Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ (٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ - حديث رقم (٢٠٩) فوق المشرعة، فسمعتُ صوتَ ضِفْدَع، فإذا ضفدع في فم حية، فقلت: سألتك بالله إلا خليتها، فخلاها . وقال البخاريّ: مات في ربيع الآخر سنة خمس وثلاثين ومائتين، وقال غيره: سنة (٤)، والأول أصحّ. تفرّد به البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٢٨) حديثاً . ٢ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) هو: يعقوب بن إبرهيم بن كثير بن أفلح بن منصور بن مُزَاحِم البغدادي العبديّ مولى عبد القيس، أبو يوسف البغداديّ الحافظ، ثقةٌ [١٠]. رَأَى الليث، ورَوَى عن الدَّراوَرْدِيّ، وابن أبي حازم، وأبي معاوية، وحفص بن غِيَاث، وهُشيم، ويحيى القطان، وابن عُلَيَّة، وابن مهديّ، وغيرهم. ورَوَى عنه الجماعة، ورَوَى النسائي أيضاً عن أبي بكر بن علي المروزي، وزكرياء السِّجْزيّ عنه، وأخوه أحمد بن إبراهيم، وابن سعد، ومات قبله، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن صاعد، وابن خزيمة، والسراج، والمحامليّ، وابن مخلد، وهو آخر من رَوَى عنه في آخرين. قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في (الثقات))، وقال الخطيب: كان ثقةً متقناً صَنَّفَ ((المسند))، وقال مسلمة: كان كثير الحديث ثقةً. قال السراج: وُلِد سنة ستين ومائة، ومات سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وفيها أرّخه غير واحد. وله في هذا الكتاب (٣٥) حديثاً. [تنبيه]: تقدّم في ((شرح المقدّمة)) عند ترجمة أخيه أحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ بيان الاختلاف في نسبته إلى الدَّوْرَق - بالدال المهملة المفتوحة، وسكون الواو، وبالقاف - فقيل: نسبة إلى دَوْرق، بلد بفارس، من أعمال الأَهْوَاز، وهي معروفة، وإليها تُنْسَب القلانس الدَّوْرقية، وقيل: بل هو منسوب إلى صنعة قلانس منسوبة إلى هذه البلدة، تُعرف بالدورقيّة، وقيل: سببها لبس ٣٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان القلانس الطوال، وكانت تعرف بالدَّوْرَقيّة، وورد عن أخيه أحمد أنه قال: كان الشّان إذا نسكوا في ذلك الزمان سُمّوا الدوارقة، وكان أبي منهم، ذكره ابن الصلاح، وتقدّم في ((شرح المقدّمة)) بأطول من هذا(١). ٣ - (هُشَيْمٌ) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم - بمعجمتين - الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير الإرسال والتدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٤ - (سَيَّارٌ) أبو الْحَكَم الْعَنَزيّ الواسطيّ، ويقال: البصريّ، وهو سيار بن أبي سيار، واسمه وَرْدان، وقيل: وَرْد، وقيل: دينار [٦]. رَوَى عن ثابت البناني، وبكر بن عبد الله الْمُزَنيّ، وأبي حازم الأشجعيّ، وأبي وائل، ويزيد الفقير، والشعبيّ، وجَبْر بن عُبيدة، وطارق بن شهاب، إن كان محفوظاً، وغيرهم. ورَوَى عنه إسماعيل بن أبي خالد، وسليمان التيميّ، وشعبة، والثوريّ، وقُرّة بن خالد، وهشيم، وزيد بن أبي أنيسة، وخلف بن خليفة، وغيرهم. قال أحمد: صدوق ثقة ثبتٌ في كل المشايخ، وقال ابن معين والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أسلم بن سهل الواسطيّ، عن الليث بن بكار، عن أبيه: مات سنة اثنتين وعشرين ومائة، وكان لنا جاراً. [تنبيه]: رَوَى أبو داود والترمذيّ حديث بَشِير بن إسماعيل، ثنا سيّار أبو الحكم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله، عن النبي ◌َّر قال: ((من أصابته فاقة، فأنزلها بالناس، لم تُسَدَّ فاقته ... )) الحديث، قال أبو داود عقبه: هو سيّار أبو حمزة، ولكن بَشِير كان يقول: سيار أبو الْحَكَم وهو خطأ، قال أحمد: هو سيار أبو حمزة، وليس قولهم: سيار أبو الحكم بشيء، وقال الدارقطنيّ: قول البخاري: ((سيار أبو الحكم سمع طارق بن شهاب وَهَمٌ منه))، وممن تابعه، والذي يروي عن طارق هو سيار أبو حمزة، قال ذلك أحمد ویحیی وغيرهما، ورَوَى البخاري في ((الأدب)) بهذا الإسناد حديث: ((بين يدي الساعة تسليم الخاصة))، ورَوَى له ابن ماجه حديث: ((بين يدي الساعة مَسْخٌ وقَذْفٌ)). (١) راجع: ((الصيانة)) ص٢٢٦، و(شرح المقدّمة)) ١٨٧/٢. ٣٢٣ (٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ - حديث رقم (٢٠٩) قال الحافظ: وقد تَبِعَ ابنُ حبان البخاريَّ، فقال في ((الثقات)): سيار بن أبي سيار، أبو الحكم الواسطيّ الْعَنَزيّ، أخو مُسَاور الوراق لأمه، واسم أبي سيار وَرْدان، رَوَى عن طارق بن شهاب، والشعبيّ، وعنه بشير بن سليمان، وهُشيم، والعراقيون، وتَبع البخاري أيضاً في أنه يروي عن طارق: مسلم في ((الْكُنَى))، والنسائيّ، والدُّولابيّ، وغيرُ واحد، وهو وَهَمٌ كما قال الدارقطنيّ. انتهى كلام الحافظ (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثاً. ٥ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة مشهورٌ فقيةٌ فاضلٌ [٣] مات بعد المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. والصحابيّ سبق في الذي قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه سُريج، فتفرّد به هو البخاريّ، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه يعقوب هو أحد مشايخ الأئمة الستة الذين يروون عنهم بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أن شيخيه وسيّاراً هذا أول محلّ ذكرهم في هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف لسُريج (٢٨) وليعقوب (٣٥) ولسيّار (١١) حديثاً، كما أسلفناه آنفاً. ٥ - (ومنها): أن جملة من يُسمّى بسيّار في الكتب الستة، نحو سبعة، فمنهم اثنان أخرج لهما الشيخان، بل الجماعةُ كلهم، وهما سيّار المذكور هنا، وسيّار بن سلامة، أبو المنهال الرِّيَاحِيّ البصريّ، من الطبقة الرابعة. ٦ - (ومنها): أن في قول المصنّف رحمه الله تعالى في آخر السند: ((قال يعقوب في روايته: حدثنا سيّار)) تنبيهاً على لطيفة، وهي أن هُشيماً مدلسٌ، وقد (١) ((تهذيب التهذيب)) ١٤٢/٢ - ١٤٣. ٣٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال: ((عن سيار))، والمدلس إذا قال: ((عن)) لا يُحتجّ به إلا إن ثبت سماعه من جهة أخرى، فروى المصنّف رحمه الله تعالى حديثه هذا عن شيخين، وهما : سُريج ويعقوب، فأما سُريج فقال: حدثنا هشيم، عن سيار، وأما يعقوب فقال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا سيار، فَبَيَّن المصنّف رحمه الله تعالى اختلاف عبارة الراويين في نقلهما عبارته، وحَصَلَ منهما اتصال حديثه، لم يقتصر على إحدى الروايتين، وهذا من عظيم إتقانه، ودقيق نظره، وحسن احتياطه، رحمه الله تعالى. قاله النوويّ رحمه الله تعالى(١). وقوله: (فيما استطعتُ) قال في ((الفتح)): رَوَيناه بفتح التاء وضمها، وتوجيههما واضح، والمقصود بهذا التنبيه على أن اللازم من الأمور المبايَعُ عليها هو ما يطاق، كما هو المشترط في أصل التكليف، ويُشعر الأمر بقول ذلك اللفظ حال المبايعة بالعفو عن الهفوة، وما يقع عن خطأ وسهو. انتهى(٢). وقال القرطبيّ: قوله: (فيما استطعتُ) رَوَيناه بفتح التاء على مخاطبته إياه، وعلى هذا فيكون قوله: ((فيما استطعت)) من قول النبيّ وَلّ، مخاطباً له به، فلا يحتاج إلى التلفّظ بهذا القول، ورَوَيناه بضمّ التاء للمتكلّم، وعلى هذا فيكون النبيّ وَالر أمره أن ينطق بهذا اللفظ، فكأنه قال له: قل: فيما استطعتُ، وعليه فيحتاج جرير إلى النطق بذلك امتثالاً للأمر، وعلى الوجهين، فمقصود هذا القول التنبيه على أن اللازم من الأمور المبايَع عليها هو ما يُطاق، ويُستطاع، كما هو المشترط في أصل التكليف، كما قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ويُشعر الأمر بقول ذلك اللفظ في حال المبايعة بالعفو عن الهفوة، والسقطة، وما وقع عن خطأ، أو تفريط. انتهى كلام القرطبيّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يؤيّد رواية ضمّ التاء ما وقع عند النسائيّ من رواية أبي وائل، والشعبيّ، عن جرير بلفظ: ((قل: فيما استطعتُ))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوَفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثِيْبُ﴾ . (١) (شرح مسلم)) ٤٠/٢. (٢) ((فتح)) ١٦٨/١. ٣٢٥ (٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِالْمَعَاصِي، وَنَفْسِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢١٠) ٢٦ - (بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِالْمَعَاصِي، وَنَفْسِهِ عَنِ الْمُتَلَبِّسِ بِالْمَعْصِيَةِ عَلَى إِرَادَةِ كَمَالِهِ) وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج، المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٠] (٥٧) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولَانِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ قَالَ: (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ)). قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، كَانَ يُحَدَّثُهُمْ هَؤُلَاءِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُلْحِقُ مَعَهُنَّ: ((وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَتْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ))). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِبِيُّ) أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (٢٤٣) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو عبد الله المصريّ، ثقة حافظٌ عابد فقيهٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقة ربّما وهم، من كبار [٧] (١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو محمد بن مسلم الزهريّ الإمام، تقدّم قريباً. ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ الثقة الفقيه الحجة، تقدّم قريباً . ٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) المخزوميّ المدنيّ الإمام الحجة المشهور، تقدّم قريباً . ٣٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٧ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ) بن الحارث المخزوميّ المدنيّ، ثقة [٥]. رَوَى عن أبيه، وخارجة بن زيد بن ثابت، وخلاد بن السائب، وعبد الله بن حنظلة، وأبي هريرة على خلاف فيه، وأم سلمة والصحيح عن أبيه عنها. ورَوَى عنه ابن جريج، وعبد الله ومحمد ابنا أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وأبو حازم بن دينار، وعبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وعتبة بن أبي حكيم، وعِرَاك بن مالك، والزهريّ، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان سخيّاً سَرِيّاً، وقد رُوِيَ عنه، مات في أول خلافة هشام، وكان ثقةً، وله أحاديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأَرَّخ وفاته كما قال ابن سعد، ووثقه العجليّ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (٣٥١): ((الوضوء مما مسّت النار))، و(١١٠٩): ((يصبح جنباً من غير حلم ... ))، و(١٤٦٠): ((إنه ليس بكِ على أهلكِ هوان ... ))، وكرّره ثلاث مرّات. ٨ - (أَبُو بَكْرٍ) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المدنيّ، كان أحد الفقهاء السبعة، قيل: اسمه محمد، وقيل: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه المغيرة، حكاه ابن عبد البرّ، وقال أبو جعفر الطبريّ: اسمه كنيته، ليس له اسم غيرها، وهذا هو الصحيح، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وأبي هريرة، وعمار بن ياسر، ونَوْفل بن معاوية، وعائشة، وأم سلمة، وأم معقل الأسدية، وعبد الرحمن بن مُطِيع بن الأسود، وغيرهم. ورَوَى عنه أولاده: عبد الملك، وعمر، وعبد الله، وسلمة، ومولاه سُمَيّ، وابن أخيه القاسم بن محمد بن عبد الرحمن، والزهريّ، وعبد ربه بن سعيد، وعمر بن عبد العزيز، وعبد الواحد بن أيمن، وعبد الله بن كعب الْحِمْيَريّ، والحكم بن عتيبة، وآخرون. ٣٢٧ (٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِالْمَعَاصِي، وَنَفْسِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢١٠) قال ابن سعد: وُلِد في خلافة عمر، وقال الواقديّ: اسمه كنيته، وكان قد استُصْغِر يوم الجمل، فَرُدَّ هو وعروة بن الزبير، وكان ثقةً فقيهاً عالِماً سَخِيّاً كثير الحديث، وكان يقال له: راهب قريش لكثرة صلاته، وكان مكفوفاً، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة، وقال ابن خِرَاش: هو أحد أئمة المسلمين، وقال أيضاً: أبو بكر، وعمر، وعكرمة، وعبد الله، بنو عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، كلهم أَجِلَّةٌ ثقاتٌ، يُضْرَبُ بهم المثل، رَوَى عنه الزهريّ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان أعمى، وكان إذا سجد يَضَعُ يده في طست ماء من عِلّة كانت به، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الزبير بن بكار: كان قد كُفّ بصره، وكان يسمى الراهب، وكان من سادات قريش، وقال ابن أبي الزناد، عن أبيه: أدركت من فقهاء المدينة، وعلمائها من يُرتَضَى، وينتهى إلى قوله، منهم: ابنُ المسيب، وعروة، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، و خارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، في مَشْيَخَة من نُظَرائهم، أهلِ فقه وفضل، وقال الشعبي، عن عمر بن عبد الرحمن: إن أخاه أبا بكر كان يصوم ولا يفطر. قال ابن المديني، وخليفة، وجماعة: مات سنة ثلاث وتسعين، وقال إبراهيم بن المنذر، عن مَعْن بن عبد الرحمن: تُوُفّي سنة ثلاث، وقيل: أربع، وأرخه في سنة أربع عمرُو بن عليّ، وأبو عبيد، والواقديّ، وغير واحد، زاد الواقديّ: وكانت تُسَمَّى سنة الفقهاء، وقيل: مات سنة خمس وتسعين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثاً. ٩ - (أَبُو هُرَيْرَة) ظُه تقدّم قريباً، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى بالنسبة للسند الأول، ومن سباعيّاته بالنسبة للثاني. ٢ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنیین . ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٣٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من الرواة من الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وهم الذين ذكرهم بعضهم بقوله: لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَقَالَتُهُمْ سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ وقد أحسن الحافظ العراقي في ((ألفية الحديث)) حيثُ فصّلهم، فقال: خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةُ وَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللهِ أَوْ فَأَبُو بَكْرٍ خِلَافٌ قَائِمُ إِمَّا أَبُو سَلَمَةٍ أَوْ سَالِمُ ٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة رضيبه أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ) تقدّم لنا أن الأولى كسر يائه المشدّدة (يَقُولَانِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َظُبه (إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((لَا) نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها (يَزْنِي الزَّانِي) قال في ((التعريفات)): ((الزنى)): هو الوطء في قُبُل خالٍ عن ملك وشُبهة. انتهى(١). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ((الزنى)) في العرف الشرعيّ: هو إيلاج فرجٍ محرَّم في فرج محرَّم شرعاً، مشتهَى طَبْعاً، من حيث هو كذلك، فتحرّزوا بمشّتهَى طبعاً من اللواط وإتيان البهيمة، وبقوله: ((من حيث هو كذلك)) عن وطء الْمُحْرِمة، والصائمة، والحائض، فإنه تحريم من جهة الموانع الخارجية. انتھی(٢). (حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ) أي والحال أنه متّصفٌ بصفة الإيمان، وقَيَّدَ نفيَ الإيمان بحالة ارتكابه لها، ومقتضاه أنه لا يستمر بعد فراغه، وهذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون المعنى: أن زوال ذلك إنما هو إذا أقلع الإقلاع الكليّ، وأما (١) ((تعريفات الْجُرجانيّ)) ص٨٣. (٢) ((المفهم)) ٢٤٥/١. ٣٢٩ (٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِالْمَعَاصِي، وَنَفْسِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢١٠) لو فرغ، وهو مُصِرّ على تلك المعصية، فهو كالمرتكب، فَيَتَّجِهُ أن نفي الإيمان عنه يستمرّ، ويؤيده قول ابن عباس ﴿ها: ((فإن تاب عاد إليه))، ولكن أخرج الطبريّ من طريق نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس ﴿ًّا قال: ((لا يزني حين يزني وهو مؤمن، فإذا زال رجع إليه الإيمان، ليس إذا تاب منه، ولكن إذا تأخّر عن العمل به))، ويؤيده أن الْمُصِرَّ، وإن كان إثمه مستمرّاً، لكن ليس إثمه كمن باشر الفعل، كالسرقة مثلاً، قاله في ((الفتح)). (وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ))) قال ابن مالك رحمه الله تعالى: فيه جواز حذف الفاعل، بدلالة الكلام عليه، والتقدير: ولا يشرب الشارب الخمر إلخ، ولا يرجع الضمير إلى السارق؛ لئلا يختص به، بل هو عامّ في حقّ كل من شرب، وكذا القول في ((لا يَسْرِق))، و((لا يقتل))، وفي ((لا يغل)) - يعني في الروايات التي ثبت فيها ذلك - ونظير حذف الفاعل بعد النفي، قراءة هشام: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩] - بفتح الياء التحتانية - أوَّلَهُ: أي لا يَحْسَبَنَّ حاسب. انتهى. (اعلم): أنه اختلف النحاة في جواز حذف الفاعل، فمذهب الجمهور أنه لا يجوز حذفه، وإليه أشار في ((الخلاصة)» بقوله: وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ وَإِنْ ظَهَرْ فَهْوَ وَإِلَّا فَضَمِيرٌ اسْتَتَرْ واستثنوا مواضع قليلة، مذكورة في كتب النحو، وأجاز الكسائيّ حذفه مطلقاً تمسّكاً بهذا الحديث، وبقوله تعالى: ﴿إِذَا بَغَتِ التََّافِىَ﴾ [القيامة: ٢٦]، وبقوله: ((إذا كان غداً فأتني))، وأجاب الجمهور بأن الفاعل في كلها مستتر لا محذوف، ففي ((يشرب)) ضمير يعود للشارب المدلول عليه بالفعل، وفي ﴿بَغَتِ﴾ ضمير الروح المعلومة من السياق، وفي الأخير ضمير يعود لما دلّت عليه الحال المشاهدة، أي: إذا هو، أي: ما نحن عليه من السلامة غداً فأتني(١)، والله تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) موصول بالسند الماضي، وليس معلّقاً (فَأَخْبَرَنِي (١) راجع: ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل)) ٢٣٥/١ - ٢٣٦. ٣٣٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ) أباه (أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُحَدِّثُهُمْ) أي يُحدّث عبد الملك، ومن معه (هَؤُلَاءِ) إشارة إلى الجمل المذكورة، من قوله: ((لا يزني الزاني إلخ)) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه آخذاً عن أبي هريرة ◌َُّه (ثُمَّ يَقُولُ) أي أبو بكر بعد أن يُحدّثهم بهؤلاء (وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ) تَظُه (يُلْحِقُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإلحاق، أي يذكر (مَعَهُنَّ) أي مع هؤلاء، وقوله: ((وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً) مفعول به لـ((يُلحق)) محكيّ لقصد لفظه . و((النَّهب)): الأخذ على وجه العلانية، والقهر، والغلبة، و((النّهْبة)) بالفتح مصدرٌ، وبالضمّ: المال المنهوب، والتوصيف بالشرف باعتبار مُتعلّقها الذي هو المال، والتوصيف برفع أبصار الناس لبيان قسوة قلب فاعلها، وقلّة رحمته وحيائه، قاله السنديّ. وقال في ((الفتح)): ((النهبة)) - بضم النون - هو المال المنهوب، والمراد به المأخوذ جهراً وقهراً، ووقع في رواية همام عند أحمد: ((والذي نفس محمد بيده، لا يَنْتَهِبَنَّ أحدُكم نُهْبةً ... )) الحديث. قاله في ((الفتح)). وقال القرطبيّ: ((النُّهبةُ))، و((النُّهْبَى)): اسم لما يُنتهب من المال: أي يؤخذ من غير قسمة ولا تقدير، ومنه سُمّيت الغنيمة: نُهْبَى، كما قال: ((وأصبنا نَهْبَ إبل)) متفقٌ عليه: أي غنيمة إبل؛ لأنها تؤخذ من غير تقدير، تقول العرب: أنهب الرجل ماله، ونَهُبُوه، وناهبوه. قاله الجوهريّ. انتهى. [تنبيه]: ظاهر قوله: ((وكان أبو هريرة يُلحق إلخ)) أن قوله: ((ولا ينتهب، إلى آخره))، ليس من كلام النبيّ وَلَّ، بل هو من كلام أبي هريرة نَظُه موقوف عليه، ولكن جاء فى رواية أُخرى ما يدلُّ على أنه من كلام النبيّ ◌َّ. وقد جمع الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى في ذلك كلاماً حسناً، فقال: رَوَى أبو نعيم فى ((مستخرجه على كتاب مسلم)) رحمه الله تعالى، من حديث هَمّام بن منبه هذا الحديث، وفيه: ((والذي نفسُ محمد بيده، لا ينتهب أحدكم))، وهذا مُصَرِّح برفعه إلى النبيّ ◌َّ، قال: ولم يستغن عن ذكر هذا، بأن البخاريّ رواه من حديث الليث بإسناده هذا الذي ذكره مسلم عنه معطوفاً فيه ذكر النهبة على ما بعد قوله: قال رسول الله وص 18 نسقاً، من غير ٣٣١ (٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِالْمَعَاصِي، وَنَفْسِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢١٠) فصل بقوله: وكان أبو هريرة يُلحِق معهنّ ذلك، وذلك مراد مسلم رحمه الله تعالى بقوله: واقتص الحديث يَذكُر مع ذكر النبهة، ولم يذكر ((ذات شرف))، وإنما لم يكتف بهذا في الاستدلال على كون النهبة من كلام النبيّ وَّر؛ لأنه قد يُعَدُّ ذلك من قبل المدرج في الحديث، من كلام بعض رواته استدلالاً بقول من فَصَّلَ، فقال: ((وكان أبو هريرة يُلحق معهن))، وما رواه أبو نعيم الحافظ يرتفع عن أن يتطرق إليه هذا الاحتمال. وظهر بذلك أن قول أبي بكر بن عبد الرحمن: ((وكان أبو هريرة يُلحق معهن ... )) معناه: يلحقها روايةً عن رسول الله وَ﴿ لا من عند نفسه، وكأن أبا بكر خصها بذلك لكونه بلغه أن غيره لا يرويها، ودليل ذلك ما تراه من رواية مسلم - رحمه الله تعالى - الحديث، من رواية يونس، وعقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، وابن المسيب، عن أبي هريرة، من غير ذكر النهبة. ثم إن في رواية عقيل أن ابن شهاب، رَوَى ذكر النهبة عن أبي بكر بن عبد الرحمن نفسه، وفي رواية يونس، عن عبد الملك بن أبي بكر عنه، فكأنه سمع ذلك من ابنه عنه، ثم سمعه منه نَفْسِه. وأما ما ذكره مسلم من رواية ((الأوزاعيّ، عن ابن شهاب، عن ابن المسيّب وأبي سلمة، وأبي بكر جميعاً)) مع ذكر النهبة، فكأنه إدراج من الأوزاعيّ، أو من الراوي عنه، ومن أنواع الْمُدْرَج أن يروي الحديث جماعة، ولأحدهم فيه زيادة يختصّ بها، فيُدرجها بعض الرواة على رواية الجميع من غير فصل وبيان، وذلك وغيره من أنواع المدرج مما يجوز(١) للراوي تعمّده، فافهم كلّ ذلك، والْحَظه، فإنه مما عَزَّ مُدْركه من هذا الشأن، انتهى كلام أبي عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً (٢)، والله تعالى أعلم . (ذَاتَ شَرَفٍ) أي ذات قيمة، وقَدْر، ورِفْعة، قال القرطبيّ: والرواية (١) هكذا النسخة، ولعلّ الصواب: ((مما لا يجوز)) بزيادة ((لا))، فتأمله، والله تعالى أعلم. (٢) ((الصيانة)) ص٢٢٩ - ٢٣٠، و((شرح مسلم للنوويّ)) ٤٢/٢ - ٤٣. ٣٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الصحيحة بالشين المعجمة، وقد رواه الحربيّ: ((سَرَف)) بالسين المهملة، وقال: معناه: ذات مقدار كثير، ينكره الناس، كنَهْب الْفُسّاق في الفتن المالَ العظيم، مما يستعظمه الناس، بخلاف التمرة، والفلس، وما لا خطر له. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): ((ذات شَرَف)): أي ذات قدر، حيث يُشرف الناس لها ناظرين إليها، ولهذا وصفها بقوله: ((يرفع الناس إليه فيها أبصارهم))، ولفظ ((شَرَف)) وقع في معظم الروايات في ((الصحيحين))، وغيرهما بالشين المعجمة، وقيّدها بعض رواة مسلم بالمهملة، وكذا نقل عن إبراهيم الحربي، وهي ترجع إلى التفسير الأول، قاله ابن الصلاح. انتهى(٢). (يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ) أي ينظرون إليها ويستشرفونها، قال في ((الفتح)): هكذا وقع تقييده بذلك في النهبة دون السرقة، قال: وأشار برفع البصر إلى حالة المنهوبين، فإنهم ينظرون إلى من يَنْهَبُهم، ولا يقدرون على دفعه، ولو تضرّعوا إليه، ويحتمل أن يكون كناية عن عدم التستر بذلك، فيكون صفة لازمة للنهب، بخلاف السرقة، والاختلاس، فإنه يكون في خُفْية، والانتهاب أشدّ؛ لما فيه من مزيد الجراءة، وعدم المبالاة. وقوله: (حِينَ يَنْتَهِبُهَا) ظرف متعلّق بـ((يرفع))، وقوله: (وَهُوَ مُؤْمِنٌ))) حال من فاعل ((ينتهب))، وقد تقدّم معنى التقييد به قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُبه هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢١٠/٢٦ و٢١١ و٢١٢ و ٢١٣ و٢١٤ و٢١٥ و٢١٦] (٥٧)، و(البخاريّ) في ((المظالم والغصب)) (٢٤٧٥) و(الأشربة)) (٥٥٧٨) و((الحدود)) (٦٧٧٢ و٦٨١٠)، و(أبو داود) في ((السنّة)) (٤٦٨٩)، و(الترمذيّ) في ((الإيمان)) (٢٦٢٥)، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (١) ((المفهم)) ٢٤٦/١. (٢) ((الفتح)) ١٤/٥. ٣٣٣ (٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِالْمَعَاصِي، وَنَفْسِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢١٠) (٢٩٣٦)، و(النسائيّ) في ((كتاب قطع السارق)) (٤٨٧٢ و٤٨٧٣ و٤٨٧٤) وفى ((الأشربة)) (٥٩٦١/٤٢ و٥٦٦٢) وفي ((الكبرى)) (٧٣٥٤ و٧٣٥٥ و٧٣٥٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٢/١١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١١٢٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٧٤١٩ ٨٦٧٨ و٨٧٨١ و٩٨٥٩)، و(الدارميّ) في (سننه)) في ((الأضاحي)) (١٩١٠) و((الأشربة)) (٢٠١٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٧ و٣٨ و٣٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٩ و٢٠٠ و ٢٠١ و٢٠٢ و٢٠٣ و٢٠٤ و٢٠٥ و٢٠٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٨٦)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٥١٠ و٥١١ و٥١٢ و٥١٣ و٥١٤ و٥١٥ و٥١٦ و٥١٧ و٥١٨)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٣٣٠٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٦ و٤٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٦/١٠) والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان نقصان الإيمان بالمعاصي، وأنها تنفي الاتّصاف به على وجه الكمال. ٢ - (ومنها): أن من زنى دخل في هذا الوعيد، سواء كان بِكراً، أو مُحصَناً، وسواء كان المزني بها أجنبية أو مَحْرَماً، ولا شك أنه في حق المحرم أفحش، ومن المتزوج أعظم، ولا يدخل فيه ما يُطلق عليه اسم الزنا، من اللمس الْمُحَرَّم، وكذا التقبيل، والنظر؛ لأنها وإن سُمِّيت في عرف الشرع زناً، فلا تدخل في ذلك؛ لأنها من الصغائر، كما قال العلماء ذلك في تفسير اللَّمَم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَغِبُونَ كَبَرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَِّشَ إِلَّ الََّمْ﴾ الآية [النجم: ٣٢]. ٣ - (ومنها): بيان تعظيم شأن السرقة، وأنها من الكبائر؛ لشدّة الوعيد فيها، وتعظيم شأن أخذ حق الغير بغير حق؛ لأنه وَلو أقسم عليه، ولا يُقسِم إلا على إرادة تأكيد المقسم عليه. قال الحافظ: وفيه أن من سرق قليلاً أو كثيراً وكذا من انتهب، أنه يدخل في الوعيد، وفيه نظر، فقد شَرَط بعض العلماء، وهو لبعض الشافعيّة أيضاً في كون الغصب كبيرةً أن يكون المغصوب نصاباً، وكذا في السرقة، وإن كان بعضهم أَظْلَق فيها، فهو محمول على ما اشتَهَرَ أن وجوب القطع فيها متوقف على وجود النصاب، وإن كان سرقةُ ما دون النصاب حراماً . ٣٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٤ - (ومنها): أن فيه أن من شرب الخمر دخل في الوعيد المذكور، سواء كان المشروب كثيراً أم قليلاً؛ لأن شرب القليل من الخمر معدود من الكبائر، وإن كان ما يترتب على الشرب من المحذور من اختلال العقل أفحش من شرب ما لا يتغير معه العقل، وعلى القول الذي رجحه النووي من تأويل نفي الإيمان بنفي كماله، كما سيأتي، لا إشكال في شيء من ذلك؛ لأن لنقص الكمال مراتب، بعضها أقوى من بعض. ٥ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به من قال: إن الانتهاب كلَّه حرام، حتى فيما أَذِنَ مالكه، كالنِّثَار في العُرْس، ولكن صرح الحسن، والنخعي، وقتادة، فيما أخرجه ابن المنذر عنهم، بأن شرط التحريم أن يكون بغير إذن المالك، وقال أبو عبيدة: هو كما قالوا، وأما النُّهْبَةُ المختلف فيها، فهو ما أذن فيه صاحبه، وأباحه، وغَرَضُه تساويهم، أو مقاربة التساوي، فإذا كان القويّ منهم یغلب الضعيف، ولم تَطِبْ نفس صاحبه بذلك، فهو مكروه، وقد ينتهي إلى التحريم، وقد صرّح المالكية والشافعية والجمهور بكراهيته، وممن كرهه من الصحابة أبو مسعود البدري ظه، ومن التابعين النخعي وعكرمة، قال ابن المنذر: ولم يكرهوه من الجهة المذكورة، بل لكون الأخذ في مثل ذلك إنما يحصل لمن فيه فضل قوّة أو قلة حياء. واحتج الحنفية، ومن وافقهم، بأنه سيّ قال في الحديث الذي أخرجه أبو داود، من حديث عبد الله بن قرظ: أن النبي ◌َ ◌ّ قال في البُدْن التي نحرها: ((من شاء اقتطع))، واحتجوا أيضاً بحديث معاذ ظ لله رفعه: ((إنما نهيتكم عن نُهْبَى العساكر، فأما العرسان(١) فلا ... )) الحديث، وهو حديث ضعيف في سنده ضعف، وانقطاع. قال ابن المنذر: هي حجة قوية، في جواز أخذ ما يُنْثَر في العرس ونحوه؛ لأن المبيح لهم قد عَلِمَ اختلاف حالهم في الأخذ، كما علم النبي ◌َّ﴿ ذلك، وأَذِن فيه في أخذ البدن التي نحرها، وليس فيها معنى، إلا وهو موجود في النثار. (١) هكذا في بعض النسخ بلفظ ((العرسان))، وفي بعضها: ((الفرسان)) بالفاء، ولعل الصواب: ((فأما الْعُرس فلا)). والله أعلم. ٣٣٥ (٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِالْمَعَاصِي، وَنَفْسِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢١٠) قال الحافظ: بل فيها معنى ليس في غيرها بالنسبة إلى المأذون لهم، فإنهم كانوا الغاية في الوَرَع والإنصاف، وليس غيرهم في ذلك مثلهم. (١) انتھی (١) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي تعقّب به الحافظ كلام الإمام ابن المنذر رحمهما الله تعالى فيه نظر؛ لأنه لو كان المعنى الذي ذكره هو المبيحَ، لنّه النبيّ وَّل عليه، وقال: هذا لا يجوز إلا لمن كان على صفتكم، فلما أَطْلق، ولم يقيّده عَلِمنا أنه مباح، وقد مال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في (صحيحه)) إلى جوازه بإذن المالك، حيث قال في ((كتاب المظالم)): (باب النُّهْبَى بغير إذن صاحبه))، ثم أورد أحاديث النهي عن النُّهْبَى، فقد أفاد بتقييده الترجمة أن النهي إذا لم يأذن المالك، وإلا جاز. والحاصل أن القول بجواز النُّهْبَى في العُرْس ونحوه هو الأرجح لما ذُكر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في ذكر أقوال أهل العلم في تأويل هذا الحديث: لقد أجاد الحافظ رحمه الله تعالى في تلخيص أقوالهم، وتهذيبها في ((الفتح))، فقال: قال الطبري: اختَلَفَ الرواة في أداء لفظ هذا الحديث، وأنكر بعضهم أن يكون ◌َّ قاله، ثم ذكر الاختلاف في تأويله، ومن أقوى ما يُحمَل على صرفه عن ظاهره، إيجاب الحدّ في الزنا، على أنحاء مختلفة، في حقّ الحر المحصن، والحر البكر، وفي حق العبد، فلو كان المراد بنفي الإيمان ثبوت الكفر لاستووا في العقوبة؛ لأن المكلَّفين فيما يتعلق بالإيمان والكفر سواء، فلما كان الواجب فيه من العقوبة مختلفاً دلّ على أن مرتكب ذلك ليس بكافر حقيقة. وقال النووي: اختَلَف العلماء في معنى هذا الحديث، والصحيح الذي قاله المحققون، أن معناه: لا يَفْعَل هذه المعاصي، وهو كامل الإيمان، هذا من الألفاظ التي تُطلَق على نفي الشيء والمراد نفي كماله، كما يقال: لا عِلْمَ (١) ((فتح)) ١٤/٩. ٣٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان إلا ما نَفَع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة، وإنما تأولناه لحديث أبي ذر رُّبه مرفوعاً: ((من قال لا إله إلا الله، دخل الجنة، وإن زنا وإن سرق))، وحديث عبادة ربه الصحيح المشهور: ((أنهم بايعوا رسول الله ولايه على أن لا يسرقوا، ولا يزنوا ... )) الحديث، وفي آخره: ((ومن فعل شيئاً من ذلك، فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن لم يعاقب فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه))، فهذا مع قول الله رَّمَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، ومع إجماع أهل السنة على أن مرتكب الكبائر لا يكفر إلا بالشرك، يَضطَرُّنا إلى تأويل الحديث ونظائرِهِ، وهو تأويل ظاهر سائغ في اللغة مُسْتَعْمَلٌ فيها كثيراً . قال: وتأوَّله بعض العلماء على مَن فَعَل مُستحلّاً مع علمه بتحريمه. وقال الحسن البصري، ومحمد بن جرير الطبري: معناه: يُنْزَع عنه اسم المدح الذي سَمَّى الله به أولياءه، فلا يقال في حقه: مؤمن، ويستحق اسم الذم، فيقال: سارق، وزادٍ، وفاجر، وفاسق. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يُنْزَع منه نور الإيمان، وفيه حديث مرفوع. وعن المهلب: تُنْزَع منه بصيرته في طاعة الله. وعن الزهري: أنه من المشكل الذي نُؤْمِن به، ونُمِرُّه كما جاء، ولا نَتَعَرَّض لتأويله، قال: وهذه الأقوال محتملة، والصحيح ما قدمته. قال: وقيل في معناه غير ما ذكرته، مما ليس بظاهر، بل بعضها غلط فتركتها. انتهى ملخصاً . وقد وَرَدَ في تأويله بالمستحلّ حديث مرفوع عن علي ◌َُّّه عند الطبراني في ((الصغير))، لكن في سنده راو كذَّبوه. فمن الأقوال التي لم يذكرها: ما أخرجه الطبري من طريق محمد بن زيد بن واقد بن عبد الله بن عمر: أنه خبر بمعنى النهي، والمعنى: لا يَزْنِيَنَّ مؤمنٌ، ولا يَسْرِفَنَّ مؤمنٌ. وقال الخطابي: كان بعضهم يرويه: ((ولا يشرب)) بكسر الباء على معنى النهي، والمعنى: المؤمن لا ينبغي له أن يفعل ذلك. ٣٣٧ (٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِالْمَعَاصِي، وَنَفْسِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢١٠) ورَدَّ بعضهم هذا القول بأنه لا يبقى للتقييد بالظرف فائدة، فإن الزنا مَنْهِيُّ عنه في جميع الملل وليس مختصاً بالمؤمنين. قال الحافظ: وفي هذا الردّ نظر واضح لمن تأمله. [ثانيها]: أن يكون بذلك منافقاً نفاق معصية لا نفاق كفر، حكاه ابن بطال عن الأوزاعي. [ثالثها]: أن معنی نفي كونه مؤمناً، أنه شابه الكافر في عمله، وموقعُ التشبيه أنه مثله في جواز قتله في تلك الحالة؛ ليَكُفّ عن المعصية ولو أَدَّى إلى قتله، فإنه لو قُتِل في تلك الحالة كان دمه هَدَراً، فانتفت فائدة الإيمان في حقه بالنسبة إلى زوال عصمته في تلك الحالة، وهذا يُقَوِّي ما تقدم من التقييد بحالة التلبس بالمعصية . [رابعها]: معنى قوله: ليس بمؤمن: أي ليس بِمُسْتَحْضِرٍ في حالة تلبسه بالكبيرة جلالَ مَن آمن به، فهو كناية عن الغفلة، التي جلبتها له غلبة الشهوة، وعَبَّرَ عن هذا ابنُ الجوزي بقوله: فإن المعصية تُذهله عن مراعاة الإيمان وهو تصديق القلب، فكأنه نَسِي مَن صَدَّق به، قال ذلك في تفسير نزع نور الإيمان، ولعل هذا هو مراد المهلب. [خامسها]: معنى نفي الإيمان: نفي الأمان من عذاب الله؛ لأن الإيمان مشتق من الأمن. [سادسها]: أن المراد به الزجر والتنفير، ولا يراد ظاهره، وقد أشار إلى ذلك الطيبي، فقال: يجوز أن يكون من باب التغليظ والتهديد، كقوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] يعني أن هذه الخصال ليست من صفات المؤمن لأنها منافية لحاله، فلا ينبغي أن يتصف بها . [سابعها]: أنه يُسْلَب الإيمانَ حال تلبّسه بالكبيرة، فإذا فارقها عاد إليه، وهو ظاهر ما أسنده البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، في باب ((إثم الزُّنَاة)) من ((كتاب المحاربين)) عن عكرمة عنه، بنحو حديث الباب، قال عكرمة: قلت لابن عباس: كيف يُنْزَع منه الإيمان؟ قال: هكذا، وشَبَّك بين أصابعه ثم أخرجها، فإذا تاب عاد إليه هكذا ثم شبّك بين أصابعه. وجاء مثل هذا مرفوعاً، أخرجه أبو داود، والحاكم بسند صحيح، من طريق سعيد ٣٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان المقبري، أنه سمع أبا هريرة ر ◌ُبه رفعه: ((إذا زَنَى الرجلُ خرج منه الإيمان، فكان عليه كالظُّلَّة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان)). وأخرج الحاكم من طريق ابن حُجَيرة، أنه سمع أبا هريرة ◌َظُه يقول: ((من زنى أو شرب الخمر، نزع الله منه الإيمان كما يَخْلَع الإنسان القميص من رأسه))(١). وأخرج الطبراني بسند جيّد، من رواية رجل من الصحابة لم يُسَمَّ رفعه: ((من زنى خرج منه الإيمان، فإن تاب تاب الله عليه)). وأخرج الطبري من طريق عبد الله بن رواحة تَظُه: ((مَثَلُ الإيمان مثل قميص، بينما أنت مُدبر عنه إذ لبسته، وبينما أنت قد لبسته إذ نزعته)). قال ابن بطال: وبيان ذلك أن الإيمان هو التصديق، غير أن للتصديق معنيين: أحدهما: قول، والآخر عمل، فإذا رَكِب المصدِّق كبيرة فارقه اسم الإيمان، فإذا كَفَّ عنها عاد له الاسم؛ لأنه في حال كفّه عن الكبيرة، مجتنب بلسانه، ولسانه مصدّق عقد قلبه، وذلك معنى الإيمان. قال الحافظ: وهذا القول قد يُلاقي ما أشار اليه النووي، فيما نقله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ((يُنزع منه نور الإيمان))؛ لأنه يُحْمَل منه على أن المراد في هذه الأحاديث نور الإيمان، وهو عبارة عن فائدة التصديق، وثمرته، وهو العمل بمقتضاه، ويمكن ردّ هذا القول إلى القول الذي رجحه النووي، فقد قال ابن بطال في آخر كلامه، تبعاً للطبري: الصواب عندنا قول من قال: يزول عنه اسم الإيمان، الذي هو بمعنى المدح، إلى الاسم الذي بمعنى الذم، فيقال له: فاسق مثلاً، ولا خلاف أنه يُسَمَّى بذلك ما لم تظهر منه التوبة، فالزائل عنه حينئذ اسم الإيمان بالإطلاق، والثابت له اسم الإيمان بالتقييد، فيقال: هو مصدق بالله ورسوله، لفظاً واعتقاداً، لا عملاً، ومن ذلك الكف عن المحرَّمات. قال الحافظ: وأظن ابن بطال تَلَقَّى ذلك من ابن حزم، فإنه قال: المعتمد (١) ضعيف، انظر: ((السلسلة الضعيفة)) ٤٣٤/٣ رقم (١٢٧٤). ٣٣٩ (٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِالْمَعَاصِي، وَنَفْسِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢١٠) عليه عند أهل السنة، أن الإيمان اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح، وهو يشمل عمل الطاعة، والكفّ عن المعصية، فالمرتكب لبعض ما ذُكِر لم يختلّ اعتقاده ولا نطقه، بل اختلّت طاعته فقط، فليس بمؤمن بمعنى أنه ليس بمطيع، فمعنى نفي الإيمان محمول على الإنذار بزواله، ممن اعتاد ذلك؛ لأنه يُخشَى عليه أن يُفْضِي به إلى الكفر، وهو كقوله: ((ومن يَرتَع حول الحمى ... )) الحديث، أشار اليه الخطابي. وقد أشار المازري إلى أن القول المصَحَّح هنا، مبني على قول مَن يرى أن الطاعات تسمى إيماناً . قال الحافظ: والعجب من النووي، كيف جزم بأن في التأويل المنقول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حديثاً مرفوعاً، ثم صحح غيره، فلعله لم يَطَّلِعِ على صحته، وقد قدَّمتُ أنه يمكن ردّه إلى القول الذي صححه. وقال الطيبي: يحتمل أن يكون الذي نقص من إيمان المذكور الحياءُ، وهو المعبر عنه في الحديث الآخر بالنور، وقد مضى أن الحياء من الإيمان، فيكون التقدير: لا يزني حين يزني، وهو يستحي من الله؛ لأنه لو استحى منه وهو يَعرف أنه مشاهد حاله لم يرتكب ذلك، وإلى ذلك تصح إشارة ابن عباس بتشبيك أصابعه، ثم إخراجها منها، ثم إعادتها إليها، ويعضده حديث: ((من استحى من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس، وما وعى، والبطن وما حوى))(١). انتھی . قال الحافظ: وحاصل ما اجتمع لنا من الأقوال في معنى هذا الحديث ثلاثة عشر قولاً خارجاً عن قول الخوارج وعن قول المعتزلة، وقد أشرتُ إلى بعض الأقوال المنسوبة لأهل السنة يمكن ردّ بعضها إلى بعض. (١) رواه الطبرانيّ، وأبو نعيم في (الحلية)) من حديث الحكيم بن عمير بلفظ: ((استحيوا من الله حقّ الحياء، احفظوا الرأس، وما حوى، والبطن، وما وعى، واذكروا الموت والبلا، فمن فعل ذلك كان ثوابه جنة المأوى)). وهو ضعيف جدّاً، انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) للشيخ الألباني رحمه الله تعالى، رقم الحديث (٨٠٥). ٣٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال المازري: هذه التأويلات تَدفع قول الخوارج، ومن وافقهم من الرافضة، أن مرتكب الكبيرة كافر مُخَلَّد في النار إذا مات من غير توبة، وكذا قولَ المعتزلة: إنه فاسق مخلد في النار، فإن الطوائف المذكورين تعلقوا بهذا الحديث وشبهه، وإذا احتمل ما قلناه، اندفعت حجتهم. وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وأهل السنّة والهدى جمعوا بين معاني الأحاديث، وقرّروها على أصولها، واستدلّوا من حديث أبي ذرّ ◌َظُه مرفوعاً: ((من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق)) على منع التخليد، ومن هذا الحديث على نقص الإيمان بالمعاصي، كما وردت مفسّرةً في أحاديث كثيرة وآيٍ من القرآن منيرة. قال: وأشار بعض العلماء، إلى أن في الحديث تنبيهاً على جميع أنواع المعاصي، والتحذير منها، فَنَبّه بالزنا على جميع الشهوات، وبالسرقة على الرغبة في الدنيا والحرص على الحرام، وبالخمر على جميع ما يَصُدُّ عن الله تعالى ويوجب الغفلة عن حقوقه، وبالانتهاب الموصوف على الاستخفاف بعباد الله، وترك توقيرهم، والحياء منهم، وعلى جمع الدنيا من غير وجهها. انتهى كلام القاضي عياض(١). وقال القرطبي بعد أن ذكره مُلَخّصاً: وهذا لا يتمشى إلا مع المسامحة، والأولى أن يقال: إن الحديث يتضمن التحرز من ثلاثة أمور، هي من أعظم أصول المفاسد، وأضدادها من أصول المصالح، وهي استباحة الفروج المحرَّمة، وما يؤدي إلى اختلال العقل، وخص الخمر بالذكر لكونها أغلب الوجوه في ذلك، والسرقةَ بالذكر لكونها أغلب الوجوه التي يؤخذ بها مال الغير بغير حق. قال الحافظ: وأشار بذلك إلى أن عموم ما ذكره الأول، يشمل الكبائر والصغائر، وليست الصغائر مرادةً هنا لأنها تُكَفَّر باجتناب الكبائر، فلا يقع الوعيد عليها بمثل التشديد الذي في هذا الحديث. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن، واتّضح بما سبق أن أحسن (١) ((إكمال المعلم)) ٣٣٨/١ - ٣٤٠. (٢) راجع: ((الفتح)) ٦/١٤ - ٨.