Indexed OCR Text

Pages 661-680

(١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التََّفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٥)
٦٦١
لأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وله عنهم مسائل.
وروى عنه الجماعَة، سوى أبي داود، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وإبراهيم
الحربيّ، وعبد الله بن أحمد، والْجُوزَجانيّ، وأبو بكر محمد بن علي ابن أُخت
مسلم بن الحجاج، وغيرهم.
قال مسلم: ثقة مأمون، أحد الأئمة، من أصحاب الحديث، وقال
النسائيّ: ثقةٌ ثبتٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال الحاكم: هو أحد الأئمة،
من أصحاب الحديث، من الزُّهّاد، والمتمسكين بالسنة، وقال الخطيب: كان
فقيهاً عالِماً، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال عثمان بن أبي شيبة: ثقةٌ
صدوقٌ، وكان غيره: أثبت منه.
قال البخاريّ: مات بنيسابور يوم الاثنين، ودُفِنَ يوم الثلاثاء لعشر خَلَوْن
من جمادى الأولى، سنة (٢٥١)، وكذا قال ابن حبان في ((الثقات)).
وله في هذا الكتاب (٩٤) حديثاً.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدّستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، ثم البصرة،
صدوقُ ربّما وَهِمَ [٩].
روى عن أبيه، وابن عون، وشعبة، وأشعث بن عبد الملك، وبُكير بن
أبي السَّمِيط، ويحيى بن العلاء الرازي.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، وابن المدينيّ، وابن معين، وعفان،
وعمرو بن عليّ، وبُندار، وأبو موسى، وأبو قدامة السَّرَخْسِيّ، وأبو خيثمة،
وإسحاق بن منصور الْكَوْسَج، وعبيد الله بن عمر القواريري وأبو غَسّان
الْمِسْمَعِيّ، وغيرهم.
قال الميمونيّ: عن أحمد: كان في كتاب أبيه: ليس المعاصي من القدر،
قال: فَحَجَّ، فقال الحميديّ: لا تسمعوا من هذا القدريّ شيئاً، قال: وسمعت
أبا عبد الله، وسَمِع من يُكثره في الحديث والفقه، فقال: وأيُّ شيء عنده من
الحديث؟ ما كتبتُ عنه سوى مجلس واحد، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين:
صدوقٌ، وليس بحجة، وقال عباس بن عبد العظيم، عن علي بن المدينيّ:
سمعت معاذ بن هشام يقول: سَمِعَ أبي من قتادة عشرة آلاف حديث، قال: ثم
أخرج إلينا من الكُتُب عن أبيه نحواً مما قال، فقال: هذا سمعته، وهذا لم

٦٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أسمعه، فجعل يُمَيِّزها، وقال الآجريّ: قلت لأبي داود: معاذ بن هشام عندك
حجة؟ قال: أكره أن أقول شيئاً، كان يحيى لا يرضاه، وقال ابن عديّ:
ولمعاذ عن أبيه، عن قتادة، حديث كثير، وله عن غير أبيه أحاديث صالحة،
وهو رُبَّما يَغْلَط في الشيء، وأرجو أنه صدوقٌ ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن
معين: ليس بذاك القويّ، وقال عثمان الدارميّ: قلت ليحيى بن معين: معاذ بن
هشام أثبت في شعبة، أو غندر؟ فقال: ثقة، وثقة، وقال ابن قانع: ثقةٌ مأمونٌ.
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات في ربيع الآخر سنة مائتين، وفيها
أَرَّخَه أبو حاتم، وأبو داود، وغير واحد.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٥) حديثاً .
٣ - (أَبُوهُ) هو: هشام بن أبي عبد الله، واسم أبيه سَنْبَر - بمهملة، ثم
نون، ثمّ موحّدة، وزان جعفر - أبو بكر البصريّ الدَّسْتَوائيّ - بفتح الدال،
وسكون السين المهملتين، وفتح المثنّاة، ثمّ مدّ - الرَّبَعِيّ، كان يبيع الثياب التي
تُجْلَب من دَسْتَوَاء، فَنُسِب إليها، ورُبّما قيل له: صاحب الدَّسْتَوَائِيّ، ثقةٌ ثبتٌ،
وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧].
روى عن قتادة، ويونس الإسكاف، وشعيب بن الحبحاب، وعامر بن
عبد الواحد الأحول، ومطر الورّاق، وأبي الزبير، والقاسم بن عوف، وبُديل بن
ميسرة، وأيوب وأبي جعفر الخطميّ، وأبي عِصَام البصريّ، وحماد بن أبي
سليمان، وابن أبي نَجِيح، وغيرهم.
وروى عنه ابناه: عبد الله، ومعاذٌ، وشعبة بن الحجاج، وهو من أقرانه،
وابن المبارك، وعبد الوارث بن سعيد، وابن مهدي، ويحيى القطان،
وإسماعيل ابن عُلَيّة، وبشر بن المفضل، وعبد الأعلى، وغُندر، ووكيع، وخلق
کثیر.
قال يزيد بن زريع: كان أيوب قبل الطاعون يأمرنا بهشام، والأخذ عنه،
وقال أمية بن خالد، عن شعبة: ما من الناس أحدٌ أقول: إنه طلب الحديث،
يريد به وجه الله تعالى إلا هشام، وكان يقول: ليتنا ننجو منه كفافاً، قال شعبة:
فإذا كان هشام يقول هذا، فكيف نحن؟ وقال عليّ بن الْجَعْد: سمعت شعبة
يقول: كان هشام أحفظ مني عن قتادة، وقال أيضاً: كان أعلم بحديث قتادة

٦٦٣
(١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التََّفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٥)
مني، وذكره ابن علية في حفاظ البصرة، وقال أبو هشام الرِّفَاعيّ، عن وكيع،
ثنا هشام، وكان تَبْتاً، وقال يحيى بن معين: كان يحيى بن سعيد، إذا سمع
الحديث من هشام لا يبالي أن لا يسمعه من غيره، وقال أبو داود الطيالسيّ:
هشام الدَّسْتَوَائيّ أمير المؤمنين في الحديث، وقال أبو حاتم: ثنا أبو نعيم، ثنا
هشام الدستوائيّ، وأثنى عليه خيراً، قال: وما رأيت أبا نعيم يَحُثُّ على أحد
إلا على هشام، وقال أبو حاتم: وسألت أحمد بن حنبل عن الأوزاعيّ
والدستوائيّ: أيهما أثبت في يحيى بن أبي كثير؟ قال: الدستوائيّ لا تسأل عنه
أحداً، ما أرى الناس يروون عن أحد أثبت منه، أما مثله فعسى، وأما أثبت
منه فلا، وقال صالح بن أحمد بن حنبل: قال أبي: هشام الدستوائي أكثر في
يحيى بن أبي كثير من أهل البصرة، وقال في رواية: هو أرفع من شيبان، وقال
ابن البراء، عن ابن المدينيّ: الدستوائي ثبت، وقال أبو حاتم: سألت ابن
المدينيّ: من أثبت أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ فقال: هشام، قلت: ثم أيّ؟
قال: ثم الأوزاعيّ، وسَمَّى غيره، قال: فإذا سمعت عن هشام عن يحيى، فلا
تُرِدْ به بَدَلاً، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ ثَبْتٌ في الحديث، حجةٌ، إلا أنه يَرَى
القدر، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة، مَنْ أحبّ إليكما من
أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ قالا: هشام، قالا: والأوزاعيّ بعده، زاد عن أبي
زرعة: لأن الأوزاعيّ ذهبت كتبه، قال: وأثبت أصحاب قتادة هشام وسعيد،
قال: وسئل أبي عن هشام وهمام أيهما أحفظ؟ فقال: هشام، وقال البزار:
الدستوائيّ أحفظ من أبي هلال، وقال أبو إسحاق الْجُوزجانيّ: كان ممن تَكَلَّم
في القدر، وكان من أثبت الناس.
وقال عبد الصمد بن عبد الوارث: كان بينه وبين قتادة في المولد سبع
سنين، ومات سنة اثنتين وخمسين ومائة، قال معاذ بن هشام: عاش أبي ثمانياً
وسبعين سنة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات سنة ثلاث أو أربع
وخمسين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١٢) حديثاً.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة بن قتادة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ المذكور
في الباب الماضي.

٦٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ـّ المذكور في الباب الماضي أيضاً، والله تعالى
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ)
أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
أبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ، ثم
نيسابوريّ، وهو أيضاً دخل البصرة؛ للأخذ عن أهلها .
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار، في غير هشام، فقال:
((عن قتادة)).
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
٦ - (ومنها): أن فيه أنساً ظله أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦)
حديثاً، وهو آخر من مات بالبصرة، من الصحابة رضيه، مات سنة (٩٢) أو
(٩٣)، وهو من المعمّرين، فقد تجاوز عمره مائة سنة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ
مَالِكِ) رَّبُهُ (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ وَّهِ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلِ رَدِيفُهُ) جملة في محلّ نصب على
الحال، والرديف: هو الراكب خلف الراكب على الدابّة، وقد تقدّم البحث فيه
مستوفَى في حديث معاذ ◌َّهِ، وقوله: (عَلَى الرَّحْلِ) متعلقٌ بحال مقدّر، أي
حال كونه راكباً على الرحل، وهو بفتح الراء، وسكون الحاء المهملة، آخره
لام، قال في ((القاموس)): الرَّحْلُ: مَرْكبٌ للبعير، كالرَّاحُول، جمعه أَرْحُلٌ،
ورِحالٌ، ومَسْكَنُكَ، وما تستصحبه من الأثاث، انتهى(١).
وقال في ((العباب)): الرَّحْلُ رَحْلُ البعير، وهو أصغر من الْقَتَبِ، وهو من
مراكب الرجال، دون النساء، وثلاثةٌ أَرْحُلٌ، والكثيرُ رِحالٌ، وَرَحَلتُ البعيرَ
(١) ((القاموس المحيط)) ص ٩٠٤.

٠,٠.
٦٦٥
(١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُحَرَّدُ التََّفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٥)
أَرْحَلُهُ رَحْلاً: إذا شدَدْتَ على ظهره رَحْلاً، و((الْقَتَبُ)) بالتحريك: رحلٌ صغيرٌ
على قدر السَّنَام، انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): ((الرَّحْلُ)) بإسكان الحاء المهملة، أكثر ما يُستَعمَلُ
للبعير، لكن معاذ كان في تلك الحالة رديفه و ﴿ على حمار، كما بُيّن في رواية
البخاريّ في ((الجهاد)).
(قَالَ) وَةِ (يَا مُعَاذُ)) منادى مفرد علم، مبنيّ على الضمّ (قَالَ) معاذ نَظُه
(لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ) منادى بحذف حرف النداء جوازاً، كما قال الحريريّ في
((مُلحته)) :
وَحَذْفُ ((يَا)) يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ كَقَوْلِهِمْ ((رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي))
(وَسَعْدَيْكَ) ((اللَّبّ)) - بفتح اللام - معناه هنا: الإجابة، و((السَّعْد)):
المساعدة، وكأنه قال: لَبّاً لك، وإسعاداً لك، ولكنهما تُنِّيا على معنى التأكيد
والتكثير، أي إجابة بعد إجابة، وإسعاداً بعد إسعاد، وقد تقدّم تمام البحث
فيهما قريباً (قَالَ) وَلِ ((يَا مُعَاذُ))، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: ((يَا
مُعَاذُ))، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ، وَسَعْدَيْكَ) كرّر النداء والإجابة ثلاثاً؛ للتأكيد،
فقد صحّ أنه وَِّ ((كان إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تُفهم عنه)) (قَالَ) وَلـ
((مَا مِنْ عَبْدٍ) كلمة ((ما)) للنفي، وكلمة ((مِنْ)) زائدة للتأكيد، كما قال في
«الخلاصة»:
وَزِيدَ فِي نَفْي وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَـ((مَا لِبَاغْ مِنْ مَفَرّ))
وقوله: (عَبد)) مجرور اللفظ بـ((من))، مرفوع المحلّ على الابتداء، ولفظ
البخاريّ: ((ما من أحد))، وجملة (يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ.
وَرَسُولُهُ) صفة لـ((عبد)) (إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ)))، قال القرطبيّ رحمه الله
تعالى: هكذا وقع هذا الحديث في كتاب مسلم عن جميع رواته فيما علمته،
وقد زاد البخاريّ فيه: ((صدقاً من قلبه))، وهي زيادة حسنة تنصّ على صحّة ما
تضمّنته الترجمة المتقدّمة، وعلى فساد مذهب المرجئة، كما قدّمناه، ومعنى
صدق القلب تصديقه الجازم بحيث لا يخطُرُ له نقيضُ ما صدّق به، وذلك إما
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٠٦/١.

٦٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
عن برهان، فيكون علماً، أو عن غيره فيكون اعتقاداً جزماً، ويجوز أن يُحرِّم الله
تعالى من مات على الشهادتين على النار مطلقاً، ومن دخل النار من أهل
الشهادتين بكبائره حرّم على النار جميعه، أو بعضه، كما قال في الحديث
الآخر: ((فتحرّم صورهم على النار))(١)، وقال: ((حرّم الله على النار أن تأكل أثر
السجود))(٢)، ويجوز أن يكون معناه: إن الله يُحرّمه على نار الكفّار التي تُنضج
جلودهم، ثم تُبدّل بعد ذلك، كما قال تعالى: ﴿كُلَّا نَضِحَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا
غَيْرَهَا﴾ الآية [النساء: ٥٦]، وقد قال ◌َله: ((أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم
لا يموتون فيها، ولا يَخْيَون، ولكنّ ناساً أصابتهم النار بذنوبهم، فأماتهم الله
إماتةً، حتى إذا كانوا فَحْماً أُذن لهم في الشفاعة ... )) الحديث، وسيأتي
للمصنّف (٣)، انتهى كلام القرطبيّ (٤).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((صدقاً)) فيه احتراز عن شهادة المنافق، وقوله:
((من قلبه)) يمكن أن يتعلق بـ((صدقاً))، أي يشهد بلفظه، ويُصَدِّق بقلبه، ويمكن
أن يتعلق بـ((يَشْهَد))، أي يشهد بقلبه، والأول أولى.
وقال الطيبيّ: قوله: ((صدقاً)) أقيم هنا مُقَامَ الاستقامة؛ لأن الصدق يُعَبَّر
به قولاً عن مطابقة القول الْمُخْبَرِ عنه، ويُعَبَّر به فعلاً عن تَحَرِّي الأخلاق
المرضية، كقوله تعالى: ﴿وَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهٌِ﴾ [الزمر: ٣٣]، أي:
حَقَّق ما أورده قولاً بما تَحَرّاه فعلاً، انتهى.
وأراد بهذا التقريرِ رفعَ الإشكال عن ظاهر الخبر؛ لأنه يقتضي عدم دخول
جميع من شَهِدَ الشهادتين النار؛ لما فيه من التعميم والتأكيد، لكن دَلَّتِ الأدلة
القطعيةُ عند أهل السنة على أن طائفةً من عصاة المؤمنين يُعَذَّبون، ثم يُخرَجون
من النار بالشفاعة، فعلم أن ظاهره غير مراد، فكأنه قال: إن ذلك مُقَيَّدٌ بمن
عمل الأعمال الصالحة، قال: ولأجل خفاء ذلك لم يُؤذَن لمعاذ في التبشير به.
(١) رواه البخاريّ في ((صحيحه)) رقم (٧٤٣٩).
(٢) متّفق عليه، رواه البخاريّ (٦٥٧٣) ومسلم (١٨٢) رقم محمد فؤاد عبد الباقي.
(٣) يأتي برقم (١٨٤) رقم محمد فؤاد عبد الباقي.
(٤) ((المفهم)) ٢٠٨/١ - ٢٠٩.

(١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٥)
٦٦٧
وقد أجاب العلماء عن الإشكال أيضاً بأجوبة أخرى:
[منها]: أن مطلقه مقيدٌ بمن قالها تائباً، ثم مات على ذلك.
[ومنها]: أن ذلك كان قبل نزول الفرائض، وفيه نظرٌ؛ لأن مثل هذا
الحديث وقع لأبي هريرة ره كما رواه مسلم في الحديث الماضي، وصحبته
متأخرة عن نزول أكثر الفرائض، وكذا ورد نحوه من حديث أبي موسى
رواه أحمد بإسناد حسن، وكان قدومه في السنة التي قَدِمَ فيها أبو هريرة
[ومنها]: أنه خَرَجَ مَخْرَج الغالب؛ إذ الغالب أن الموحِّد يعمل الطاعة،
ويجتنب المعصية.
[ومنها]: أن المراد بتحريمه على النار تحريم خلوده فيها، لا أصل
دخولها .
[ومنها]: أن المراد النار التي أُعِدَّتْ للكافرين، لا الطبقة التي أُفردت
لعصاة الموحدين.
[ومنها]: أن المراد بتحريمه على النار حرمة جملته؛ لأن النار لا تأكل
مواضع السجود من المسلم، كما ثبت في حديث الشفاعة، أن ذلك مُحَرَّم
عليها، وكذا لسانه الناطق بالتوحيد، والعلم عند الله تعالى، انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أقرب الأجوبة عندي الجواب الأخير،
وهو الذي قدّمه القرطبيّ رحمه الله تعالى في بحثه السابق، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) معاذ ◌َظُه (يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهَا) أي بهذه البشارة (النَّاسَ،
فَيَسْتَبْشِرُوا؟) بحذف نون الرفع؛ لكونه منصوباً بوقوعه بعد الفاء السببيّة، كما
قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ (أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
ووقع عند البخاريّ في رواية أبي ذرّ: ((فيستبشرون)) بثبوت النون، قال في
((الفتح)): كذا لأبي ذر، أي: فهم يستبشرون، وللباقين بحذف النون، وهو
أَوْجَهُ؛ لوقوع الفاء بعد النفي، أو الاستفهام، أو العرض، وهي تنصب في كل
(٢)
ذلك، انتھی(٢).
(١) راجع: ((الفتح)) ٢٧٣/١.
(٢) ((الفتح)) ٢٧٣/١.

٦٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(قَالَ) وَ ((إِذاً) هي ((إذا)) الشرطيّة، حُذف فعل شرطها وعُوِّض عنه
التنوينُ(١)، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا لَّأَذَقْتَكَ ضِعْفَ الْحَيَوَةِ﴾ [الإسراء: ٧٥]،
وقوله: ﴿وَإِذَا لَّأَتَيْنَهُم﴾ [النساء: ٦٧]، والمعنى: إذا أخبرتهم بها (يَتَّكِلُوا) أي
يستندوا إليها، ويتركوا العمل.
وقال في ((الفتح)): وقوله: ((إذاً يَتّكِلوا)) - بتشديد المثنّاة المفتوحة، وكسر
الكاف ــ وهو جواب وجزاء، أي إن أخبرتهم يتكلوا، وللأصيليّ،
والكشميهنيّ: ((يَنْكُلُوا)) - بإسكان الكاف - أي يمتنعوا من العمل؛ اعتماداً على
ما يتبادر من ظاهره.
ورَوَى البزار بإسناد حسن من حديث أبي سعيد الخدريّ تَظُه في هذه
القصة أن النبيّ وَ وَ أَذِنَ لمعاذ ◌َُّه في التبشير، فلقيه عمر نظُبه، فقال: لا
تعجل، ثم دخل، فقال: يا نبي الله أنت أفضل رأياً، إن الناس إذا سَمِعُوا ذلك
اتكلوا عليها، قال: فَرَدَّه.
وهذا معدود من موافقات عمر رضي الله، وفيه جواز الاجتهاد بحضرته وَالآن،
واستَدَلّ بعض متكلمي الأشاعرة من قوله: ((يتكلوا)) على أن للعبد اختياراً، كما
سبق في علم الله.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا عزا في ((الفتح)) هذا الاستدلال
لبعض الأشاعرة، وهو الصواب الذي عليه مذهب السلف
قال الشيخ العلامة ابن باز تَّتُ فيما علّقه على ((الفتح)): هذا الذي عَزاه
الشارح لبعض متكلمي الأشاعرة هو قول أهل السنة، وهو أن للعبد اختياراً،
وفعلاً، ومشيئةً، لكن ذلك إنما يقع بعد مشيئة الله تعالى، كما قال تعالى:
﴿﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
﴿لِمَنْ شَآَ مِنْكُمْ أَنَ يَسْتَقِيمَ
٢٩٦
[التكوير: ٢٨ - ٢٩]، فتنبه، انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
(فَأَخْبَرَ بِهَا) أي بهذه البشارة (مُعَاذٌ) ◌َظُهُ (عِنْدَ مَوْتِهِ) أي موت معاذ
(١) كون تنوين ((إذا)) الشرطيّة للتعويض أثبته جماعة من النحاة، واختاروه، وقد أجاد
بحثه العلامة ياسين الحمصيّ في ((حاشية التصريح على التوضيح)) ٣٤/١، فراجعه،
فإنه بحث مهمّ جدّاً، والله تعالى أعلم.

٦٦٩
(١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٥)
وأغرب الكرمانيّ، فقال: يحتمل أن يرجع الضمير إلى رسول الله وَلات، قال
الحافظ: ويرده ما رواه أحمد بسند صحيح عن جابر بن عبد الله
الأنصاري ﴿ها، قال: أخبرني من شَهِدَ معاذاً حين حضرته الوفاة يقول: سمعت
من رسول الله ﴿ حديثاً، لم يمنعني أن أحدثكموه، إلا مخافة أن
تتكلوا ... ))، فذكره. انتهى(١).
وقوله: (تَأَثّماً))) - بفتح الهمزة، وتشديد المثلثة المضمومة -: أي تجنّباً
للإثم، يقال: تأثّم فلانٌ: إذا فعل فعلاً خَرَج به من الإثم، كما يُقال: تَحرَّج:
إذا فَعَل ما يخرُجُ به من الْحَرَج، قاله ابن الأثير رحمه الله تعالى(٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ((تأثُّماً)): أي تحرّجاً من الإثم، وخوفاً
منه، قال الهرويّ وغيره: وتفَعَّل كثيراً ما يأتي لإلقاء الرجل الشيء عن نفسه،
وإزالته عنه، يقال: تَحَنَّثَ، وتحرّج، وتحوّب(٣): إذا ألقى عن نفسه ذلك،
ومنه فلان يتهجّد، أي يُلقي الْهُجُود - أي النوم - عن نفسه، ومنه امرأةٌ قَذَوَّرٌ:
إذا كانت تتجنّب الأقذار، حكاه الثعالبيّ، انتهى (٤).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قال أهل اللغة: تَأَثَّم الرجلُ: إذا فَعَلَ
فعلاً يَخرجُ به من الإثم، وتَحَرَّج: أزال عنه الحرَج، وتحنّث: أزال عنه
الْحِنْثَ.
ومعنى تَأَثُّم معاذٍ ظَبه أنه كان يحفظ علماً، يَخاف فواته وذهابه بموته،
فخشي أن يكون ممن كَتَمَ علماً، وممن لم يَمْتثل أمر رسول الله رَّ في تبليغ
سنته، فيكون آئماً، فاحتاط، وأخبر بهذه السنة؛ مخافةً من الإثم، وعَلِمَ أن
النبيّ ◌َّ لم ينهه عن الإخبار بها نھيَ تحریم.
قال القاضي عياض: رحمه الله تعالى: لعل معاذاً لم يَفْهَم من النبيّ وَل
النهي، لكن كسر عزمه عما عَرَضَ له من بشراهم، بدليل حديث أبي
هريرة حظّه: ((من لقيتَ يشهد أن لا إله إلا الله، مستقيناً بها قلبُهُ، فبشره
(١) ((الفتح)) ٢٧٤/١.
(٢) ((النهاية)) ٢٤/١.
(٣) التَّخُوبُ: التوجُّعُ، وتركُ الْحُوب أي الإثم، كالتأثّم، أفاده في ((القاموس)) ص٧٣.
(٤) ((المفهم)) ٢٠٩/١.

٦٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
بالجنة))، قال: أو يكون معناه: بلغه بعد ذلك أمرُ النبيّ وَلّ لأبي هريرة
عنه ،
وخاف أن يكتم علماً عَلِمَه، فيأثم، أو يكون حَمَلَ النهي على إذاعته.
قال النوويّ: وهذا الوجه ظاهرٌ، وقد اختاره الشيخ أبو عمرو بن الصلاح
رحمه الله تعالى، فقال: مَنْعُهُ من التبشير العامّ؛ خوفاً من أن يَسْمَعَ ذلك مَن لا
خِبْرَة له، ولا علم، فيغترّ، ويَتَّكِل، وأخبر به وَ لَّ على الخصوص من أَمِنَ عليه
الاغترار والاتكال، من أهل المعرفة، فإنه أخبر به معاذاً، فسلك معاذٌ هذا
المسلك، فأخبر به من الخاصة مَن رآه أهلاً لذلك، انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي اختاره ابن الصلاح رحمه الله
تعالى، سيأتي قريباً ما يضعفه - إن شاء الله تعالى -.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((تأثّماً)): أي خشيةَ الوقوع في الإثم، والمراد
بالإثم هو الحاصلُ من كتمان العلم، ودَلَّ صنيع معاذ ◌َيُّه على أنه عَرَفَ أن
النهي عن التبشير، كان على التَّنْزِيه، لا على التحريم، وإلا لَمَا كان يخبر به
أصلاً، أو عَرَفَ أن النهي مُقَيَّدٌ بالاتكال، فأخبر به من لا يَخْشَى عليه ذلك،
وإذا زال القيد زال المقيد، والأول أوجه؛ لكونه أخّر ذلك إلى وقت موته
انتھی(٢).
وقال في محلّ آخر: قوله: ((فأخبر بها معاذ عند موته تَأَثّماً)): معنى
التأثم: التحرُّج من الوقوع في الإثم، وهو كالتحنُّث، وإنما خشي معاذ (
من الإثم المرتب على كتمان العلم، وكأنه فَهِمَ من منع النبيّ وَّ أن يخبر بها
إخباراً عاماً؛ لقوله: ((أفلا أبشر الناس؟))، فأخذ هو أوّلاً بعموم المنع، فلم
يخبر بها أحداً، ثم ظَهَرَ له أن المنع إنما هو من الإخبار عموماً، فبادر قبل
موته، فأخبر بها خاصّاً من الناس، فجمع بين الحكمين، ويُقَوِّي ذلك أن المنع
لو كان على عمومه في الأشخاص، لَمَا أخبر هو بذلك، وأخذ منه أن من كان
في مثل مقامه في الفهم، أنه لم يُمنَع من إخباره.
وقد تُعُقِّب هذا الجواب بما أخرجه أحمد من وجه آخر، فيه انقطاع، عن
معاذ ظُبه أنه لَمّا حضرته الوفاة قال: أَدْخِلوا عليّ الناس، فأُدخِلوا عليه،
(١) ((شرح مسلم)) ٢٤٠/١ - ٢٤١.
(٢) ((الفتح)) ٢٧٤/١.

٦٧١
(١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التََّفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٥)
فقال: سمعت رسول الله وَّلر يقول: ((من مات لا يشرك بالله شيئاً، جعله الله
في الجنة))، وما كنت أحدثكموه إلا عند الموت، وشاهدي على ذلك أبو
الدرداء، فقال: صَدَقَ أخي، وما کان یحدثكم به إلا عند موته.
وقد وقع لأبي أيوب رَظُه مثل ذلك، ففي ((المسند)) من طريق أبي ظَبْيان،
أن أبا أيوب رُّ غزا الروم، فمَرِض، فلما حُضِرَ، قال: سأحدثكم حديثاً
سمعته من رسول الله وَلير، لولا حالي هذه ما حدثتكموه، سمعته يقول: ((من
مات لا يشرك بالله شيئاً، دخل الجنة)).
وإذا عُورِضَ هذا الجواب، فأُجيب عن أصل الإشكال بأن معاذاً اطَلَعَ
على أنه لم يكن المقصود من المنع التحريمَ، بدليل أن النبيّ وَّ أَمَرَ أَبا
هريرة نظبه أن يبشر بذلك الناس، فلقيه عمر تظ له، فدفعه ... )) الحديث.
فكأنّ قوله {وَلّ لمعاذ ◌َظُبه: ((أخاف أن يَتْكِلوا))، كان بعد قصة أبي
هريرة رضيته، فكان النهي للمصلحة، لا للتحريم، فلذلك أخبَرَ به معاذ ظـ
لعموم الآية بالتبليغ، انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تلخّص مما سبق أن أقرب الأجوبة عن
الاستشكال المذكور أنّ معاذاً تظلبه فهم أن النهي من باب رعاية المصلحة
والأولويّة، لا من باب التحريم، فترك الإخبار به حياته عملاً بظاهر النهي،
فلمّا دنا أجله، وخشي موته دون أن يبلّغ ما تحمّله رأى المصلحة في إخباره
به؛ إبقاءً للعلم، وهذا توجيه حسنٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث أنس رضُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) (١١ /١٥٥) عن إسحاق بن منصور،
عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عنه.
(١) ((الفتح)) ٢٧٥/١.

٦٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
و(البخاريّ) في ((العلم)) ٤٤/١ (١٢٨) عن إسحاق بن إبراهيم، عن
معاذ بن هشام به.
و(أبو نعيم) في ((مستخرجهِ (١٤٢) و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٩).
[تنبيه]: أخرج البخاريّ رحمه الله تعالى من طريق سليمان التَّيْمِيِّ، قال:
سمعت أنس بن مالك، قال ذُكِرَ لي أن النبيّ وَلـ قال لمعاذ بن جبل: ((من
لَقِيَ الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة))، قال: ألا أُبَشِّرُ الناسَ؟ قال: ((لا، إني
أخاف أن يتكلوا)).
قال في ((الفتح)): قوله: ((ذُكِرَ لي)) هو بالضم على البناء لِمَا لم يُسَمَّ
فاعلُه، ولم يُسَمِّ أنس مَن ذَكر له ذلك في جميع ما وقفتُ عليه من الطرق،
وكذلك جابر بن عبد الله، كما قدمناه من عند أحمد؛ لأن معاذاً إنما حَدَّث به
عند موته بالشام، وجابر وأنس إذ ذاك بالمدينة، فلم يشهداه، وقد حَضَرَ ذلك
من معاذ عمرُو بنُ ميمون الأوديّ، أحدُ المخضرمين، كما جاء ذلك في رواية
البخاريّ في ((كتاب الجهاد))، ورواه النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن سَمُرَة
الصحابي المشهور له أنه سمع ذلك من معاذ أيضاً، فيحتمل أن يُفَسَّر المبهم
بأحدهما، والله تعالى أعلم.
ثم قال: أورد الْمِزّيّ في ((الأطراف)) هذا الحديث في مسند أنس، وهو
من مراسيل أنس، وكان حقه أن يذكره في المبهمات.
وقوله: ((من لَقِيَ الله))، أي من لقي الأجل الذي قدّره الله - يعني الموت -
كذا قاله جماعة، ويحتمل أن يكون المراد البعثَ، أو رؤية الله تعالى في
الآخرة.
وقوله: ((لا يشرك به))، اقتصر على نفي الإشراك؛ لأنه يستدعي التوحيد
بالاقتضاء، ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم؛ إذ مَن كَذّب رسول الله وَلتِ، فقد
كَذَّب الله تعالى، ومن كذب الله تعالى، فهو مشرك، أو هو مثل قول القائل:
((من توضأ صحت صلاته))، أي مع سائر الشرائط، فالمراد من مات حال كونه
مؤمناً بجميع ما يجب الإيمان به، وليس في قوله: ((دخل الجنة)) من الإشكال
ما تقدم في سياق الحديث الماضي؛ لأنه أعمّ من أن يكون قبل التعذيب أو
بعده .

٦٧٣
(١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٦)
وقوله: ((لا)) هي للنهي، وليست داخلة على ((أخاف))، بل المعنى: لا
تبشر، ثم استأنف، فقال: ((أخاف))، وفي رواية كريمة: ((إني إخاف)) بإثبات
التعليل، وللحسن بن سفيان في ((مسنده)) عن عبيد الله بن معاذ عن معتمر:
((قال: لا، دَعْهُمْ، فليتنافسوا في الأعمال، فإني أخاف أن يتكلوا))، انتهى ما
في ((الفتح))(١)، وهو تحقيق نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٥٦] (٣٣) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ، حَذَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ
الْمُغِيرَةِ - قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك، قَالَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ،
عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيتُ عِنْبَانَ، فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي
عَنْكَ، قَالَ: أَصَابَتِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْءٍ، فَبَعَثْتُ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَلَّ: أَنّي
أُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنِي، فَتُصَلَِّ فِي مَنْزِلِي، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلَّى، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيُّ وَ، وَمَنْ
شَاءَ اللّهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلَ، وَهُوَ يُصَلِّ فِي مَنْزِي، وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ،
ثُمَّ أَسْتَدُوا عُظْمَ ذَلِكَ وَكُبْرَهُ إِلَى مَالِكِ بْنٍ دُخْشُم، قَالُوا: وَدُّوا أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ
فَهَلَكَ، وَوَدُّوا أَنَّهُ أَصَابَهُ شَرٌّ، فَقَضَى رَسُولُ اللّهِ بَيْهِّ الصَّلَاةَ، وَقَالَ: ((أَلَيْسَ يَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللّهِ؟))، قَالُوا: إِنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ، وَمَّا هُوَ فِي قَلْبِهِ،
قَالَ: ((لَا يَشْهَدُ أَحَدٌ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللّهِ، فَيَدْخُلَ النَّارَ - أَوْ -
تَطْعَمَهُ))، قَالَ أَنَسٌ: فَأَعْجَبَنِي هَذَا الْحَدِيثُ، فَقُلْتُ لِبْنِي: اكْتُبُهُ، فَكَتَبَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ) هو: شَيْبان بنِ أبي شَيْبَة الْحَبَطِيّ - بمهملة،
وموحّدة مفتوحتين - مولاهم، أبو محمد الأُبُلّيّ - بضم الهمزة، والموحّدة،
وتشديد اللام - صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩].
روى عن جرير بن حازم، وأبي الأشهب الْعُطَارديّ، وأبان بن يزيد
(١) ((الفتح)) ٢٧٥/١ - ٢٧٦.

٦٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
العطار، وحماد بن سلمة، وسلام بن مسكين، وعبد الوارث عن سعيد،
وسليمان بن المغيرة، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وروى له أبو داود والنسائي بواسطة أبي
بكر الأحمدين: ابنِ إبراهيم العطار، وابنٍ علي بن سعيد المروزيّ، وزكرياء بن
يحيى السِّجْزيّ، وأبو يعلى، والحسن بن سفيان، وَبَقِيّ بن مَخْلَد، وجعفر بن
محمد الفريابيّ، وعبد الله بن أحمد، وعبدان الأهوازي، وعثمان الدارميّ،
وموسى بن هارون، وغيرهم.
قال أحمد بن سعد بن إبراهيم، عن أحمد بن حنبل: ثقةٌ، وقال أبو
زرعة: صدوقٌ، وقال أبو حاتم: كان يَرَى الْقَدَر، واضطَرَّ الناس إليه بأَخَرَة،
وقال ابنُ قانع: صالحٌ، وقال مسلمة: ثقةٌ، وقال الساجيّ: قَدَريّ، إلا أنه كان
صدوقاً .
وقال أبو الشيخ، عن عبدان الأهوازيّ، كان شيبان أثبت عندهم من
هُذْبة، مولده في حدود سنة (١٤٠)، ومات سنة (٢٣٦)، وقيل: سنة خمس
وثلاثين ومائتين، وأَرَّخَها ابن قانع سنة (٦).
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٩٣)
حديثاً .
[تنبيه]: قوله: (ابن فَرُّوخ)) هو بفتح الراء، وضم الراء المشدّدة، وبالخاء
المعجمة، غير مصروف؛ للعجمة والعلمية، قال صاحب ((كتاب العين)): فَرُّوخ
اسم ابن لإبراهيم الخليل فعلا، هو أبو العجم، وكذا نقل صاحب ((المطالع))
وغيره أن فَرُّوخ ابن لإبراهيم لعلّها، وأنه أبو العجم، وقد نص جماعة من
الأئمة على أنه لا يَنصرف لما ذكرناه، قاله النوويّ(١).
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنَ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة،
أخرج له البخاريّ مقروناً، وتعليقاً [٧] (ت١٦٥) (ع) ١١٠/٣.
٣ - (ثَابِتٌ) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت سنة
بضع و١٢٠) (ع) ١١٠/٣.
(١) ((شرح مسلم)) ١/ ٢٤٢.

٦٧٥
(١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التََّفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٦)
٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) رَبُبه المذكور في السند الماضي.
٥ - (مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيع) بن سُرَاقة بن عمرو بن زيد بن عبدة بن عامر بن
عديّ بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاريّ الْخَزْرَجي، أبو
نعيم، ويقال: أبو محمد المدنيّ، ويقال في نسبه غير ذلك، كان خَتَنَ عبادةَ بن
الصامت.
رَوَى عن النبيّ بَِّ، وعن عِثْبان بن مالك، وعُبادة، وأبي أيوب، وروى
عنه أنس بن مالك، والزهريّ، ورَجَاء بن حَيْوَة، ومكحول الشاميّ، وهانئ بن
كُلْثوم، وأبو بكر بن أنس، نزيلُ بيت المقدس.
قال البغويّ: سكن المدينة، وروى أنه عَقَل من رسول الله وَّهِ مَجَّةً مَجَّها
من دلو في دارهم، أخرجه البخاريّ من طُرُق عن الزهريّ عنه، وهو عند مسلم
في أثناء حديث، وأخرجه البغويّ من طريق الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن
محمود، قال: ما أنسى مجّةً مجّها رسول الله وَ طل من بئر في دارنا في وجهي،
ووقع في بعض طرقه: وأنا ابن خمس سنين(١).
قال الواقديّ: وإبراهيم بن المنذر: مات سنة تسع وتسعين، وهو ابن
ثلاث وتسعين.
قال الحافظ: فعلى هذا يكون مولده سنة ست، فيكون له عن عند موت
النبيّ وَّ﴿ أربع سنين، أو يكون دخل في الخامسة، فقد رَوَى الطبراني بسند
صحيح عنه أنه قال: تُوُفّي النبيّ ◌ََِّ، وأنا ابن خمس سنين، وقال ابن حبان
في ((الصحابة)): مات سنة تسع، وهو ابن أربع وتسعين، وأكثر رواياته عن
الصحابة وأمه جميلة بنت صَعْصَعَة، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: له رؤية،
وليست له صحبة، وقال العجليّ: ثقةٌ، من كبار التابعين(٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (٣) (٣٣)
و(٨٧٤) وكرّره ثلاث مرّات، (و١٤٩٦).
(١) ((الإصابة)) ٣٣/٦.
(٢) (تهذيب الكمال)) ٣٠١/٢٧ - ٣٠٢ و((تهذيب التهذيب)) ٣٥/٤ - ٣٦.
(٣) ترقيم نسخة دار السلام.

٦٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٦ - (عِتْبَانُ بْنُ مَالِك) بن عمرو بن الْعَجْلان بن زيد بن غَنْم بن سالم بن
عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاريّ السَّالِمِيّ البدريّ.
رَوَى عن النبيّ بِّهِ، وعنه أنس، ومحمود بن الربيع، والحصين بن محمد
السالميّ، وأبو بكر بن أنس بن مالك، قال ابن عبد البر: لم يذكره ابن إسحاق
في البدريين، وذكره غيره، ومات في خلافة معاوية، وذكر ابن سعد أن
النبيّ ◌َّل، آخى بينه وبين عمر بن الخطاب
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في ((مسند مالك))، والنسائيّ،
وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث رقم (٨٧٤)،
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن شيخه، ومحمود بن الربيع، وعتبان بن مالك هذا أول
محلّ ذكرهم في هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف لشيخه (٩٣) حديثاً،
ـيه حديثان فقط، كما أسلفناه آنفاً.
ولمحمود عظُه ثلاثةٌ، ولعتبان .
٣ - (ومنها): أن جملة من يُسمّى بشيبان في الكتب الستة أربعة:
[الأول]: شيبان بن أُميّة القتبانيّ المصريّ، مجهول من الطبقة الثالثة، عند
أبي داود.
[الثاني]: شيبان بن عبد الرحمن النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل
الكوفة، ثقة من السابعة، عند الجماعة.
[الثالث]: شيخ المصنّف هذا المترجم هنا.
[الرابع]: شيبان بن مُحَزِّم - بفتح المهملة، وكسر الزاي المثقّلة، ضبطه
هكذا ابن ماكولا، مقبول من الطبقة الثالثة، عند النسائيّ في ((مسند
عليّ څہ)).
٤ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو،
وأبو داود، والنسائيّ، وغير عتبان ظُه، فلم يُخرج له الترمذيّ أصلاً، وأبو
داود في ((سننه)).

٦٧٧
(١٢) - بَابٌ لَا يَْفِي مُجَرَّدُ التََّفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٦)
٥ - (ومنها): أنه اجتمع فيه ثلاثة صحابيون، روى بعضهم عن بعض،
وهم: أنس، ومحمود، وعتبان
٦ - (ومنها): أن رواية أنس عن محمود من رواية الأكابر عن الأصاغر،
فإنه أكبر منه سناً وعلماً ومرتبةً رضي الله عنهم أجمعين.
٧ - (ومنها): أن قوله: ((حدثني ثابت، عن أنس بن مالك ظ ◌ُبه، قال:
حدثني محمود بن الربيع، عن عِثْبَانَ بن مالك، قال: قدمت المدينة، فلقيت
عتبان، فقلت: حديث بلغني عنك))، هذا اللفظ شبيه بما تقدَّم في الباب
الماضي من قوله: ((عن ابن محيريز، عن الصُّنابحيّ، عن عبادة بن
الصامت ﴿به))، وقد قدَّمنا بيانه واضحاً، وتقرير هذا الذي نحن فيه: حدثني
محمود بن الربيع، عن عتبان بحديثٍ قال فيه محمود: قَدِمتُ المدينة، فلقيتُ
عتبان، وقد قال في الرواية الثانية: عن ثابت، عن أنس، قال: حدثني عتبان بن
مالك، وهذا لا يُخالف الأول؛ فإن أنساً سمعه أوّلاً من محمود، عن
عتبان ، ثم اجتمع أنس بعتبان، فسمعه منه، والله تعالى أعلم.
٨ - (ومنها): أن محموداً، وعتبان تها من المقلّين من الرواية، فليس
العتبان ظته إلا هذا الحديث عندهم إلا أبا أبا داود، والترمذيّ(١)، ولا
لمحمود ظه غير هذا الحديث عند الشيخين، والنسائيّ، وابن ماجه، وحديث
عبادة بن الصامت نظريته في قراءة الفاتحة في الصلاة عندهم (٢)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ) رَبِهِ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح
الراء، مكبّراً (عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِك) بكسر العين المهملة، وبعدها تاء مثناة من
فوقُ ساكنة، ثم باء موحدة، قال النوويّ: وهذا الذي ذكرناه من كسر العين،
هو الصحيح المشهور الذي لم يَذْكُر الجمهور سواه، وقال صاحب ((المطالع)):
وقد ضبطناه من طريق ابن سَهْل بالضم أيضاً، انتهى (٣).
(١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٥١٤/٦ - ٥١٦.
(٢) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٤١/٨ - ٤٢. (٣) ((شرح مسلم)) ٢٤٢/١.

٦٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(قَالَ) أي محمود (قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ) النبويّة، أي راجعاً من غزوة الروم،
كما بُيِّن في رواية أخرى، فإن الحديث مختصرٌ، وقد ساقه النسائيّ رحمه الله
تعالى مطوّلاً في ((السنن الكبرى)) ٦/ ٢٧٢ فقال:
(١٠٩٤٧) - أخبرنا سُويد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله - يعني ابن
المبارك - عن معمر، عن الزهريّ، قال: أخبرني محمود بن الربيع، زعم أنه
عقل رسول الله وَله، وعَقَلَ مَجَّةً مَجَّها من دلو كانت في دارهم، قال: سمعت
عِثْبان بن مالك الأنصاريّ، ثم أحدَ بني سالم يقول: كنت أصلي لقومي بني
سالم، فأتيت رسول الله وَّيجر فقلت له: إني قد أنكرت بصري، وإن السيول
تَحُول بيني وبين مسجد قومي، فلَوَدِدْتُ أنك جئت، فصليت في بيتي مكاناً
أنَّخِذُه مسجداً، فقال النبيِ وََّ: ((أَفْعَلُ - إن شاء الله تعالى-))، فغدا عليّ
رسول الله وَّ، وأبو بكر معه، بَعْدَمَا اشتدّ النهارُ، فاستأذن النبيّ وَِّ، فأذنت
له، فلم يجلس حتى قال: ((أين تُحِبُّ أن أصلي من بيتك))، فأشرت له إلى
المكان الذي أُحِبّ أن يصلي فيه، فقام رسول الله وَّهِ، وَصَفَفْنا خلفه، ثم
سَلَّم، وسَلَّمنا حين يسلم، فحَبَسْنَاه على خَزِيرٍ صُنِع له، فسمع به أهل الدار،
فثابوا حتى امتلأ البيت، فقال رجل: أين مالك بن الدخشم؟ فقال رجل منا:
ذاك رجل منافقٌ، لا يحب الله ورسوله، فقال النبيّ وَلّ: ((ألا تقولونه(١) يقول:
لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله؟))، قال: أما نحن فَنَرَى وجهه وحديثه إلى
المنافقين، فقال رسول الله وقال أيضاً: ((ألا تقولونه يقول: لا إله إلا الله، يبتغي
بذلك وجه الله؟))، قال: بلى، أُرَى يا رسول الله، فقال النبيّ وَّر: (لن يوافي
عبدٌ يومَ القيامة، وهو يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله، إلا حَرَّم الله
عليه النار)).
قال محمود: فحَدَّثتُ قوماً، فيهم أبو أيوب، صاحب رسول الله وَّطلال في
غزوته التي تُوُفّي فيها، مع يزيد بن معاوية، فَأَنْكَر ذلك عليَّ، وقال: ما أظن
أن رسول الله وَّل﴿ قال: ما قلتَ قط، فَكَبُرَ ذلك عليَّ، فجعلت لله عليّ إن
سَلَّمني، حتى أَقْفُلَ من غزوتي، أن أسأل عنها عتبان بن مالك إن وجدته حيّاً،
(١) ((أي: تظنّونه))، فالقول هنا بمعنى الظنّ.

٦٧٩
(١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٦)
فأهللتُ من إيلياء بحج وعمرة (١)، حتى قَدِمْتُ المدينة، فأتيتُ بني سالم، فإذا
عتبان بن مالك شيخ كبير، قد ذهب بصره، وهو إمام قومه، فلما سَلّم من
صلاته جئته، فسلمتُ عليه، وأخبرته مَنْ أنا، فحدثني كما حدثني به أولَ مَرَّةٍ،
(٢)
انتھی(٢).
(فَقُلْتُ: حَدِيثٌ) التنوين للتعظيم، أي
(فَلَقِيتُ عِثْبَانَ) بن مالك
حديث عظيم، وهو مبتدأ، سوّغه كونه فاعلاً في المعنى، أو الوصف المقدّر،
وخبره جملة قوله: (بَلَغَنِي عَنكَ) ومراده بهذه الجملة السؤال عن الحديث، كأنه
قال: حَدَّثني به.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((بلغني عنك)) هذا لا يُخالف ما
تقدّم في رواية النسائيّ المطولة مما يقتضي أنه سمعه منه أوّلاً؛ لاحتمال أن
يكون قوله: ((بلغني عنك))؛ لأجل أن يعتني عتبان بتحديثه الحديثَ على الوجه؛
إذ لو علم أنه سمعه منه قبل هذا ربّما اختصر الحديث، ولم يُحدّثه مفصّلاً؛
لعلمه أنه سمعه منه قبل هذا، وأما إذا علم أنه لم يسمعه منه أصلاً، فيعتني
بتحديثه مستوعباً مفصّلاً، ويحتمل أن يكون سمعه منه ومن غيره، ثم لَمّا أراد
الآن أن يُحدّثه لإزالة إنكار أبي أيوب رَبه عليه، ترك سماعه منه؛ لما ذكرناه،
وذكر سماعه من غيره، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) عتبان رَظُهُ (أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْءِ) وقال في الرواية
الأخرى: ((عَمّى))، فَيحْتَمِل أنه أراد ببعض الشيء العمى، وهو ذهاب البصر
جميعه، ويَحتمل أنه أراد ضعف البصر، وذهاب معظمه، وسَمّاه عَمّى في
الرواية الأخرى؛ لقربه منه، ومشاركته إيّاه في فوات بعض ما كان حاصلاً في
حال السلامة. قاله النوويّ.
وفي الرواية الآتية في ((الصلاة)) من طريق الزهريّ، عن محمود، وهي رواية
البخاريّ: ((أنه أتى رسول الله وسلم فقال: يا رسول الله قد أنكرت بصري ... )).
(١) هذا رأي له، والسنة هو الإحرام من الميقات التي حدّدها الشارع، وسيأتي بيان
اختلاف العلماء في ذلك في ((كتاب الحجّ)) - إن شاء الله تعالى -.
(٢) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٢٧٢/٦.

٦٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال في ((الفتح)): قوله: ((قد أنكرت بصري))، كذا ذكره جمهور أصحاب
ابن شهاب كما للمصنف من طريق إبراهيم بن سَعْد ومعمر، ولمسلم من طريق
يونس، وللطبرانيّ من طريق الزُّبَيْديّ، والأوزاعيّ، وله من طريق أبي أويس:
((لَمّا ساء بصري))، وللإسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن نَمِر: ((جَعَلَ بصري
يَكِلُّ))، ولمسلم من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت: ((أصابني في بصري
بعض الشيء)»، وكل ذلك ظاهرٌ في أنه لم يكن بَلَغَ العمى إذ ذاك.
لكن أخرجه البخاريّ في ((باب الرخصة في المطر)) من طريق مالك، عن
ابن شهاب، فقال فيه: ((إنّ عتبان كان يؤم قومه، وهو أعمى، وأنه قال
لرسول الله : إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر ... ))
الحدیث.
وقد قيل: إن رواية مالك هذه معارِضَةٌ لغيره، قال الحافظ: وليست
عندي كذلك، بل قول محمود: ((إن عتبان كان يؤم قومه، وهو أعمى))، أي
حين لقيه محمود، وسمع منه الحديث، لا حين سؤاله للنبيّ وَّل، ويبينه قوله
في رواية يعقوب: ((فجئت إلى عتبان، وهو شيخ أعمى، يؤمّ قومه))، وأما
قوله: ((وأنا رجل ضرير البصر)): أي أصابني فيه ضُرّ، كقوله: ((أنكرت
بصري»، ويؤيد هذا الحمل قوله في رواية ابن ماجه من طريق إبراهيم بن سعد
أيضاً: (لَمّا أنكرت من بصري))، وقوله في رواية مسلم: ((أصابني في بصري
بعض الشيء))، فإنه ظاهر في أنه لم يَكْمُل عماه، لكن رواية مسلم من طريق
حماد بن سلمة، عن ثابت، بلفظ: ((إنه عَمِيَ، فأرسل)).
وقد جمع ابنُ خزيمة بين رواية مالك وغيره، من أصحاب ابن شهاب،
فقال: قوله: ((أنكرت بصري))، هذا اللفظ يُظْلَق على من في بصره سُوء، وإن
كان يُبْصِر بَصَراً مّا، وعلى من صار أعمى لا يُبصر شيئاً، انتهى.
والأَوْلَى أن يقال: أَظْلَق عليه ((عَمِيَ))؛ لقربه منه، ومشاركته له في فوات
بعض ما كان يَعْهَدُه في حال الصحة، وبهذا تأتلف الروايات، انتهى كلام
الحافظ رحمه الله تعالى (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٦١٩/١.