المسيب، فقال: ونحن قد سمعنا من أبي هريرة، وقد أخبرني مَن شَهِدَ عمر بن الخطاب ◌َظُه، وهو يستسقي، فلما استسقى التفت إلى العباس، فقال: يا عباس، يا عم رسول الله، كم بَقِيَ من نَوْء الثُّرَيَا؟ فقال: العلماء يزعمون أنها تَعْتَرض في الأفق بعد سقوطها سبعاً، قال: فما مضت سابعة حتى مُطروا. قال الحافظ ابن كثير: وهذا محمول على السؤال عن الوقت الذي أجرى الله فيه العادة بإنزال المطر، لا أن ذلك النوء مؤثِّر بنفسه في نزول المطر، فإن هذا هو المنهيّ عن اعتقاده. انتهى ((تفسير ابن كثير)) ٢٩٩/٤. (٣) بل هو ضعيف؛ لأن في سنده عبد الأعلى بن عامر الثعلبيّ، وهو ضعيف، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس رضيها، كما في حديث الباب. ٥١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وحكى ابن جرير عن الهيثم بن عديّ: أن من لغة أزد شنوءة: ما رَزَق فلان فلاناً، بمعنى ما شكره. وقال آخرون: معناه: وتجعلون شكر رزقكم، فحَذَف المضاف، وأقام المضاف إليه مُقامه، قاله الأزهريّ وأبو عليّ الفارسيّ، وقال الحسن: أي تجعلون حَظّكم، قال قتادة: أما الحسن فكان يقول: بئس ما أَخَذَ قوم لأنفسهم، لم يُرزقوا من كتاب الله إلا التكذيب، فمعنى قول الحسن هذا: وتجعلون حَظّكم من كتاب الله أنكم تُكَذِّبون به، ولهذا قال قبله: ﴿أَفَهَذَا الْحَدِيثِ ( (٨٢ أَنْتُم مُدْهِنُونَ ﴿ وَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِبُونَ وقال أبو عبد الله القرطبيّ: قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ١٢ قال ابن عباس: تجعلون شكركم التكذيب، وذكر الهيثم بن عَديّ أن من لغة أسد شنوءة: ما رَزَقَ فلانٌ: أي ما شكره، وإنما صلح أن يوضع اسم الرزق مكان شكره؛ لأن شكر الرزق يقتضي الزيادة فيه، فيكون الشكر رزقاً على هذا المعنى، فقيل: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي شكر رزقكم الذي لو وُجِد منكم لعاد رزقاً لكم ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ بالرزق، أي تَضَعُون الكذب مكان الشكر، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءُ وَتَصْدِيَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٥] أي لم يكونوا يصلون، ولكنهم كانوا يُصَفِّرون، ويُصَفِّقُون مكان الصلاة، ففيه بيانُ أن ما أصاب العباد من خير، فلا ينبغي أن يَرَوه من قبل الوسائط التي جَرَت العادة بأن تكون أسباباً، بل ينبغي أن يروه من قبل الله تعالى، ثم يقابلونه بشكر، إن كان نعمةً، أو صبر إن كان مكروهاً؛ تعبداً له وتذللاً. وروي عن علي بن أبي طالب ظنه أن النبيّ وَلّر قرأ: ((وتجعلون شكركم أنكم تكذبون)» حقيقة(٢). وعن ابن عباس أيضاً أن المراد به الاستسقاء بالأنواء، وهو قول العرب: مُطِرنا بنوء كذا، رواه علي بن أبي طالب ◌َظُه عن النبيّ وَّر. قال الشافعي رحمه الله تعالى: لا أُحبّ أحداً أن يقول: مُطرنا بنوء كذا (١) ((تفسير ابن كثير)) ٤/ ٣٠٠. (٢) تقدّم أنه لا يصحّ مرفوعاً، وإنما الصحيح وقفه على ابن عباس ٥١٣ (٣٤) - بَابُ بَيَانِ كُفْرِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٤١) وكذا، وإن كان النوء عندنا الوقتَ المخلوقَ لا يَضُرُّ ولا ينفع، ولا يُمطر ولا يَحبس شيئاً من المطر، والذي أحب أن يقول: مُطرنا وقت كذا، كما تقول مُطرنا شهر كذا، ومن قال: مُطرنا بنوء كذا، وهو يريد أن النوء أنزل الماء، كما عَنَى بعض أهل الشرك من الجاهلية بقوله فهو كافر، حلال دمه إن لم یتب . وقال أبو عمر بن عبد البر: وأما قوله وسل# حاكياً عن الله تعالى: ((أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر))، فمعناه عندي على وجهين: أما أحدهما: فإن المعتقد بأن النوء هو الموجب لنزول الماء، وهو المنشئ للسحاب دون الله رم فذلك كافر كفراً صريحاً، يجب استتابته عليه وقتله إن أبى؛ لنبذه الإسلام وردّه القرآن. والوجه الآخر أن يعتقد أن النوء ينزل الله به الماء، وأنه سبب الماء على ما قدّره الله وسبق في علمه، وهذا وإن كان وجهاً مباحاً، فإن فيه أيضاً كفراً بنعمة الله رمت، وجهلاً بلطيف حكمته في أن ينزل الماء متى شاء، مرة بنوء كذا، ومرة بنوء كذا وكثيراً ما ينوء النوء فلا ينزل معه شيء من الماء، وذلك من الله تعالى لا من النوء، وكذلك كان أبو هريرة ◌ُبه يقول إذا أصبح وقد مُطِرٍ: مُطِرنا بنوء الفتح، ثم يتلو: ﴿مَّا يَفْتَجِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢]. قال أبو عمر: وهذا عندي نحو قول رسول الله وَله: ((بفضل الله ورحمته)». ومن هذا الباب قول عمر بن الخطاب للعباس بن عبد المطلب رضيًّا حين استسقى به: يا عم رسول الله وَلل، كم بقي من نوء الثريا؟ فقال العباس: العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعاً بعد سقوطها، فما مضت سابعةٌ حتى مُطِروا، فقال عمر: الحمد لله، هذا بفضل الله ورحمته(١). وكأن عمر نظراته قد عَلِم أن نوء الثريا وقت، يُرجَى فيه المطر ويُؤَمَّل، فسأله عنه: أخرج منه أم بقيت منه بقية؟. ورَوَى سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، أن النبي وَّ سمع رجلاً (١) وقد تقدّم أن فيه محمد بن إسحاق، مدلس، وقد عنعنه. ٥١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان في بعض أسفاره يقول: مُطرنا ببعض عَثَانين الأسد، فقال رسول الله وَله: (بل هو سقيا الله رحمة))، قال سفيان: عثانين الأسد: الذراع والجبهة(١). وقراءة العامة ﴿تَكْذِبُونَ﴾ من التكذيب، وقرأ المفضل، عن عاصم، ويحيى بن وَثّاب ﴿تُكَذِبُونَ﴾ بفتح التاء مخففاً، ومعناه ما قدمناه، من قول من قال: مُطِرنا بنوء كذا. انتهى كلام القرطبيّ(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌ًَّا هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالی. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٤١/٣٤] (٧٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٣٢)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٥٠٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كون شكر النعمة من الإيمان، وهو وجه إيراد المصنّف رحمه الله تعالى للحديث هنا . ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَل من الحرص الشديد على حماية التوحيد، وتنبيه أمته على دقائق الشرك، وأنه كثيراً ما يتساهل الناس، فيقعون فيه جرياً على ما يألفونه من نسبة الأشياء إلى الأسباب دون أن ينتبهوا لخطره، وما يترتّب عليه من سلب التوحيد. ٣ - (ومنها): بيان أن الواجب على العبد إذا حصلت له نعمة أن يقول: هذه رحمة الله تعالى عليّ، دون أن أستحقّ عليه شيئاً، اللهم لك الحمد على (١) هذا منقطع؛ لأن إسماعيل بن أميّة من الطبقة السادسة التي لم تلق الصحابة، راجع: ((التقريب)) ص٣٢. (٢) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٢٢٨/١٧ - ٢٣٠. ٥١٥ (٣٤) - بَابُ بَيَانِ كُفْرٍ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٤١) ما أنعمت، ولك الشكر على ما أوليت، سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. ٤ - (ومنها) بيان سبب نزول هذه الآية الكريمة. ٥ - (ومنها): بيان أن الله ◌ُعَلَ يُقسم بما شاء من خلقه، ﴿لَا يُبَْلُ عَمَّا (٣)﴾، وأما الخلق فلا يجوز لهم أن يقسموا إلا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ بالله تعال . ٦ - (ومنها): بيان عظم مواقع النجوم على اختلاف المعاني السابقة؛ لأنه ◌َلَ لا يُقسم بشيء إلا لبيان عظمته وكرامته عنده تَُّالَّ . ٧ - (ومنها): بيان عظمة القرآن العظيم؛ لأنه الله ◌ُلَ أقسم عليه، فقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ ٨ - (ومنها): بيان أن هذا القرآن كان في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون، فأنزله الله تعالى منجّماً على النبيّ وَله في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع والأسباب. ٩ - (ومنها): بيان أن الآية دلّت على ذمّ من ينسب الأرزاق والنعم إلى غير الله وجل، وأن ذلك من التكذيب والكفر بالله تعالى. ١٠ - (ومنها): أن مما يدخل تحت دلالة الآية الكريمة ما وقع فيه كثير من الناس الذين يعتقدون في الأولياء والصالحين، حيث يتساهلون فينسبون إليهم كلّ ما يحصل لهم من الخيرات، فيقول أحدهم إذا حصل له أي خير: هذا مما أعطاني سيدي فلان، فما أكثر هذا في الأمة اليوم، ومن المؤسف أن يكون هناك من ينتسب إلى العلم، فيسمع ويرى هذا كله، ثم يسكت ولا ينكره، فإنا لله وإنا إليه راجعون، غربة في الإسلام وغربة في أهله، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، اللهم آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . ٥١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان (٣٥) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ حُبَّ الأَنْصَارِ وَعَلِيّ مِنَ الإِيمَانِ وَمِنْ عَلَامَاتِهِ، وَبُغْضُهُمْ مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٢] (٧٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسأَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((آيَةُ الْمُنَافِقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ، وَآيَةُ الْمُؤْمِنِ حُبُّ الْأَنْصَارِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى) أبو موسى الْعَتَزِيّ الحافظ تقدّم قريباً. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمام [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٨. ٣ - (شُعْبَةٌ) بن الحجاج الإمام المشهور تقدّم قريباً. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ) بن عَتِيك، وقيل: ابن جابر بن عَتِيك الأنصاريّ المدنيّ، وقيل: إنهما اثنان، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن ابن عمر، وأنس، وجده لأمه عَتِيك بن الحارث، وعن أبيه عبد الله بن جَبْر إن كان محفوظاً. وروى عنه مالك، وشعبة، ومِسْعَر، وأبو العُمَيس المسعوديّ، وعبد الله بن عیسی بن أبي ليلى، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: ثقةٌ، قلت له: عبد الله أحب إليك أو موسى الْجُهَنيّ؟ قال: عبد الله أحب إليّ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال أبو بكر بن منجويه: أهل العراق يقولون: جَبْر، ولا يصحّ، إنما هو جابر. قال الحافظ: هذا نقله ابن منجويه من كلام البخاريّ، فإنه قال في (تاريخه)): عبد الله بن عبد الله بن جابر، سمع ابن عمر، وأنساً، قاله مالك، وقال شعبة، ومِسْعَر، وأبو العُمَيس، وعبد الله بن عيسى: عن عبد الله بن ٥١٧ (٣٥) - بَابُ الدَِّيلِ عَلَى أَنَّ حُبَّ الأَنْصَارِ وَعَلِيٍّ ◌ُه ... إلخ - حديث رقم (٢٤٢) عبد الله بن جَبْر، ولا يصح جَبْر، إنما هو جابر بن عَتِيك، قال: وقال بعضهم: عن عبد الله بن عيسى، عن جَبْر بن عبد الله - يعني قَلبه -. وقال الخطيب في ((رافع الارتياب)): قال عمار بن رُزيق: عن عبد الله بن عيسى، عن جَبْر بن عبد الله بن عَتِيك، وكذا حُكِي عن الثوريّ، وحمزة الزيات في رواية، قال الخطيب: الصواب عبد الله بن عبد الله بن جبر، قال: والكوفيون يضطربون فيه. وقال الدارقطنيّ: لم يتابع مالكاً أحد على قوله: جابر بن عَتِيك، وهو مما يُعتَمد به عليه . وذكر الحافظ شرف الدين الدمياطي أن قول من قال: جابر بن عتيك وَهَمِّ، وأن الصواب جَبْر بن عَتِيك. وقد فَرّق بينهما ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل))، فحَكَى عن أبيه أنه وَثَّقَ ابنَ جابر، وكذا عن العباس الدُّوريّ، عن ابن معين، وحَكَى في ابن جَبْر عن إسحاق، عن ابن معين توثيقه، قال: وسألت أبي عنه، فذكر ما تقدم. قال الحافظ: وممن فرّق بينهما أيضا النسائيّ في ((الجرح والتعديل))، والصواب أنه رجل واحد، ووقع الخلاف في اسم جدّه، هل جَبْر أو جابر؟. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث وأعاده بعده، وحديث (٣٢٥): ((يغتسل بخمس مكاكيك، ويتوضأ بمكوك ... )) وأعاده بعده. [تنبيه]: أخرج الشيخان من طريق مِسْعَر، عن ابن جَبْر، عن أنس حديث الوضوء بالمدّ والاغتسال بالصاع، فلم يُسَمِّه مِسعر ولا نسبه، وأخرجه مسلم من طريق شعبة، فقال: عن عبد الله بن عبد الله بن جبر، عن أنس، وروى عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن فلان الأنصاريّ، عن أنس، هذه رواية أبي خالد الدالانيّ، وقال الثوريّ، وعمار بن رُزيق، عن عبد الله بن عيسى، عن جَبْر بن عبد الله بن عتيك، عن أنس، وهذا من مقلوب الأسماء. وأخرج أبو داود من طريق شَرِيك القاضي، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن جبر نسبه لجده. ٥١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وأخرج مالك في ((الموطأ)) حديثين عن عبد الله بن جابر بن عَتيك، فقيل: هو هذا، فَوَهِم مالك في تسمية جدّه جابراً، وقيل: هو آخر، وهو الراجح، والله أعلم. انتهى(١). ٥ - (أَنَس) بن مالك الخادم الشهير ظ ◌ُله تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير ابن جبر فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه راوياً وافق اسمه اسم أبيه، وهو عبد الله بن عبد الله بن جبر. ٦ - (ومنها): أن أنساً ظُله أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة ظيم بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣)، خدم النبيّ وَّ عشرين سنين، وهو من المعمّرين، فقد جاوز مائة سنة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ) بفتح الجيم وسكون الموحّدة، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسأَّ) ◌َبه (قَالَ: قَالَّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: («آيَةُ الْمُنَافِقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ) مبتدأ وخبر: أي علامة الشخص الذي فيه النفاق أن يُبغض أنصار رسول الله له . قال القرطبيّ رحمهم الله تعالى: الآية: العلامة والدلالة، وقد تكون ظنّةً، وقد تكون قطعيّةً، وحُبُّ الأنصار من حيثُ كانوا أنصار الدين ومُظهریه، وباذلين أموالهم وأنفسهم في إعزازه وإعزاز نبيّه ◌َ * وإعلاء كلمته دلالة قاطعةٌ (١) راجع: (تهذيب التهذيب)) ٣٦٧/٢ - ٣٦٨. ٥١٩ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٢) (٣٥) - بَابُ الدَِّيلِ عَلَى أَنَّ حُبَّ الأَنْصَارِ وَعَلِيٍّ . على صحّة إيمان من كان كذلك، وصحّة محبّته للنبيّ وََّ، ويُغضُهُم كذلك دلالة قاطعةٌ على النفاق، وكذلك القول في حبّ عليّ رَظُهُ وبُغْضِه، فمن أحبّه السابقته في الإسلام، وقِدَمِهِ في الإيمان، وغَنَائه فيه، وذَوْده عنه، وعن النبيّ وَّ﴿، ولمكانته من النبيّ رَّل، وقرابته، ومصاهرته، وعلمه، وفضائله كان ذلك منه دليلاً قاطعاً على صحّة إيمانه ويقينه ومحبّته للنبيّ وَّ، ومن أبغضه لشيء من ذلك كان على العكس. انتهى كلام القرطبيّ(١). وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: ((آية المنافق بغض الأنصار ... ))، وقوله مثل ذلك في عليّ رَظُه معناه بَيّنٌ؛ لأن من عرف حقّ الأنصار، ومكانهم من الدين، ومُبادرتهم إلى نصره وإظهاره، وقتال كافّة الناس دونه، وذبّهم عن النبيّ ◌َّهِ، ونصرهم له أحبّهم ضرورةً بحكم صحّة إيمانه وحبّه للإسلام وأهله، وعَظُمُوا في نفسه بمقدار عِظَم الإسلام في قلبه، ومن كان منافق السريرة، غير مسرور بما كان منهم، ولا مُحَبّ في إظهارهم للإيمان، ونصرهم له أبغضهم لا شكّ في ذلك، وكذلك في حقّ عليّ رَّ ◌ُه. انتهى باختصار(٢). [فائدة]: ((الأنصار)) - بفتح الهمزة: جمع ناصر، كأصحاب وصاحب، أو جمع نصير، كأشراف وشريف، واللام فيه للعهد: أي أنصار رسول الله وَلّه، والمراد الأوس والخزرج، وكانوا قبل ذلك يُعرفون ببني قَيلة - بقاف مفتوحة، وياء تحتانية ساكنة - وهي الأم التي تجمع القبيلتين، فسماهم رسول الله وَ ل الأنصار، فصار ذلك علماً عليهم، وأُطلق أيضاً على أولادهم، وحلفائهم، وموالیھم. وقال في ((القاموس)) و((شرحه)): وأنصار النبيّ وَّر من الأوس والخزرج نصروه في ساعة العسرة، غلبت عليهم الصفة، فجرى مَجْرَى الأسماء، وصار كأنه اسم الحيّ، ولذلك أضيف إليه بلفظ الجمع، فقيل: أنصاريّ. انتهى(٣). وقوله: ((أضيف إليه)): أي نُسب إلى لفظه، فقيل: أنصاريّ؛ لكونه جارياً مجرى العلم، قال في ((الخلاصة)): (١) ((المفهم)) ١/ ٢٦٤. (٣) ((تاج العروس)) ٥٦٨/٣. (٢) ((إكمال المعلم)) ٣٧٦/١ - ٣٧٧. ٥٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِباً لِلْجَمْعِ إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِداً بِالْوَضْعِ يعني أنه إذا نُسب إلى المثنّى أو الجمع وجب ردّه إلى واحده، فُنُسَب إليه، كقولك في النسبة إلى الفرائض: فَرَضيٍّ، فأما إذا كان علماً، كأنمار اسم قبيلة، أو جارياً مجرى العلم كأنصار، فتنسب إلى لفظه، فتقول: أنماريّ، وأنصاريّ(١)، والله تعالى أعلم. وقال في ((الفتح)): اسم إسلاميّ، سَمَّى به النبيّ ◌ََّ الأوسَ والخزرجَ، وحُلفاءهم، والأوس يُنسبون إلى أوس بن حارثة، والخزرج يُنسبون إلى الخزرج بن حارثة، وهما ابنا قَيْلَةَ، وهو اسم أمّهم، وأبوهم هو حارثة بن عمرو بن عامر الذي يجتمع إليه أنساب الأزد. انتهى(٢). وقال السمعانيّ رحمه الله تعالى: هم جماعة من أهل المدينة من الصحابة من أولاد الأوس والخزرج، قيل لهم: الأنصار؛ لنصرتهم رسول الله وَليه، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُواْ﴾ الآية [الأنفال: ٧٢]، وقال عزّ من قائل: ﴿لَقَدِ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَجِنَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]، وقال تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَنَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ رَضِى اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ الآية [التوبة: ١٠٠]، وفيهم كثرة وشُهْرة على اختلاف بطونهم وأفخاذهم. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. (وَآيَةُ الْمُؤْمِنِ حُبُّ الْأَنْصَارِ))) ((وفي الرواية التالية: ((حُبُّ الأنصار آية الإيمان، وبُغضهم آية النفاق))، وفي رواية البخاريّ: («آية الإيمان حُبُّ الأنصار، وآيةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأنصار)). قال في ((الفتح)): قوله: ((آية الإيمان)» - هو بهمزة ممدودة، وياء تحتانية مفتوحة، وهاء تأنيث ـ و((الإيمان)) مجرور بالإضافة، هذا هو المعتمد، في ضبط هذه الكلمة في جميع الروايات، في ((الصحيحين))، و((السنن))، و((المستخرجات))، و((المسانيد))، و((الآية)): العلامة، كما ترجم به البخاريّ والنسائيّ. (١) راجع: ((شرح ابن عقيل على الخلاصة)) في هذا البيت ٢٧٠/٢ - ٢٧١. (٣) ((الأنساب)) ٢٢٨/١. (٢) ((الفتح)) ١٤٠/٧.