Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
(٣٢) - بَابُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى الطَّعْنِ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةِ - حديث رقم (٢٣٤)
أحد عشر راوياً، فمنهم في ((الصحيحين)) ثلاثة: أحدهم: هذا المترجم هنا عند
الجماعة، والثاني: محمد بن عبيد بن حساب الْغُبريّ البصريّ من شيوخ
المصنّف، وأبي داود، وروى له النسائيّ بواسطة، ولا رواية له عند غيرهم،
والثالث: محمد بن عبيد بن ميمون المدني التّان، من شيوخ البخاريّ وابن
ماجه فقط، ولا رواية له عند غيرهم، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعي: الأعمش، عن أبي صالح.
٨ - (ومنها): أن أبا هريرة ظله أحفظ من روى الحديث في دهره، روى
(٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((اثْنَتَانِ) مبتدأ سوّغه
وصفه بقوله: (فِي النَّاسِ) أي كائنان في الناس، أو سوّغه وصفه بمقدّر، أي
خصلتان اثنتان، و((في الناس)) حال، (هُمَا) مبتدأ ثان أو هو ضمير فصل،
(بِهِمْ) أي فيهم، فالباء بمعنى ((في))، وقوله: (كُفْرٌ) خبر المبتدأ، والمراد به كفر
دون كفر إلا للمستحلّ، فإنه كفر مخرج عن الملّة، وقال النوويّ رحمه الله
تعالى: فيه أقوال:
[أصحّها]: أن معناه أنهما من أعمال الكفّار وأخلاق الجاهليّة.
[والثاني]: أنه يؤدّي إلى الكفر.
[والثالث]: أنه كفر النعمة والإحسان.
[والرابع]: أن ذلك في المستحلّ، ذكر هذا كله النوويّ في ((شرحه))(١).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: ((كُفْرٌ)) أي من أعمال أهل
الكفر وعادتهم، وأخلاق الجاهليّة. انتهى.
(الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ) خبر لمحذوف، أي أحدهما الطعن في النسب، وهو
بفتح الطاء وسكون العين: مصدر طَعَنَ، يقال: طَعَنَ فيه بالقول وطَعَنَ عليه،
من بابي قتل ونَفَعَ، طَعْناً وطَعْنَاناً: إذا قَدَح فيه وعاب(٢) .
(١) ((شرح مسلم)) ٢ / ٥٧.
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٣٧٣/٢.

٤٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ومعنى الطعن في النسب قدح بعض الناس في نسب بعضهم بغير علم (١).
(وَ) الثاني (النِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ))) بكسر النون وتخفيف الياء: اسم من
النَّوْح، يقال: ناحت المرأة زوجها وعليه نَوْحاً، من باب قال، والاسم النُّوَاحِ
بالضمّ وزانُ غُرَاب، وربّما قيل: النِّيَاحُ، بالكسر، ومَنَاحَةً، فهي نائحة(٢).
و ((النياحة)): رفع الصوت بالنَّذْب(٣) وهو تعدید محاسن الميت وشمائله
مع البكاء، كقوله: واكهفاه، واجبلاه، واسنداه، واكريماه، ونحوها، وهو
حرام(٤) .
وقال ابن العربيّ رحمه الله تعالى: النوح: هو ما كانت الجاهليّة تفعله،
كان النساء يَقِفن متقابلات يَصِحْنَ، ويَحْثين التراب على رؤوسهنّ، ويَضْربن
وجوههنّ. انتهى.
[فإن قلت]: كيف تجمع بين قوله هنا: ((اثنتان في الناس هما بهم
كفر ... إلخ)) وبين ما أخرجه المصنّف في ((كتاب الجنائز)) من حديث أبي
مالك الأشعري ظ ◌ُهُ أن النبيّ وَ﴿ قال: ((أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية لا
يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم،
والنياحة ... )) الحديث(٥).
وما أخرجه الترمذيّ من حديث أبي هريرة رضيبه قال: قال رسول الله وَله:
((أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعهن الناس: النياحة، والطعن في
الأحساب، والْعَدْوَى؛ جَرِبَ بعيرٌ فأجرب مائة بعير، من أجرب البعير الأول؟
والأنواءُ؛ مطرنا بنوء كذا وكذا)).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وهو كما قال.
[قلت]: يُجمع بينها بأنه ول ◌ّ أوحي إليه باثنتين فأخبر بهما، ثم أوحي إليه
(١) ((فتح)) ٢٠٣/٧ ((كتاب مناقب الأنصار)) حديث (٣٨٥٠).
(٢) راجع: ((القاموس)) ص٢٢٣، و((المصباح)) ٦٢٩/٢.
(٣) بفتح، فسكون، يقال: نَدَبت المرأة نَذْباً، من باب قَتَلَ.
(٤) راجع: ((المجموع شرح المهذّب للنوويّ)) ٢٨٠/٥.
(٥) أخرجه المصنّف في ((الجنائز)) برقم (٩٣٤) ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.

٤٦٣
(٣٢) - بَابُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى الطَّعْنِ فِي الَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةِ - حديث رقم (٢٣٤)
بعد ذلك بالزائد فأخبر به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظُبه هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله
تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٣٤/٣٢] (٦٧)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (٣٩٠/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧٧/٢ و٤٤١ و٤٩٦)، ولأبي
داود الطيالسيّ (٢٣٩٥)، وأحمد (٤١٥/٢ و٤٥٥ و٥٢٦)، و(الترمذيّ)
(١٠٠١) من طريق المسعوديّ وشعبة، كلاهما عن علقمة بن مرثد، عن أبي
الربيع، عن أبي هريرة ظه، مرفوعاً بلفظ: ((أربعة من أمر الجاهليّة لن يدعهنّ
الناس ... )) الحديث، وقد أسلفته آنفاً، ولأحمد (٢٦٢/٢) من حديث أبي
هريرة رضيه بلفظ: ((ثلاث من عمل الجاهليّة، لا يتركهنّ أهل الإسلام:
النياحة، والاستسقاء بالأنواء، والتعاير)) يعني بالأنساب.
وفي الباب عن جنادة بن مالك عند البزّار (٧٩٧)، والطبرانيّ (٢١٧٨)،
والبخاريّ في ((تاريخه)) (٢٣٣/٢)، وعن سلمان الفارسيّ ◌َظُه عند الطبرانيّ
(٦١٠٠)، وعن عمرو بن عوف عند البزار (٧٩٨). انظر: ((مجمع الزوائد» (٣/
١٢ - ١٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن الطعن في النسب والنياحة كفر، فيكون منافياً للإيمان،
وهو وجه المناسبة في إيراد المصنّف رحمه الله تعالى له في أبواب الإيمان.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: هما خصلتان مذمومتان محرّمتان
في الشرع، ((وقد كان النبيّ وَّ يأخذ على النساء في بيعتهنّ أن لا يَنُحْنَ))،
متّفقٌ عليه، وقال: ((ليس منّا من لَطَمَ الْخُدُود، وشَقَّ الْجُيُوب، ودعا بدعوى
الجاهلية))، متفقٌ عليه.

٤٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وكذلك نَهَى النبيّ وََّ عن السُّخْريّة، واللَّهْز، والنَّبْزِ (١)، والغيبة،
والْقَذْف، وكلُّ هذا من أعمال أهل الجاهليّة، فقد أخرج أبو داود في ((سننه))
بإسناد حسن عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله وم قد
أذهب عنكم عُبِّيَّةَ(٢) الجاهلية، وفخرها بالآباء، مؤمن تَقِيّ، وفاجر شَقِيٍّ، أنتم
بنو آدم، وآدم من تراب، لَيَدَعَنَّ رجالٌ فخرهم بأقوام، إنما هم فَحْمٌ من فَحْمِ
جهنم، أو ليكونُنّ أهون على الله من الْجِعْلان التي تَدْفَعُ بأنفها النَِّنَ)»(٣).
وقال الله وَل: ﴿إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأَنْتَى﴾ الآية [الحجرات: ١٣]، فعرّف
نعمته بالأنساب للتعارف والتواصل، فمن تسوّر على قطعها والْغَمْص فيها، فقد
كفر نعمة ربّه وخالف مراده.
وكذلك أمر الله تعالى بالصبر، وأثنى على الصابرين، ووعدهم رحمته
وصِلاته، ووصفهم بهدايته، وحتَمَ الموت على عباده، فمن أبدى السُّخْط
والكراهة لقضاء ربّه، وفَعَلَ ما نهاه عنه، فقد كفر نعمته فيما أعدّ للصابرين
من ثوابه، وتشبّه بمن كفر من الجاهليّة به. انتهى كلام القاضي ببعض
تصرّف(٤).
٢ - (ومنها): عناية الشارع بتنبيه الناس على البعد من أعمال الجاهليّة،
فإنها منافية للإسلام ومناقضة للعهد الذي أخذه النبيّ وَل* بقوله فيما أخرجه
الشيخان عن ابن عمر رضيًّا أن النبيّ وَلّ قال: ((المسلم أخو المسلم، لا
يَظْلِمه، ولا يُسْلِمه ... )) الحديث.
أن رسول الله وعَّاللّه قال: ((لا
وأخرجا أيضاً من حديث أنس بن مالك
(١) ((اللمز)) عيب الناس، والوقوع فيهم، والإشارة بالعين ونحوها، وخصّه بعضهم بأن
يكون في قفا الملموز، و((النَّبْز)): هو التعبير بما يكره من الألقاب.
(٢) بضم العين وكسرها، وتشديد الموحدة والياء: الكبر والتجبر، والنخوة.
(٣) حديث حسن، رجاله رجال الصحيح، غير هشام بن سعد، وهو مختلف فيه،
وحديثه حسن، وأخرج له مسلم في الشواهد، وقال ابن معين: صالح، وقال
أبو زرعة: محله الصدق، وقال العجليّ: جائز الحديث، حسن الحديث، وبالجملة
فحديثه حسن، والله تعالى أعلم.
(٤) ((إكمال المعلم)) ١/ ٣٦١ - ٣٦٣.

٤٦٥
(٣٣) - بَابُ تَسْمِيَةِ الْعَبْدِ الآبِقِ كَافِراً - حديث رقم (٢٣٥)
تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل
لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)).
٣ - (ومنها): تحريم الطعن في النسب بنحو ذمّ وعيب، بأن يقدح في
نسب أحد من الناس، فيقول: ليس هو من ذرّيّة فلان؛ لأنه هجوم على
الغيب، ودخول فيما لا يعني، وتحقير للمسلم، وكسر قلبه بإدخال العار عليه.
٤ - (ومنها): تحريم النياحة، وهو تعديد محاسن الميت وشمائله،
كقوله: واكهفاه، واجبلاه، واسنداه، واكريماه ونحوها، وهو حرام، وإن لم
يكن معه بكاء؛ لأن في ذلك تسخّطاً لقضاء الله تعالى، ومعارضة لأحكامه،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٣٣) - (بَابُ تَسْمِيَةِ الْعَبْدِ الآبِقِ كَافِراً)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٣٥] (٦٨) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي
ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ
يَقُولُ: ((أَيُّمَا عَبْدٍ أَبِقَ مِنْ مَوَالِيهِ، فَقَدْ كَفَرَ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ))، قَالَ مَنْصُورٌ: قَدْ
وَاللهِ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُرْوَى عَنِّي هَهُنَا بِالْبَصْرَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩]
(ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو ابن إبراهيم بن مِقسَم الأسديّ مولاهم، أبو
بِشْر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٣ - (مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الْغُدَانيّ (١) الأشلّ البصريّ، صدوق يَهِم [٦].
(١) بضم الغين المعجمة، وتخفيف الدال المهملة، نسبة إلى غُدَانة بن يَرْبُوع بن =

٤٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رَوَى عن أبي إسحاق السَّبِيعِيّ، وعامر الشعبيّ، والحسن البصري.
وروى عنه أبو مطيع الحكم بن عبد الله البَلْخِيَّ، وشعبة بن الحجاج،
وبشر بن المفضل، وإسماعيل ابن علية.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: صالح رَوَى عنه شعبة، قلت: ثقة؟ قال:
حَدّث عنه شعبة، وإسماعيل، إلا أنه يخالف في أحاديث، وهو ثقة، ليس به
بأس، وقال ابن معين وأبو داود: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، يُكتَب
حديثه ولا يحتجّ به، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
تفرّد به المصنّف وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ إمام مشهور فقيه
فاضل [٣] (ت بعد المائة)، وله نحو ثمانين سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٥ - (جَرِير) بن عبد الله الصحابيّ الشهير رَظُه المذكور قبل باب، والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: ((يعني ابن عُليّة))، هذه العناية من المصنّف
رحمه الله تعالى، وذلك أن شيخه لم ينسب إسماعيل، فلما أراد أن ينسبه أتى
بایعني)) فصلاً بین ما زاده وبين كلام شيخه.
٣ - (ومنها): أن منصوراً ليس له رواية في هذا الكتاب إلا هذا الحديث،
كما نبّهتُ عليه آنفاً .
٤ - (ومنها): أن جملة من يُسمّى بمنصور بن عبد الرحمن في الكتب
الستة اثنان فقط :
[أحدهما]: هذا المترجم هنا عند المصنّف وأبي داود فقط.
[والثاني]: منصور بن عبد الرحمن بن طلحة الْعَبْدريّ الْحَجَبيّ المكّي عند
الجماعة إلا الترمذيّ.
= حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تيم، قاله في ((الأنساب)) ٢٨٣/٤، و((اللباب)) ٣٧٥/٢.

٤٦٧
(٣٣) - بَابُ تَسْمِيَةِ الْعَبْدِ الآبِقِ كَافِراً - حديث رقم (٢٣٥)
ولهم ثالث يُذكَر للتمييز، وهو منصور بن عبد الرحمن الْبُرْجُميّ.
[تنبيه]: ذكر النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)) (٥٩/٢) ما نصّه: وفي
الرواة خمسةٌ يقال لكلّ واحد منهم منصور بن عبد الرحمن، هذا أحدهم.
(١)
انتھی
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ نقله عن
الحافظ أبي بكر الخطيب في كتابه ((المتّفق)) والمفترق)) (١٩٢٢/٣)، فقد
قال فيه: منصور بن عبد الرحمن خمسة، منهم اثنان ذكرهما البخاريّ في
(تاريخه))، ثم قال: منصور بن عبد الرحمن بن الأحوص القرشيّ، من بني
عبد شمس، مدنيّ، حدّث عن زيد بن ثابت، روى عنه الزهريّ، ثم ذكر
الثلاثة المذكورين هنا، ثم قال: ومنصور بن عبد الرحمن حدّث عن
الحسن البصريّ، روى عنه إبراهيم بن طهمان، ثم أورد الخطيب حديثاً من
طريقه .
قال الجامع: أما منصور بن عبد الرحمن القرشيّ، فقد ذكره البخاريّ في
((التاريخ الكبير)) (٣٤٤/١/٤) باسم منصور بن عبد الله، وكذا هو في ((الجرح
والتعديل)) (١٧٤/٨) لابن أبي حاتم، و(الثقات)) (٤٢٩/٥) لابن حبّان، ولكن
أشار في هامش ((التاريخ الكبير)) أنه وقع باسم: منصور بن عبد الرحمن، ولعل
الخطيب اعتمد على هذه النسخة، والظاهر أنها غير صحيحة؛ لأن ابن أبي
حاتم، وابن حبان ذكراه بابن عبد الله، والله تعالى أعلم.
وأما منصور الأخير فلم أر له ذكراً عند غيره، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَرِير) بن عبد الله البجليّ ◌َّهِ (أَنَّهُ) أي منصوراً (سَمِعَهُ) أي
جريراً وَظُه (يَقُولُ: (أَيُّمَا عَبْدٍ) ((أيُّ)) اسم شرط مبتدأ، وفي خبره الخلاف، هل
هو جملة الشرط، أو الجواب، أو هما معاً؟ كما هو موضّح في كتب النحو،
و((ما)) زائدة، و((أيُّ)) مضاف إلى ((عبد)) (أَبِقَ) بكسر الموحّدة وفتحها، يقال: أَبِقَ
(١) (شرح مسلم)) ٢/ ٥٩.

٤٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
العبدُ، كسَمِعَ، وضَرَبَ، وقَتَل(١) أَبْقاً، ويُحَرَّكُ، وإِباقاً، ككتاب: ذهب بلا خوفٍ
ولا كدّ عَمَل، أو استخفى ثم ذهب، فهو آبقٌ وأَبُوقٌ، وجمعه ككُفّار ورُبَّع، قاله
في ((القاموس))(٢)، وفي ((المصباح)): أَبِقَ العبدُ أَبْقاً، من بابي تَعِبَ وَقَتَلَ في لغة،
والأكثر من باب ضَرَب: إذا هَرَبَ من سيّده من غير خوفٍ ولا كدّ عَمَلٍ، هكذا
قيّده في (كتاب العين))، وقال الأزهريّ: الأَبْقُ: هُرُوبُ العبد من سيّده، والإِبَاقُ
بالكسر اسمٌ منه، فهو آبقٌ، والجمعُ أُبَاقٌ، مثلُ كافر وكُفّار. انتهى (٣) .
وقال النوويّ في ((شرحه)): ((وأبِقَ)) بفتح الباء، وكسرها لغتان مشهورتان،
والفتح أفصح، وبه جاء القرآن: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
١٤٠
[الصافات: ١٤٠]. انتهى (٤) .
(مِنْ مَوَالِيهِ) متعلّق بـ(أبق))، وهو جمع مولى بمعنى السيّد، وقد سبق أنه
يُطلق على أحد وعشرين معنى، جمعتها في أبيات تقدّم ذكرها، فراجعها
تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (فَقَدْ كَفَرَ) تقدّم في الباب الماضي أقوال أهل
العلم في المعنى المراد بالكفر هنا، وأن الأصحّ أنه كفر دون كفر، وليس كفراً
مخرجاً من الإسلام إلا لمن استحلّه (حَتَّى يَرْجِعَ) بفتح أوله وكسر ثالثه، من
باب ضرب (إِلَيْهِمْ))) فيه أن رجوعه إليهم يُعدّ توبة في حقّه.
(قَالَ مَنْصُورٌ) هو ابن عبد الرحمن الراوي عن الشعبيّ (قَدْ وَاللهِ) قسم
معترض بين ((قد)) ومدخولها (رُوِيَ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله ضمير
الحديث المذكور.
والمعنى: أن هذا الحديث الذي رواه الشعبيّ عن جرير ◌ُبه موقوفاً عليه
مرويّ (عَنِ النَّبِيِّ نََّ) مرفوعاً.
ولفظ أبي نُعيم في ((مستخرجه)): ((قال منصور: وقد والله قاله رسول الله وَّا)).
(١) وقع في ((القاموس)): ((وَمَنَعَ))، لكن الصواب، كما في ((الصحاح))، و((المصباح))
و ((اللسان)) أنه من باب قتل، فلذا أصلحته به، وقد نبه على هذا الشارح المرتضى،
والله تعالى أعلم.
(٢) ((القاموس)» ص٧٧٨.
(٤) ((شرح مسلم)) ٥٩/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ١/ ٢.

٤٦٩
(٣٣) - بَابُ تَسْمِيَةِ الْعَبْدِ الآبِقِ كَافِراً - حديث رقم (٢٣٥)
ورواه ابن منده في ((الإيمان)) من طريق شعبة عن منصور الأشلّ، قال:
سمعت الشعبيّ يُحدّث عن جرير، قال شعبة: حدّثنيه مرّتين، ورفعه آخر مرّة
عن النبيّ وَّ قال: ((إن العبد الآبق ... )) الحديث.
ورواه الخطيب البغداديّ في كتابه ((المتّفق والمفترق)) بسند المصنّف،
وفيه: ((قال منصور: قد والله رواه عن النبيّ وَّر ... )).
(وَلَكِنِّي أَكْرَهُ) بفتح أوله وثالثه، من باب تَعِبَ (أَنْ يُرْوَى عَنِّي) ببناء الفعل
للمفعول، أي ينقله الناس عنّي (هَهُنَا بِالْبَصْرَةِ) بفتح الموحّدة وكسرها: المدينة
المعروفة بالعراق، بُنيت في عهد عمر ظُبه سنة ثماني عشرة من الهجرة بعد
وقف السواد، ولذا دخلت في حدوده دون حكمه، قاله الفيّوميّ(١).
ومعنى كلام منصور رحمه الله تعالى هذا أنه رَوَى هذا الحديثَ عن
الشعبيّ، عن جرير موقوفاً عليه، ثم قال منصور بعد روايته إياه موقوفاً: والله
إِنه مرفوعٌ إلى النبيّ ◌َّة، فاعلموه أيها الخواصّ الحاضرون، فإني أكره أن
أُصَرِّح برفعه في لفظ روايتي، فَيَشِيَع عنيّ في البصرة التي هي مملوءة من
المعتزلة والخوارج، الذين يقولون بتخليد أهل المعاصي في النار، والخوارج
يزيدون على التخليد، فَيَحْكُمُون بكفره، ولهم شبهة في التعلّق بظاهر هذا
الحديث، وقد قَدَّمنَا تأويله، وبطلان مذاهبهم بالدلائل القاطعة الواضحة التي
ذكرناها في مواضع من هذا الكتاب، قاله النوويّ رحمه الله تعالى، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
رَُّه عنه هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله
(المسألة الأولى): حديث جرير
تعالی.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٣٥/٣٣ و٢٣٦ و٢٣٧] (٦٨)،
و(أبو داود) في ((الحدود)) (٤٣٦٠)، و(النسائيّ) في ((كتاب المحاربة)) (٤٠٥١
و٤٠٥٢ و٤٠٥٣ و٤٠٥٤ و٤٠٥٥ و٤٠٥٦ و٤٠٥٧ و٤٠٥٨)، وفي ((الكبرى))
(١) ((المصباح)) ٥٠/١.

٤٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(٣٥١٢ و٣٥١٣ و٣٥١٤ و٣٥١٥ و٣٥١٦ و٣٥١٧ و٣٥١٨ و٤٥١٩)، و(أحمد)
في ((مسنده)) (٣٥٧/٤ و٣٦٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٧٠ و٧١ و٧٢ و٧٣
و٧٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٢٦ و٢٢٧ و٢٢٨)، و(ابن منده) في
((الإيمان)) (٦٦٦ و٦٦٧ و٦٦٨ و٦٦٩)، والبيهقيّ في ((الكبرى)) (٢٠٤/٨)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن إباق العبد من مواليه معصية كبيرة، تُضادّ مقتضيات
الإيمان من وجوب الطاعة لهم، وهذا هو وجه إدخال المصنّف لهذا الحديث
في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): أن الإباق يعتبر كفراً، وقد سبق أنه كفر دون كفر، فهو كفر
لنعمة الله تعالى عليه.
٣ - (ومنها): أن قول منصور بن عبد الرحمن: ((ولكني أكره أن يُرْوَى عني
ها هنا بالبصرة)) فيه ما كان عليه السلف من تيقّظهم وتحفّظهم من أن يتعلّق
المبتدعون بالنصوص التي يروونها فيما يؤيّد بِدَعَهُم، وهكذا ينبغي للعالم أن يكون
يَقِظاً متحفِّظاً، لا ينشر من العلم بين العوامّ ما فيه مُتمسَّكٌ لأهل الضلال وإن كان
في نفسه حقّاً، فلا يورد النصوص التي ظواهرها تؤيّد أفكارهم، وعلى ذلك بوّب
الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((كتاب العلم)) من ((صحيحه))، فقال: ((باب من
خصّ بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا))، ثم أخرج بسنده عن عليّ رَظ ◌ُبه
قال: حدّثوا الناس بما يَعرِفون، أتحبّون أن يكذّب الله ورسوله؟))، وأورد أيضاً
حديث معاذ نصُّله عنه حين قال للنبيّ وَله: أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: ((لا
تبشّرهم فيتكلوا))، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في (١٥٢/١١) فراجعه تستفد،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٣٦] (٦٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَانٍ،
عَنْ دَاوُدَ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَيُّمَا عَبْدٍ أَبِقَ، فَقَدْ
بَرِثَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ))).

٤٧١
(٣٣) - بَابُ تَسْمِيَةِ الْعَبْدِ الآبِقِ كَافِراً - حديث رقم (٢٣٧)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاث) بن طَلْق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ
القاضي، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه قليلاً في الآخر [٨] (ت٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٣٦/٨.
٢ - (دَاوُد) بن أبي هند الْقُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد
البصريّ، ثقةٌ متقنٌّ، كان يَهِم بآخره [٥] (ت١٤٠) وقيل: قبلها (ع) تقدم في
((الإيمان)» ٢٢١/٢٧.
والباقون تقدّموا في الذي قبله.
وقوله: (فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذُّمَّةُ) قال القرطبيّ: أي ذمّة الإيمان وعهدُه،
وخَفَارته، إن كان مستحلّاً للإباق فيجب قتله بعد الاستتابة لأنه مرتدّ، وإن لم
يكن كذلك فقد خرج عن حُرْمة المؤمنين وذمّتهم، فإنه تجوز عقوبته على إباقه،
وليس لأحد أن يحول بين سيّده وبين عقوبته الجائزة إذا شاءها السيّد، ويقال:
بَرِثْتُ من الرجل، والدين بَرَاءَةً، وبَرِئت إليه بُرْءاً وبُرُوءاً، ويقال أيضاً: بَرُئت
- بضم الراء - أبرُؤ. انتهى (١).
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: قوله: ((فقد برئت منه
الذمّة)): أي لا ذمّة له حينئذ، و((الذمة)) هنا يجوز أن تكون هي الذمة المفسرة
بالذِّمَام، وهو الحرمة، ويجوز أن تكون من قَبِيل ما جاء في قوله: له ذمة الله
وذمة رسوله وَله: أي ضمانه، وأمانته، ورعايته، وكلاءته، ومن ذلك أن الآبق
كان مَصُوناً عن عقوبة السيد له وحبسه، فزال ذلك بإباقه، والله أعلم. انتهى(٢)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الکتاب قال:
[٢٣٧] (٧٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَن
الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَانَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ نَلِ قَالَ: ((إِذَا أَبِقَ الْعَبْدُ
لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ)).
(١) ((المفهم)) ٢٥٦/١ ((كتاب الإيمان)).
(٢) ((الصيانة)) ص ٢٤٧ - ٢٤٨.

٤٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ،
ثبتٌ، إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (جَرِيرٌ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل
الريّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٣ - (مُغِيرَةُ) بن مِقْسَم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ
متقنٌّ، يدلّس [٦] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤.
قريبا .
والباقيان تقدّما
وقوله: (إِذَا أَبِقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ) قيل: القبول أخصّ من الإجزاء،
فإن القبول هو أن يكون العملُ سبباً لحصول الأجر والرضا والقرب من الله
تعالى، والإجزاء كونه سبباً لسقوط التكليف عن الذّمّة، فصلاة العبد الآبق
صحيحة مجزئة لسقوط التكليف عنه بها، لكن لا أجر له عليها، قاله السنديّ
رحمه الله تعالى(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالإجزاء وسقوط التكليف مع عدم
القبول فيه نظر لا يخفى؛ إذ هو قول بلا دليل ولا حجة، فتبصّر، والله تعالى
أعلم.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((لم تُقبل له صلاةٌ)) إن كان
مستحلّاً حُمل الحديث على ظاهره؛ لأنه يكون كافراً ولا يُقبل لكافر عملٌ،
وإن لم يكن كذلك لم تصحّ صلاته على مذهب المتكلّمين في الصلاة في الدار
المغصوبة؛ لأنه منهيّ عن الكون في المكان الذي يُصلّي فيه ومأمورٌ بالرجوع
إلى سيّده، وأما على مذهب الفقهاء المصحّحين لتلك الصلاة، فيُمكن أن
يُحمل الحديث على مذهبهم على أن الإثم الذي يلحقه في إباقه أكثر من
الثواب الذي يدخل عليه من جهة الصلاة، فكأن صلاته لم تُقبَل؛ إذ لم
يتخلّص بسببها من الإثم، ولا حصل له منها ثواب يَتخلّص به من عقاب الله
على إياقه، فكان هذا كما في قوله وَلجر: ((إن شارب الخمر لا تُقبل له صلاةٌ
(١) ((شرح السنديّ)) ١٠٢/٧ - ١٠٣.

٤٧٣
(٣٣) - بَابُ تَسْمِيَةِ الْعَبْدِ الآبِقِ كَافِراً - حديث رقم (٢٣٧)
أربعين يوماً))(١). انتهى كلام القرطبيّ(٢).
قال الجامع: القول بعدم صحة الصلاة في الدار المغصوبة هو الحقّ،
كما سيأتي، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ في ((شرحه)): أَوَّلَ الإمام المازريّ وتبعه القاضي عياض
رحمهما الله تعالى هذا الحديث على أن ذلك محمول على المستحلّ للإباق،
فيَكْفُر، ولا تُقبل له صلاة ولا غيرها، ونبّه بالصلاة على غيرها.
وأنكر الشيخ أبو عمرو - يعني ابن الصلاح - هذا التأويل، وقال: بل
ذلك جارٍ في غير المستحلّ، ولا يلزم من عدم القبول عدم الصحّة، فصلاة
الآبق صحيحة غير مقبولة، فعدم قبولها لهذا الحديث وذلك لاقترانها بمعصية،
وأما صحّتها فلوجود شروطها وأركانها المستلزمة صحّتها، ولا تناقض في
ذلك، ويظهر أثر عدم القبول في سقوط الثواب، وأثر الصّحّة في سقوط
القضاء، وفي أنه لا يُعاقب عقوبة تارك الصلاة. هذا آخر كلام الشيخ أبي
عمرو رحمه الله تعالى.
قال النوويّ: وهو ظاهر لا شكّ في حسنه، وقد قال جماهير أصحابنا :
إن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة لا ثواب فيها، ورأيت في ((فتاوى أبي
نصر بن الصبّاغ)» من أصحابنا التي نقلها عنه ابن أخيه الْقَاضِي أَبُو مَنْصُور،
قَالَ: الْمَحْفُوظُ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا بِالْعِرَاقِ، أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ
صَحِيحَةِ، يَسْقُطِ بِهَا الْفَرْضِ، وَلَا ثَوَابِ فِيهَا، قَالَ أَبُو مَنْصُور: وَرَأَيْت أَصْحَابَنَا
بِخُرَاسَان اخْتَلَفُوا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تَصِحُّ الصَّلَاة، قَالَ: وَذَكَرَ شَيْخُنَا فِي
((الْكَامِل)) أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ، وَيَحْصُلِ الثَّوَابِ عَلَى الْفِعْلِ، فَيَكُون مُثَاباً عَلَى
فِعْله عَاصِياً بِالْمُقَامِ فِي الْمَغْصُوبِ، فَإِذَا لَمْ نَمْنَع مِنْ صِحَّتِهَا لَمْ نَمْنَع مِنْ
حُصُولِ الثَّوَابِ، قَالَّ أَبُو مَنْصُور: وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ عَلَى طَرِيق مَنْ صَحَّحَهَا،
وَالله أَعْلَم. انتهى كلام النوويّ.
(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذيّ (١٨٦٣)، والنسائيّ (٣١٦/٨) من حديث
عبد الله بن عمرو بن العاص
(٢) ((المفهم)) ١/ ٢٥٧.

٤٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الحقّ في هذه المسألة هو الذي
ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو أنها لا تصحّ ولا يسقط بها
الطلب؛ لظاهر حديث الباب، والفرق بين الصحّة والقبول مما لا يؤيّده دليلٌ،
وقد ذكر ذلك في ((شرح الكوكب الساطع)) في الأصول، عند قوله:
كُرْهاً فَفِي الْوَقْتِ الصَّلَاةُ تَبْطُلُ
مُظْلَقُ الأَمْرِ عِنْدَنَا لَا يَشْمَلُ
مِثْلُ الصَّلَاةِ فِي مَكَانٍ اعْتَدَى
أَمَّا الَّذِي جِهَاتُهُ تَعَدَّدَا
وَلَا ثَوَابَ عِنْدَهُمْ فِي الأَشْهَرِ
فَإِنَّهَا تَصِحُ عِنْدَ الأَكْثَرِ
سُقُوطُهُ وَالْحَنْبَلِيُّ لَا وَلَا
وَقِيلَ لَا تَصِحُ لَكِنْ حَصَلَا
وقوله: ((والحنبليّ لا ولا)) يعني أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى
قال: لا تصحّ الصلاة، ولا ثواب فيها، وهذا هو الحقّ، فتبصّر، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٣٤) - (بَابُ بَيَانِ كُفْرِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨] (٧١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ،
قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنَ
اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟))،
قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ
قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ:
مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) المذكور في السند الماضي.

٤٧٥
(٣٤) - بَابُ بَيَانِ كُفْرٍ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٣٨)
٢ - (مَالِك) بن أنس بن أبي عامر الأصبحيّ، إمام دار الهجرة الفقيه المجتهد
الحافظ الحجة الثبت [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.
٣ - (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) المدنيّ، أبو محمد أو أبو الحارث، مؤدّب ولد
عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] (ت بعد ١٣٠ أو بعد ١٤٠) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٩/ ١٤١.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٥ - (زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ) أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو طلحة، ويقال:
أبو زرعة، المدنيّ، رَوَى عن النبيّ وَّرَ، وعن عثمان، وأبي طلحة، وعائشة،
وروى عنه ابناه: خالد وأبو حَرْب، ومولاه أبو عمرة، وعبد الرحمن بن أبي
عَمْرة، وقيل: أبو عمرة الأنصاريّ، وأبو الْحُبَاب سعيد بن يسار، وعبيد الله
الْخَوْلانيّ، وعبد الله بن قيس بن مَخْرَمة، وبسر بن سعيد، وعطاء بن أبي
رَبَاحِ، وعطاء بن يسار، ويزيد مولى الْمُنْبَعِث، وأبو سالم الْجَيْشانيّ،
وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم.
شَهِد الْحُديبية، وكان صاحب لواء جُهَيْنَةَ يوم الفتح، قال أحمد بن الْبَرْقيّ:
تُوُفّي بالمدينة سنة ثمان وسبعين، وهو ابن خمس وثمانين سنة، وقال غيره: بالكوفة،
وقال ابن سعد وآخرون: مات في آخر أيام معاوية، وقال البغويّ: مات سنة (٦٨)،
وقال ابن حبان في ((الصحابة)): مات سنة (٧٨)، قال: وقد قيل: سنة (٦٨).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثاً (١)، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة غير شيخه، فتفرّد به هو
والبخاريّ، والترمذيّ، والنسائيّ.
(١) هكذا في برنامج الحديث، والذي ذكرته في ((قرّة العين)) (ص١٤٤) نقلاً عن ابن
الجوزيّ رحمه الله تعالى أن له (٨١) حديثاً، اتفق الشيخان على خمسة أحاديث،
وانفرد مسلم بثلاثة، ويمكن أن يكون التفاوت بالتكرار، والله تعالى أعلم.

٤٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بفقهاء المدنيين غير شيخه، فإنه نيسابوريّ، وقد
دخل المدينة للأخذ عن مالك.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: صالح عن عبيد الله.
٥ - (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، عبيد الله بن عبد الله، وقد تقدّم
ذكرهم غير مرّة.
٦ - (ومنها): أن زيد بن خالد رؤيته هذا أوّل محلّ ذكره في هذا الكتاب،
وجملة ما روى له المصنّف فيه (١٦) حديثاً، كما بيّنته آنفاً، وبالله تعالى
التوفيق.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّاني في ((تقييد المهمل)) بعد أن أورد
إسناد المصنّف هذا ما نصّه: هكذا إسناد هذا الحديث، وفي نسخة أبي
العلاء بن ماهان: («مالك، عن صالح بن كيسان، عن الزهريّ، عن عبيد الله،
عن ابن عباس))، وإدخال الزهريّ في هذا الإسناد خطأُ بَيِّنٌ، وصالح بن كيسان
يرويه عن عبيد الله بن عبد الله دون واسطة، وصالح أسنّ من الزهريّ.
انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ) هكذا (٢) يقول صالح بن كيسان، لم يُخْتَلَف
عليه في ذلك، وخالفه الزهريّ، فرواه عن شيخهما عبيدِ الله، فقال: عن أبي
هريرة، كما سيأتي في الرواية التي يوردها المصنّف بعد هذا من طريقه،
فالطريقان صحيحتان؛ لأن عبيد الله سَمِع من زيد بن خالد وأبي هريرة جميعاً
عِدَّةَ أحاديث، منها: حديث الْعَسِيف وحديث الأمة إذا زَنَت، فلعله سمع هذا
منهما، فحَدَّث به تارةً عن هذا وتارةً عن هذا، وإنما لم يجمعهما لاختلاف
لفظهما كما تراه في روايتيهما، وقد صرح صالح بسماعه له من عبيد الله عند
أبي عوانة في ((مسنده)) (٦٧)، ورَوَى صالح عن عبيد الله بواسطة الزهري عِدّة
(١) ((تقييد المهمل، وتمييز المشكل)) ٧٧٩/٣ - ٧٨٠.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٦٧٤/٢.

٤٧٧
(٣٤) - بَابُ بَيَانِ كُفْرِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٣٨)
أحاديث، منها: حديثُ ابن عباس في شاة ميمونة، كما سيأتي في ((كتاب
الحيض)) (٣٦٣)، وحديثه عنه في قصة هِرَقل كما سيأتي في ((الجهاد والسِيَر))
(١٧٧٣)(١) .
(قَالَ: صَلَّى بِنَا) أي صلّى إماماً ونحن مقتدون به، ووقع عند البخاريّ:
بلفظ: ((صَلَّى لنا)) باللام، أي لأجلنا، أو اللام بمعنى الباء أي صلى بنا، وفيه
جواز إطلاق ذلك مجازاً، وإنما الصلاة لله تعالى، قاله في ((الفتح))(٢).
(رَسُولُ اللهِ وَّهِ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَّيْبِيَةِ) بالمهملة والتصغير، وتخفف ياؤها
وتُتَقَّل، يقال: سُمِّيَت بشجرة حدباء هناك، قاله في ((الفتح)).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: أكثر رواة الحديث والخبر يُشدّدون
الياء من الحديبية، والْحُذّاق منهم يُخفّفونها، وكذا قرأناه بالوجهين وبالتخفيف
سمعناها من متقنيهم وحُفّاظهم: أبي الحسين بن سراج اللغويّ، وأبي عبد الله بن
سليمان الحافظ النحويّ، والقاضي الشهيد الحافظ أبي عليّ السُّكَّريّ، والراوية
أبي بحر بن العاص وغيرهم، وحَكَى لنا أبو الحسين أن الأصمعيّ يُخفّفها
والكسائيّ يُشدّدها، وروى لنا القاضي الشهيد، عن إسماعيل القاضي، عن ابن
المدينيّ أن أهل المدينة يُشدّدونها وأهل العراق يُخفّفونها .
وكذلك اختلفوا في ((الْجِعْرَانة))، فأهل المدينة يكسرون العين ويُشدّدون
الراء، وأهل العراق يُخفّفون العين والراء.
وكذلك اختلفوا في ابن الْمُسَيِّب، فأهل المدينة يَكسرون الياء، وأهل
العراق يفتحونها، وهذا عن أهل العراق في الحديبية خلافُ ما قال لنا أبو
الحسين. انتهى كلام عياض(٣).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: في ((الْحُدَيبية)) لغتان: تخفيف الياء
وتشديدها، والتخفيف هو الصحيح المشهور المختار، وهو قول الشافعيّ وأهل
اللغة وبعضٍ المحدِّثين، والتشديدُ قول الكسائيّ، وابن وهب، وجماهير
المحدثين، واختلافهم في الجعرانة كذلك، في تشديد الراء وتخفيفها،
(١) المراد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، فتنبّه.
(٢) ((الفتح)) ٦٧٤/٢.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٣٦٨/١ - ٣٦٩.

٤٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
والمختار فيها أيضاً التخفيف. انتهى(١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ((الْحُديبية)): موضع فيه ماءٌ، بينه وبين
مكة أميال، وَصَلَ النبيّ بِّهَ إليه، وهو محرمٌ بعمرة قبل فتح مكّة، فصدّه
المشركون عن البيت، فصالحهم وشَرَطَ لهم وعليهم، ولم يدخل مكّة في تلك
السنة ورجع إلى المدينة، فلما كان العام المقبل دخلها، وسيأتي تفصيل ذلك
كلِّهِ - إن شاء الله تعالى -. انتهى كلام القرطبيّ (٢).
وقال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: ((الحديبية)): بئر بقرب مكة على طريق
جُدّة دون مرحلة، ثم أطلق على الموضع، ويقال: بعضه في الحلّ وبعضه في
الحرم، وهو أبعد أطراف الحرم عن البيت، ونَقَل الزمخشريّ عن الواقديّ أنها
على تسعة أميال من المسجد، وقال أبو العباس أحمد الطبريّ في ((كتاب دلائل
القبلة)): حَدُّ الحرم من طريق المدينة ثلاثة أميال، ومن طريق جُدَّة عشرة أميال،
ومن طريق الطائف سبعة أميال، ومن طريق اليمن سبعة أميال، ومن طريق
العراق سبعة أميال، قال في ((الْمُحْكَم)): فيها التثقيل والتخفيف، ولم أَرَ التثقيل
لغيره، وأهلُ الحجاز يُخَفِّفون، قال الطَّرْطُوشيّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَّكَ
فَتْحًا مُبِينًا ﴾﴾ [الفتح: ١]: هو صلح الحديبية، قال: وهي بالتخفيف، وقال
أحمد بن يحيى: لا يجوز فيها غيره، وهذا هو المنقول عن الشافعيّ، وقال
السُّهَيليّ: التخفيف أعرف عند أهل العربية، قال: وقال أبو جعفر النَّخَّاس:
سألت كلَّ مَن لَقِيتُ ممن أثق بعلمه من أهل العربية عن الحديبية، فلم يَخْتَلِفُوا
عليّ في أنها مخففةٌ، ونَقَلَ البكريّ التخفيف عن الأصمعيّ أيضاً، وأشار
بعضهم إلى أن التثقيل لم يُسْمَع من فصيح، ووجهه أن التثقيل لا يكون إلا في
المنسوب، نحو ((الإِسْكَندَرِيَّة))، فإنها منسوبة إلى الإِسْكَنْدَر، وأما ((الحديبية))،
فلا يُعْقَلُ فيها النسبة، وياءُ النَّسَبِ في غير منسوب قليلٌ، ومع قلّته فموقوف
على السماع، والقياسُ أن يكون أصلها حَدْبَاةَ بألف الإلحاق ببنات الأربعة،
فلما صُغِّرت انقلبت الألف ياء، وقيل: حُدَيْبِيَة، ويَشْهَد لصحة هذا قولهم:
لُيَيْلِيَة بالتصغير، ولم يَرِدْ لها مُكَبَّر، فقدَّره الأئمة ليلاة؛ لأن المصغر فرع
(١) ((شرح مسلم)) ٦٠/٢.
(٢) ((المفهم)) ٢٥٨/١.

٤٧٩
(٣٤) - بَابُ بَيَانِ كُفْرِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٣٨)
المكبر، ويمتنع وجود فرع بدون أصله، فقُدِّر أصله؛ ليجري على سَنَنِ الباب،
ومثله مما سُمِعَ مُصَغَّراً، دون مكبره قالوا في تصغير غِلْمَة، وصبية: أُغيلمةٌ
وأُصيبيةٌ، فَقَدَّروا أصله أَعْلِمَة وأَصْبِية، ولم يَنطِقوا به لما ذكرتُ فافهمه، فلا
مَحِيد عنه، وقد تكلمت العرب بأسماءٍ مصغرةٍ ولم يتكلموا بمكبرها، ونَقَلَ
الزجاجيّ عن ابن قُتيبة أنها أربعون اسْماً. انتهى كلام الفيّوميّ(١).
(فِي إِثْرِ السَّمَاءِ) بكسر الهمزة، وإسكان الثاء المثلّثة، وبفتحهما جميعاً؛
لغتان مشهورتان، ومعناه: بعدها وعَقِبها، قال الفيّوميّ: جئتُ في أَثَرِهِ
بفتحتين، وإِثْرِهِ بكسر الهمزة وسكون الثاء: أي تبعته عن قُرْب. انتهى.
وقوله: (السَّمَاءِ) قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: وقع في
الأصل المأخوذ عن الْجُلُوديّ ((السماء)) بالألف واللام، وكذلك هو في أصل
الحافظ أبي القاسم العساكريّ مُضَبَّباً عليه، وهو جائزٌ على أن يكون قوله:
((كانت)) مستأنفاً لا صفةً، وهو في أصل الحافظ أبي حازم العَبْدريّ، وأصل
أبي عامر العَبْدريّ بخطّيهما: ((سماء)) منكّراً وهو الأولى.
و((السماء)) ها هنا المطر، وكلّ ما علاك وأظلّك فهو سماء، والسماء
المعروفة من المعروف أنها مؤنّئةٌ، وقد تُذكَّرُ، وأما تأنيث السماء بمعنى المطر
كما جاء في هذا الحديث ففي كتاب أبي حنيفة الدِّينَوَريّ في ((الأنواء)): إنه
يقال: للمطر سماء، ألا ترى أنهم يقولون: أصابتنا سماء غزيرة، وفي ((كتاب
التهذيب)) للأزهريّ: ((السماء)) المطر، و((السماء)) أيضاً اسم الْمَطَرَة الجديدة،
يقال: أصابتنا سماءٌ، وهذا يُشعر بتخصيص التأنيث بهذه الْمَطَرَة، والله أعلم.
انتهى كلام ابن الصلاح(٢).
وقال في ((اللسان)): قال الزجّاج: السماء في اللغة يقال: لكلّ ما ارتفع
وعلا، وكلّ سقف فهو سماء، ومن هذا قيل للسحاب: سماءٌ لأنها عالية،
والسماء كل ما علاك فأظلّك، ومنه قيل لسقف البيت: سماءً، والسماء التي
تُظلُّ الأرضَ أُنثى عند العرب لأنها جمع سماءة، والسماءة أصلها سماوةٌ، وإذا
ذُكِّرت السماءُ عَنَوْا به السقف، ومنه قول الله تعالى: ﴿السَّمَآءُ مُنْفَظِرٌ بٍِ﴾
(١) ((المصباح المنير)) ١٢٣/١ - ١٢٤.
(٢) ((الصيانة)) ص٢٤٩ - ٢٥٠.

٤٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[المزمل: ١٨]، ولم يقال: منفطرةٌ، وقال الجوهريّ: السماء تُذكّر وتؤنّثُ أيضاً،
وأنشد ابن برّيّ في التذكير [من الوافر]:
لَحِقْنَا بِالسَّمَاءِ وَبِالسَّحَابِ
فَلَوْ رَفَعَ السَّمَاءُ إِلَيْهِ قَوْماً
والسماء: المطر مذكّرٌ، ومنهم من يؤنّثه وإن كان بمعنى المطر، كما تُذكّر
السماء وإن كانت مؤنّثةً، كقوله تعالى: ﴿السَّمَآءُ مُنْفَظِرٌ بٍِ،﴾، قال مُعَوِّدُ
الحكماء(١) معاوية بن مالك [من الوافر أيضاً]:
إِذَا سَقَطَ(٢) السَّمَاءُ بِأَرْضٍ قَوْمٍ
رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا(٣)
(كَانَتْ) أي السماء وأنّثها؛ لأنه يجوز تأنيثها وتذكيرها، كما سبق آنفاً
(مِنَ اللَّيْلِ) ووقع في بعض روايات البخاريّ بلفظ: ((من الليلة) بالإفراد (فَلَمَّا
انْصَرَفَ) أي من صلاته وفرغ منها أو من مكانه الذي صلّى فيه (أَقْبَلَ عَلَى
النَّاسِ، فَقَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ) لفظه استفهام، ومعناه التنبيه (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟)))
ووقع في رواية النسائيّ: ((ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟)) (قَالُوا) أي الصحابة
الحاضرون لديه (الله) وَ (وَرَسُولُهُ) وَ (أَعْلَمُ، قَالَ) أي النبيّ وَّهِ ((قَالَ)
أي الله وَالَ، قال في ((الفتح)): هذا من الأحاديث الإلهية، وهي تحتمل أن
يكون النبيّ ◌َّي و أخذها عن الله بلا واسطة أو بواسطة. قاله في ((الفتح))(٤).
(أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي) هذه إضافة عموم، بدليل التقسيم إلى مؤمن وكافر،
بخلاف مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَئِسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢] فإنها
إضافة تشريف (مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهره أنه الكفر
الحقيقيّ؛ لأنه قابل به المؤمن الحقيقيّ، فيُحمل على من اعتقد أن المطر من
فِعْل الكواكب وخَلْقِها لا من فعل الله تعالى، كما يعتقده بعضُ جُهّال المنجّمین،
والطبائعيين، والعرب، فأما من اعتقد أن الله تعالى هو الذي خَلَقَ المطر،
(١) قيل له: معوِّد الحكماء؛ لقوله في هذه القصيدة:
أُعَوِّدُ مِثْلَهَا الْحُكَمَاءَ بَعْدِي
إِذَا مَا الْحَقُّ فِي الْحَدَثَانِ نَابَا
(٢) ويروى: ((إذا نزل السماء)).
(٣) راجع: ((لسان العرب)) ٣٩٨/١٤ - ٣٩٩.
(٤) ((الفتح)) ٢/ ٦٧٥.