Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ (٢٣) - بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ - حديث رقم (٢٠١) ويقال: أصلها شَاهَةٌ مثلُ عاهَةٍ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠١] (٥٣) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ، عَن ابْنِ جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((غِلَظُ الْقُلُوبِ، وَالْجَفَاءُ فِي الْمَشْرِقِ، وَالْإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه الإمام الحجة المذكور قبل باب. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ) هو: عبد الله بن الحارث بن عبد الملك المخزوميّ، أبو محمد المكّي، ثقة [٨]. رَوَى عن حنظلة بن أبي سفيان، وداود بن قيس الفَرّاء، والزبير بن سعيد الهاشمي، وسيف بن سليمان المكّي، والضحاك بن عثمان، وطلحة بن عمرو، وابن جريج، وعنبسة بن عبد الرحمن، ويونس بن يزيد، وثور بن يزيد الحمصيّ وجماعة. ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، والشافعيّ، والحميديّ، وحامد بن يحيى الْبَلْخيّ، ويعقوب بن حميد، وعمرو بن الْحُبَابِ العَلَّاف، وأبو قُدامة السرخسيّ، وقتيبة بن سعيد وغيرهم. قال أبو حاتم: عبد الله بن الحارث المخزوميّ أحب إليّ من عبد الله بن الحارث الحاطبي، وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). أخرج له الجماعة، إلا البخاريّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (١٥٢٨): ((نهى رسول الله وَّر عن بيع الطعام حتى يُستَوفَى))، و(٢٢٢٧): ((إن كان في شيء ففي الرَّبْع والخادم والفرس)). (١) ((المصباح المنير)) ٣٢٨/١. ٢٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكّي الفقيه، ثقة فاصلٌ، يدلّس، ويُرسل [٦] (ت١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكّي، صدوقٌ يدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌َّا تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وعبد الله بن الحارث، فما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أن عبد الله بن الحارث هذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وجملة ما روى المصنّف له من الأحاديث ثلاثة فقط، كما أسلفت بيانها آنفاً . ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكّيين غير شيخه، وقد دخل مكة، وجابر ◌َّته، وإن كان مدنيّاً، إلا أنه سكن مكة مدّةً (١). ٥ - (ومنها): أن فيه جابراً بالله من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً، ويقال(٢): إنه آخر من مات بالمدينة من الصحابة ظه، مات سنة (٩٤)، وقيل غير ذلك، ومن مناقبه منه أنه قال: استغفر لي النبيّ وَّ ليلة البعير خمساً وعشرين مرّةً، وليلة البعير هي الليلة التي اشترى النبيّ ◌ٍَّ من جابر جَمَلَهُ، وهي مشهورة في (الصحيحين))، وغيرهما، والله تعالى أعلم. (١) فقد نقل في ((تهذيب التهذيب)) ٢٤٤/٢ في ترجمة طلحة بن نافع، عن البخاريّ، قال مسدد: عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان - هو طلحة بن نافع - قال: جاورت جابراً بمكة ستة أشهر، فهذا يدلّ على أن جابراً تَظُه سكن مكة مدّة، والله تعالى أعلم. (٢) إنما عبّرتُ بـ((يقال)) إشارةً إلى ضعف هذا القول؛ لأن الصحيح أن آخر من مات بها من الصحابة هو سهل بن سعد الساعديّ ◌ُبه، مات سنة (٨٨)، وقيل بعدها . ٢٨٣ (٢٣) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ تَغْبِيرِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ - حديث رقم (٢٠١) شرح الحديث: (عَن) عبد الملك بن عبد العزيز (بْنِ جُرَيْج) المكّي، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بَّنَ عَبْدِ اللهِ) رضي الله تعالى عنهما (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((غِلَظُ الْقُلُوبِ) بكسر الغين المعجمة، وفتح اللام، وزان عِنَب مصدر غَلُظ الشيءُ بالضمّ: خلاف دَقَّ، والاسم الْغِلْظةُ بالكسر، وحَكَى في ((البارع)) التثليث عن ابن الأعرابيّ، وهو غَلِيظُ، والجمع غِلاظٌ، وعذابٌ غليظٌ: شديدُ الألم، وغَلُظ الرجلُ: اشتدّ، فهو غليظ أيضاً، وفيه غِلْظةٌ: أي غير لَيِّنٍ، ولا سَلِسٍ، قاله الفيّوميّ(١). (وَالْجَفَاءُ) بالفتح، يقال: جَفَا السرجُ عن ظهر الفرس يجفو جَفَاءً: ارتفع، وجافیته، فتجافى، وجفوت الرجل أجفوه: أعرضت عنه، أو طردته، وهو مأخوذ من جُفَاء السيل، وهو ما نفاه السيل، وقد يكون مع بغضٍ، وجَفَا الثوب يجفو: إذا غلُظ، فهو جافٍ، ومنه جفاء الْبَدْو، وهو غِلْظَتهم، وفَظَاظَتهم، قاله الفيّوميّ أيضاً. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه المعاني كلها تصلح في الحديث، فجفاء القلوب: ارتفاعها، وتكبّرها، وإعراضها عن الحقّ، وطرده ودفعه عنها، فلا تقبله بغضاً له، والله تعالى أعلم. فقوله: ((غلظ القلوب)) مبتدأ خبره قوله: (فِي الْمَشْرِقِ) أي كائنٌ في أهل المشرق، وقد سبق بيان المراد بأهل المشرق قريباً، فلا تنس، وإعراب قوله: (وَالْإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ) كسابقه، و((الْحِجَاز)) بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الجيم، مشتقّ من حَجَزْتُ بين الشيئين حَجْزاً، من باب قَتَلَ: إذا فَصَلتَ بينهما، وسُمي بذلك لأنه فصل بين نَجْد والسَّرَاةِ، وقيل: بين الْغَوْر والشأم، وقيل: لأنه احتجز بالجبال، قاله الفيّوميّ(٢). وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فيه حجة - أي لمن حمل ((الإيمان يمان)) - على مكة والمدينة، وأن المراد مبدؤه، ومستقرّه، وظهوره؛ لأن مكّة والمدينة من بلاد الحجاز، وقد قالوا: إن حدّ الحجاز من جهة الشام شَغْبٌ (١) ((المصباح المنير)) ٤٥٠/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ١٢٢/١. ٢٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وبَدَا (١)، ومما يلي تِهَامة بَدْرٌ، وعُكَاظُ، قال الْقُتَبِيّ: سُمِّي حجازاً؛ لحجزه بين نَجد وتِهَامة، وقال ابن دُريد: لحجزه بين نَجْد والسَّرَاة، قال الأصمعيّ: إذا انحدرت من نجد من ثنايا ذات عِرْق، فقد أَتْهَمتَ إلى البحرين، فإذا استقبلتك الْحِرَارُ، وأنت بنجد، فذلك الْحِجَاز، سُمّيت بذلك؛ لأنها حُجِزت بالْحِرَار الْخَمس(٢). وقد يكون المراد بالحجاز هنا المدينة فقط، ويؤيّده قوله في الحديث الآخر: ((إن الإيمان لَيَأْرِزُ إلى المدينة ... )) الحديث، متّفقٌ عليه. وفي هذا الحديث دليل على ترجيح فقه أهل الحجاز، وأهل المدينة، وترجيح فقه مالك رحمه الله تعالى؛ إذ هو يمانيّ النسب، يمانيّ البلد، والمدينة دار أهل اليمن الذين نَسَبَ إليهم النبيّ وَّر الفقه والحكمة. انتهى كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى(٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره القاضي من ترجيح فقه أهل المدينة على غيرهم، قاله أيضاً في كتابه الآخر ((ترتيب المدارك)) فترجم فيه بقوله: ((باب فضل علم أهل المدينة))، ((باب ما جاء عن السلف والعلماء في وجوب الرجوع إلى عمل أهل المدينة))، ((باب ترجيح مذهب مالك، والحجة في وجوب تقليده، وتقديمه على غيره من الأئمة)) (٦١/١ و٦٦ و٧٥)، وبالغ في تقرير ذلك كلّه، ولا يخفى ما فيه من المبالغة التي تحمل العوامّ على التعصّب . وقد أجاد الحافظ ابن حجر في تعقّبه على القرطبيّ، فقال: وهذا إن سُلّم اختصّ بعصر النبيّ وَّر، والخلفاء الراشدين، وأما بعد ظهور الفتن، وانتشار (١) ((شَغْبٌ))، ويقال: شَغْبَى، و((بدا)) موضعان بين المدينة وأيلة، انظر: ((معجم البلدان)) ٣٥٦/١، ٣٥١/٣. (٢) ((الْحِرَارُ)) جمع حرّة، وهي أرضٌ ذات حجارة سُود، كأنها أُحرقت بالنار، وهي كثيرة في بلاد العرب، والْحِرَارُ الخمسُ هي: حرّةُ بني سُليم، وحَرّة واقم، وحرّةُ ليلى، وحرّة شَورَان، وحرّةُ النار. انظر: ((معجم البلدان)) ١٣٤/٢ (٣) ((إكمال المعلم)) ٣٢٣/١ - ٣٢٤. ٢٨٥ (٢٣) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ - حديث رقم (٢٠١) الصحابة في البلاد، ولا سيّما أواخر المائة الثانية، وهلُمّ جرّاً، فهو بالمشاهدة بخلاف ذلك. انتھی کلامه. ولقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في هذه المسألة، وفصّلها تفصيلاً حسناً جدّاً، وقد نظمت كلامه في ((التحفة المرضيّة في نظم المسائل الأصوليّة على طريقة أهل السنّة السنيّة))، فقلت في ((مبحث الإجماع»: فَلَيْسَ إِجْمَاعٌ بِقَولِ الْجُلِّ وَاشْتَرَطُوا كَوْنَهُ قَوْلَ الْكُلِّ يَحْتَاجُ تَفْصِيلاً بِدُونِ مِرْيَةٍ أَرْبَعَةً فَهَاكَ مَا رَسَّمَهُ نَبِيِّنَا كَالصَّاعِ حُجَّةً فَمَنْ أَنْ يُقْتَلَ عُثْمَانُ فَحُجَّةٌ تُسَنْ ـثَّةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ حُجَّةُ لِسُنَّةِ الرَّسُولِ يَا ذَا الْمَعْرِفَة عَمَلُهُمْ لِبَعْضِهَا هَلْ رَجَّحَتْ؟ بِهِ وَنُعْمَانٌ إِيَاءً أَوْضَحَا كَلَامُهُ يَمِيلُ لِلرُّجْحَانِ فَفِي احْتِجَاجِنَا بِهِ خُلْفٌ جَرَى أَبَوْا وَرَأْيُهُمْ أَسَدُّ فَاتْبَعِ أَصْحَابِ مَالِكٍ يُرَى الرَّأْيَ الْقَمِنَ جَعَلَهُ الْحُجَّةَ لَا تَعْبَأُ بِهِ أَيَّدَهُ بَلْ مَحْضُ تَقْلِيدِ ذَلِيلْ أَصَحَّ أَقَوَالٍ لَدَى الْقَوْمِ جَرَى وَتَارَةَ ذَا قُوَّةٍ قَدْ ثَبَتَا مُلَخَّصُ التَّفْصِيلِ هَذَا قَدْ كَمُلْ فَمِنْ هُنَا إِجْمَاعُ أَهْلِ طَيْبَةٍ كَمَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدْ قَسَّمَهُ أَوَّلُهَا مَا صَارَ مِثْلَ النَّقْلِ عَنْ وَثَانِيهَا عَمَلُهُمْ مِنْ قَبْلٍ أَعْنِي لَدَى الْجُمْهُورِ إِذْ ذَا سُـ وَلَيْسَ يُعْلَمُ لَهُمْ مُخَالَفَهْ ثَالِثُهَا إِنْ حُجَجْ تَعَارَضَتْ فَمَالِكٌّ وَالشَّافِعِيُّ رَجَّحَا أَصْحَابُ أَحْمَدَ لَهُمْ وَجْهَانِ رَابِعُهَا عَمَلُهُمْ مُؤَخَّرَا فَأَحْمَدُ النُّعْمَانُ ثُمَّ الشَّافِعِيْ وَهْوَ الَّذِي لَدَى الْمُحَقِّقِينَ مِنْ وَبَعْضُ أَهْلِ الْغَرْبِ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ لَيْسَ نَصُّ مَالِكِ وَلَا دَلِيلْ فَقَوْلُ أَهْلِ طَيْبَةٍ لِذَا يُرَى فَتَارَةً بِالْقَطْعِ حُجَّةً أَتَى وَتَارَةً مُرَجِّحاً لِمَا يَدُلْ مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ◌ًّا هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالی. ٢٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٠١/٢٣] (٥٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٢/٣ و٣٣٥ و٣٤٥) وفي ((فضائل الصحابة)) (١٦١١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٢٩٦)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٤٤٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٨٧) وزاد من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج: ((والسكينة في أهل الغنم))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثِبُ﴾ . ٢٤ - (بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّ الْمُؤْمِنُونَ، وَأَنَّ مَحَبَّةً الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ إِفْشَاءَ السَّلَامِ سَبَبٌ لِحُصُولِهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج، المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٢] (٥٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَّلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُوا، أَوَلَا أَدُلَّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَيْتُمْ، أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد بنصّه تقدّم في الباب الماضي، ومن لطائفه أنه مسلسل بثقات الكوفيين إلى الأعمش، والباقيان مدنيّان، وأن فيه أبا معاوية أحفظ من روى عن الأعمش، وكذلك الأعمش أحفظ من رَوَى عن أبي صالح السمان، يقال: روى عنه ألف حديث، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الأعمش عن أبي صالح، وأن صحابيّه أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لا) نافية، ولذا رُفع ٢٨٧ (٢٤) - بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنََّ إِلَّ الْمُؤْمِنُونَ ... إلخ - حديث رقم (٢٠٢) الفعل بعدها (تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا) بحذف النون للنصب بـ(أن)) مضمرة بعد ((حتى)) وجوباً؛ لكون الفعل مستقبلاً، كما قال في ((الخلاصة)): حَتْمٌ كَـ«جُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ)» وَبَعْدَ ((حَتَّى)) هَكَذَا إِضْمَارُ ((أَنْ)) بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا وَتِلْوَ ((حَتَّى)) حَالاً أَوْ مُؤَوَّلَا وقوله: ((لا تدخلون الجنّة إلخ)) هو على ظاهره، وإطلاقه، فلا يدخل الجنة إلا من مات مؤمناً، وإن لم يكن كامل الإيمان (وَلَا تُؤْمِنُوا) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: كذا صحّت الروايات هنا: ((ولا تؤمنوا)) بإسقاط النون، والصواب إثباتها كما وقع في بعض النسخ؛ لأن ((لا)) نفيٌ لا نهيٌّ، فلزم إثباتها. انتهى(١). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا هو في جميع الأصول والروايات: ((ولا تؤمنوا)) بحذف النون من آخره، وهي لغة معروفة صحيحة. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول القرطبيّ: ((والصواب إثباتها)) ليس كما ينبغي؛ لأنه إذا صحّت الرواية بالحذف، ووجد في العربيّة له وجه، فلا وجه للتخطئة، فما قاله النوويّ هو الحقّ، وقد أثبت المحقّقون من النحاة جواز حذف نون الرفع بلا ناصب وجازم على قلّة، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ((الكافية)) مبيّناً إعراب الأفعال الخمسة: وَاتَذْهَبَانٍ)) ثُمَّ ((تَذْهَبِينَا)) بِالنُّونِ رَفْعُ نَحْوِ ((يَذْهَبُونَا)) كَـ((لَمْ تَكُونَا لِتَرُومَا سُحْتًا» وَاحْذِفْ إِذَا جَزَمْتَ أَوْ نَصَبْتَا وَالْفَكُّ وَالإِذْغَامُ أَيْضاً ثَبَتَا وَحَذْفُهَا فِي الرَّفْعِ قَبْلَ ((نِي)) أَتَّى فِي النَّثْرِ وَالنَّظْم وَمِمَّا قَدْ رَوَوْا وَدُونَ (نِي)) فِي الرَّفْعِ حَذْفَهَا حَكَوْا وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي)) ((أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَدْلُكِي قال في ((شرحه)): وقولي: ((ودون ني)) أي دون اتّصال نون الوقاية بنون الرفع قد حُكي حذفها، ومثال ذلك في النثر ما رُوي من قول النبيّ وَل: ((والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا))(٣)، (١) ((المفهم)) ١/ ٢٤٢. (٢) (شرح مسلم)) ٣٦/٢. (٣) هذه رواية أبي داود، والترمذي بحذف النون في الموضعين: ((لا تدخلوا))، و((لا تؤمنوا)»، وأما رواية مسلم فالشاهد فيها حذفها من ((ولا تؤمنوا)) فقط. ٢٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الأصل: لا تدخلون، ولا تؤمنون؛ لأن ((لا)) نافية، و((لا)) النافية لا تعمل في الفعل شيئاً، ومثال النظم قول الراجز: أَبِيتُ أَسْري ... البيت. والأصل ((تبيتين)) و((تدلُكين))، فحذف النونين دون جازم ولا ناصب. انتهى كلام ابن مالك باختصار(١). والحاصل أن تخطئة الرواية بحذف النون غير مقبول، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (حَتَّى تَحَابُّوا) بحذف إحدى التاءين، إذ أصله: تتحابّوا؛ أي حتى يُحبّ بعضكم بعضاً، ونونه محذوفة للناصب، كما تقدّم نظيره، قال النوويّ: معناه: لا يكمل إيمانكم، ولا يصلُح حالكم في الإيمان إلا بالتحاب. وقال القرطبيّ: الإيمان المذكور أولاً هو التصديق الشرعيّ المذكور في حديث جبريل ظلّلها، والإيمان المذكور ثانياً هو الإيمان العمليّ المذكور في قوله وَله: ((الإيمان بضع وسبعون شعبةً))، ولو كان الثاني هو الأول للزم منه أن لا يدخل الجنّة مَن أبغض أحداً من المؤمنين، وذلك باطلٌ قطعاً، فتعيّن التأويل الذي ذكرناه. انتهى(٢). وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله وَلير: ((ولا تؤمنوا حتى تحابّوا)): أي لا يتمّ إيمانكم، ولا يكمُلُ ولا تصلح حالتكم في الإيمان إلا بالتحابّ والأُلفة، ويعضده قوله بعدُ: ((أوَلا أدلكم على شيء ... )) الحديث. (٣) . انتھی وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قوله وَالله: ((لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا))، فهو على ظاهره، وإطلاقه، فلا يدخل الجنة إلا من مات مؤمناً، وإن لم يكن كاملَ الإيمان، فهذا هو الظاهر من الحديث. وقال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: معنى الحديث: لا يكمل إيمانكم (١) ((شرح الكافية الشافية)) ٢٠٧/١ - ٢١١. (٢) ((المفهم)) ٢٤٢/١. (٣) (إكمال المعلم)) ٣٢٦/١. ٢٨٩ (٢٤) - بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّ الْمُؤْمِنُونَ ... إلخ - حديث رقم (٢٠٢) إلا بالتحابّ، ولا تدخلون الجنة عند دخول أهلها إذا لم تكونوا كذلك، وهذا الذي قاله محتمل. انتهى(١). وقال القرطبيّ: معناه: لا يكمل إيمانكم، ولا يكون حالكم حال من كَمُل إيمانه حتى تفشوا السلام الجالب للمحبّة الدينيّة، والألفة الشرعيّة. انتھی . (أَوَلَا) بفتح الهمزة والواو، هي ((ألا)) التي للعرض والتحضيض، والواو للعطف، وأصلها التقديم على الهمزة، إلا أنها أخّرت للزوم تصديرها (أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ) عظيم، فالتنوين للتنكير؛ وعظمته حيث كان سبباً للمحبّة التي هي سبب للإيمان الكامل الذي هو سبب لدخول الجنّة (إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَيْتُمْ، أَفْشُوا) بقطع الهمزة المفتوحة فعل أمر من الإفشاء (السَّلَامَ بَيْنَكُمْ) معنى إنشائه: إظهاره، وإشاعته، وإقراؤه على المعروف وغير المعروف، قاله القرطبيّ. وقال السنديّ: والمراد نشر السلام بين الناس؛ ليُحْيُوا سنته وَّل، قال النوويّ: أقلّه أن يرفع صوته بحيث يسمع المسلّم عليه، فإن لم يسمعه لم يكن آتياً بالسنّة، ذكره السيوطيّ في ((حاشية أبي داود)) في شرح هذا اللفظ. قال السنديّ: ظاهره أنه حمل الإفشاء على رفع الصوت به، والأقرب حمله على الإكثار. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأَوْلى حمله على المعنيين؛ إذ لا تنافي بينهما، فيكون المراد بالإفشاء رفع الصوت بالسلام وإكثاره بين الناس، والله تعالى أعلم. وقال الطيبيّ تَخَّتُهُ: اعلم أنه تعالى جعل السلام سبباً للمحبّة، والمحبّة سبباً لكمال الإيمان؛ لأن إفشاء السلام سبب للتحابّ والتوادّ، وهو سبب الأُلفة والجمعيّة بين المسلمين المسبب لكمال الدين، وإعلاء كلمة الإسلام، وفي التهاجر والتقاطع والشحناء التفرقة بين المسلمين، وهو سبب لانثلام الدين، والوهنِ في الإسلام، وجَعْلٍ كلمة الذين كفروا الْعُلْيَا، قال الله رَّت: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ (١) ((شرح مسلم)) ٣٦/٢. (٢) ((شرح السنديّ)) ٥٣/١. ٢٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٠٣]. انتهى (١)، والله وَلَ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة تظنه هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى. (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٠٢/٢٤ و٢٠٣] (٥٤)، و(أبو داود) (٥١٩٣)، و(الترمذيّ) (٥٦٨٨)، و(ابن ماجه) (٦٨ و٣٦٩٢)، و(ابن أبي شيبة) (٦٢٤/٨ و٦٢٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩١/٢ و٤٤٢ وو٤٧٧ و٤٩٥ و٥١٢)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٢٦٠ و٩٨٠)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٢٣٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٨٣)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (١٩٠ و١٩١)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٣٢٨ و٣٢٩ و٣٣٠ و٣٣١ و٣٣٢ و٣٣٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٣٠٠) والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أنه لا يدخل الجنّة إلا نفسٌ مسلمة، وقد أخرج الترمذي وحسّنه من طريق أبي إسحاق، عن زيد بن أُثيع، قال: سألت علياً ظه: بأيّ شيء بُعِثت؟ قال: بأربع: ((لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ... )) الحديث(٢). ٢ - (ومنها): بيان أن محبة المؤمنين بعضهم بعضاً مما يكمل به الإيمان، فهي شعبة من شعب الإيمان. (١) ((الكاشف)) ٣٠٣٨/٢. (٢) قال الترمذيّ رحمه الله تعالى: (٨٧١) حدثنا علي بن خَشْرَم، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أُثيع، قال: سألت علياً بأيّ شيء بُعِثت؟ قال: بأربع: ((لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عُريان، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين النبي ◌َّ عهد فعهده إلى مدته، ومن لا مدة له فأربعة أشهر))، قال أبو عيسى: حديث علي حديث حسن. وصححه الشيخ الألباني، انظر: ((صحيح الترمذيّ)) ٢٥٩/١ - ٢٦٠. ٢٩١ (٢٤) - بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّ الْمُؤْمِنُونَ ... إلخ - حديث رقم (٢٠٢) ٣ - (ومنها): أن في قوله وَّر: ((والذي نفسي بيده)) في الرواية التالية إثباتَ اليد لله تُعَلَ على ما يليق بجلاله. ٤ - (ومنها): انتفاء كمال الإيمان عمن ليست له محبة لإخوانه المؤمنين. ٥ - (ومنها): إثبات دخول الجنّة للمؤمن الذي حقّق إيمانه بالمحبّة لإخوانه، والتودّد إليهم بما يُدخل السرور عليهم كالسلام مع الالتزام بسائر شرائع الإسلام. ٦ - (ومنها): أن فيه الحثَّ العظيم على إفشاء السلام، وبذله للمسلمين كلهم المعروفين وغير المعروفين. ٧ - (ومنها): أن السلام أول أسباب التآلف، ومفتاح استجلاب المودة، وفي إفشائه تمكُّن أُلفة المسلمين بعضهم لبعض. ٨ - (ومنها): أنه يتضمّن رفع التقاطع والتهاجُر والشَّحْنَاء، وفساد ذات البين التي هي الحالقة؛ لأن سلامه لله تعالى لا يتبع فيه هواه ولا يخص أصحابه وأحبابه به، فيحصل ببركته ذلك. ٩ - (ومنها): أن في إفشاء السلام إظهار شعار المسلمين المميز لهم من غيرهم، من أهل الملل. ١٠ - (ومنها): أن في إفشائه رياضةَ النفس، ولزومَ التواضع، وإعظامَ حرمات المسلمين، وقد ذكر البخاري تَخّْتُهُ فى ((صحيحه)) (١٤/١) عن عمار بن ياسر ﴿ًُّا أنه قال: «ثلاثٌ من جمعهنّ فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار))(١). (١) قد حقّق الكلام الحافظ رحمه الله تعالى على هذا الحديث في ((الفتح)) ٨٢/١ حيث قال : قوله: وقال عَمّار: هو ابن ياسر أحد السابقين الأولين، وأثره هذا أخرجه أحمد بن حنبل، في ((كتاب الإيمان)) من طريق سفيان الثوري، ورواه يعقوب بن شيبة في ((مسنده) من طريق شعبة، وزهير بن معاوية، وغيرهما، كلهم عن أبي إسحاق السبيعي، عن صِلَةَ بن زُفَر، عن عمّار، ولفظ شعبة: ((ثلاثٌ مَن كُنّ فيه، فقد استكمل الإيمان))، وهو بالمعنى، وهكذا رويناه في ((جامع معمر)) عن أبي إسحاق، وكذا حَدَّث به عبد الرزاق في ((مصنفه)) عن معمر، وحَدّث به عبد الرزاق بأَخَرَة، = ٢٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان [تنبيه]: قال في ((الفتح)): قال أبو الزناد بن سراج وغيره: إنما كان مَن جمع الثلاث مستكملاً للإيمان؛ لأن مداره عليها؛ لأن العبد إذا اتّصف بالإنصاف لم يترك لمولاه حقّاً واجباً عليه إلا أدّاه، ولم يترك شيئاً مما نهاه عنه إلا اجتنبه، وهذا يَجْمَع أركان الإيمان؛ وبذلُ السلام يتضمن مكارم الأخلاق، والتواضع، وعدم الاحتقار، ويحصل به التآلف، والتحابُّ، والإنفاق من الإقتار يتضمن غايةً الكرم؛ لأنه إذا أنفق مع الاحتياج، كان مع التوسع أكثر انفاقاً، والنفقة أعم من أن تكون على العيال واجبةً ومندوبة، أو على الضيف والزائر، وكونه من الإقتار يستلزم الوثوق بالله، والزهد في الدنيا، وقَصْرَ الأمل، وغير ذلك من مهمات الآخرة، وهذا التقرير يُقَوِّي أن يكون الحديث مرفوعاً؛ لأنه يشبه أن يكون كلام مُن أوتي جوامع الكلم، والله تعالى أعلم. انتهى (١)، وهو تحقيقُ نفيسٌ، والله ثَ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا))، بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٍ). فرفعه إلى النبيّ ◌َو كذا أخرجه البزار في («مسنده))، وابن أبي حاتم في ((العلل)) = كلاهما عن الحسن بن عبد الله الكوفي، وكذا رواه البغوي في ((شرح السنة))، من طريق أحمد بن كعب الواسطيّ، وكذا أخرجه ابن الأعرابي في ((معجمه)) عن محمد الصنعاني، ثلاثتهم عن عبد الرزاق، مرفوعاً، واستغربه البزار، وقال أبو زرعة: هو خطأ . قال الحافظ: وهو معلول من حيث صناعة الإسناد؛ لأن عبد الرزاق تغير بآخره، وسماع هؤلاء منه في حال تغيره، إلا أن مثله لا يقال بالرأي، فهو في حكم المرفوع، وقد رَوَيناه مرفوعاً من وجه آخر عن عمار، أخرجه الطبراني في ((الكبير))، وفي إسناده ضعف، وله شواهد أخرى بيّنتها في ((تغليق التعليق)). انتهى كلام الحافظ، وهو تحقيق نفيس، والله تعالى أعلم. (١) ((فتح)) ١/ ١١٣. ٢٩٣ (٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ - حديث رقم (٢٠٤) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد نفسه أيضاً تقدّم في الباب الماضي، و((جرير)) هو ابن عبد الحميد. وقوله: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إلخ) هذا إقسام من النبيّ وََّ، أقسم بالله ◌ََّ الذي نفسه وَله بيده، ففيه إثبات اليد لله رَك على ما يليق بجلاله ◌ُعَلَ، وفيه مشروعيّة الحلف من غير تحليف؛ لبيان عظم الأمر، وتأكيد الحثّ عليه. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةً وَوَكِيعٍ) يعني أن حديث جرير عن الأعمش مثل حديثهما عنه. [تنبيه]: لم أجد من ساق لفظ حديث جرير هذا، وقد أخرجه من طريقه ابن منده في ((الإيمان)) ٤٦٣/١ (٣٣٢) لكنه أحاله على أبي معاوية، فقال: ((عن الأعمش نحوه)). انتهى. ويستفاد من قوله: ((نحوه)) بدل قول المصنّف: ((بمثلٍ)) أن هاتين العبارتين بمعنى واحد، وهذا هو الذي وجدته بتتبع صنيع المصنّف، فما تقدّم في المقدّمة من التفرقة بينهما محلّ نظر، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثِيْبُ﴾ . ٢٥ _ (بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ) [٢٠٤] (٥٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّيُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قُلْتُ لِسُهَيْلٍ إِنَّ عَمْراً حَدَّثَنَا عَنْ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِيكَ، قَالَ: وَرَجَوْتُ أَنْ يُسْقِطَ عَنِّي رَجُلاًّ، قَالَ: فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنَ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ أَبِي، كَانَ صَدِيقاً لَهُ بِالشَّامِ، ثُمَّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ تَمِيم الدَّارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهُ قَالَ: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ))، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: ((لِلّهِ، وَلِكِتَّابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن عَبّاد بن الزِّبْرِقَان المكّي، نزيل ٢٩٤ البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠] (ت٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام الحجة الفقيه الثبت، أبو محمد المكّي، من كبار [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣. ٣ - (سُهَيْلِ) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ صدوقٌ، تغيّر حفظه بآخره، وروى له البخاريّ مقروناً، وتعليقاً [٦] توفّي في خلافة المنصور (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦١/١٤. ٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) الليثيّ المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت١٠٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٦. ٥ - (تَمِيمٌ الدَّارِيُّ) هو: تميم بن أوس بن خارجة الداريّ، أبو رُقيّة الصحابيّ المشهور، سكن بيت المقدس بعد قتل عثمان رظُته، قيل: مات ر ◌ُبه سنة (٤٠) (خت م ٤) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٨٦، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من سهيل، والباقيان مكيّان. ٣ - (ومنها): أن سفيان علا على شيخه عمرو بن دينار في هذا الحديث بعد أن سمعه من سهيل؛ لأنه كان أوّلاً بينه وبين عطاء بن يزيد ثلاث وسائط : عمرو، والقعقاع، وأبو صالح، فلما سمعه من سهيل كان بينه وبين عطاء واسطة واحدة، وكان بين عمرو وعطاء واسطتان، فعلا سفيان على عمرو بواسطة، وهذا من مُلَح العلوّ، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن جملة من يُسمّى بتميم في الكتب الستة نحو عشرة، منهم عند الشيخين ستة، صاحب الترجمة هذا، وتميم بن سلمة السلميّ الكوفيّ، وتميم بن حَذْلَم الضبيّ الكوفيّ، علّق لهم البخاريّ، وأخرج لهم المصنّف، وتميم بن أسد أبو رفاعة العدويّ، وتميم بن طَرَفَة الْمُسْلِيّ، وتميم بن نُذَير أبو قتادة العدويّ، وهؤلاء أخرج لهم المصنّف. ٥ - (ومنها): أنه ليس لتميم الداريّ رُْله في ((صحيح البخاريّ))، عن النبيّ ◌َّ﴿ شيء، ولا له في ((صحيح مسلم)) غير هذا الحديث، بل هو من ٢٩٥ (٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ - حديث رقم (٢٠٤) المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا تسعة أحاديث فقط، هذا الحديث عند المصنّف، وأبي داود، والنسائيّ، وحديث: ((ما السنة في الرجل يُسْلِم على يدي الرجل؟ ... )) عند أصحاب السنن، وحديث: ((أول ما يحاسب به العبد الصلاة ... )) عند أبي داود، وابن ماجه، وحديث في آية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] عند الترمذيّ، وحديث: ((من قال: لا إله إلا الله وحده ... )) عنده أيضاً، وحديث مسروق قال: قال لي رجل من أهل مكة: ((هذا مقام أخيك تميم الداري ... )) عند النسائيّ، وحديث: ((من قرأ منه آية في ليلة ... )) عنده أيضاً في ((عمل اليوم والليلة))، وحديث: ((من ارتبط فرساً ... )) عند ابن ماجه، وحديث: ((يكون في آخر الزمان قوم ... )) عنده أيضاً، راجع ((تحفة الأشراف)) ١٣٨/٢ - ١٤٢، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (عن سُفْيَانَ) بن عيينة رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِسُهَيْلٍ) أي ابن أبي صالح (إِنَّ عَمْراً) أي ابن دينار الْجُمَحيّ المكّي المتوفّى سنةَ (١٢٦هـ) تقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١ (حَدَّثَنَا عَنِ الْقَعْقَاعِ) هو: ابن حكيم الكنانيّ المدنيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن أبي هريرة - وقيل: لم يلقه -، وجابر، وعائشة، وابن عمر، وعلي بن الحسين، وأبي صالح السّمّان، وسَلْمَى أم رافع، وأبي يونس مولى عائشة، وعبد الرحمن بن وَعْلَة وغيرهم. ورَوَى عنه زيد بن أسلم، ومحمد بن عَجْلان، وسعيد المقبريّ، وسُهيل بن أبي صالح، وسُمَيّ مولى أبي بكر، وجعفر بن عبد الله بن الحكم، ويعقوب بن عبد الله بن الأشجّ، وعمرو بن دينار، وأبان بن صالح وغيرهم. قال ابن المدينيّ: قلت ليحيى بن سعيد: سُمَيّ أثبت عندك أو القعقاع؟ قال: قعقاع أحبّ إليّ، وقال أحمد وابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ليس بحديثه بأسٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)) والباقون، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث، حديث (٢٦٥): ((إذا جلس أحدكم على حاجته ... ))، ٢٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان و(٦٢٩): ((حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى ... ))، و(٢٠١٤): ((غطوا الإناء، وأوكوا السقاء ... ))، و(٢٧٠٩): ((لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات ... )). وأما الحديث فليس من روايته، وإنما ذكره سفيان خلال سؤاله لسهيل بن أبي صالح أن يُحدّثه عن أبيه، ويُسقط عنه رجلين، كما بيّه بقوله: (عَنْ أَبِيكَ) هو أبو صالح السّمّان الزيّات المدنيّ الثقة الثبت المتوفّى سنة (١٠١ هـ) تقدّمت ترجمته في ((المقدمة)) ٤/٢. (قَالَ) سفيان (وَرَجَوْتُ) جملة في محلّ نصب على الحال من ضمير ((قلت))، أي قلت لسهيل هذا الكلام حال كوني راجياً (أَنْ يُسْقِطَ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإسقاط، أي يَحذف من السند (عَنِّي رَجُلاً) أي واسطة واحدة. ولفظ أبي نعيم في ((مستخرجه)): قال سفيان: وكان عمرو حدّثناه أولاً عن القَعْقَاع بن حكيم، عن أبي صالح، فلما أتيت سُهيلاً، قلت: لو سألته لعله يُحدّثنيه عن أبيه، فالحديث أنا وعمرو فيه سواء، فسألته، فقال سهيلٌ: أنا سمعته من الذي سمعه منه أبي، فأخبرني عطاء بن يزيد الليثيّ. انتهى (١). وأخرجه ابن حبّان في ((صحيحه)) بسنده عن سفيان بن عيينة، قال: حدّثنا عمرو بن دينار، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، قال: ثم لقيت سُهيلاً، فقلت له: أرأيت حديثاً كان يُحدّثُ عمرو، عن القعقاع، عن أبيك، سمعتَهُ من أبيك؟ قال: سمعته من الذي سمعه منه أبي، صديق لأبي، كان يأتي من الشام، يقال له: عطاء بن يزيد الليثيّ سمعته أخبر بذلك عن تميم الداريّ، عن رسول الله وسلم قال: ((ألا إن الدين النصيحة، ألا إن الدين النصيحة، ألا إن الدين النصيحة))، قالوا: لمن يا رسول الله؟ ... الحديث(٢). وحاصل المعنى أن سفيان كان سمع هذا الحديث من عمرو بن دينار، عن القَعْقَاعِ، عن أبي صالح، فكان بينه وبين أبي صالح واسطتان، فأراد أن يسمعه من سهيل عن أبيه، حتى يكون بينهما واسطة واحدة، وهو سُهيل، إلا (١) ((المسند المستخرج)) ١/ ١٤٢. (٢) ((صحيح ابن حبان)) ٤٣٥/١٠ - ٤٣٦. ٢٩٧ (٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ - حديث رقم (٢٠٤) أن سهيلاً أفاده أنه سمعه من شيخ أبيه، فأسقط عنه ثلاث وسائط: عمراً، والقعقاع، وأبا صالح، كما بيّنه بقوله: (قَالَ) سفيان (فَقَالَ) سُهيل (سَمِعْتُهُ) أي هذا الحديث (مِن) الشخص (الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ أَبِي) أي وهو عطاء بن يزيد (كَانَ) أي ذلك الشخص (صَدِيقاً لَهُ) أي لأبيه (بِالشَّام) متعلّق بحال محذوف، أي حال كونه مقيماً بالشام البلد المعروف؛ لأنه انتقل إليه من المدينة، كما أشرنا إليه في ترجمته السابقة. (ثُمَّ حَدَّثَنَا سُفْيَانٌ) هذا من كلام محمد بن عبّاد، أي ثم بعد أن حكى سفيان هذه القصّة (حدّثنا عَنْ سُهَيْلٍ) أي ابن أبي صالح (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ) الليثيّ المذكور، فأسقط ثلاث وسائط، كما أسلفناه آنفاً (عَنْ تَمِيم الدَّارِيِّ) تقدّم في المقدّمة الخلاف في نسبته، فقال الجمهور: إنه منسوب إلَّ جدّ من أجداده، وهو الدار بن هانئ، وقيل: نسبة إلى دارين مكان عند البحرين، محطّ السفن، ومنهم من قال: إنه دَيريّ، نسبةً إلى دير كان تميم فيه قبل الإسلام، وكان نصرانيّاً (أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ قَالَ: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ))) مبتدأ وخبره، ثم الكلام يحتمل أن يكون على المبالغة، أي معظم الدين النصيحة، كما قيل في حديث: (الحجّ عرفة))، ويحتمل أن يكون على ظاهره؛ لأن كلّ عمل لم يُرِد به عاملُه الإخلاص، فليس من الدین. و((النصيحة)) في اللغة: يُطلق على الإخلاص، والصدق، والْمَشُورة، والعملِ، يقال: نَصَحتُ لزيد أَنْصَحُ نُصْحاً ونَصِيحةً، هذه هي اللغة الْفُصْحَى، وعليها قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدَتُّ أَنْ أَصَحَ لَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وفي لغة يتعدّى بنفسه، فيقال: نصحته، والفاعل ناصحٌ، ونصيحٌ، والجمع نُصَحَاءُ، أفاده الفيّوميّ رحمه الله تعالى(١). وقال ابن الأثير رحمه الله تعالى: ((النصيحة)): كلمةٌ يُعبّر بها عن جملة، هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يُعبّر هذا المعنى بكلمة واحدة تَجْمَعُ معناه غيرها، وأصل النصح في اللغة: الخلوص، يقال: نصحته، ونصحت له. انتهى(٢) . (١) ((المصباح المنير)) ٦٠٧/٢. (٢) ((النهاية)) ٦٢/٥ - ٦٣. ٢٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقال المازريّ رحمه الله تعالى: ((النصيحة)) مشتقّة من نصحتُ العسل: إذا صفّيته، يقال: نصح الشيء: إذا خلص، ونصح له القول: إذا أخلص له، أو مشتقّة من النصح، وهي الخياطة بالْمِنْصَحة وهي الإبرة، والمعنى أنه يلُمّ شعث أخيه بالنصح كما تلُمّ الْمِنْصَحَةُ، ومنه التوبة النصوح، كأن الذنب يُمَزِّق الدين والتوبة تَخِيطه. انتهى(١). وقال أبو سليمان الخطابيّ رحمه الله تعالى: النصيحة كلمة جامعة، معناها : حِيَازَةُ الحظّ للمنصوح له، قال: ويقال: هو من وَجِيز الأسماء، ومختصر الكلام، وليس في كلام العرب كلمة مفردةٌ يُستَوفَى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة، كما قالوا في الفلاح: ليس في كلام العرب كلمةٌ أجمع لخير الدنيا والآخرة منه، قال: وقيل: النصيحة مأخوذة من نَصَحَ الرجلُ ثوبه: إذا خاطه، فَشَبَّهوا فعل الناصح فيما يَتَحَرّاه من صلاح المنصوح له بما يَسُدُّه من خَلَل الثوب، قال: وقيل: إنها مأخوذة من نَصَحْتُ العسلَ: إذا صَفَّيته من الشَّمَع، شَبَّهُوا تخليص القول من الغِشِّ بتخليص العسل من الْخِلْط، قال: ومعنى الحديث: عمادُ الدين، وقِوَامه النصيحةُ، كقوله: ((الحجُّ عرفة))، أي عمادهُ، ومعظمهُ عرفة. (قُلْنَا) القائلون هم تميم وأصحابه من الصحابة الذين حضروا قوله وَاليه : ((الدين النصيحة))، (لِمَنْ؟) هذا دليل على أن معنى النصيحة واسع جامعٍ يصلح لجهات متعدّدة، ولذلك عمم لهم جميع تلك الجهات، فـ(قَالَ) بِهِ ((لِلَّهِ) أي النصيحة كائنة لله جرة، ومعناها منصرف إلى الإيمان به، ونفي الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الكمال، والجلال كلها التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله صل# في أحاديثه الصحيحة من غير تكييف، ولا تمثيل ومن غير تعطيل ولا تأويل، وتنزيهه و 9 من جميع النقائص، والقيام بطاعته، واجتناب معصيته، والحبّ فيه والبغض فيه، وموالاة من أطاعه ومعاداة من عصاه، وجهاد من كَفَرَ به، والاعتراف بنعمه وشكره عليها، والإخلاص له في جميع الأمور، ودعاء جميع الناس أو من أمكن منهم إلى جميع الأوصاف المذكورة، والحثّ عليها والتلظُف في ذلك. (١) راجع: ((الفتح)) ١٦٧/١. ٢٩٩ (٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ - حديث رقم (٢٠٤) قال الخطابيّ رحمه الله تعالى: وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد، في نصحه نفسه، فالله تعالى غنيّ عن نصح الناصح. انتهى. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد حكى الإمام أبو عبد الله محمد بن نصر المروزيّ رحمه الله تعالى في كتابه ((تعظيم قدر الصلاة)) عن بعض أهل العلم هذا الحديث بما لا مزيد على حسنه، ونحن نَحكيه ها هنا بلفظه - إن شاء الله تعالى - قال محمد بن نصر: قال بعض أهل العلم: جِمَاعُ تفسير النصيحة هي: عنايةُ القلب للمنصوح له كائناً مَن كان، وهي على وجھین : [أحدهما]: فرضٌ، والآخر نافلةٌ، فالنصيحة المفترضة لله هي شدةُ العناية من الناصح باتباع محبة الله في أداء ما افتَرَضَ، ومجانبة ما حَرَّم، وأما النصيحة التي هي نافلة، فهي إيثار محبته على محبة نفسه، وذلك أن يَعْرِض له أمران: أحدهما لنفسه، والآخر لربه، فيبدأ بما كان لربه، ويؤخر ما كان لنفسه، فهذه جملة تفسير النصيحة لله الفرض منه، وكذلك تفسير النافلة، وسنذكر بعضه لِيَفْهَم بالتفسير مَن لا يَفهَم بالجملة. فالفرض منها مجانبة نهيه، وإقامة فرضه، بجميع جوارحه، ما كان مطيقاً له، فإن عجز عن الإقامة بفرضه لآفة حَلَّت به، من مرض، أو حبس، أو غير ذلك عَزَم على أداء ما افتُرض عليه متى زالت عنه العلة المانعة له، قال الله رجل : ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٩١] فسمّاهم محسنين؛ لنصيحتهم الله بقلوبهم لَمّا مُنِعوا من الجهاد بأنفسهم، وقد تُرْفَع الأعمال كلها عن العبد في بعض الحالات، ولا يرفع عنهم النصح لله، فلو كان مَنْ مَرِضَ بحالٍ لا يمكنه عملُ شيء من جوارحه بلسان ولا غيره، غير أن عقله ثابتٌ لم يسقط عنه النصح لله بقلبه، وهو أن يَنْدَم على ذنوبه، وينوي إن صَحّ أن يقوم بما افتَرَض الله عليه، ويجتنب ما نهاه عنه، وإلا كان غير ناصح لله بقلبه، وكذلك النصح لرسوله ول# فيما أوجبه على الناس، عن أمر ربه، ومن النصح الواجب لله أن لا يَرْضَى بمعصية العاصي، ويحب طاعة من أطاع الله تعالى ورسوله وحَ الجلاء. وأما النصيحة التي هي نافلة لا فرض، فبذل المجهود بإيثار الله تعالى ٣٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان على كل محبوب بالقلب، وسائر الجوارح، حتى لا يكون في الناصح فضلٌ عن غيره؛ لأن الناصح إذا اجتهد لم يؤثر نفسه عليه، وقام بكل ما كان في القيام به سروره ومحبته، فكذلك الناصح لربه، ومن تنفل الله بدون الاجتهاد فهو ناصح على قدر عمله، غير مستحق للنصح بكماله. انتهى(١). (وَلِكِتَابِهِ) معنى النصيحة لكتابه ◌َانَ الإيمان بأنه كلام الله تعالى، وتنزيله، لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد من الخلق، ثم تعظيمه، وتلاوته حَقَّ تلاوته، وتحسينها، والخشوع عندها، وإقامة حروفه في التلاوة، والذّبُّ عنه لتأويل الْمُحَرِّفين، وتعرُّض الطاعنين، والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهُم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه، والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، ونشر علومه، والدعاء إليه، وإلى ما ذكرناه من نصيحته(٢). وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وأما النصيحة لكتابه: فشدةُ حبه، وتعظيم قدره؛ إذ هو كلام الخالق، وشدة الرغبة في فهمه، وشدة العناية في تدبّره، والوقوف عند تلاوته لطلب معاني ما أحب مولاه أن يفهمه عنه، و يقوم به له بعدما يفهمه، وكذلك الناصح من العباد يَفهم وصيّةً مَن ينصحه، وإن ورد عليه كتاب منه عُنِي بفهمه؛ ليقوم عليه بما كَتَب فيه إليه، فكذلك الناصح لكتاب ربه، يُعْنَى بفهمه؛ ليقوم لله بما أمره به كما يحب ربنا ويَرضَى، ثم يَنشُر ما فَهِم في العباد، ويُديم دراسته بالمحبة له، والتخلق بأخلاقه، والتأدب (٣) بآدابه. انتهى(٣) . (وَلِرَسُولِهِ) معنى النصيحة له وَّ تصديقه على الرسالة، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونُصرته حيّاً وميتاً، ومعاداة من عاداه، وموالاة من والاه، وإعظام حقّه وتوقيره، وإحياء طريقته وسنته، وبَثُّ دعوته، ونشر شريعته، ونفي التهمة عنها، واستثارة علومها، والتفقه في معانيها، والدعاء إليها، والتلّظُّف في تعلمها وتعليمها، وإعظامها وإجلالها، والتأدّب (١) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٢٠/٢ - ٢٢١. (٢) ((شرح مسلم للنوويّ)) ٣٨/٢ - ٣٩. (٣) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٢١/٢.