Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ (٢٩) - بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ - حديث رقم (٢٢٤) بالشعر، فقال: ما شَفَيتني مما أردت، فتزوّد، وحمل شَنّةً له فيها ماء، حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبي ◌َّ، ولا يعرفه، وكَرِه أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل، فاضطجع فرآه عليّ، فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم، ولا يراه النبي ◌َّ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمرّ به عليّ، فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله، فأقامه فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان اليوم الثالث، فعل عليّ مثل ذلك، فأقامه معه، ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهداً وميثاقاً لِتُرشِدني فعلت، ففعل فأخبره، قال: فإنه حقّ، وهو رسول الله وَّل، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئاً أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مَدْخَلي، ففعل فانطلق يقفوه حتى دخل على النبيِ وَّ، ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه، فقال له النبي وَله : ((ارجع إلى قومك فأخبرهم، حتى يأتيك أمري))، قال: والذي نفسي بيده لأَصْرُخَنّ بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكب عليه، قال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأنه طريق تجاركم إلى الشام؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه. ويقال: إن إسلامه كان بعد أربعة، وانصرف إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى قدِم رسول الله وَ﴿ المدينة، ومضت بدر وأحدٌ، ولم تتهيّأ له الهجرة إلا بعد ذلك، وكان طويلاً أسمر اللون نحيفاً . وأخرج أحمد في ((مسنده)) من طريق عِراك بن مالك قال: قال أبو ذر رَظُه: إني لأقربكم يوم القيامة من رسول الله وَله، إني سمعت رسول الله وله يقول: ((إن أقربكم مني يوم القيامة مَنْ خَرَج من الدنيا كهيئته يوم تركته علیه))، وإنه والله ما منكم من أحد إلا وقد تَشَبّثَ منها بشيء غيري. رجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعاً؛ لأن عراكاً لم يسمع من أبي ذرّ. وأخرج أحمد والترمذيّ عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله وَليقول: ٤٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ((ما أظلت الخضراء، ولا أقلَّت الغبراء، من رجل أصدق لهجة من أبي ذر))(١). وفي الباب عن أبي الدرداء، وأبي هريرة، وغيرهما، قال أبو إسحاق عن هانئ بن هانئ، عن علي ◌َُّه: أبو ذر وِعاءٌ مُلِئَ علماً أُوكِئ عليه، فلم يخرج منه شيء، وقال الآجري عن أبي داود: لم يشهد بدراً، ولكن عمر ألحقه، وكان يوازي ابن مسعود في العلم. قال خليفة، وعمرو بن علي، وغير واحد: مات بالرَّبَذَة سنة اثنتين وثلاثين، زاد المدائني: وصَلَّى عليه ابن مسعود، ثم مات بعده بيسير، ومناقبه وفضائله كثيرة جدّاً . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٧) حديثاً، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من ثمانيّات المصنّف، فهو سند نازل؛ لأن أعلى سنده رباعيّات، وأنزلها عُشاريّات. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذي . ٣ - (ومنها): أن ابن بُرَيدة هنا هو عبد الله بن بُريدة، وليس هو سليمان بن بريدة أخاه، وهو وأخوه سليمان ثقتان، تابعيان، جليلان، وُلِدا في بطن واحد، في عهد عمر بن الخطاب ظُه، ويقال: إنهما ماتا في يوم واحد، وليس بشيء، والصحيح أن سليمان مات، وهو على القضاء بمرو سنة (١٠٠)، ثم ولي أخوه عبد الله مكانه إلى أن مات سنة (١١٥). ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين الْجِلّة يروي بعضهم عن بعض: ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود، ورواية الأوّلين من رواية الأقران، فإن كليهما من الطبقة الثالثة. ٤ - (ومنها): أن أبا الأسود رحمه الله تعالى كان من عقلاء الرجال، وهو أول من وضع علم النحو بأمر عليّ رپته. (١) حديث صحيح، أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٦٣٤١)، و((الترمذيّ)) (٣٧٣٧). ٤٠٣ (٢٩) - بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ - حديث رقم (٢٢٤) ٥ - (ومنها): أن أبا ذرّ وأبا الأسود هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنف لأبي ذرّ ◌َظُه (٥٧) حديثاً، ولأبي الأسود سبعة أحاديث فقط، كما بينته آنفاً . ٦ - (ومنها): أنه لا يوجد في الكتب الستة من يُكنى بأبي ذرّ غير هذا، وجملة من يُكنى بأبي الأسود ستة: أحدهم هذا المترجم هنا، والثاني: أبو الأسود السلمي، صحابيّ له حديث عند النسائيّ فقط، وقيل: الصواب أبو اليسر السلمي، والثالث: أبو الأسود المحاربيّ، مولى عمرو بن حُريث، قاضي الكوفة، واسمه سُويد، مقبول من الطبقة الخامسة، عند النسائيّ أيضاً، والرابع: أبو الأسود المراديّ، واسمه النضر بن عبد الجبار، عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، والخامس: أبو الأسود والد سوادة، واسمه: مسلم بن مِخراق، عند المصنّف، وأبي داود، وابن ماجه، والسادس: يتيم عروة، محمد بن عبد الرحمن، من رجال الجماعة. ٧ - (ومنها): أن صحابيّه ◌ُبه ممن اشتهر بكنيته، حتى وقع اختلاف كثير في اسمه، واسم أبيه، وكان رابع أربعة في الإسلام، وقيل: خامس خمسة، ذو مناقب جمة نظُّه، كما أسلفناه في ترجمته آنفاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ جندب بن جُنادة على الأصحّ تَُّهُ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ) ((من)) زائدة، و((رجل)) اسم ((ليس))، والتعبير بالرجل للغالب، وإلا فالمرأةً كذلك حكمها(١) (ادَّعَى) بالبناء للفاعل (لِغَيْرٍ أَبِيهِ) أي انتسب إليه، واتخذه أباً رغبةً عن أبيه، والجملة صفة ((رجل))، وقوله: (وَهُوَ يَعْلَمُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه عالِماً أباه، وهذا التقييد لا بدّ منه، فإن الإثم إنما يكون في حقّ العالم بالشيء (إِلَّا كَفَرَ) قال النوويّ رحمه الله تعالی: قيل: فیه تأويلان: (١) راجع: ((الفتح)) ٦/ ٦٢٤ ((كتاب المناقب)). ٤٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان [أحدهما]: أنه في حقّ المستحلّ. [والثاني]: أنه كَفَرَ النعمة والإحسان، وحقَّ الله تعالى، وحَقَّ أبيه، وليس المراد الكفر الذي يُخرجه من ملّة الإسلام، وهذا كما قال ◌َّ: (يَكْفُرْنَ))، ثم فسّره بكفرانهنّ الإحسان، وكفران العشير. انتهى. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهذا - يعني الانتساب لغير الأب - إنما يفعله أهل الْجَفَاء والجهل والكبر؛ لخِسّة منصب الأب، ودناءته، فَيَرَى الانتساب إليه عاراً، ونقصاً في حقّه، ولا شكّ في أن هذا مُحَرَّمٌ، معلوم التحريم، فمن فعل ذلك مستحلّاً، فهو كافرٌ حقيقةً، فيبقى الحديث على ظاهره، وأما إن كان غير مُستحلّ، فيكون الكفر الذي في الحديث محمولاً على كفران النعم والحقوق، فإنه قابل الإحسان بالإساءة، ومن كان كذلك صدق عليه اسم الكافر، وعلى فعله أنه كفر لغةً وشرعاً على ما قرّرناه، ويحتمل أن يقال: أَطلق عليه ذلك؛ لأنه تشبّه بالكفّار، أهل الجاهليّة، أهلٍ الكبر والأَنَفَةِ، فإنهم كانوا يفعلون ذلك، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ(١). [تنبيه]: وقع في رواية أبي ذرّ الهرويّ لـ((صحيح البخاريّ)) قوله: ((إلا كفر بالله)) بزيادة لفظ ((بالله))، فقال في ((الفتح)): كذا وقع هنا ((كَفَرَ بالله))، ولم يقع قوله: ((بالله)) في غير رواية أبي ذر، ولا في رواية مسلم، ولا الإسماعيلي، وهو أولى، وإن ثبت ذاك، فالمراد مَن استحلّ ذلك، مع علمه بالتحريم، وعلى الرواية المشهورة، فالمراد كفر النعمة، وظاهر اللفظ غير مراد، وإنما وَرَدَ على سبيل التغليظ والزجر لفاعل ذلك، أو المراد بإطلاق الكفر أنّ فاعله فَعَلَ فِعْلاً شبيهاً بفعل أهل الكفر. انتهى(٢). (وَمَن ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهره التبرّي المطلق، فيبقى على ظاهره في حقّ المستحلّ لذلك على ما تقدّم، ويُتأوّل في حقّ غير المستحلّ بأنه ليس على طريقة النبيّ وََّ، ولا على طريقة أهل دينه، فإن ذلك ظُلْمٌ، وطريقة أهل الدين العدلُ، وترك الظلم، ويكون هذا (١) ((المفهم)) ٢٥٤/١. (٢) ((الفتح)) ٦٢٤/٦. ٤٠٥ (٢٩) - بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ - حديث رقم (٢٢٤) كما قال: ((ليس منا من ضَرَبَ الخدود، وشقَّ الْجُيُوب))(١)، ويقرُبُ منه: ((من لم يأخذ من شاربه، فليس منا))(٢) (وَلْيَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) أي فَلْيَنْزِل مَنْزِله منها، أو فليتخذ مَنْزلاً بها، وهو دعاء عليه، وقيل: هو خبر بلفظ الأمر، واستظهره النوويّ، ومعناه: هذا جزاؤه إن جوزي، ثم هو قد يُجَازَى بذلك، وقد يَعْفُو الله تعالى عنه، وقد يُوفِّقه للتوبة، فيسقط عنه ذلك. (وَمَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ) أي ناداه به، كأن يقول له: يا كافرُ، والتعبير بالرجل للغالب، وإلا فالمرأة لو دُعيت بذلك لكان الحكم كذلك (أَوْ قَالَ) له (عَدُوَّ اللهِ) بالنصب على حذف حرف النداء، أي يا عدوّ الله، ويحتمل أن يكون مرفوعاً، خبراً لمحذوف، أي أنت أو هو عدوّ الله، وقال النوويّ: ضبطنا ((عدوّ الله)) على وجهين: الرفع والنصب، والنصب أرجح على النداء، أي يا عدوَّ الله، والرفع على أنه خبرُ مبتدأ، أي هو عدوُّ الله كما تقدم في الرواية الأخرى: ((قال لأخيه: كافر))، فإنا ضبطناه كافرٌ بالرفع والتنوين، على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، والله تعالى أعلم. انتهى(٣) . (وَلَيْسَ كَذَلِكَ) جملة في محلّ نصب، أي والحال أن ذلك الرجل ليس كما وصفه، بأن كان بريئاً من الكفر، ومتّقياً لله تعالى (إِلَّ حَارَ عَلَيْهِ) أي إلا رجع على القائل ذلك الدعاء، أي معرّته، وإثمه، كما أسلفنا تحقيقه. وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: ((إلا حار عليه)): فمعناه: رجع عليه، والْحَوْرُ: الرجوع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَّنْ يَحُورَ ١٤ [الإنشقاق: ١٤]، وقوله وَلّ: ((أعوذ بك من الْحَوْر بعد الْكَوْن))، رواه مسلم، وعند الترمذيّ وابن ماجه: ((بعد الكَوْر)) بالراء، قال القاضي: يكون (باء)) ها هنا بمعنى رَجَعَ، كما جاء في الحديث نفسه، وقيل: رجعت عليه نقيصته لأخيه، كما قال إذا لم يكن لذلك أهلاً بكذبه عليه، وقيل: إذا قاله لمؤمن صحيح الإيمان مثله، ورماه بالكفر، فقد كفّر نفسه؛ لأنه مثله، وعلى دينه. انتهى (٤). (١) رواه البخاريّ (٣٥١٩)، ومسلم (١٠٣)، والترمذيّ (٩٩٩)، والنسائيّ (٢٠/٤). (٢) حديث صحيح، رواه الترمذي (٢٧٦٢)، والنسائيّ ١٥/١. (٣) ((شرح مسلم)) ٢/ ٥٠ - ٥١. (٤) ((إكمال المعلم)) ٣٤٨/١ - ٣٥٠. ٤٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: ((إلا حار عليه)) هذا الاستثناء قيل: إنه واقع على المعنى، وتقريره: ما يدعوه أحدٌ إلا حار عليه، ويحتمل أن يكون معطوفاً على الأول، وهو قوله وَلهو: ((ليس من رجل ... ))، فيكون الاستثناء جارياً على اللفظ (١). ولفظ أبي عوانة: ((لا يرمي رجلٌ رجلاً بالكفر إلا ارتدّت، إن لم يكن صاحبها كذلك))، وفي رواية له: ((من ادّعى إلى غير أبيه، فليس منا، ومن ادّعى ما ليس له، فليس منّا، ومن رمى رجلاً بالكفر، أو رماه بالفسق، وليس كذلك، ارتدّت عليه))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ◌َُّبه عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٢٤/٢٩] (٦١)، و(البخاريّ) في ((مناقب قريش)) ٢١٩/٤ (٣٥٠٨)، و((الأدب)) ١٨/٨ (٦٠٤٥)، وفي ((الأدب المفرد)» (٤٣٢ و٤٣٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٦/٥ و١٨١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥٥ و٥٦)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٢١٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إطلاق الكفر على المعاصي، وأنها تنافي كمال الإيمان، وهو الغرض الذي أراده المصنّف رحمه الله تعالى بإيراد الحديث هنا. ٢ - (ومنها): بيان تحريم الانتفاء من النسب المعروف، والادّعاء إلى غيره. ٣ - (ومنها): أن تقييده بالعلم مما لا بدّ منه في الحالتين: إثباتاً ونفياً؛ لأن الإثم إنما يترتب على العالم بالشيء المتعمِّد له. (١) ((شرح مسلم)) ٥٠/٢. (٢٩) - بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ - حديث رقم (٢٢٤) ٤٠٧ ٤ - (ومنها): بيان تحريم دعوى ما ليس له في كل شيء، سواءٌ تعلق به حقٌّ لغيره أم لا، وفيه أنه لا يَحِل له أن يأخذ ما حَكَم له به الحاكم، إذا كان لا یستحقُّه. قال في ((الفتح)): يؤخذ من الحديث تحريم الدعوى بشيء، ليس هو للمدعِي، فيدخل فيه الدعاوي الباطلة كلها، مالاً، وعِلْماً، وتعلُّماً، ونَسَباً، وحالاً، وصلاحاً، ونعمةً، وولاءً، وغير ذلك، ويزداد التحريم بزيادة المفسدة المترتبة على ذلك. ٥ - (ومنها): أن هذا الحديث يدلّ على أن حكم الحاكم لا يُحلّ حراماً، خلافاً لما نُقل عن بعضهم من أن حكمه يُحلّه، قال الكاسانيّ من الحنفيّة مبيّناً هذا على مذهب أبي حنيفة: وأما بيان ما يُحلّه القضاء، وما لا يُحلّه، فالأصل أن قضاء القاضي بشاهدي الزور فيما له ولاية إنشائه في الجملة يفيد الحلّ عند أبي حنيفة تَُّهُ، وقضاؤه بهما فيما ليس له ولاية إنشائه أصلاً لا يفيد الحلّ (١) بالإجماع. انتهى(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا من أغرب ما يُسمع من الأقوال الساقطة، فإن هذا مخالف لقوله ◌َّ في حديث أم سلمة به المتّفق عليه: ((فمن قضيت له بحقّ مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها، أو فليتركها))، فإنه لا فرق في هذا بين الأموال والفروج، وهؤلاء فرّقوا بينهما، فقالوا: إن قضاء القاضي لا يُحلّ المال الحرام، وأما الأبضاع، فيُحلّها، فلو جاء شخص بشاهدي زور، فأشهدهما على امرأة بأنها زوجته، فقضى القاضي بذلك قالوا: يحلّ له وطؤها، وهو يعلم أنه لم يتزوجها قط، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. قال الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى: إنه لا فرق في دعوى حلّ الزوجة لمن أقام بتزويجها شاهدي زور، وهو يعلم بكذبهما، وبين من ادّعى على حرّ أنه ملكه، وأقام بذلك شاهدي زور، وهو يعلم حرّيّته، فإذا حكم له الحاكم بأنه ملكه لم يحلّ له أن يسترقّه بالإجماع. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: القول بأن حكم الحاكم يُحلّ ظاهراً (١) ((بدائع الصنائع)) ١٥/٧. ٤٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وباطناً مخالف لهذا الحديث الصحيح، وللإجماع السابق على قائله، ولقاعدة أجمع العلماء عليها، ووافقهم القائل المذكور، وهي أن الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال. انتهى (١). وسيأتي تمام البحث في هذا عند شرح حديث أم سلمة المذكور في (كتاب الأقضية)) - إن شاء الله تعالى -. ٦ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: إن هذا الحديث يدخل تحته ما ذكره بعض الفقهاء في الدعاوي، من نصب مُسخّر (٢) يدّعي في بعض الصور حفظاً لرسم الدعوى والجواب، وهذا المسخَّر يدّعي ما يعلم أنه ليس له، والقاضي الذي يُقيمه عالم بذلك أيضاً، وليس حفظ هذه القوانين من المنصوصات في الشرع، حتى يُخَصَّ به عموم هذا الوعيد، وإنما المقصود الأكبر في القضاء إيصال الحقّ لمستحقّه، فانخرام هذه المراسيم الْحُكميّة مع تحصيل مقصود القضاء، وعدم تنصيص صاحب الشرع على وجوبها أولى من مخالفة هذا الحديث، والدخول تحت هذا الوعيد العظيم الذي دلّ عليه، وهذه طريقة أصحاب مالك، أعني عدم التشديد في هذه المراسيم. انتهى(٣)، وهو استنباط حسنٌّ، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد أيضاً: في هذا الحديث وعيد عظيم لمن أكفر أحداً من المسلمين، وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة، وقع فيها خلق كثير من المتكلّمين، ومن المنسوبين إلى السنّة، وأهل الحديث لما اختلفوا في العقائد، فغلّظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم، وخَرَقَ حجاب الهيبة في ذلك جماعة من الحشويّة، وهذا الوعيد لاحقٌ بهم إذا لم يكن خصومهم كذلك. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وقد تقدّم تمام البحث في مسألة التكفير بما فيه الكفاية، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) راجع: ((الفتح)) ١٨٨/١٣ ((كتاب الأحكام)). (٢) ((المسخّر)) هو الذي يدعي مجّاناً، أو ينصبه القاضي بدلاً عن الغائب. (٣) ((إحكام الأحكام)) ٢٨٢/٤ - ٢٨٣ بنسخة الحاشية. . ٤٠٩ (٢٩) - بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ - حديث رقم (٢٢٥) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٥] (٦٢) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْآَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِهِ فَهُوَ كُفْرٌ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) بن الْهَيْثَم بن محمد بن الْهَيْئَم بن فَيْروز التميمي الأَيْليُّ - بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة - السَّعْدي مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقة فاضل [١٠]. رَوَى عن ابن عيينة، وابن وهب، وأبي ضَمْرة، وخالد بن أبي نِزَار، ومؤمل بن إسماعيل، وبشر بن بكر. ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو حاتم، ومحمد بن وَضَّاح، وبَقِيّ بن مَخْلَد، والمعمريّ، وزكرياء الساجيّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: لا بأس به، وقال في موضع آخر: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال أبو عُمَر الْكِنديّ: كان فقيهاً، من أصحاب ابن وهب، وقال مسلمة بن قاسم: كان مُقَدَّماً في الحديث فاضلاً. وقال ابن يونس: تُؤُفّي في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وكان مولده سنة سبعين ومائة، وكان ثقةً، وكان قد ضَعُفَ ولزم بيته. وله في هذا الكتاب (١١٢) حديثاً. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقة حافظ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٣ - (عَمْرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقة فقيهٌ حافظٌ [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦. ٤ - (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شُرَحبيل بن حَسَنَة الْكِنديّ، أبو شُرحبيل المصريّ، ثقة [٥]. رَأَى عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيْديّ الصحابيّ، ورَوَى عن الأعرج، ٤١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وعِرَاك بن مالك، وأبي سلمة، ويُكير بن الأشجّ، وبكر بن سَوَادة، والزهريّ، وغيرهم. ورَوَى عنه بَكْر بن مُضَر، وحَيْوَة بن شُرَيح، وسعيد بن أبي أيوب، وعمرو بن الحارث، وابن لهيعة، والليث، ونافع بن يزيد، ويحيى بن أيوب، وروى عنه يزيد بن أبي حبيب، وهو من أقرانه. قال أحمد: كان شيخاً من أصحاب الحديث، ثقةً، وقال أبو زرعة: صدوقٌ، وقال النسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وقال الآجري، عن أبي داود: لم يسمع من الزهريّ، وقال الطحاويّ: لا نعلم له من أبي سلمة سماعاً. وقال ابن يونس: تُوُقّي سنة (١٣٦). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثاً . ٥ - (عِرَاكُ بْنُ مَالِكِ) الغِفَارِيُّ الكِنَانيّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣]. رَوَى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وزينب بنت سلمة، وحفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وابنه عبد الملك بن أبي بكر، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، ونوفل بن معاوية الدِّيليّ، والزهريّ، وهو أصغر منه . ورَوَى عنه ابناه: خُثَيم، وعبد الله، وسليمان بن يسار، وهو من أقرانه، والحكم بن عتيبة، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ويزيد بن أبي حبيب المصريّ، وزياد بن أبي زياد، مولى ابن عباس، وجعفر بن ربيعة المصريّ، ومكحول الشاميّ، وعُقَيل بن خالد، وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز. قال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقةٌ، من خيار التابعين، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقةٌ، وقال أيوب بن سُويد، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: ما كان أبي يَعْدِل بعراك بن مالك أحداً، وقال أبو الْغُصْن: فرأيته يصوم الدهر، وقال أحمد بن حنبل، فيما رَوَى ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) عن الأثرم، وذكر حديث خالد بن أبي الصَّلْت، عن عراك: سمعت عائشة مرفوعاً: ((حَوِّلُوا مقعدتي إلى القبلة))، فقال: مرسلٌ، عراك بن مالك من أين سمع عن عائشة؟، ٤١١ (٢٩) - بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ - حديث رقم (٢٢٥) إنما يروي عن عروة، هذا خطأ، ثم قال: من يَرْوِي هذا؟ قلت: حماد بن سلمة، عن خالد الحذّاء، فقال: قال غير واحد: عن خالد الحذّاء، ليس فيه: سمعت، وقال غير واحد أيضاً عن حماد بن سلمة: ليس فيه: سمعت، وقال أحمد في موضع آخر: أحسن ما رُوِيَ في الرخصة - يعني في استقبال القبلة - حديثُ عِرَاك، وإن كان مرسلاً، فإن مَخْرَجه حسن. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال موسى بن هارون: لا نعلم لِعِراك سماعاً من عائشة. وقال الزُّبير بن بكّار، عن محمد بن الضحاك، عن المنذر بن عبد الله: إن عِرَاك بن مالك كان من أشدّ أصحاب عمر بن عبد العزيز على بني مروان في انتزاع ما حازوا من الفيء والمظالم من أيديهم، فَلَمّا وَلِي يزيد بن عبد الملك وَلَّى عبد الواحد النَّصْريّ على المدينة، فَقَرَّب ◌ِرَاكاً، وقال: صاحب الرجل الصالح، وكان يجلس معه على سريره، فبينا هو يوماً معه، إذ أتاه كتاب يزيد: أَنِ ابْعَث مع عِرَاك حَرَسِيّاً حتى يُنْزِلِه دَهْلَك، وخُذ من عِرَاك حَمُولته، فقال عبد الواحد لحرسيّ: خذ بيد ◌ِراك فابتع من ماله راحلةً، ثم توجه إلى دَهْلَك حتى تُقِرّه بها، ففعل الْحَرسيّ ذلك، وما تركه يَصِل إلى أمه، قال: وكان أبو بكر بن حزم قد نَفَى الأحوص الشاعر إلى دَهْلَك، فلما ولي يزيد بن عبد الملك أرسل إلى الأحوص، فأقدمه عليه، فمدحه الأحوص، فأكرمه، وقال ضِمَام بن إسماعيل، عن عُقَيل بن خالد: كُنت بالمدينة في الْحَرَس، فلما صليتُ العصر إذ برجل يتخطى الناس، حتى دنا من عِرَاك بن مالك، فلطمه حتى وقع، وكان شيخاً كبيراً، ثم جَرّ برجله، ثم انطلق به حتى حَصّل في مركب في البحر إلى دَهْلك، فكان أهل دهلك يقولون: جزى الله عنا يزيد خيراً، أخرج إلينا رجلاً عَلّمنا اللهُ الخيرَ على يديه. قال ابن سعيد وغيره: مات بالمدينة في خلافة يزيد بن عبد الملك، قال الحافظ: فإن صحّ هذا، فمقتضاه أنه لم تَطُل إقامته بدهلك، ولم أر من صَرّح بأنه مات بالمدينة غير ابن سعد، وكلهم قالوا: مات في زمن يزيد بن عبد الملك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثاً . ٤١٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َظُبه تقدّم قريباً، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير الصحابيّ، وعراك، فمدنيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: جعفر، عن عِرَاك. ٥ - (ومنها): أن هارون، وجعفراً، وعِرَاكاً هذا أول محلّ ذكرهم في هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف لهارون (١١٢) ولجعفر (١٢) ولعِراك (١٧) حديثاً، كما أسلفته آنفاً . ٦ - (ومنها): أنه لا يوجد من يُسمّى بعراك في الكتب الستّة إلا ابن مالك هذا، ولهم راوٍ آخر يقال له: عراك بن خالد المرّيّ الدمشقيّ، متروك من الطبقة السادسة، ليس له في الكتب الستة شيء، وإنما روى له أبو داود في ((كتاب القدر)) له فقط، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (عَنْ عِرَاكِ) بكسر العين المهملة، وتخفيف الراء (ابْنِ مَالِكِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رَبه (يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ) أي لا تتركوا الانتساب إليهم، فتتنسبوا لغيرهم؛ رغبةً عنهم، وجحداً لأبوّتهم، قال النوويّ: يقال: رَغِبَ عن أبيه: أي تَرَك الانتساب إليه، وجَحَدَه، ويقال: رَغِبتُ عن الشيء: تركتُهُ، وكَرِهتُهُ، ورَغِبتُ فيه: اخترتُهُ، وطلبته. انتهى. وقال في ((القاموس)): رَغِبَ فيه، كسَمِع رَغْباءً، ويُضمّ، ورَغْبَةً: أراده، كارتغَبَ، وَرَغِبَ عنه: لم يُرده، ورَغِبَ إليه رَغَباً محرَّكةً، ورَغْبَى، ويُضمّ، ورَغْبَاءً، كصحراءَ، وَرَغَبُوتاً، ورَغَبُوتى، ورَغَبَاناً، محرّكات، ورُغْبَةً، ويُحرَّك: ابْتَهَلَ، أو هو الضَّرَاعة والمسألة. انتهى(١). (١) ((القاموس المحيط)) ص ٨٤ - ٨٥. ٤١٣ (٢٩) - بَابُ بَيَانِ حَالٍ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ - حديث رقم (٢٢٥) وفي ((المصباح)): رَغِبتُ في الشيء، ورَغِبتُهُ، يتعدّى بنفسه أيضاً: إذا أردته، رَغْباً بفتح الغين، وسكونها، ورُغْبَى بفتح الراء وضمها، ورَغْبَاءَ بالفتح والمدّ، ورَغِبتُ عنه: إذا لم تُرده. انتهى(١) . (فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ) أي كَرِهِ الانتساب إليه، وقوله: (فَهُوَ كُفْرٌ) على حذف مضاف، أي ذو كفر، أو من إطلاق المصدر، وإرادة اسم الفاعل، أي كافر، أو وُصف به مبالغةً، كما يقال: زيدٌ عدْلٌ. ويحتمل أن يكون (هو)) راجعاً إلى الرَّغَبِ المفهوم من ((رَغِبَ))، أي رغَبُهُ كفر، ولفظ أبي نعيم: ((فقد كفر)). قال المازريّ رحمه الله تعالى: هذا يُتأول على ما تقدّم من الاستحلال، أو يكون أراد الكفر اللغوي، بمعنى جَحَدَ حقّ الله، وستره. انتهى(٢) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه أن الانتساب إلى غير الأب يكون عن عقوق، أو كذب، أو قذف، وليس شيء من ذلك كفراً يُخرج عن الملّة، ولذلك تأول أهل السنّة هذا الحديث على نحو ما تأولوا الأحاديث السابقة، وأنه لا ينصرف إلى الكفر الْمُخْرِج عن الملّة إلا في حقّ المستحلّ، فيكون المراد كفرَ النعمة، وجحدَ الإحسان، أو يكون المعنى أن عمله شبيه بعمل أهل الكفر، فإن هذا عمل من أعمال الجاهليّة، كما سبق تحقيقه. وقال في (الفتح)): قوله: ((فهو كفر)) كذا للأكثر، وكذا لمسلم، ووقع للكشميهني: ((فقد كَفَرَ))، وسيأتي في ((باب رجم الحبلى من الزنا)» في حديث عمر الطويل: ((لا ترغبوا عن آبائكم، فهو كفر بربكم)). قال ابن بطال رحمه الله تعالى: ليس معنى الحديث أن من اشتهر بالنسبة إلى غير أبيه أنه يدخل في الوعيد، كالمقداد بن الأسود، وإنما المراد به مَنْ تَحَوَّل عن نسبته لأبيه إلى غير أبيه عالِماً عامداً مختاراً، وكانوا في الجاهلية لا يستنكرون أن يَتَبَنَّى الرجلُ ولدَ غيره ويصير الولد يُنْسَب إلى الذي تبناه، حتى نزل قوله تعالى: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَبَآَبِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقوله ◌َالَ: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَ كُمْ أَبْنَءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، فَنُسِب كل واحد إلى أبيه (١) ((المصباح)) ٢٣١/١. (٢) راجع: ((إكمال المعلم)) ٣٥١/١. ٤١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الحقيقيّ، وتُرِك الانتساب إلى من تبناه، لكن بقي بعضهم مشهوراً بمن تبنّاه، فيُذكَر به؛ لقصد التعريف، لا لقصد النسب الحقيقيّ، كالمقداد بن الأسود، وليس الأسود أباه، وإنما كان تبنّاه، واسم أبيه الحقيقيّ عمرو بن ثَعْلبة بن مالك بن ربيعة الْبَهْرَانِيّ، وكان أبوه حَلِيف كِندَة، فقيل له الكنديّ، ثم حالف هو الأسود بن عبد يغوث الزهريّ، فتبنى المقدادَ، فقيل له: ابن الأسود. انتهى مُلَخَّصاً مُوَضَّحاً. قال: وليس المراد بالكفر حقيقة الكفر التي يُخَلَّد صاحبها في النار، وبسط القول في ذلك، وقال بعض الشراح: سبب إطلاق الكفر هنا أنه كَذِبٌ على الله، كأنه يقول: خلقني الله من ماء فلان، وليس كذلك؛ لأنه إنما خلقه من غيره. واستُدِلّ به على أن قوله وَّ في الحديث المتّفق عليه: ((ابنُ أخت القوم من أنفسهم))، وقوله: (( مولى القوم من أنفسهم)) ليس على عمومه؛ إذ لو كان على عمومه، لجاز أن يُنْسَب إلى خاله مثلاً، وكان مُعارضاً لحديث الباب المصرِّح بالوعيد الشديد لمن فعل ذلك، فعُرِفَ أنه خاصّ، والمراد به أنه منهم في الشفقة والبر والمعاونة، ونحو ذلك. انتهى ما في ((الفتح))(١). وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة هذا متّفق عليه. مضرعنه (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٢٥/٢٩] (٦٢)، و(البخاريّ) في ((الفرائض)) (٦٧٦٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٢٦/٢)، و(أبو عوانة) في (مسنده)) (٥٧)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٢١٦)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٥٩٠ و٥٩١ و٥٩٢)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٣٦٨/١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((الفتح)) ٦٦/١٢ - ٦٧ ((كتاب الفرائض)) رقم الحديث (٦٧٦٦ - ٦٧٦٨). ٤١٥ (٢٩) - بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ - حديث رقم (٢٢٦) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٢٦] (٦٣) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: لَمَّ اذُّعِيَ زِيَادٌ، لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟ إِنِّي سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، يَقُولُ: سَمِعَ أُذُنَاتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وََّ، وَهُوَ يَقُولُ: ((مَن اذَّعَى أَباً فِي الْإِسْلَامِ، غَيْرَ أَبِيهِ، يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ))، فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وََّ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، أبو عثمان البغداديّ، نزل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ، وَهِمَ في حديث [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٤/ ٢٣. ٢ - (هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ) السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٣ - (خَالِدٌ) بن مِهْران الحذاء، أبو الْمُنَازل(١) البصريّ، ثقةٌ، يُرسل [٥] (ت١٤١) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٤٤. ٤ - (أَبُو عُثْمَانَ) هو: عبد الرحمن بن مِلّ النَّهْديّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ مخضرم، من كبار [٢] (ت٩٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. [تنبيه]: ((النَّهْديُّ)) بفتح النون، و((مِلّ)) بفتح الميم، وكسرها، وضمها، مع تشديد اللام، ويقال: مِلْء - بالكسر، مع إسكان اللام وبعدها همزة - قاله النوويّ(٢) . ٥ - (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير بَظ ◌ُه (ت٥٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦. ٦ - (أَبُو بَكْرَةَ) هو: نُفَيع بن الحارث بن كَلَّدَة بن عمرو بن عِلاج بن أبي (١) بفتح الميم، وضمها . (٢) ((شرح مسلم)) ٢/ ٥٣. ٤١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان سلمة، واسمه عبد الْعُزّى بن غِيَرَة بن عوف بن قيس، وهو ثَقِيف، الثَّقَفيّ، وقيل: اسمه مَسْرُوح، وبه جزم ابن إسحاق، وقيل: هو ابن مسرح، وبه جزم ابن سعد، وقيل: كان أبوه عبداً للحارث بن كَلَدَة، يقال له: مسروح، فاستَلْحَق الحارث أبا بكرة، وهو أخو زياد ابن سُمَيَّة لأمه، وكانت سُمَيّة أمةً للحارث بن كَلَدة، وإنما قيل له: أبا بَكْرَة لأنه تَدَلَّى من حِصْن الطائف إلى النبيّ وَّ، فأعتقه يومئذ، مات سنة (١ أو ٥٢) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٤٨١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، إلا شيخه، فبغداديّ، وهُشيماً، فواسطيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم: خالد الحذّاء، عن أبي عثمان. ٥ - (ومنها): أن أبا عثمان ممن اشتهر بكنيته، وهو مخضرم، معمّر، يقال: عاش (١٣٠) ويقال: (١٤٠) سنة، وهو معدود فيمن عاش في الجاهليّة ستين سنة، وفي الإسلام أكثر من ذلك(١)، واسم أبيه ((مَلّ)) مثلّث الميم، ومشدّد اللام، ولا مشارك له في ذلك. ٦ - (ومنها): أن أبا بكرة لقب بصورة الكنية، وقد سبق آنفاً سبب تلقيبه به . ٧ - (ومنها): أن هذا الحديث من مسند سعد بن أبي وقّاص، وأبي بكرة، فأبو عثمان يرويه عن كليهما ◌ًّا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن ملّ رحمه الله تعالى أنه (قَالَ: لَمَّا (١) ((تهذيب التهذيب)) ٥٥٦/٢. ٤١٧ (٢٩) - بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ - حديث رقم (٢٢٦) اذُّعِيَ) بضم الدال، وكسر العين، مبنيّاً لما لم يسم فاعله، وقوله: (زِيَادٌ) مرفوع على أنه نائب فاعله، أي ادعاه معاوية بن أبي سفيان رظُبه أخاً له، وذكر أبو عمرو بن الصلاح أنه وجده مضبوطاً بخط الحافظ أبي عامر الْعَبْدريّ: ((ادَّعَى)) بفتح الدال مبنيّاً للفاعل، وعليه فزيادٌ مرفوع على الفاعليّة، يعني أن زياداً هو الفاعل للدعوة، ومعنى ادّعائه تصديقه لمعاوية، وذلك أن معاوية لَمّا ادّعاه، وصدَّقه زياد صار زياد مُدَّعياً أنه ابن أبي سفيان. وأصل هذا أن زياداً هذا المذكور هو المعروف بزياد بن أبي سفيان، ويقال فيه: زياد ابن أبيه، ويقال: زياد ابن أمه، وهو أخو أبي بكرة لأمه، وكان يعرف بزياد بن عُبيد الثقفيّ، ثم ادّعاه معاوية بن أبي سفيان، وألحقه بأبيه أبي سفيان، وصار من جملة أصحابه، بعد أن كان من أصحاب علي بن أبي طالب وطُبه، فلهذا قال أبو عثمان لأبي بكرة: ((ما هذا الذي صنعتم؟))، وكان أبو بكرة ربه ممن أنكر ذلك، وهَجَرَ بسببه زياداً، وحلَفَ أن لا يكلمه أبداً، .. (١) قاله النوويّ(١) . وقال في ((الفتح)): والمراد بزياد الذي ادُّعِي هو زياد ابن سُمَيَّة، وهي أمه، كانت أمة للحارث بن كَلَدَة، زوّجها لمولاه عبيد، فأتت بزياد على فراشه، وهم بالطائف قبل أن يُسْلِم أهل الطائف، فلما كان في خلافة عمر، سمع أبو سفيان بن حرب كلام زياد، عند عمر، وكان بليغاً فأعجبه، فقال: إني لأعرف مَن وضعه في أمه، ولو شئت لسميته، ولكن أخاف من عمر، فلما ولي معاوية الخلافة، كان زياد على فارس من قبل علي ته، فأراد مداراته فأطمعه في أن يُلحِقه بأبي سفيان، فأصغى زياد إلى ذلك، فجرت في ذلك خطوب، إلى أن ادّعاه معاوية، وأمَّره على البصرة، ثم على الكوفة، وأكرمه، وسار زياد سيرته المشهورة، وسياسته المذكورة، فكان كثير من الصحابة والتابعين ينكرون ذلك على معاوية، محتجين بحديث: ((الولد للفراش))، وإنما خص أبو عثمان أبا بكرة بالإنكار؛ لأن زياداً كان أخاه من أمه(٢). (لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ) ◌َّه (فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟) قال النوويّ (١) ((شرح مسلم)) ٢/ ٥٢. (٢) راجع: ((الفتح)) ١٢ / ٥٤. ٤١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان رحمه الله تعالى: معنى هذا الكلام الإنكار على أبي بكرة نصبه، ولعل أبا عثمان لم يبلغه إنكار أبي بكرة حين قال له هذا الكلام، أو يكون مراده بقوله: ((ما هذا الذي صنعتم؟)) أي ما هذا الذي جرى من أخيك؟ ما أقبحه! وأعظم عقوبته! فإن النبيّ وََّ حَرَّم على فاعله الجنة. انتهى. رُه (يَقُولُ: سَمِعَ أُذُنَايَ مِنْ (إِنِّي سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) رَسُولِ اللهِ﴾ قال النوويّ: هكذا ضبطناه ((سَمِعَ)) بكسر الميم، وفتح العين، و ((أذناي)) بالتثنية، وكذا نَقَل الشيخ أبو عَمْرو كونه ((أذناي)) بالألف على التثنية، عن رواية أبي الفتح السَّمَرْقَنديّ، عن عبد الغافر، قال: وهو فيما يُعْتَمَد من أصل أبي القاسم العساكريّ وغيره: ((أُذُنِي)) بغير ألف. وحَكَى القاضي عياض أن بعضهم ضبطه بإسكان الميم، وفتح العين، و((أُذُني)) بلفظ الإفراد، قال: ضبطناه من طريق الْجَيَّانيّ بضم العين، مع إسكان الميم، وهو الوجه، قال سيبويه: العرب تقول: سَمْعُ أُذُني زيداً يقول كذا، وحَكَى عن القاضي الحافظ أبي عليّ بن سكرة أنه ضَبَطَه بكسر الميم، كما ذكرناه أوّلاً، وأنكره القاضي وليس إنكاره بشيء، بل الأوجُهُ المذكورة كلُّها صحيحة ظاهرة، ويؤيد كسر الميم قوله في الرواية الأخرى: ((سمعته أذناي، ووعاه قلبي)). انتهى كلام النوويّ(١). (وَهُوَ يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، أو هي المفعول الثاني على قول بعض النحاة: إن ((سمع)) من أخوات ((ظنّ)) تنصب مفعولين إذا كان الثاني مما يُسْمَعُ ((مَنْ) شرطيّة (ادَّعَى) بالبناء للفاعل (أَباً فِي الْإِسْلَام) متعلّق بـ((ادّعى)) خرج به من ادّعى، وانتسب في الجاهليّة، فإنه لا يُحرم الجنّة؛ لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله، وإنما يبطل انتسابه فقط (غَيْرَ أَبِيهِ) منصوب على المفعوليّة لـ((ادّعَى))، وقوله: (يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أو المفعول، واحترز به عن من ادّعى غير عالم لذلك، فإنه لا يُحرم عليه، ولا يُحرم الجنّة؛ لعدم علمه (فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ))) أي ممنوعة الدخول عليه. (١) ((شرح مسلم)) ٥٣/٢. ٤١٩ (٢٩) - بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ - حديث رقم (٢٢٦) قال النوويّ رحمه الله تعالى: فيه التأويلان اللذان قدمناهما في نظائره: [أحدهما]: أنه محمول على مَن فعله مُسْتَحِلّاً له. [والثاني]: أن جزاءه أنها مُحَرّمة عليه أوّلاً عند دخول الفائزين، وأهل السلامة، ثم إنه قد يُجازَى، فيُمنعها عند دخولهم ثم يدخلها بعد ذلك، وقد لا يُجَازَى، بل يعفو الله وَلَ عنه. انتهى(١). (فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ) ◌َبه (وَأَنَا سَمِعْتُهُ) أي سمعتُ هذا الكلام المشتمل على الوعيد الشديد (مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلاَ) يعني أبو بكرة بذلك أنه سمعه بنفسه من النبيّ وَلّ، ولذا أنكر على أخيه زياد، وحلف أن لا يكلّمه أبداً؛ هجراً له، وسيأتي ما قاله أهل العلم في الجواب عن استلحاق معاوية به زياداً هذا في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي عثمان النهديّ رحمه الله تعالى، عن سعد بن أبي وقّاص، وأبي بكرة ﴿ه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٢٦/٢٩ و٢٢٧] (٦٣)، و(البخاريّ) في ((المغازي)) (٤٣٢٦)، و((الفرائض)) (٤٣٢٧ و٦٧٦٦ و٦٧٦٧)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٨٨٥ و١٩٩)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥١١٣)، و(ابن ماجه) في ((الحدود)) (٢٦١٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٩/١ و١٧٤ و١٧٩ و٣٨/٥ و٤٦) و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٤٤/٢ و٣٤٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤١٥ و٤١٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٧٥ و٧٦ و٧٧ و٧٨ و٧٩ و٨٠ و٨١)، و(أبو نُعيم) (٢١٧ و٢١٨)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٣٧٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في الجواب عن استلحاق معاوية وله زياداً هذا: (١) ((شرح مسلم)) ٢/ ٥٢. ٤٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقد أجاد الكلام في ذلك القاضي أبو بكر ابن العربيّ المالكيّ رحمه الله تعالى في كتابه النافع ((العواصم من القواصم))، فأطال النفس فيه، ومما قاله فيه خلال كلامه الطويل: أما نكتة الكلام، وهو القول في استلحاق معاوية زياداً، وأخذ الناس عليه في ذلك، فأيّ أخذ عليه فيه، إن كان سمع ذلك من أبيه؟ وأيُّ عار على أبي سُفيان في أن يُليط بنفسه ولد زنا كان في الجاهليّة؟ فمعلوم أن سُميّة لم تكن لأبي سفيان كما لم تكن وليدةُ زَمْعَة لعُتبة، لكن كان لعتبة منازع تعيّن القضاء له، ولم يكن لمعاوية منازع في زياد. اللهم إن ها هنا نكتةً اختَلَف العلماء فيها، وهي أن الأخ إذا استلحق أخاً يقول: هو ابن أبي، ولم يكن له منازع، بل كان وحده، فقال مالك: يرث، ولا يثبتُ النسب، وقال الشافعيّ في أحد قوليه: يثبت النسب، ويأخذ المال، هذا إذا كان الْمُقَرّ به غير معروف النسب. قال: فالحارث بن كَلَدَة لم يَدّع زياداً، ولا كان إليه منسوباً، وإنما كان ابن أمته وُلد على فراشه، أي في داره، فكلُّ من ادّعاه فهو له، إلا أن يُعارضه من هو أولى به منه، فلم يكن على معاوية في ذلك مَغْمَز، بل فَعَل فيه الحقّ على مذهب مالك. فإن قيل: فلم أنكر عليه الصحابة قلنا: لأنها مسألة اجتهاد، فمن رأى أن النسب لا يَلحق بالوارث الواحد أنكر ذلك، وعظّمه. انتهى كلامه باختصار(١)، وهو دفاع نفيسٌ عن هذا الصحابيّ الجليل معاوية ربه، وهكذا ينبغي أن ندافع عن الصحابة مع﴿ه، فإنهم إن أصابوا فيما اجتهدوا فيه فلهم أجران، وإن أخطئوا، فخطؤهم مغفور، ولهم أجر في اجتهادهم ولقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في هذا الموضوع، حيث قال خلال كلامه الطويل : وكذلك استلحاق معاوية رضيبه زياد ابن أبيه المولود على فراش الحارث بن كَلَدَة لكون أبي سفيان كان يقول: إنه من نطفته، مع أنه بَّ قد قال: ((من (١) ((العواصم من القواصم)) ص١٨٤، ١٨٦ بتحقيق محبّ الدين الخطيب.