Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١ (١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤) شرح الحديث: عن أبي هريرة رَ ته أنه (قَالَ: كُنَّا قُعُوداً) بالضمّ: جمع قاعد، كالركوع، والسُّجُود، جمع راكع، وساجد، كما قال الله تعالى: ﴿وَالرُّكَعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] (حَوْلَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) قال أهل اللغة: يقال: قَعَدْنا حولَهُ، وحَوْلَيه، وحَوَاليه وحواله - بفتح الحاء واللام - في جميعها، منصوب على الظرفيّة، أي على جوانبه، وفي الجهات المحيطة به، قالوا: ولا يقال: حَوَالِيهِ - بكسر اللام(١) .. (مَعَنَا) - بفتح العين - هذه اللغة المشهورة، ويجوز تسكينها في لغة حكاها صاحب ((المحكم))، والجوهريّ، وغيرهما، وهي للمصاحبة، قال صاحب ((المحكم)) ((مَعَ)): اسمٌ معناه الصحبة، وكذلك ((مَعْ)) بإسكان العين، غير أن المحركة تكون اسماً وحرفاً، والساكنة لا تكون إلا حرفاً، قال اللحيانيّ: قال الكسائيّ: رَبِيعةُ وغَنْمٌ يُسَكِّنون، فيقولون: ((مَعْكُم))، و((مَعْنَا))، فإذا جاءت الألف واللام، أو ألف الوصل اختلفوا، فبعضهم يفتح العين، وبعضهم يَكْسِرها، فيقولون: مِعِ القومِ، ومَعِ ابنك، وبعضهم يقول: مَعَ القومِ، ومَعَ ابنِكَ، أما مَن فَتح فبناهَ على قولك: كنا معاً ونحن معاً، فلما جعلهاَ حرفاً، وأخرجها عن الاسم حذف الألف، وترك العين على فتحتها، وهذه لغة عامّة العرب، وأما مَن سَكَّن، ثم كَسَرَ عند ألف الوصل، فأخرجه مخرج الأدوات، مثال: هل، وبل، فقال: مع القوم، كقولك: هَلِ القومُ، وبَلِ القومُ(٢)، وإلى هذا أشار ابن مالك في ((الخلاصة)) بقوله: وَ((مَعَ)) (مَعْ)) فِيهَا قَلِيلٌ وَنُقِلْ فَتْحٌ وَكَسْرٌ لِسُكُونٍ يَتَّصِلْ والظرف خبر مقدّم لقوله: (أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق (وَعُمَرُ) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما (فِي نَفَرٍ) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونهما كائنين مع جماعة آخرين . و((النَّفَرُ)) بفتحتين: جماعة الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نَفَرٌ فيما زاد على العشرة، قاله الفيّوميّ(٣). (١) (شرح النوويّ)) ٢٣٤/١ و((المصباح المنير)) ١٥٨/١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٣٤/١. (٣) ((المصباح المنير)) ٦١٧/٢. ٦٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان فقوله: ((في نفر)) من فصيح الكلام، وحُسْن الإخبار، فإنهم إذا أرادوا الإخبار عن جماعة، فاستكثروا أن يذكروا جميعهم بأسمائهم، ذكروا أشرافهم، أو بعض أشرافهم، ثم قالوا: وغيرهم، أفاده النوويّ رحمه الله تعالى(١). (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا)، وقال بعده: ((كنت بين أظهرنا»، هكذا هو في الموضعين ((أَظْهُرنا))، وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ووقع الثاني في بعض الأصول: ((ظَهْرَينا))، وكلاهما صحيح، قال أهل اللغة: يقال: ((نحن بين أظهركم))، و(ظَهْرَيْكم))، و((ظَهْرَانَيْكُم)) - بفتح النون - قال الأصمعيّ: الْعَربُ تقول: نحن بين ظَهْرَيكم، على لفظ الاثنين، وظهرانَيْكم، قال الخليل: أي بينكم، وقال غيره: والعرب تضع الاثنين موضع الجمع، انتهى(٢). وقال في ((المصباح)): هو نازلٌ بين ظَهْرَانَيْهِمْ - بفتح النون - قال ابن فارس: ولا تُكسر، وقال جماعة: الألف والنون زائدتان للتأكيد، وبين ظَهْرَيْهِمْ، وبين أظْهُرهم كلَّها بمعنى بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأنّ المعنى أن ظَهْراً منهم قُدّامه، وظهراً وراءه، فكأنه مكنوفٌ من جانبيه، هذا أصله، ثم كَثُر، حتى اسْتُعمِل في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف بينهم، انتهى (٣). (فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا) أي تأخّر من الرجوع إلينا (وَخَشِينًا) بكسر الشين المعجمة، من باب رَضِي. قال في ((القاموس)): خَشِيَهُ، كَرَضِيَه خَشْياً، ويُكسر، وخَشْيَةً، وخَشَاةً، ومَخْشَاةً، ومَخْشِيَةً، وخَشَيَاناً، وتخشّاه: خافه، فهو خاشٍ، وخَشٍ، وهي خَشْیَاءُ، جمعه خَشَایَا، انتهى (٤). وفي ((المصباح)): خَشِيَ خَشْيَةً: خاف، فهو خَشْيَان، والمرأة خَشْيَا، مثلُ: غَضْبَان وغَضْبَى، وربّما قيل: خَشِيتُ بمعنى عَلِمْتُ، انتهى(٥). (١) ((شرح النوويّ)) ٢٣٤/١. (٢) ((إكمال المعلم)) ٢٤٥/١ و((شرح النووي)) ٢٣٤/١ - ٢٣٥. (٣) ((المصباح المنير)) ٢٨٧/٢. (٥) ((المصباح المنير)) ١/ ١٧٠. (٤) ((القاموس المحيط)) ص ١١٥٢. ٠ (١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤) ٦٤٣ (أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا) ببناء الفعل للمفعول: أي يُصاب بمكروه من عدوّ، إما بأسر، وإما بغير ذلك قبل أن يصل إلينا، وقال القرطبيّ: أي يُحال بيننا وبينه بأخذ، أو هلاك (١) (وَفَزِعْنَا) بكسر الزاي، من باب تَعِبَ: أي خِفْنا، وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ((الْفَزَعُ)) يكون بمعنى الرَّوْعِ، وبمعنى الْهُبُوب للشيء، والاهتمام به، وبمعنى الإغاثة، قال: فتصح هذه المعاني الثلاثة: أي ذُعِرْنَا؛ لاحتباس النبيّ وََّ عنّا، ألا تراه كيف قال: ((وخَشِينا أن يُقْتَطَع دوننا))، ويدل على الوجهين الآخرين قولُهُ: ((فكنتُ أَوَّلَ من فَزِعَ)) انتهى (٢) . وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((ففزعنا)) من قولهم: فَزِعتُ إلى كذا: إذا أقبلت عليه، وتفرّغت له، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: فَزِعْتُ إِلَيْكُمْ مِنْ بَلَايَا تَنُوبُنِي فَأَلْفَيْتُكُمْ مِنْهَا كَرِيماً مُمَجَّدَا وقد دلّ على ذلك قوله: ((فكنتُ أَوّلَ من فَزِعَ»: أي أوّل من أخذ في طلبِهِ، وليس هو من الفزع الذي هو الذَّعْرُ والخوف؛ لأنه قد قال قبل هذا: ((فَخَشِينا أن يُقْتَطَعَ دوننا))، ثمّ رَتَّبَ ((فَزِعْنَا)) عليه بفاء التعقيب المشعرة بالتسبب، والفزع مشترك يُطلق على ذينك المعنيين، وعلى الإغاثة. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما سبق عن القاضي عياض رحمه الله تعالى من صحة إطلاقه على المعاني الثلاثة هو الأولى، ولا ينافيه قوله الماضي: ((فخشينا إلخ))؛ إذ يكون من باب التوكيد، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (فَقُمْنَا) أي لطلبه، والبحث عنه، وقال القرطبيّ: قوله: ((وقمنا))، أي تركنا ما كنّا فيه، وأقبلنا على طلبه. (فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ) أي أسبق من ارتاع به، أو قام لطلبه، أو الإغاثته (فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللهِ وَّ) أي أطلبه، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أي حال كوني مبتغياً، أي طالباً له وَّله، وإنما قال: ((رسول الله))، مع أن المقام يقتضي الإضمار؛ تلذّذاً بذكره وَّ على حدّ قول القائل [من الطويل]: (١) ((المفهم)) ٢٠٥/١. (٣) ((المفهم)) ٢٠٤/١ - ٢٠٥. (٢) ((إكمال المعلم)) ٢٤٥/١. ٦٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان أَعِدْ ذِكْرَ نُعْمَانٍ لَنَا إنَّ ذِكْرَهُ هُوَ الْمِسْكُ مَا كَرَّرْتَهُ يَتَضَوَّعُ (حَتَّى أَتَيْتُ) غاية لمقدّر، أي فاستمرّ بي الذهاب إلى أن أتيتُ (حَائِطاً) أي بستاناً، وجمعه: حوائط، وسُمّي بذلك؛ لأنه حائطٌ لا سقف له (للأَنْصَارِ) بفتح الهمزة، وهو في الأصل جمع نَصِير، بمعنى الناصر، كشَرِيف وأشراف، لُقِّبَ به أنصار رسول الله وَ لِّ من الأوس والخزرج، غَلَبت عليهم الصفة، فجرى مجرى الأسماء، كأنه اسم الحيّ، ولذا نُسب إليه على لفظ الجمع، من غير ردّه إلى مفرده، فقال: أنصاريّ(١)، وهذا معنى قول ابن مالك رحمه الله تعالى في ((الخلاصة)): وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِباً لِلْجَمْعِ إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِداً بِالْوَضْعِ وقوله: (لِبَنِي النَّجَّارِ) - بفتح النون، وتشديد الجيم - بدل من الجارّ والمجرور قبله، وبنو النّجّار: بطن من الخزرج، يُنسبون إلى النجّار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، وإنما قيل له: النّجّار؛ لأنه اختَتَن بِقَدُوم، وقيل: ضَرَبَ رجلاً بقدُوم، فسُمّي نجّاراً، وهم أخوال عبد المطلب بن هاشم جدّ النبيّ وَلّر، وهو تيم بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، قاله ابن السمعانيّ(٢). (فَدُرْتُ) بضمّ الدال: يقال: دار حولَ البيت يدورُ دَوْراً ودَوَرَاناً: إذا طاف به (٣) (بِهِ) أي بذلك الحائط (هَلْ أَجِدُ لَهُ بَاباً) أي للدخول إلى داخله حتى يبحث عنه ◌َ﴿ ﴿فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ) ((إذا)) هي الْفُجَائيّة، أي ففاجأني وجود ربيع - بفتح، فكسر -: النهر الصغير (يَدْخُلُ فِي جَوْفٍ حَائِطٍ) أي بستان (مِنْ بِثْرٍ) متعلّق بحال من ((ربيع)) لكونه موصوفاً بالجملة، أي حال كون ذلك الرَّبِيع جارياً من بئر (خَارِجَةٍ) صفة ل((بئر))، أي إن تلك البئر ليست من داخل البستان، وإنما هي من خارجه، ثم أدرج عن بعض الرواة، ولم أعرفه، تفسير الربيع، فقال: (وَالرَّبِيعُ الْجَدْوَلُ)، قال النوويّ رحمه الله تعالى: (أما ((الرَّبِيع)) - فبفتح الراء - على لفظ الرَّبِيع الفصلِ المعروفِ، و((الْجَدْول - بفتح الجيم -، وهو النهر الصغير، وجمع الربيع: أَرْبِعَاء، كنَبِيٍّ وأنبياء. (١) راجع: ((لسان العرب)) ٢١٠/٥. (٣) ((المصباح)) ٢٠٢/١. (٢) ((الأنساب)) ٣٥٦/٥. ٦٤٥ (١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التََّقُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤) وقوله: ((من بئر خارجة)): هكذا ضبطناه بالتنوين في ((بئر))، وفي ((خارجة)) على أن ((خارجة)) صفة لـ(بئر))، وكذا نقله الشيخ أبو عمرو بن الصلاح عن الأصل الذي هو بخط الحافظ أبي عامر العبدريّ، والأصل المأخوذِ عن الْجُلُودِيّ، وذكر الحافظ أبو موسى الأصبهانيّ وغيره أنه رُوِي على ثلاثة أوجه: [أحدها]: هذا. [والثاني]: من ((بئرٍ خارجَهُ)) بتنوين ((بئر))، وبهاء في آخر ((خارجه))، مضمومةٍ، وهي ضمير الحائط، أي البئر في موضع خارج عن الحائط. [والثالث]: ((من بئرٍ خارجةَ))، بإضافة ((بئر)) إلَّى ((خارجة)) آخره تاء التأنيث، وهو اسم رجل، والوجه الأول هو المشهور الظاهر. وخالف هذا صاحب ((التحرير))، فقال: الصحيح هو الوجه الثالث، قال: والأول تصحيفٌ، قال: و((البئر)) يَعْنُون بها البستان، قال: وكثيراً ما يَفْعَلُون هذا، فيُسَمُّون البساتين بالآبار التي فيها، يقولون: ((بئرُ أَرِيس))، و((بئرُ بُضاعة))، و ((بئرُ حاء))، وكلُّها بساتين. قال النوويّ - بعد نقله كلام صاحب ((التحرير ((هذا -: وأكثره، أو كله لا يُوافَقُ عليه، والله أعلم. قال: و((الْبِثْرُ)): مؤنثة مهموزة، يجوز تخفيف همزتها، وهي مشتقة من بَأَرْتُ: أي حَفَرتُ، وجمعها في القلّة أَبْؤُرٌ، كَأَفْلُسٍ، وأبْارٌ، ساكن الباء، على أفْعالٍ، ومن العرب من يَقْلِب الهمزة التي هي عين الكلمة، ويُقدِّمها على الباء، ويقول: أَأُبار، فتجتمع همزتان، فتُقلَبُ الثانيةُ ألفاً، وجوَّزَ الفرّاء القلب في ((أَبْؤُر، فيقال: آبٌرٌ: وجمعها في الكثرة بِئَارٌ بكسر الباء بعدها همزة، بوزن كِتَابِ، وتصغيرها بُؤَيرَةٌ(١)، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَاحْتَفَزْتُ، كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ)، قد رُوي على وجهين: رُوِي بالزاي، وروي بالراء، قال القاضي عياض: رواه عامّة شيوخنا بالراء عن الْعَبْدريّ وغيره، قال: وسمعنا عن الأسديّ، عن أبي الليث الشاشيّ، عن عبد الغافر الفارسيّ، عن الجلوديّ بالزاي، وهو الصواب، ومعناه تضامَمْتُ (١) راجع: ((شرح النوويّ)) ٢٣٥/١ و((المصباح المنير)) ٦٨/١. ٦٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وتداخلتُ؛ لِيَسَعنِي الْمَدْخَل، ومنه حديث عليّ ◌َُّه: ((إذا صلّت المرأة، فلتحفز))(١)، أي لتضامّ، وتَنْزَوي إذا سجدت، وكذا قال الشيخ أبو عمرو: إنه بالزاي في الأصل الذي بخطّ أبي عامر العبدريّ، وفي الأصل المأخوذ عن الجلوديّ، وإنها رواية الأكثرين، وإن رواية الزاي أقرب، من حيث المعنى، ويدُلّ عليه تشبيهه بفعل الثعلب، وهو تَضَامُّهُ للدخول في الْمَضَابِقِ(٢). وأما صاحب ((التحرير))، فأنكر الزاي، وخَطَّأَ رُوَاتها، واختار الراء، قال النوويّ: وليس اختياره بمختار، والله تعالى أعلم(٣). [تنبيه]: وقع في (مستخرج أبي عوانة)) بالراء في المواضع كلها، إلا أنه تصحّف الأول إلى ((فاحترفت)) بتقديم الراء على الفاء، والظاهر أنه غلط من النّاسخ، والله تعالى أعلم. (فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ فَقَالَ) أي الرسول وَّهِ («أَبُو هُرَيْرَةَ؟))) خبر المحذوف، مع همزة الاستفهام، أي أأنت أبو هريرة؟ (فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) وَِّ ((مَا شَأَنَّكَ؟)))، أي: ما حالك في دخولك عليّ في هذا المحلّ؟ (قُلْتُ: كُنْتَ) بتاء الخطاب (بَيْنَ أَظْهُرِنَا) أي بيننا (فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا) أي تأخّر رجوعك إلينا (فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا) أي تصاب بضرر قبل وصولك إلينا (فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مِنْ فَزِعَ، فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ) أي البستان (فَاحْتَفَرْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهَؤُلَاءِ النَّاسُ وَرَائِي). قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني به النفر الذين كانوا مع النبيّ وَّل، فقام عنهم، وأخذوا في طلبه، وهم المعنيّون للنبيّ وَّ بقوله: ((فمن لقيتَ من وراء هذا الحائط، يشهد أن لا إله إلا الله، مستيقناً بها قلبه، فبشّره بالجنة))، فإنه قيّده بقوله: ((من لقِيتَ من وراء هذا الحائط))، ولا شكّ في أن أولئك هم من أهل الجنّة، وهذا ظاهر اللفظ، ويَحتَمِل أن يقال: إن ذلك القيد مُلْغَى، والمراد هم، وكلّ من شاركهم في التلفّظ بالشهادتين، واستيقان القلب بهما. (١) أخرجه أبو عبيد في ((غريب الحديث)) (٢٣٨/٤) موقوفاً على عليّ نظلُبه، وهو ضعيف؛ لأن في سنده الحارث بن عبد الله الأعور، كذّبه الشعبيّ في رأيه، وضعّفوه في روايته. (٢) ((إكمال المعلم)) ٢٤٤/١. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢٣٦/١. ٦٤٧ (١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الثاني هو ظاهر اللفظ، لا ما قاله القرطبيّ من أن الأول هو الظاهر، فتأمله، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) وَلِ ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، وقوله: (قَالَ) مؤكّد لـ((قال)) الأول، قال النوويّ رحمه الله تعالى: في هذا الكلام فائدة لطيفة، فإنه أعاد لَفْظَةَ ((قال))، وإنما أعادها؛ لطول الكلام، وحصول الفصل بقوله: ((يا أبا هريرة، وأعطاني نعليه))، وهذا حَسَنٌ، وهو موجودٌ في كلام العرب، بل جاء أيضاً في كلام الله تعالى، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبُ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بٍِ﴾ [البقرة: ٨٩]، قال الإمام أبو الحسن الواحديّ: قال محمد بن يزيد: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم﴾ [البقرة: ٨٩] تكرير للأول؛ لطول الكلام، قال: ومثله قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُمْ تُرَبًا وَعِظَمَا أَنَّكُر ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، أعاد ﴿أَنَّكُمْ﴾؛ لطول الكلام، والله تعالى أعلم. (٣٥) تُغْرَجُونَ وأما إعطاؤه النعلين، فلتكون علامةً ظاهرةً معلومةً عندهم، يَعرِفون بها أنه لقي النبيّ ◌َّ، ويكون أوقع في نفوسهم؛ لما يُخْبِرهم به عنه وَّل، ولا يُنْكَرُ كون مثل هذا يفيد تأكيداً، وإن كان خبره مقبولاً، انتهى(١). ((اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ) بفتح اللام، مضاف إلى ياء المتكلّم، وإنما لم يُكسر ما قبلها، وإن كان ذلك هو الأصل؛ لكونه مثنّى، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ((الخلاصة)): لَمْ يَكُ مُعْتَلًا كَـ«رَام)) وَ((قَذَى)) آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ إِذَا جَمِيعُهَا الْيَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي أَوْ يَكُ كَـ«ابْنَيْنِ)»، وَ((زَيْدِينَ)) فَذِي مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ وَتُدْغَمُ الْيَا فِيهِ وَالْوَاوُ وَإِنْ (هَاتَيْنِ) بدل أو عطف بيان لـ((نعليّ))، وهو تثنية ((تا)) اسم إشارة للمؤنّثة، كما قال في ((الخلاصة)): بِـ(ذَا)) لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أَشِرْ بِ(ذِي)) و))(ذِهْ) (تِي)) (تَا) عَلَى الأُنْثَى اقْتَصِرْ و ((ها)) حرف تنبيه (فَمَنْ لَقِيتَ) بكسر القاف، يقال: لَقِيتُه أَلْقَاهُ، من باب (١) ((شرح مسلم)) ٢٣٦/١. ٦٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان تَعِبَ لُقِيّاً، والأصل على فُعُولٍ، ولُقَّى بالضمّ مع القصر، ولِقَاءً بالكسر مع المدّ والقصر، وكلُّ شيء اسْتَقْبَلَ شيئاً، أو صادفه، فقد لَقِيَهُ، ومنه لِقَاء البيت، وهو استقباله، قاله الفيّوميّ(١) (مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ) أي بعد هذا البستان (يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، وكذا قوله (مُسْتَيْقِناً بِهَا) أي عالِماً بمعنى هذه الكلمة، يقال: يَقِنَ الأمرَ، كفَرِحَ يَقْناً، وَيُحَرَّكُ، وأَيْقَنَهُ وَبِهِ، وتيقّنه، واستيقنه، وبه: عَلِمَهُ، وتحقَّقه، وهو يَقِنٌّ، مَثلَّثَ القاف، قاله في (القاموس))(٢)، وقال في ((المصباح)): اليَقِينُ: العلمُ الحاصل عن نظر واستدلال، ولهذا لا يُسمّى علم الله تعالى يَقِيناً، ويَقِنَ الأمرُ بَيْقَنُ يَقَناً، من باب تَعِبَ: إذا ثبت ووضَحَ، فهو يَقِينٌ، فعيلٌ بمعنى فاعلٍ، ويُستعمل متعدّياً أيضاً بنفسه، وبالباء، فيقال: يَقِنْتُهُ، ويَقِنْتُ به، وأيقنتُ به، وتَيقَّتُهُ، واستيقنته: أي علمته، انتهى (٣). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: اليقين: هو العلم الراسخ في القلب الثابت فيه، قال: وربّما عبّروا عن الظنّ باليقين، وباليقين عن الظنّ، قال الشاعر [من الطويل]: تَحَسَّبَ هَوَّاسٌ وَأَيْقَنَ أَنَّنِي بِهَا مُفْتَدٍ مِنْ وَاحِدٍ لَا أُغَامِرُهْ يقول: تَشَمَّمَ الأسد ناقتي، يظنّ أنني أفتدي بها منه، وأتركها له، ولا أقاتله، قاله الجوهريّ، وقال غيره: اليقين هو السكون مع الوضوح، يقال: يَقِنَ الماءُ: أي سَكَنَ، وظهر ما تحته، انتهى (٤). وقوله: (قَلْبُهُ) مرفوع على الفاعليّة باسم الفاعل (فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) والمراد أنّ من كانت هذه صفته، فهو من أهل الجنّة، وإلا فأبو هريرة نظُه لا يعلم استيقان قلوبهم، وفي هذا دلالة ظاهرة لمذهب أهل الحق أنه لا ينفع اعتقاد التوحيد دون النطق، ولا النطق دون الاعتقاد، بل لا بُدّ من الجمع بينهما، وقد تقدم إيضاحه في أول الباب، وذِكْرُ القلبِ هنا للتأكيد، ونفي توهم المجاز، وإلا فالاستيقان لا يكون إلا بالقلب(٥). (١) ((المصباح المنير)) ٥٥٨/٢. (٣) ((المصباح المنير)) ٦٨١/٢. (٥) (شرح النوويّ)) ٢٣٧/١. (٢) ((القاموس المحيط)) ص١١١٨. (٤) ((المفهم)) ٢٠٦/١. ٦٤٩ (١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التََّفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤) (فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ) بن الخطّابِ رَظُّه بنصب ((أَوَّلَ)) على أنه خبر ((كان))، مقدَّماً، ورفع «عمرُ)) على أنه اسمها، ويجوز العكس، و((من)) موصولة، والعائد محذوفٌ؛ لكونه فضلةً، كما قال في ((الخلاصة)): وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَهَبْ)» فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ وقال أيضاً : وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَاباً أَوْ حُصِرْ (فَقَالَ) أي عمر تَّهِ (مَا) استفهاميةٌ (هَاتَانِ النَّعْلَانِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلَا رَسُولِ اللهِ وَلِ#) هكذا وقع في بعض النسخ، ووقع في ((شرح النوويّ)) بلفظ: ((فقلت: هاتين نعلا رسول الله وَّر بعثني بهما))، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا هو في جميع الأصول: ((فقلت: هاتين نعلا)) بنصب (هاتين))، ورفع ((نعلا))، وهو صحيح، معناه: فقلت: يعني هاتين هما نعلا رسول الله ◌َ، فنصب ((هاتين)) بإضمار ((يعني))(١)، وحذف ((هما)) التي هي المبتدأ؛ للعلم به. قال الجامع عفا الله تعالى: الظاهر أن النوويّ رحمه الله تعالى لم يقع عنده إلا بنصب ((هاتين))، كما يفيده قوله: ((هكذا هو في جميع الأصول))، ولكن بعض النسخ التي بين يديّ وقع فيها ((هاتان)) بالرفع، وهو الذي وقع في مختصر القرطبيّ، ولم يذكر في شرحه شيئاً، مع أنه يعلّق في مثل هذا، وكذا لم يذكر القاضي عياض في ((الإكمال)) شيئاً، مع أنه كثير التنبيه على مثل هذا، ولا ابنُ الصلاح في ((صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط، وحمايته من الإسقاط والسقط))، مع أن مثل هذا التنبيه موضوع كتابه. والحاصل أنه لم تتّفق النسخ كلّها على ما قاله النوويّ، بل وقع في بعضها رفع ((هاتان))، وهو واضح، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: وقع في ((مستخرج أبي نعيم)) (١٢٤/١، ١٤١) ((هاتين نعلي رسول الله (وَ)) بنصب الاثنين، فإن صحّت النسخة، فيؤل على أن الأول (١) الأوضح أن يقدّر: ((أخذت هاتين)). ٦٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان منصوب بفعل مقدّر، أي أخذتُ هاتين، وقوله: ((نعلي رسول الله وَّ إلخ بدل منه، والله تعالى أعلم. (بَعَثَنِي بِهِمَا) قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا ضبطناه ((بهما)) على التثنية، وهو ظاهر، ووقع في كثير من الأصول، أو أكثرها ((بها)) من غير ميم، وهو صحيحٌ أيضاً، ويكون الضمير عائداً إلى العلامة، فإن النعلين كانتا علامة، والله تعالى أعلم(١). (مَنْ لَقِيتُ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُسْتَيقِناً بِهَا قَلْبُهُ، بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ)، أي ليرجع عما هو عازم عليه من تبشير الناس بما أُرسل به، لا بقصد سقوطه وإيذائه، وإنما ضرب بيده في صدره؛ ليكون أبلغ في زجره (بَيْنَ ثَدْيَيَّ) تثنية ((تَدْي)) - بفتح الثاء، وسكون الدال ـ وهو مذكر، وقد يؤنث في لغة قليلة، واختلفوا في اختصاصه بالمرأة، فمنهم من قال: يكون للرجل والمرأة، ومنهم من قال: هو للمرأة خاصة، فيكون إطلاقه في الرجل مجازاً، واستعارةً، وقد كثر إطلاقه في الأحاديث للرجل، قاله النووي(٢). وقال في ((القاموس)): ((الثَّدْيُ)) - أي بفتحِ، فسكون - ويُكسَرُ، وكالثَّرَى، خاصّ بالمرأة، أو عامّ، ويؤنّث، جمعه أَثْدٍ، وتُدِيٌّ، كَحُلِيٍّ، انتهى (٣). (فَخَرَرْتُ لِاسْتِي) أي على استي، فاللام بمعنى ((على))، كما في قوله تعالى: ﴿يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧]، أي: عليها، وكأنه وَكَزَ في صدره، فوقع على استه، وليس قول من قال: خَرَّ على وجهه بشيء، قاله القرطبيّ(٤). وقال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: ((الاسْتُ)): الْعَجُزُ، ويُراد به حَلْقَةُ الدُّبُرِ، والأصل سَتَهُ بالتحريك، ولهذا يُجمع على أَسْتَاءِ، مثلُ سبب وأسباب، ويُصَغَّرُ على سُتَيهٍ))، وقد يُقال: سَهٌ بالهاء، وسَتٌ بالتاء، فيُعرب إعرابَ يَدٍ ودَمِ، وبعضهم يقول في الوصل بالتاء، وفي الوقف بالهاء، على قياس هاء التأنيث، قال الأزهريّ: قال النحويّون: الأصلُ سَتْهٌ بالسكون، فاستثقلوا الهاء؛ لسكون التاء قبلها، فحَذَفُوا الهاءَ، وسَكَنتِ السينُ، ثم اجْتُلِبت همزة الوصل، وما نقله (١) ((شرح النوويّ)) ١/ ٢٣٧. (٣) ((القاموس المحيط)) ص ١١٤٠. (٢) ((شرح صحيح مسلم)) ١/ ٢٣٧. (٤) ((المفهم)) ٢٠٧/١. ٦٥١ (١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التََّفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤) الأزهريّ في توجيهه نظرٌ؛ لأنهم قالوا: سَتِهَ سَتَهاً، من باب تَعِبَ: إِذا كَبِرَت عَجِيزته، ثم سُمّي بالمصدر، ودخله النقص بعد ثُبُوت الاسم، ودعوى السكون لا يشهد له أصلٌ، وقد نَسَبُوا إليه، سَتَهِيُّ بالتحريك، وقالوا في الجمع: أَسْتَاهُ، والتصغير والتكسير يُرُدّان الأسماء إلى أصولها، انتهى (١). [تنبيه]: ((است)) أحد الأسماء العشرة التي بدأت بهمزة الوصل، وأصل هذه القاعدة أن همزة الوصل إنما تأتي في الفعل الماضي إذا كان أكثر من أربعة أحرف، نحو انطلق، واستخرج، وكذا الأمرُ منه، نحو انطَلِقْ، واسْتَخْرِجْ، والمصدر، نحو انطلاقٍ، واستخراج، وكذا أمرُ الثلاثيّ، نحو اخشَ، وامضٍ، وانفُذ، ولم يُحْفَظْ عن العرب همزة الوصل في الأسماء التي ليست مصادر لفعل زائد على أربعة، إلا في عشرة أسماء: اسم، واست، وابن، وابنم، واثنين، وامرئ، وامرأة، وابنة، واثنتين، وايمن في القسم، وكذا لم تُحفَظ همزة الوصل في الحروف إلا في ((أل))، وإلى ما ذُكر أشار ابن مالك في ((الخلاصة)) بقوله: إِلَّا إِذَا ابْتُدِي بِهِ كَاسْتَثْبِتُوا لِلْوَصْلِ هَمْزٌ سَابِقٌ لَا يَثْبُتُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةٍ نَحْوُ انْجَلَى وَهْوَ لِفِعْلِ مَاضٍ احْتَوَى عَلَى أَمْرُ الثُّلَائِي كَاخْشَ وَامْضٍ وَانْفُذَا وَالأَمْرِ وَالْمَصْدَرِ مِنْهُ وَكَذَا وَاثْنَيْنِ وَامْرِئٍ وَتَأْنِيثٍ تَبِعْ وَفِي اسْمِ اسْتِ ابْنِ ابْنِمِ سُمِعَ مَدّاً فِي الاسْتِفْهَامِ أَوْ يُسَهَّلُ وَايْمُنُ هُمْزُ ((أَنْ)) كَذَا وَيُبْدَلُ [تنبيه آخر]: قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: ((لاستي)) المستحب في مثل هذا الكناية عن قبيح الأسماء، واستعمال المجاز، والألفاظ التي تُحَصِّل الغرض، ولا يكون في صورتها ما يُستحيا من التصريح بحقيقة لفظه، وبهذا الأدب جاء القرآن العزيز، والسنن، كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَابِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، وقوله: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَشُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقوله: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِنَ الْغَابِطِ﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله: ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِىِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. (١) ((المصباح المنير)) ٢٦٦/١. ٦٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقد يَستَعْمِلون صريح الاسم؛ لمصلحة راجحة، وهي إزالة اللبس، أو الاشتراك، أو نفي المجاز، أو نحو ذلك، كقوله تعالى: ﴿الَِّيَّةُ وَالَِّ﴾ [النور: ٢]، وكقوله وَله: ((أَنِكْتَها))، وكقوله وَلير: ((أدبر الشيطان وله ضُرَاط))، وكقول أبي هريرة تظله: ((الحدث فُسَاءٌ أو ضُرَاطٌ))، ونظائر ذلك كثيرة، واستعمال أبي هريرة ظبه هنا لفظ الاست من هذا القبيل، والله تعالى أعلم، (١) . انتھی (فَقَالَ) عمر ◌َّه (ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) قال القاضي عياض وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى: ليس فعلُ عمر رَُّه، ومراجعته النبيّ وَّ اعتراضاً عليه، ولا ردّاً لأمره، وإنما كان ذلك سعياً في استكشافٍ عن مصلحةٍ ظهرت له، لم يُعارض بها حكماً ولا شرعاً؛ إذ ليس فيما بعث به أبا هريرة تظنه غير تطييب قلوب الأمة وبُشْرَاهم، فرأى عمر ◌َّهِ أنّ كَتْمَ هذه البشرى أصلح لهم، وأحرى بهم لئلا يَتَكِلُوا عليها، فتقلّ أعمالهم وأُجورهم، وأن ذلك أعوَد عليهم بالخير، من مُعَجَّل هذه البشرى، فلما عرضه على النبيّ وَّهِ صَوَّبَهُ فيه. والله تعالى أعلم(٢). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ولعلّ عمر تَظُه قد كان سمع ذلك من النبيّ ◌َّ﴾، كما سمعه معاذ نظُه، كما سبق في حديثه، فيكون ذلك تذكيراً للنبيّ وَّ بما قد سَمِعَ منه، ويكون سكوت النبيّ وَلّ عن ذلك تعديلاً على ما قد كان تعذّر لهم تبيانه لذلك، ويكون عمر رُّّه لِمَا خصّه الله تعالى من الفطنة وحضور الذهن تذكّر ذلك، واستبلد أبا هريرة؛ إذ لم يتفطّن لذلك، ولا تذكّره، فضربه تلك الضربةً؛ تأديباً وتذكيراً انتهى، والله تعالى أعلم(٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((ولعلّ عمر سمع ذلك من النبيّ وَل إلخ، فيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ السياق يأبى ذلك، فإنه لَمّا قال له النبيّ وَّ: ((يا عمر ما حملك على ما فعلتَ؟))، أجابه بقوله: فإني أخشى أن يتّكل الناسُ عليها، ولو كان سمع ذلك منه، لَقال له: إنك قلت لمعاذ: ((لا تبشّرهم، فيتكلوا))، وإنما الظاهر من حال عمر ظ له أن هذا مما ألهمه، فإنه من (١) ((شرح مسلم)» ٢٣٧/١ - ٢٣٨. (٣) ((المفهم)) ٢٠٦/١ - ٢٠٧. (٢) ((شرح مسلم)) ٢٣٨/١. ٦٥٣ (١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التََّفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤) المحدّثين، فقد أخرج البخاريّ من حديث أبي هريرة نظر ته قال: قال رسول الله ◌َ: ((لقد كان فيما قبلكم من الأمم مُحَدَّثُون، فإن يك في أمتي أحدٌ، فإنه عمر))، وفي رواية: ((لقد كان فيمن كان قبلكم، من بني إسرائيل رجالٌ يُكَلَّمُون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي منهم أحدٌ، فعمر)). وأخرج مسلم من حديث عائشة فيها، عن النبيّ وَّ أنه كان يقول: ((قد كان يكون في الأمم قبلكم مُحَدَّثُون، فإن يكن في أمتي منهم أحدٌ، فإن عمر بن الخطاب منهم))، قال ابن وهب تفسير مُحَدَّثون مُلْهَمُون، والله تعالى أعلمُ. (فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَأَجْهَشْتُ) - بالجيم والشين المعجمة - والهمزةُ والهاءُ مفتوحتان، أي تهيّأت له، وأخذتُ فيه، قاله القرطبيّ، وقال النوويّ: هكذا وقع في الأصول التي رأيناها، ورأيت في كتاب القاضي عياض رحمه الله تعالى: ((فَجَهِشْتُ)) بحذف الألف، وهما صحيحان، قال في ((القاموس)): جَهَشَ إليه، كسَمِعَ، ومَنَعَ جَهْشاً، وجُهُوشاً، وجَهَشَاناً: فَزِعَ إليه، وهو يريد البكاء، كالصبيّ يَفزَعُ إلى أمه، كأجهشَ، ومن الشيء جَهَشَاناً: خاف، أو هَرَبَ، انتهى(١). وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وهو أن يَفْزَع الإنسان إلى غيره، وهو متغير الوجه، مُتَهَيِّءٌ للبكاء، ولَمّا يَبْكِ بَعْدُ، وقال الطبريّ: هو الفزع والاستغاثة، وقال أبو زيد: جَهَشْتُ للبكاء والحزن والشوق، والله أعلم. (بُكَاءً) منصوب على المفعول له، وقد جاء في رواية: ((للبكاء))، و((الْبُكَاء)) يُمَدُّ ويُقْصَر لغتان، قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: بَكَى يبكي بُكِّى، وبُكاءً بالقصر والمدّ، وقيل: القصر مع خروج الدموع، والمدّ على إرادة الصوت، وقد جَمَعَ الشاعرُ اللغتين، فقال [من الوافر]: بَكَتْ عَيْنِي وَحَقَّ لَهَا بُكَاهَا وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ ويَتَعَدَّى بالهمزة، فيقال: أبكيته، ويقال: بَكَيتُهُ، وبَكَيتُ عليه، وبَكَيتُ لَهُ، انتھی(٢). (وَرَكِبَنِي عُمَرُ) أي تَبِعَني، ومَشَى خَلْفي في الحال، بلا مُهْلَة. (١) ((القاموس المحيط)) ص٥٢٨. (٢) ((المصباح المنير)) ٥٩/١. ٦٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الله، رضوعيه (فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي) ((إذا)) هي الفُجَائيّة، أي ففاجأني وجود عمر ورائي، و((الأَثَرُ)) فيه لغتان فصيحتان، مشهورتان: إحداهما: كسرُ الهمزة، وإسكان الثاء، والثانية: فتحهما، ومعناه تَبِعَهُ عن قُرب(١) (فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟)، (ما)): استفهاميّةٌ، أي: أيّ شيء ثبت لك في تغيّر حالك عن الحال التي خرجت من عندي، وأنت عليها، من السرور والبهجة بوصولك إليّ، ومشاهدتك لي، وأنا سالم من كلّ مكروه، وحملك البشرى إلى الأمة؟ (قُلْتُ: لَقِيتُ) بكسر القاف، كما سبق بيانه (عُمَرَ) بن الخطّاب (فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتَنِي بِهِ) من الْبُشْرَى (فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً، خَرَرْتُ لِسْتِي) أي سقطتُ على عجُزي من شدّة الضرب (قَالَ) أي عمر (ارْجِعْ) يا أبا هريرة، ولا تبلّغ النَّاسَ ما أُمرت به (فَقَالَ لَهُ) أي لعمر (رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَا عُمَرُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟) ((ما)) استفهاميّة أيضاً، أَيْ: أَيُّ شيءٍ حملك على منع أبي هريرةٍ من التبليغ، حتى أدّى ذلك إلى ضربه (قَالَ) عمر (يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) الجارّ والمجرور متعلّق بخبر مبتدأ محذوف، أي أنت مَفْدِيٌّ بأبي وأمي، أو متعلِّق بفعل محذوف، أي أَقْدِيك بهما (أَبَعَثْتَ) الهمزة للاستفهام (أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ) أي بجعلك نعليك علامة على صدقه، (مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَّهَ إِلَّ اللهُ، مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ، بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟)، فـ((من لقي)) مبتدأ، وجملة ((بشّره بالجنة)) خبره، والجملة في محلّ نصب على الحال من («أبا هريرة))، أي حال كونه مبشّراً من لقي إلخ (قَالَ) بَّهِ ((نَعَمْ))) أي بعثته بذلك (قَالَ) عمر ◌َّهِ (فَلَا تَفْعَلْ) الفاء فصيحيّة، أفصحت عن جواب شرط مقدَّر، أي: فإذا ثبت وصحّ لديّ أنك بعثته بهذا، فأقول لك: لا تفعل هذا (فَإِنِّي أَخْشَى) الفاء هنا تعليليّة؛ أي إنما أطلب منك عدم الفعل لأني أخاف (أَنْ يَتَكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا) أي على هذه الشهادة، ويتركوا الأعمال (فَخَلِّهِمْ) أي اتركهم (يَعْمَلُونَ) سائر الأعمال الصالحات (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((فَخَلِّهِمْ))) الفاء هنا فصيحيّة أيضاً، أي: فإذا كان يترتّب على التبشير اتّكالهم عليها، فاتركهم ولا تبشّرهم؛ لكي يستكثروا من الأعمال الصالحات التي تتفاوت بها (١) ((المصباح المنير)) ١/٤ و((شرح النوويّ)) ٢٣٩/١. ٦٥٥ (١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤) الدرجات في الجنّة، فإن تفاوت أهلها إنما يكون بتفاوت أعمالهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظُه هذا من أفراد المصنّف، لم يُخرجه من أصحاب الأصول أحد غيره، أخرجه هنا في ((الإيمان)) (١٥٤/١١) عن زهير بن حرب، عن عمر بن يونس الحنفيّ، عن عكرمة بن عمّار، عن أبي كثير عنه. وأخرجه (أبو نعيم) في ((المسند المستخرج)) (١٤١) عن أبي محمد، عن أبي يعلى، عن أبي خيثمة - زهير بن حرب - بسند المصنّف، و(ابن حبّان) في ((صحیحه)) (٤٥٢٦) (١) عن أحمد بن عليّ بن المثنّى، عن أبي خيثمة به، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده. ١ - (منها): أن مجرّد التلفظ بالشهادتين لا يكفي في تحقّق الإيمان، بل لا بدّ من استيقان القلب، فالإيمان المنجي من الخلود في النار لا بُدّ فيه من الاعتقاد، والنطق معاً، فإن الإيمان اعتقاد بالجَنان، ونطق باللسان، وعملٌ بالجوارح والأركان، كما سبق البحث فيه مستوفى في المسائل المذكورة في أول «كتاب الإيمان)). ٢ - ومنها): استحباب جلوس العالم لأصحابه، ولغيرهم من المستفتين وغيرهم، يُعَلِّمهم، ويفيدهم ويفتيهم. ٣ - (ومنها): ما قدمناه من أنه إذا أراد ذكر جماعة كثيرة، فاقتصر على ذكر بعضهم، ذَكَر أشرافهم، أو بعض أشرافهم، ثم قال: وغيرهم. ٤ - (ومنها): بيان ما كان الصحابة ﴿ عليه من القيام بحقوق رسول الله رَّة، وإكرامه، والشفقة عليه، والانزعاج البالغ لِمَا يَطْرُقُهُ وَهُ. ٥- (ومنها): استحباب اهتمام الأتباع بحقوق متبوعهم، والاعتناء بتحصيل مصالحه، ودفع المفاسد عنه. (١) ((الإحسان)) ٣٧/٧ - ٣٨ بنسخة كمال يوسف الحوت. ٦٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٦ - (ومنها): جوازُ دخول الإنسان ملكَ غيره بغير إذنه إذا عَلِمَ أنه يَرْضَى ذلك؛ لمودة بينهما، أو غير ذلك؛ فإن أبا هريرة رَظ ◌ُله دَخَلَ الحائط، وأقرّه النبيّ ◌َّه على ذلك، ولم يُنْقَل أنه أنكر عليه. قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا غير مُخْتَصِّ بدخول الأرض، بل يجوز له الانتفاع بأدواته، وأكل طعامه، والحمل من طعامه إلى بيته، وركوب دابته، ونحو ذلك من التصرف الذي يَعْلَمُ أنه لا يشقّ على صاحبه. هذا هو المذهب الصحيح الذي عليه جماهير السلف والخلف، من العلماء رحمة الله عليهم، وصرح به أصحابنا . وقال أبو عمر بن عبد البر: وأجمعوا على أنه لا يَتَجَاوَزُ الطعام وأشباهه إلى الدراهم والدنانير وأشباههما، وفي ثبوت الإجماع في حَقِّ مَن يُقْطَع بطيب قلب صاحبه بذلك نظرٌ، ولعل هذا يكون في الدراهم الكثيرة التي يُشَكّ، أو قد يُشَكّ في رضاه بها، فإنهم اتفقوا على أنه إذا تشكك لا يجوز التصرف مطلقاً فيما تشكك في رضاه به. ثم دليل الجواز في الباب الكتاب والسنة، وفِعلُ وقولُ أعيانِ الأمة، فالكتاب قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُوْ مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآَبِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكٌ﴾ [النور: ٦١]، والسنة هذا الحديث، وأحاديث كثيرة معروفة بنحوه، وأفعال السلف، وأقوالهم في هذا أكثر من أن تحصى، والله تعالى أعلم، انتهى كلام النوويّ(١)، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أن الإمام، وكبير القوم مطلقاً إذا رأى شيئاً، ورأى بعض أتباعه خلافَه أنه ينبغي للتابع أن يَعْرِضه على المتبوع؛ لينظر فيه، فإن ظَهَر له أن ما قاله التابع هو الصواب رجع إليه، وإلا بَيَّنَ للتابع جواب الشبهة التي عَرَضَتْ له. ٨ - (ومنها): مشروعيّة إرسال الإمام، والمتبوع إلى أتباعه بعلامة يَعرِفونها؛ ليزدادوا بها طُمأنينةً. (١) ((شرح النوويّ)) ٢٣٩/١ - ٢٤٠. (١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤) ٦٥٧ ٩ - (ومنها): جوازُ إمساك بعض العلوم التي لا حاجة إليها؛ للمصلحة، أو خوف المفسدة، وقد عقد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((كتاب العلم)) من ((صحيحه) باباً لذلك، فقال: ((باب من خصّ بالعلم قوماً دون قوم))، فأورد فيه حديث أنس في قصّة معاذ ﴿ّ الآتي بعد هذا. ١٠ - (ومنها): جواز إشارة بعض الأتباع على المتبوع بما يراه مصلحةً، وموافقةُ المتبوع له إذا رآه مصلحةً، ورجوعه عما أَمرَ به بسببه. ١١ - (ومنها): إدخال الْمَشُورة على الإمام من أهل العلم والدين، ومن وزرائه وخاصّته، وعرضُ النصائح له، وإن لم يستشرهم (١). ١٢ - (ومنها): جواز قول الرجل للآخر: ((بأبي أنت وأمي))، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقد كرهه بعض السلف، وقال: لا يُفَدَّی بمسلم، ولكن الأحاديث الصحيحة ترُدّ عليه، فهي تدلّ على جوازه، سواء كان الْمُفَدَّى به مسلماً أو كافراً، حيّاً كان أو ميتاً. ١٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على جواز تخصيص العموم بالمصلحة المشهود لها بالاعتبار، وقد اختَلَف فيه الأصوليّون (٢) انتھی(٢) . ١٤ - (ومنها): أن في دفعه وَّر لأبي هريرة ◌ُبه نعليه دليلاً على جواز عَضُدِ خبر المخبِرِ الواحد بالقرائن؛ تقويةً لخبره، وإن كان لا يُتّهم. ١٥ - (ومنها): اعتبار القرائن والعلامات، والعمل على ما يقتضيه من الأعمال والأحكام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في جواز الاجتهاد لِلنَّبِيِّ بَّه: قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: أما أمره وَلّ في حديث أبي هريرة بظلُّه بالتبشير، فهو من تغير الاجتهاد، وقد كان الاجتهاد جائزاً له وواقعاً منه والقر عند المحققين، وله مزية على سائر المجتهدين بأنه لا يُقَرّ على الخطأ في اجتهاده، ومن نفى ذلك، وقال: لا (١) ((إكمال المعلم)) ٢٤٨/١. (٢) ((المفهم)) ٢٠٨/١. ٦٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان يجوز له * القول في الأمور الدينية إلا عن وحي، فليس يمتنع أن يكون قد نَزَلَ عليهِ وَ ﴿ عند مخاطبته عمر نَظُهُ وحيٌّ بما أجابه به، ناسخٌ لوحيٍ سَبَقَ بما قاله وَالهر أوّلاً. قال النوويّ بعد ذكر كلام ابن الصلاح هذا: ما نصّه: وهذه المسألة، وهي اجتهاده وَّ فيها تفصيل معروف. فأما أمور الدنيا فاتفق العلماء وضعه على جواز اجتهاده وَّر فيها، ووقوعه منه. وأما أحكام الدين، فقال أكثر العلماء بجواز الاجتهاد له وَلية؛ لأنه إذا جاز لغيره فله وَل﴾ أولى، وقال جماعة: لا يجوز له لقدرته على اليقين، وقال بعضهم: كان يجوز في الحروب دون غيرها، وتوقف في كل ذلك آخرون، ثم الجمهور الذين جوَّزوه اختلفوا في وقوعه، فقال الأكثرون منهم: وُجِدَ ذلك، وقال آخرون: لم يوجد، وتوقف آخرون، ثم الأكثرون الذين قالوا بالجواز والوقوع، اختلفوا هل كان الخطأ جائزاً عليه وَله، فذهب المحققون إلى أنه لم يكن جائزاً عليه وَله، وذهب كثيرون إلى جوازه، ولكن لا يُقَرُّ عليه بخلاف غيره، وليس هذا موضع استقصاء هذا، والله تعالى أعلم، انتهى(١). وقال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: كان النبيّ ◌َلّ يأخذ في أمور الدنيا باجتهاده، ويرجع عن رأيه فيها أحياناً إلى رأي غيره، كما فعل في تلقيح النخل، وفي النزول ببدر، وفيما هَمَّ به من مُصالحة الأحزاب، ولا خلاف في ذلك. واختلف العلماء هل كان يجتهد برأيه في الشرعيّات فيما لم ينزل عليه فيه شيء أم لا؟ وهل هو معصوم في اجتهاده، أم هو كسائر المجتهدين؟ والصواب جواز الاجتهاد له، ووقوعه منه، وعصمته فيه على كلّ حال، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِآلْحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِمَا أَرَنَكَ اللَّهُ﴾ الآية [النساء: ١٠٥]، ودلّت الآثار الصحيحة على اجتهاده وَ ﴿ في نوازل، وحكمه فيها برأيه، كقصّة أسرى بدر، قاله القاضي عياض (٢). (١) ((شرح النوويّ على صحيح مسلم)) ٢٤١/١. (٢) ((إكمال المعلم)) ١/ ٢٥٠ - ٢٥١. ٦٥٩ (١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَغُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤) قال الجامع عفا الله تعالى: ملخّص هذه المسألة أن العلماء اختلفوا فيها على أقوال : [أحدها]: الجواز مطلقاً، وهو مذهب الجمهور من الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو الصحيح؛ لكثرة أدلته، وقوّتها . [الثاني]: المنع مطلقاً، وهو مذهب أبي عليّ الجبّائي المعتزليّ، وابنه أبي هاشم، وبعض أهل الظاهر. [الثالث]: الجواز في مصالح الدنيا دون غيرها، وهو مذهب القدريّة. [الرابع]: التوقّف في ذلك. وكذلك اختلفوا في وقوعه من النبيّ وَّر، فذهب الجمهور إلى وقوعه مطلقاً، وهو الصحيح، وذهب كثير من الحنفيّة إلى وقوعه بشرط انتظار الوحي، وذهب بعضهم إلى المنع مطلقاً، وذهب آخرون إلى وقوعه في أمور الدنيا فقط، والمذهب الخامس التوقّف. وأما عصمته ◌َ له من الخطإ في اجتهاده، فللعلماء فيها قولان، مؤدّاهما واحد . [أحدهما]: امتناع وقوع الخطإ منه وَّر في اجتهاده، وهو مذهب كثير من أهل العلم، وصوّبه الرازيّ، والسبكيّ، وغيرهما . [الثاني] : - وهو الأصحّ - وقوعُ الخطإ في اجتهاده وَّل، إلا أنه لا يُقرّ عليه، بل يُنبّه إلى الصواب، وهو مذهب أكثر الحنفيّة، والشافعيّة، والحنابلة، وأصحاب الحديث، واختاره الآمديّ، وابن الحاجب، وغيرهما، وهو الأصحّ، وعليه دلّت نصوص الكتاب والسنّة(١). وقد ذكرت هذه الأقوال في نظمي في الأصول، بقولي: اخْتَلَفُوا هَلِ الرَّسُولُ يَجْتَهِدْ فَالأَكْثَرُونَ جَوَّزُوهُ وَوُجِدْ (١) راجع لتحقيق هذه المسألة ((الإحكام)) للآمديّ ١٥/٤ و((المحصول)) ٩/٣ - ٢٥ و((المستصفى)) ٣٥٥/٢ - ٣٥٧ و((مناهج العقول)) و(نهاية السول)) و((منهاج الوصول)) ٢٦٢/٣ - ٢٦٨ و((اللمع)) ص٣٦٧ و((مختصر ابن الحاجب)) مع حاشية التفتازاني، والجرجاني)) ٢٩١/٢ - ٢٩٢. ٦٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان حَرْبٍ رَأَى وَالْبَعْضُ ذُو تَوَقُّفِ وَبَعْضُهُمْ مَنَعَهُ وَالْبَعْضُ فِي جَاءَتْ وَقَائِعُ لَهَا قَدِ اجْتَهَدْ وَالْحَقُّ جَائِزٌ وَوَاقِعٌ فَقَدْ وُقُوعُهُ بِلَا تَمَادٍ صَاحَبَا وَالْخُلْفُ فِي خَطَئِهِ وَصُوِّبَا يُنْزِلُ وَحْيَهُ إِزَالَةَ الْخَلَلْ فَاللهُ لَا يُقِرُّهُ عَلَيْهِ بَلْ لِلدِّينِ لَا غَيْرُ فَخُذْهُ رَاغِبَا ثُمَّةَ ذَا الْخُلْفُ لِأَمْرٍ نُسِبًا اتَّفَقُوا فِي كَوْنِه فِيهَا اجْتَهَدْ(١) أَمَّا الأُمُورُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَقَدْ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٥٥] (٣٢) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ بِّهِ، وَمَّعَاذُ بْنُ جَبَلِ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ: ((يَا مُعَاذُ))، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللّهِ، وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: ((يَا مُعَاذُ))، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: ((يَا مُعَاذُ))، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّ حَرَّمَهُ اللّهُ عَلَى النَّارِ))، قَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ، فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: (إِذَاً يَتَّكِلُوا، فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثّماً))(٢). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الْكَوْسجُ، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ ثبت [١١]. رَوَى عن ابن عيينة، وابن نُمَير، وعبد الرزاق، وأبي داود الطيالسيّ، وجعفر بن عون، وبشر بن عُمر، وابن مهدي، والقطان، وخلق كثير، وتَلْمَذَ (١) راجع: ((المنحة الرضية شرح التحفة المرضية)) في تحقيق معنى الأبيات، وما احتوته من الفوائد. (٢) كان الأولى للمصنّف رحمه الله تعالى أن يقدّم حديث أنس به هذا إلى حديثه عن معاذ علبه قبل أربعة أحاديث مُرَاعَاةً للمناسبة، والله تعالى أعلم.