Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
(١٨) - بَابُ قَوْلِ النَّبِّ وَهُ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ ... إلخ - حديث رقم (١٧٦)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [١٧٦/١٨ و١٧٧] (٤٤) بهذه الأسانيد.
وأخرجه (البخاريّ) في ((الإيمان)) (١٥)، و(النسائيّ) في ((الإيمان)) (١٩/
٥٠١٥ و٥٠١٦)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (٦٧)، و(أحمد) في ((باقي مسند
المكثرين)) (١٢٤٠٣ و١٢٧٣٩ و١٣٤٩٩)، و(الدارميّ) في ((الرقاق)) (٢٦٢٤)،
و(أبو نعيم) في ((المستخرج)) (١٦٤ و١٦٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنة))
(٢٢)، و(أبو عوانة) في ((صحيحه)) (٣٣/١)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٢٨٤
و٢٨٥ و٢٨٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن حبّ الرسول الكريم وَلّ علامة على كمال إيمان
العبد .
٢ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): في هذا الحديث إيماء إلى فضيلة
التفكر، فإن الأحبية المذكورة تعرف به، وذلك أن محبوب الإنسان: إما نفسه،
وإما غيرها. أما نفسه فهو أن يريد دوام بقائها، سالمة من الآفات، وهذا هو
حقيقة المطلوب، وأما غيرها فإذا حقق الأمر فيه، فإنما هو بسبب تحصيل نفع
مَا على وجوهه المختلفة، حالاً ومآلاً، فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة
الرسول وَ، الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، إما بالمباشرة،
وإما بالسبب، علم أنه سبب بقاء نفسه، البقاءَ الأبدي في النعيم السرمدي،
وعَلِم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن
يكون حظه من محبته أوفر من غيره؛ لأن النفع الذي يُثير المحبة حاصل منه
أكثر من غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك، بحسب استحضار ذلك،
والغفلة عنه، ولا شك أن حظ الصحابة ظه، من هذا المعنى أتم؛ لأن هذا
ثمرة المعرفة، وهم بها أعلم، وبالله تعالى التوفيق. انتهى (١).
(١) راجع: ((الفتح)) ٨٦/١.

١٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٣ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: محبّة النبيّ وَل
من أصول الإيمان، وهي مقارنة لمحبّة الله رَّك، وقد قرنها الله تعالى بها،
وتوعّد من قدّم عليهما محبّة شيء من الأمور المحبوبة طبعاً من الأقارب،
والأموال، والأوطان، وغير ذلك، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ
وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجُّكُمْ وَعَشِيَتُهُ وَأَمْوَلُ أَقْتَفْتُوهَا وَتَجَرَّةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَاَ
أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَرَبَصُواْ حَتَّى يَأْتِى اَللَّهُ بِأَعْرِ﴾
الآية [التوبة: ٢٤].
ولَمّا قال عمر نَّه للنبيّ وَّهِ: أنت أحبّ إليّ من كلّ شيء إلا من من
نفسي، فقال: ((لا يا عمر حتى أكون أحبّ إليك من نفسك))، فقال عمر ◌ُله :
والله لأنت الآن أحبّ إليّ من نفسي، قال: ((الآن يا عمر))(١).
فيجب تقديم محبّة الرسول و 18 على النفوس، والأولاد، والأقارب،
والأهلين، والأموال، والمساكن، وغير ذلك مما يُحبّه الإنسان غاية المحبّة،
وإنما تتمّ المحبّة بالطاعة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ
يُحْيِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١].
وسُئل بعضهم عن المحبّة، فقال: الموافقة في جميع الأحوال. فعلامة
تقديم محبّة الرسول وَ﴿ على محبّة كلّ مخلوق أنه إذا تعارضت طاعة
الرسول ◌َّليّ في أوامره، وداع آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة،
فإن قدّم طاعة الرسول بَ﴿، وامتثال أوامره على ذلك الداعي، كان دليلاً على
صحة محبّته للرسول وَلَّ، وتقديمها على كلّ شيء، وإن قدّم على طاعته،
(١) أخرجه البخاريّ في ((صحيحه))، ونصّه:
حدثنا يحيى بن سليمان، قال: حدثني ابن وهب، قال: أخبرني حيوة، قال:
حدثني أبو عَقِيل زَهْرَة بن مَعْبَد، أنه سمع جده عبد الله بن هشام قال: كنا مع
النبيّ ◌َّر، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب
إلي من كل شيء، إلا من نفسي، فقال النبيّ وَّ: ((لا، والذي نفسي بيده حتى
أكون أحبَّ إليك من نفسك))، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من
نفسي، فقال النبيّ ◌َّ: ((الآن يا عمر)).

١٤٣
(١٨) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ نَّهِ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ ... إلخ - حديث رقم (١٧٦)
وامتثال أوامره شيئاً من هذه الأشياء المحبوبة طبعاً، دلّ ذلك على عدم إتيانه
بالإيمان التّامّ الواجب عليه.
وكذلك القول في تعارض محبّة الله، ومحبّة داعي الهوى والنفس، فإن
محبة الرسول وَ﴿ تبعٌ لمحبّة مُرسله رَ. هذا كلّه في امتثال الواجبات، وترك
المحرّمات.
فإن تعارض داعي النفس، ومندوبات الشريعة، فإن بلغت المحبّة إلى
تقديم المندوبات على دواعي النفس، كان ذلك علامة كمال الإيمان، وبلوغه
إلى درجة المقرّبين المحبوبين المتقرّبين بالنوافل بعد الفرائض، وإن لم تبلغ هذه
المحبّة إلى هذه الدرجة، فهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين الذين كملت
محبّتهم الواجبة، ولم يزيدوا عليها. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى(١)،
وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً.
(ومنها): ما قاله أبو العبّاس القرطبي لخّثهُ: هذا الحديث على إيجازه
يتضمّن ذكر أصناف المحبّة، فإنها ثلاثة: محبة إجلال وإعظام، كمحبّة الوالد،
والعلماء، والفضلاء؛ ومحبة رحمة، وإشفاق، كمحبة الولد؛ ومحبة مشاكلة،
واستحسان، كمحبة غير من ذكرنا، وإن محبة رسول الله وَ # لا بدّ أن تكون
راجحة على ذلك كلّه، وإنما كان ذلك؛ لأن الله تعالى قد كمّله على جميع
جنسه، وفضّله على سائر نوعه بما جبله عليه من المحاسن الظاهرة، والباطنة،
وبما فضّله من الأخلاق الحسنة، والمناقب الجميلة، فهو أكمل مَن وطِئ
الثرى، وأفضل من ركب ومشى، وأكرم من وافى القيامة، وأعلاهم منزلة في
دار الكرامة.
قال القاضي أبو الفضل: فلا يصحّ الإيمان إلا بتحقيق إنافة قدر
النبيّ ◌َ﴿، ومنزلته على كلّ والد، وولد، ومُحسنٍ، ومُفَضَّل، ومن لم يعتقد
هذا، واعتقد سواه، فليس بمؤمن.
قال القرطبيّ: وظاهر هذا القول أنه صرف محبة النبيّ وَطّل إلى اعتقاد
(١) (شرح البخاريّ)) لابن رجب ٤٩/١.

١٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
تعظيمه، وإجلاله، ولا شكّ في كفر من لا يعتقد عليه (١)، غير أن تنزيل هذا
الحديث على ذلك المعنى غير صحيح؛ لأن اعتقاد الأعظميّة ليس بالمحبّة، ولا
الأحبيّة، ولا مستلزماً لها، إذ قد يجد الإنسان من نفسه إعظام أمر، أو
شخص، ولا يجد محبّته؛ ولأن عمر ظُّه لَمّا سمع قول رسول الله وَلَه: ((لا
يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه، وولده، ووالده، والناس
أجمعين))، قال عمر: يا رسول الله أنت أحبّ إليّ من كل شيء، إلا نفسي،
فقال: ((ومن نفسك يا عمر))، قال: ومن نفسي، فقال: ((الآن يا عمر))(٢).
وهذا كلّه تصريحٌ بأن هذه المحبّة ليست باعتقاد تعظيم، بل ميلٌ إلى المعتقد،
وتعظيمه، وتعلّق القلب به، فتأمّل هذا الفرق، فإنه صحيح، ومع ذلك فقد
خفي على كثير من الناس.
وعلى هذا المعنى الحديثُ - والله أعلم -: أن من لم يجد من نفسه ذلك
الميل، وأرجحيّته للنبيّ رَ و لم يكمل إيمانه.
قال: على أني أقول: إن كل من صدّق بالنبي وَلّ، وآمن به إيماناً صحيحاً،
لم يَخْلُ عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة للنبيّ وَّ، غير أنهم في ذلك
متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، كما قد اتّفق لعمر نظُه
حتى قال: من نفسي، ولهند امرأة أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، حين قالت
للنبيّ وَّ: لقد كان وجهك أبغض الوجوه كلّها إليّ، فقد أصبح وجهك أحبّ
الوجوه كلها إليّ ... الحديث. وكما قال عمرو بن العاص رضي الله تعالى
عنهما: لقد رأيتني، وما أحد أحبّ إليّ من رسول الله، ولا أجلّ في عيني منه،
وما كنت أُطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني
لم أكن أملأ عيني منه(٣). ولا شكّ في أن حظّ أصحابه ◌َ﴿ من هذا المعنى أعظم؛
لأن معرفتهم لقدره أعظم؛ لأن المحبّة ثمرة المعرفة، فتقوى، وتضعف بحسبها .
(١) هكذا عبارة ((المفهم))، وفيها ركاكة، ولعل الأولى: ((ولا شك في كفر من لا يعتقد
ذلك)»، والله تعالى أعلم.
(٢) رواه أحمد ٣٣٦/٤. وقد تقدم من رواية البخاريّ بنحوه.
(٣) رواه مسلم (١٢١).

١٤٥
(١٨) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ◌َِّ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧)
ومن المؤمنين من يكون مستغرقاً بالشهوات، محجوباً بالغفلات عن ذلك
المعنى في أكثر أوقاته، فهذا بأخسّ الأحوال، لكنه إذا ذُكِّر بالنبيِ وَّر، أو
بشيء من فضائله اهتاج لذكره، واشتاق لرؤيته بحيث يؤثر رؤيته، بل رؤية قبره،
ومواضع آثاره على أهله، وماله، وولده، ونفسه، والناس أجمعين، فيخطُر له
هذا، ويجده وجداناً لا شكّ فيه، غير أنه سريع الزوال والذهاب؛ لغلبة
الشهوات، وتوالي الغفلات، ويُخاف على من كان هذا حاله ذهاب أصل تلك
المحبّة حتى لا يوجد منها حَبّة.
فنسأل الله تعالى الكريم أن يمُنّ علينا بدوامها، وكمالها، ولا يحجبنا
عنها. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[١٧٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ
وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ))).
إسناد هذا الحديث تقدّم قبل حديثين، وكذلك شرح الحديث، وبيان
مسائله المتعلّقة به سبق تحقيقها في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، وبالله
تعالى التوفيق.
وقوله: (مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدِهِ) قدّم الولد في رواية المصنّف على الوالد لمزيد
الشفَقَة، وقدّم الوالد في رواية البخاريّ؛ نظراً للأكثريّة؛ لأن كلّ أحد له والد
من غير عکس.
وقوله: (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) من عطف العام على الخاصّ، قال في
((الفتح)): وذِكرُ الولد والوالد، أَدْخَلُ في المعنى؛ لأنهما أعزّ على العاقل من
(١) ((المفهم)) ٢٢٥/١ - ٢٢٧.

١٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الأهل والمال، بل ربما يكونان أعزّ من نفسه، ولهذا لم يذكر النفس أيضاً.
وهل تدخل الأم في لفظ ((الوالد))؟، أن أريد به من له الولد فيعم، أو
يقال: اكتُفِيَ بذكر أحدهما كما يُكتفي عن أحد الضدين بالآخر، ويكون ما ذُكر
على سبيل التمثيل، والمراد الأعزة، كأنه قال: أحب إليه من أعزته، وذكرُ
الناس بعد الوالد والولد، من عطف العام على الخاص، وهو كثير، وقدّم
الوالد على الولد في رواية؛ لتقدمه بالزمان والإجلال، وقدّم الولد في أخرى؛
المزيد الشفقة. انتهى (١).
[تنبيه]: رواية شعبة عن قتادة هذه مأمون فيها من تدليس قتادة؛ لأنه كان
لا يسمع منه إلا ما سمعه، وقد وقع التصريح به في هذا الحديث في رواية
النسائيّ (٥٠١٥)(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِّدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(١٩) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مِنَ خِصَالِ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لأَخِيهِ
الْمُسْلِمِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال :
[١٧٨] (٤٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ،
عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ - أَوْ قَالَ: لِجَارِهِ - مَا
يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))).
هذا الإسناد هو الإسناد الماضي قبله، وهو مسلسلٌ بالبصريين أيضاً، وقد
سبق الكلام عليه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَُه، وفي رواية النسائيّ: ((قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً))،
(١) ((الفتح)) ٧٦/١.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٧٦/١.

١٤٧
(١٩) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مِنَ خِصَالِ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ ... إلخ - حديث رقم (١٧٨)
فصرّح قتادة بالسماع (عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) وفي الرواية التالية:
((لا يؤمن عبدٌ))، والمراد به نفي كمال الإيمان، ونفي اسم الشيء على معنى
نفي الكمال عنه مستفيضٌ في كلامهم، كقولهم: فلان ليس بإنسان.
[فإن قيل]: فيلزم أن يكون من حصلت له هذه الخصلة مؤمناً كاملاً، وإن
لم يأت ببقية الأركان.
[أجيب]: بأن هذا ورد مورد المبالغة، أو يستفاد من قوله: (لأخيه
المسلم))، ملاحظة بقية صفات المسلم، وقد صرح ابن حبان من رواية ابن أبي
عدي، عن حسين المعلم بالمراد، ولفظه: ((لا يبلغ عبدٌ حقيقةَ الإيمان))، ومعنى
الحقيقة هنا الكمال؛ ضرورةً أن من لم يتصف بهذه الصفة، لا يكون كافراً.
قاله في ((الفتح))(١) .
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: ((لا يؤمن)): أي لا يَكْمُل
إيمانه؛ إذ مَن غَشّ المسلم، ولا ينصحه مرتكب كبيرة، ولا يكون كافراً بذلك،
كما بيّنّاه غير مرّة، وعلى هذا فمعنى الحديث: أن الموصوف بالإيمان الكامل
من كان في معاملته للناس ناصحاً لهم، مريداً لهم ما يريده لنفسه، وكارهاً لهم
ما يكره لنفسه، ويتضمّن أن يفضّلهم على نفسه؛ لأن كلّ أحد يحبّ أن يكون
أفضل من غيره، فإذا أحبّ لغيره ما يُحبّ لنفسه، فقد أحبّ أن يكون غيره
أفضل منه، وإلى هذا المعنى أشار الفضيل بن عياض لَمّا قال لسفيان بن عيينة:
إن كنت تريد أن يكون الناس مثلك، فما أدّيت الله الكريم النصيحة، فكيف،
وأنت تودّ أنهم دونك؟. انتهى(٢).
(حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ) بنصب ((يُحِبَّ))؛ لأن ((حتى)) جارة، و((أن)) بعدها
مضمرة، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ ((حَتَّى)) هَكَذَا إِضْمَارُ ((أَنْ)) حَتْمٌ كَاجُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ))
ولا يجوز الرفع، فتكون ((حتى)) عاطفة، فلا يصح المعنى؛ إذ عدم
الإيمان ليس سبباً للمحبة.
[فإن قيل]: قوله: ((لأخيه)) ليس له عموم، فلا يتناول سائر المسلمين.
(١) راجع: ((الفتح)) ١/ ٨٣.
(٢) راجع: ((المفهم)) ٢٢٧/١.

١٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[وأجيب]: بأن معنى قوله: ((لأخيه)) للمسلمين؛ تعميماً للحكم، أو يكون
التقدير: لأخيه من المسلمين، فيتناول كلَّ أخ مسلم. قاله العينيّ(١).
(- أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: لِجَارِهِ -) هكذا في رواية مسلم بالشكّ،
وكذا هو في ((مسند عبد بن حُميد)) على الشكّ أيضاً، وهو في ((صحيح
البخاريّ)) وغيره بلفظ ((لأخيه)) من غير شكّ(٢).
(مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))) أي ((من الخير)) كما ثبت في رواية النسائيّ بإسناد
صحيح، و((الخير)): كلمة جامعة تَعُمُّ الطاعات، والمباحات الدنيوية،
والأخروية، وتُخرِج المنهيات؛ لأن اسم الخير لا يتناولها، والمحبة إرادة ما
يعتقده خيراً، قال النووي: المحبة الميل إلى ما يوافق المحب، وقد تكون
بحواسّه، كحسن الصورة، أو بفعله، إما لذاته، كالفضل والكمال، وإما
بإحسانه، كجَلْب نفع، أو دفع ضرر. انتهى ملخصاً.
والمراد بالميل هنا الاختياري، دون الطبيعي، والْقَسْريّ، والمراد أيضاً
أن يحب أن يحصل لأخيه نظيرُ ما يحصل له، لا عينه، سواء كان في الأمور
المحسوسة، أو المعنوية، وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له، لا مع
سلبه عنه، ولا مع بقائه بعينه له؛ إذ قيام الجوهر، أو العرض بمحلّين محال.
قاله في ((الفتح)).
وقال في ((عمدة القاري)) ١٦٠/١ ما حاصله: المحبّة مطالعة المنّة من
رؤية إحسان أخيه، وبرّه، وأياديه، ونعمه المتقدّمة التي ابتدأ بها من غير عمل
استحقّها به، وستره على معايبه، وهذه محبة العوامّ قد تتغيّر بتغيّر الإحسان،
فإن زاد الإحسان زاد الحبّ، وإن نقصه نقصه. وأما محبّة الخواصّ، فهي تنشأ
من مطالعة شواهد الكمال؛ لأجل الإعظام والإجلال، ومراعاة حقّ أخيه
المسلم، فهذه المحبّة لا تتغيّر؛ لأنها لله تعالى، لا لأجل غَرَض دنيويّ.
ويقال: المحبّة ههنا هي مجرّد تمنّ الخير لأخيه المسلم، فلا يَعْسُر ذلك إلا
على القلب السقيم، غير المستقيم.
وقال القاضي عياض: المراد من قوله وَالى: ((حتى يحب لأخيه ما يحب
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ١٦١/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦/٢.

١٤٩
(١٩) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مِنَ خِصَالِ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ ... إلخ - حديث رقم (١٧٨)
لنفسه)) أن يحب لأخيه من الطاعات والمباحات، وظاهره يقتضي التسوية،
وحقيقته التفضيل؛ لأن كلّ واحد يحبّ أن يكون أفضل الناس، فإذا أحبّ
لأخيه مثله، فقد دخل هو من جملة المفضولين، وكذلك الإنسان يحب أن
ينتصف من حقّه، ومظلمته، فإذا كانت لأخيه عنده مظلمة، أو حقّ بادر إلى
الإنصاف من نفسه، وقد رُوي هذا المعنى عن الفضيل بن عياض رحمه الله
تعالى أنه قال لسفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: إن كنت تريد أن يكون الناس
كلهم مثلك، فما أدّيت الله الكريم نصحه، فكيف وأنت تودّ أنهم دونك. انتهى.
وتعقّب الحافظ على القاضي عياض قوله: لأن كل واحد يحب أن يكون
أفضل الناس، فقال: وفيه نظر، إذ المراد الزجر عن هذه الإرادة؛ لأن
المقصود الحث على التواضع، فلا يحب أن يكون أفضل من غيره، فهو
مستلزم للمساواة، ويستفاد ذلك من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ فَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ
لَا يُرِدُونَ عُوًّا فِى الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣]، ولا يتم
ذلك إلا بترك الحسد، والغل، والحقد، والغش، وكلها خصال مذمومة. انتهى
(فتح)) ٨٣/١.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((إذ المراد الزجر عن هذه
الإرادة ... إلخ)) سيأتي الردّ على هذا، وأنه لا ينافي التواضع، آخر المسألة
الثالثة - إن شاء الله تعالى -.
[تنبيه]: من الإيمان أيضاً أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه، من الشرّ،
ولم يذكره؛ لأن حبّ الشيء، مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه؛
اكتفاء، أفاده الكرمانيّ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
(١) ((شرح البخاريّ)) ٩٥/١.

١٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [١٧٨/١٩ و١٧٩] (٤٥) بهذين
الإسنادین.
و(البخاريّ) في ((الإيمان)) (١٣)، وفي ((الأدب المفرد)) (١٢١)،
و(الترمذيّ) في ((صفة القيامة)) (٢٥١٥)، و(النسائيّ) في ((الإيمان)) (١١٥/٨،
٢٥١٥)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (٦٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) ٣٧٣/٢،
و(الدارميّ) في ((الرقاق)) (٢٦٢٣)، و(أبو عوانة) في ((صحيحه)) (٣٠/١)، و(أبو
نُعيم) في ((المستخرج)) (١٦٦ و١٦٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان بعض خصال الإيمان، وذلك أن محبّة الإنسان لأخيه المسلم
ما يحبّ لنفسه شعبة من شعب الإيمان، وعلامة على أنه مؤمن كامل الإيمان.
٢ - (ومنها): أن فيه دلالة على التواضع؛ لأنه إذا أحبّ لأخيه ما يحبّ
لنفسه كان دليلاً على أنه بريء من الكبر، والحسد، والحقد، والغلّ، والغشّ،
وغيرها من الأخلاق الدنيئة، والخصال الذميمة، بل هو متحلّ بالتواضع،
واللِّين، والرفق، وإيثار إخوانه على نفسه، وغيرها من الأخلاق الكريمة،
والشيم العظيمة .
٣ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: لَمّا نفى
النبيّ وَّة الإيمان عمن لم يُحب لأخيه ما يُحبّ لنفسه، دلّ على أن ذلك من
خصال الإيمان، بل من واجباته، فإن الإيمان لا يُنفَى إلا بانتفاء بعض
واجباته، كما قال: ((لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمنٌ ... )) الحديث.
وإنما يُحب الرجل لأخيه ما يُحبّ لنفسه إذا سلم من الحسد، والغلّ، والغشّ،
والحقد، وذلك واجبٌ، كما قال النبيّ رَله: ((لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا،
ولا تؤمنوا حتى تحابوا»، رواه مسلم، فالمؤمن أخو المؤمن، يحبّ له ما يُحبّ
لنفسه، ويحزنه ما يحزنه، كما قال ◌َ: ((مثل المؤمنين في توادّهم،
وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر
الجسد بالحمّى والسهر))، متّفقٌ عليه.
فإذا أحب المؤمن لنفسه فضيلةً من دين، أو غيره أحبّ أن يكون لأخيه
نظيرها، من غير أن تزول عنه، كما قال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: إني

١٥١
(١٩) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مِنَ خِصَالِ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ ... إلخ - حديث رقم (١٧٨)
الأمرّ بالآية من القرآن، فأفهمها، فأودّ أن الناس كلَّهم فهموا منها ما أفهم،
وقال الشافعيّ رحمه الله تعالى: ودِدتُ أن الناس كلّهم تعلّموا هذا العلمَ، ولم
يُنسب إليّ منه شيء.
فأما حبّ التفرّد عن الناس بفعل دينيّ، أو دنيويّ، فهو مذموم، قال الله
تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُلُوَّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ الآية
[القصص: ٨٣]، وقد قال عليّ رَضُه وغيره: هو أن لا يُحبّ أن يكون نعله خيراً
من نعل غيره، ولا ثوبه خيراً من ثوب غيره.
وفي الحديث المشهور في ((السنن)): ((من تعلّم العلم ليباهي به العلماء،
أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، فليتبوأ مقعده من النار)).
وأما الحديث الذي فيه أن رجلاً سأل النبيّ وَّر، فقال: إني أحبّ الجمال،
وما أحبّ أن يفوقني أحدٌ بشراك نعلي، فقال له النبيّ ◌َّه: (ليس هذا من الكبر))،
فإنما فيه أنه أحبّ أن لا يعلو عليه أحدٌ، وليس فيه محبة أن يعلو هو على الناس،
بل يَصْدُق هذا أن يكون مساوياً لأعلاهم، فما حصل بذلك محبّة العلوّ عليهم،
والانفراد عنهم، فإن حصل لأحد فضيلة خصّصه الله تعالى بها عن غيره، فأخبر
بها على وجه الشكر، لا على وجه الفخر، كان حسناً، كان النبيّ وَلّه يقول: ((أنا
سيّد ولد آدم، ولا فخر، وأنا أول شافع، ولا فخر)). رواه مسلم، ورواه البخاريّ
بلفظ مغاير لهذا، وقال ابن مسعود ربه: لو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله منّي
تبلغه الإبل، لأتيته. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: فأما حبّ التفرّد عن الناس بفعل دينيّ ...
إلخ فيه نظرٌ لا يخفى، فكيف يكون هذا مذموماً، وقد جاء فيه تنافس الأنبياء
والصالحين فيه، فقد قال الله تعالى عن سليمان ،لعلَّلام: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِى وَهَبْ لِ مُلْكًا لَّا
يَكْبَفِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِىٌّ﴾ [ص: ٣٥] الآية، ومعلوم أن طلبه لملك لا ينبغي لغيره محبة
للانفراد به، وقال تعالى في دعاء عباد الرحمن: ﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:
٧٤]، ومعلوم أن من يحب أن يكون إماماً يحب أن يكون رئيساً في الخير على غيره.
ومن الغريب الاستدلال على ذلك بآية ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا
(١) راجع: ((شرح البخاريّ لابن رجب)) ٤٥/١ - ٤٧.

١٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
يُرِيدُونَ عُوًّا فِى الْأَرْضِ﴾ الآية؛ إذ هي لا تدلّ على ذلك، وإنما المراد بالعلو فيها
علوّ التكبّر والتجبّر، لا علوّ الإصلاح والزعامة في الحقّ، ودونك ما قاله
المفسّرون في معنى الآية المذكورة:
قال الإمام ابن كثير رَّتُهُ: يُخبر تعالى أن الدار الآخرة، ونعيمها المقيم
الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين، الذين لا يريدون
علوّاً في الأرض، أي تَرَقُّعاً على خلق الله، وتعاظماً وتجبُّراً بهم، ولا فساداً
فيهم، كما قال عكرمة: العلُوُّ: التجبر، وقال سعيد بن جبير: العلو: البَغْيُ،
وقال سفيان بن سعيد الثورى، عن منصور، عن مسلم البطين: العلوّ في
الأرض: التكبر بغير حقّ، والفسادُ: أخذ المال بغير حقّ، وقال ابن جريج: لا
يريدون علوّاً في الأرض تعظماً وتجبراً، ولا فساداً عملاً بالمعاصي.
وقال ابن جرير: حدثنا وكيع، حدثنا أبي، عن أشعث السمان، عن أبي
سلام الأعرج، عن عليّ، قال: إن الرجل ليُعجِبه من شِراك نعله أن يكون أجود
من شراك نعل صاحبه، فيدخل في قوله تعالى: ﴿ِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ
(A)
لَا يُرِيدُونَ عُوّا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك
الفخر والتطاول على غيره، فإن ذلك مذموم، كما ثبت في ((صحيح مسلم)) عن
النبيّ وَ﴿ أنه قال: ((إنه أُوحي إليّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحدٌ على أحد،
ولا يبغي أحدٌ على أحد))، وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمُّل فهذا لا بأس به،
فقد ثبت في ((صحيح مسلم)) أيضاً: أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أحب أن
يكون ردائي حسناً، ونعلي حسنةً، أفمن الكبر ذلك؟ فقال: ((لا، إن الله جميل
يحب الجمال))(١). انتهى كلام ابن كثير (٢).
(١) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) من حديث عبد الله بن مسعود نظريته عن النبي وَّةٍ قال:
((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر))، قال رجل: إن الرجل يحب
أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنةً؟، قال: ((إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بَطَرُ
الحقّ، وغَمْطُ الناس)).
(٢) ((تفسير ابن كثير)) ٤٠٣/٣.

١٥٣
(١٩) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مِنَ خِصَالِ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ ... إلخ - حديث رقم (١٧٩)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الآية ليست بحجة لما
زُعِمَ من أن قصد التفرد عن الناس بخير من الخيور مذموم، فإن المفسّرين على
أن المراد بالعلو فيها هو علوّ التجبّر والطغيان والبغي، لا علوّ الصلاح
والإصلاح.
ومما يُتعجّب منه أنه ذكر أثر عليّ رُه في تفسيره الآية، وفي سنده
أشعث السمّان (١) متروك الحديث، بل كذّبه بعضهم، فكيف يثبت أثره، ويُحتجّ
به، وقد أجاب عنه ابن كثير على تقدير ثبوته؟.
والحاصل أن محبة الإنسان لنفسه أن يكون إماماً في الخير، ونحوه لا
ينافي حديث الباب، ولا ينافي أيضاً التواضع، وكيف وهو أمنيّة عباد الله
الصالحين، ففي ((الصحيحين)) أنه وَّ لَمّا قال: (لأعطينّ الراية غداً رجلاً
يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله)) بات الصحابة يدوكون ليلتهم أيهم
يُعطاها، ثم غَدَوا عليه، وكلهم يريد أن يعطاها، حتى قال عمر نظراته: ما
أحببت الإمارة إلا يومئذ، وفيهما أيضاً أنه وَ﴿ لما قال لأهل نجران: ((لأبعثنّ
معكم رجلاً أميناً حقَّ أمين)) فاستشرف لها أصحاب رسول الله وَّ، إلى غير
ذلك مما يدلّ على محبّة كلّ منهم تقدّمه على الآخرين في الخير، فتأمله
بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال :
[١٧٩] (.) - (وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ
حُسَيْنِ الْمُعَلِّم، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِّ نَِّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا
يُؤْمِنُ عَبْدٌ، حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ - أَوْ قَالَ: لِأَخِيهِ - مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))).
(١) وفي تفسير ابن أبي حاتم: حدثني أشعث بن يزيد الدمشقيّ، وترجمه في (لسان
الميزان)» ٧٠٦/١ فليُنظر.

١٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فَرُّوخ التميميّ، أبو سعيد القطّان البصريّ، ثقةٌ
متقنٌ حافظٌ إمامٌ قُدوةٌ، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدم في ((شرح المقدّمة))
ج١ ص٣٨٥.
٢ - (حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ) هو: الحسين بن ذَكْوَان الْمُعَلِّم الْعَوْذِيّ - بفتح
المهملة، وسكون الواو، بعدها معجمة - البصريّ الْمُكْتِبُ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٦].
رَوَى عن عطاء، ونافع، وقتادة، وعبد الله بن بُريدة، ويحيى بن أبي
كثير، وبُدَيل بن مَيْسَرة، وسليمان الأحول، وعِدَّة.
ورَوَى عنه إبراهيم بن طَهْمَان، وشعبة، وابن المبارك، وعبد الوارث بن
سعيد، والقطان، وغندر، وابن أبي عَدِيّ، ويزيد بن زُريع، ويزيد بن هارون،
وغيرهم.
قال ابنُ أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو حاتم، والنسائيّ،
وقال أبو زرعة: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: سألت ابن المديني: مَن أثبت
أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ قال: هشام الدستوائي، ثم الأوزاعي، وحسين
المعلم، وقال أبو داود: لم يرو حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه،
عن النبيّ وَّر شيئاً، وقال الدارقطنيّ: من الثقات، وقال ابن سعد، والعجليّ،
وأبو بكر البزار: بصريّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن
المديني: لم يرو الحسين المعلم عن ابن بريدة، عن أبيه إلا حرفاً واحداً،
وكلُّها عن رجال أُخَر.
قال الحافظ: هذا يوافق قول أبي داود المتقدم، إلا في هذا الحرف
المستثنى، وكأنه الحديث الذي تَعَقَّب به المزيّ قولَ أبي داود بأن أبا داود رَوَى
في ((السنن)) من حديث حسين، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبيّ وَّ:
((مَنِ استعملناه على عَمَل، فرزقناه رِزْقاً ... )) الحديث.
وقال أبو جعفر العُقَيليّ: ضعيف مضطرب الحديث، ثنا عبد الله بن
أحمد، ثنا أبو بكر بن خلاد، سمعت يحيى بن سعيد، هو القطان، وذكر حسيناً
المعلم، فقال: فيه اضطراب.
وأَرَّخَ ابن قانع وفاته سنة (١٤٥).

١٥٥
(٢٠) - بَابُ بَيَانِ تَحْرِيمِ إِيذَاءِ الْجَارِ - حديث رقم (١٨٠)
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثاً.
والباقون تقدّموا قريباً، والسند مسلسلٌ بالبصريين، كالأسانيد الماضية،
وشرح الحديث ومسائله تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(٢٠) - (بَابُ بَيَانِ تَحْرِيم إِيذَاءِ الْجَارِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[١٨٠] (٤٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ
جَمِيعاً، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنٍ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا
يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابِريّ البغداديّ العابد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) وله
(٧٧) سنة (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ٢/ ١١٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) بن إياس السَّعْديّ المروزي، ثقةٌ حافظٌ، من صغار
[٩] (ت٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرقيّ، أبو إسحاق
المدنيّ القارئ، ثقة ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْحُرَقَيّ، أبو شِبْل المدنيّ، صَدُوقٌ ربّما
وَهِمَ [٥] مات سنة بضع ١٣٠ (زم ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهنيّ المدنيّ مولى الْحُرَقة، ثقةٌ [٣]
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.

١٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَُّبه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخيه: يحيى، فبغداديّ،
وقتيبة، فبغلانيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة رضيبه أحفظ من روى الحديث في دهره،
روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا
يَأْمَنُ) بفتح الميم، يقال: أَمِنَ زيدُ الأسدَ أَمْناً، وأَمِنَ منه، مثلُ سَلِمَ وزناً
ومعنَى، والأصل أن يُستعمَل في سكون القلب، يتعدّى بنفسه، وبالحرف،
ويُعَدّى إلى ثان بالهمزة، فيقال: آمنته منه، قاله الفيّوميّ(١). (جَارُهُ) يطلق الجار
على عدّة معان، قال الفيّوميّ: جاوره مُجاورةً، وجِوَاراً، من باب قاتل،
والاسم الْجُوَارُ بالضمّ: إذا لاصقه في السكن، وحكى ثَعْلبٌ عن ابن
الأعرابيّ: الجارُ الذي يُجاورك بَيْتَ بَيْتَ، والجارُ الشريكُ في العقار مقاسماً
كان أو غير مقاسم، والجارُ الْخَفِيرُ، والجارُ الذي يُجير غيره، أي يُؤمِنُهُ مما
يَخَافُ، والجارُ المستجيرُ أيضاً، وهو الذي يَطْلُبُ الأمان، والجارُ الحليف،
والجارُ الناصر، والجارُ الزوج، والجارُ أيضاً الزوجة، ويقال فيها أيضاً:
جارةٌ، والجارةُ الضَّرَّة، قيل لها: جارةٌ؛ استكراهاً للفظ الضَّرَّة. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه المعاني كلّها صالحة لأن تُراد في
الحديث، والله تعالى أعلم.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الجار هنا يصلح للمجاور لك في
مسكنك، ويصلح للداخل في جوارك وحُرمتك؛ إذ كلّ واحد منهما يجب الوفاء
(١) ((المصباح المنير)) ٢٤/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ١١٤/١.

١٥٧
(٢٠) - بَابُ بَيَانِ تَحْرِيمِ إِذَاءِ الْجَارِ - حديث رقم (١٨٠)
بحقّه، وتحرُم أذيّته تحريماً أشدّ من تحريم أذى مطلق المسلمين. انتهى(١).
(بَوَائِقَهُ))) جمع بائقة: وهي الغائلة، والداهية، والفتك، قاله النوويّ(٢)،
وقال القرطبيّ: هي الداهية التي توبق صاحبها، أي تُهلكه. انتهى(٣). وقال
الفيّوميّ: البائقة: النازلة، وهي الداهية، والشرّ الشديد، وباقت الداهيةُ: إذا
نَزَلت، والجمع البوائق. انتهى(٤).
قال النوويّ تَخْلَتُهُ: في معنى ((لا يدخل الجنة)) جوابان يَجريان في كلّ ما
أشبه هذا :
[أحدهما]: أنه محمولٌ على من استحلّ الإيذاء، مع علمه بتحريمه، فهذا
كافرٌ لا يدخلها أصلاً.
[والثاني]: معناه: جزاؤه أن لا يدخلها وقت دخول الفائزين إذا فُتحت
أبوابها لهم، بل يؤخّر، ثم قد يُجازَى، وقد يُعفى عنه، فيدخلها أوّلاً، وإنما
تأوّلنا هذين التأويلين؛ لأنا قدّمنا أن مذهب أهل الحقّ أن من مات على
التوحيد مصرّاً على الكبائر، فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه، فأدخله الجنّة
أوّلاً، وإن شاء عاقبه، ثم أدخله الجنة، والله تعالى أعلم(٥).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى ما حاصله: إن من كان مُضرّاً لجاره،
كاشفاً لعوراته، حريصاً على إنزال البوائق به كان ذلك منه دليلاً إما على فساد
اعتقاد ونفاق، فيكون كافراً، ولا شكّ في كونه لا يدخل الجنّة، وإما على
استهانة بما عظّم الله تعالى من حُرْمة الجار، ومن تأكيد عهد الجوار، فيكون
فاسقاً فِسْقاً عظيماً، ومرتكب كبيرة، يُخاف عليه من الإصرار عليها أن يُختم
عليه بالكفر، فإن المعاصي بريد الكفر، فيكون من الصنف الأول، وإن سَلِمَ
من ذلك، ومات غير تائبٍ، فأمره إلى الله تعالى، فإن عاقبه بدخول النار لم
يدخل الجنة حين يدخلها من لم يكن كذلك، أو لا يدخل الجنّة الْمُعدَّة لمن
قام بحقوق جاره، وعلى هذا القانون ينبغي أن يُحْمَلَ ما في هذا الباب مما قال
(١) ((المفهم)) ٢٢٨/١.
(٣) ((المفهم)) ٢٢٨/١.
(٥) ((شرح مسلم)) ٢/ ١٧.
(٢) ((شرح مسلم)) ٢/ ١٧.
(٤) ((المصباح المنير)) ٦٦/١.

١٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
النبيّ وَّيقول: إن فاعله لا يدخل الجنّة، مما ليس بشرك؛ للأدلة المتقدّمة، ولما
يأتي في أحاديث الشفاعة. انتهى (١)، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيته هذا انفرد به مسلم، فلم
يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٠/ ١٨٠] (٤٦) بهذا الإسناد فقط.
و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧٣/٢)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد))
(١٢١)، و(أبو نعيم) في ((المسند المستخرج)) (١٢٨)، و(أبو عوانة) في
(صحيحه)) (٣/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم إيذاء الجار.
٢ - (ومنها): بيان كون إيذاء الجار من الكبائر.
٣ - (ومنها): نفي الإيمان عمّن لا يأمن جاره بوائقه، وأخرج البخاريّ
من حديث أبي شُرَيح الْخُزاعِيّ ◌َظ ◌ُبه أن النبي ◌َِّ قال: ((والله لا يؤمن، والله لا
يؤمن، والله لا يؤمن))، قيل: من يا رسول الله؟ قال: ((الذي لا يَأْمَنُ جاره
بوائقه».
قال ابنُ بطال رحمه الله تعالى: في هذا الحديث تأكيدُ حَقِّ الجار؛
لقسمه * على ذلك، وتكريره اليمين ثلاث مرات، وفيه نفيُ الإيمان عمن
يؤذي جاره بالقول أو الفعل، ومراده الإيمان الكامل، ولا شكّ أن العاصي غير
كامل الإيمان.
وقال ابن أبي جمرة تَخَّتُهُ: إذا أُكْد حَقّ الجار مع الحائل بين الشخص
وبينه، وأُمر بحفظه، وإيصال الخير إليه، وكفّ أسباب الضرر عنه، فينبغي له
(١) ((المفهم)) ٢٢٨/١.

(٢١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى إِكْرَامِ الْجَارِ وَالضَّيْفِ، ... إلخ - حديث رقم (١٨١)
١٥٩
أن يُرَاعِي حَقَّ الحافظين اللذين ليس بينه وبينهما جدار ولا حائل، فلا يؤذهما
بإيقاع المخالفات في مرور الساعات، فقد جاء أنهما يُسَرّان بوقوع الحسنات،
ويَحْزَنَان بوقوع السيئات، فينبغي مراعاة جانبهما، وحفظ خواطرهما بالتكثير من
عمل الطاعات، والمواظبة على اجتناب المعصية، فهما أولى برعاية الحقّ من
كثير من الجيران. انتهى ملخصاً (١).
٤ - (ومنها): أن من يؤذي جاره يُحْرَم من دخول الجنّة إما تحريماً أوّليّاً،
أو تحريماً مؤبَّداً على التوجيه الذي أسلفناه.
٥ - (ومنها): من يُكْرِم جاره، ويقوم بمصالحه، مع مراعاة سائر الحقوق
يكون مؤمناً كامل الإيمان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢١) - (بَابُ الْحَثِّ عَلَى إِكْرَامِ الْجَارِ وَالصَّيْفِ، وَلُزُومِ الصَّمْتِ
إِلَّ عَنِ الْخَيْرِ، وَكَوْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الإِيمَانِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الکتاب قال:
[١٨١] (٤٧) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ،
وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ)).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة بن عمران التجيبيّ، أبو حفص
المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت٢٤٣) (م س ق) تقدم في
((المقدمة)) ١٤/٣.
(١) راجع: ((الفتح)) ٥٤٦/١٠.

١٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو عبد الله البصريّ، ثقة
حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم،
ثقة يهم قليلاً، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب
الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الإمام الحافظ الحجة الفقيه المشهور، من رؤوس [٤]
(ت١٢٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٤٨.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الله،
وقيل: إسماعيل، ثقة مكثرٌ [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبُبه المذكور في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو
والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني مسلسلٌ
بالمدنیین .
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ابن شهاب، عن أبي سلمة.
٥ - (ومنها): أن فيه أبا سلمة ممن اشتهر بكنيته، وقد اختلف في اسمه،
كما بيّنته آنفاً، وقيل: اسمه كنيته، وهو أحد الفقهاء السبعة على بعض
الأقوال، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهَ (عَنْ رَسُولِ اللهِ) أنه (قَالَ: ((مَنْ) شرطيّة، أو موصولة
مبتدأ، خبره جملة ((فليقل ... إلخ)) (كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) قال الأبيّ: هو
من خطاب التهييج، أي من صفة المؤمن، لا أنه شرط حقيقة. انتهى(١).
(١) ((شرح الأبيّ) ١/ ١٥١.