Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
(١١) - بَابُ حَقِّ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ - حديث رقم (١٥٠)
الثواب والجزاء، فَحَقَّ ذلك، ووجَبَ بحكم وعده الصدق، وقولِهِ الحقِّ الذي
لا يجوز عليه الكذب في الخبر، ولا الخلف في الوعد، فالله ◌ُعَلَ لا يجب
عليه شيء بحكم الأمر؛ إذ لا آمر فوقه، ولا بحكم العقل؛ لأنه كاشف لا
(١) .
موجب، انتھی
وقال ابن أبي العزّ رحمه الله تعالى في ((شرح الطحاويّة)) معلّقاً على هذا
الحديث: فهذا حقّ وجب بكلماته التامّة، ووعده الصادق، لا أن العبد نفسه
مستحقّ على الله شيئاً، كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله تعالى هو
المنعم على العباد بكل خير، وحقّهم الواجب بوعده هو أن لا يُعذبّهم، ولقد
أحسن القائل (من الكامل]:
كَلَّا وَلَا سَعْيٌّ لَدَیْهِ ضَائِعُ
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاحِبُ
فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْكَرِيمُ السَّامِعُ
إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا
وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: كون المطيع يستحقّ الجزاء هو
استحقاق إنعام وفضل، ليس هو استحقاق مقابلة، كما يستحقّ المخلوق على
المخلوق، فمن الناس من يقول: لا معنى للاستحقاق إلا أنه أخبر بذلك،
ووعدُهُ صدقٌ، ولكن أكثر الناس يُثبتون استحقاقاً زائداً على هذا، كما دلّ عليه
الكتاب والسنّة، قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، لكن
أهل السنّة يقولون: هو الذي كتب على نفسه الرحمة، وأوجب على نفسه
الحقّ، لم يوجبه عليه مخلوقٌ، والمعتزلة يدّعون أنه واجبٌ عليه بالقياس على
المخلوق، وأن العباد هم الذين أطاعوه بدون أن يَجعلهم مطيعين له، وأنهم
يستحقّون الجزاء بدون أن يكون هو الموجب، وغَلِطوا في ذلك، وهذا الباب
غَالِطَت فيه الجبريّة، والقدريّة، أتباع جهم، والقدريّة النافية. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): تمسك بعض المعتزلة بظاهره، ولا مُتَمَسَّكَ لهم فيه؛
لأن المراد بالحقّ هنا المتحقق الثابت، أو الجدير؛ لأن إحسان الربّ لمن لم
يتخذ ربًّا سواه جديرٌ في الحكمة أن لا يعذبه، أو المراد أنه كالواجب في
(١) ((المفهم)) ٢٠٣/١.
(٢) راجع ((فتح المجيد شرح كتاب التوحيد)) ص٤٨ - ٤٩.

٦٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
تحققه وتأكده، أو ذكر على سبيل المقابلة، انتهى (١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث معاذ نصُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [١٥٠/١١] (٣٠) عن هدّاب بن
خالد، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عنه.
و(البخاريّ) في ((اللباس)) (٥٩٦٧) و((الرقاق)) (٦٥٠٠) و((الاستئذان))
(٦٢٦٧) عن هُذْبَةَ بن خالد - و((الاستئذان)) (٦٢٦٧) عن موسى بن إسماعيل -
كلاهما عن همام بن يحيى به. و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (١٨٦) عن
عمرو بن عليّ، عن أبي داود، عن همام به نحوه.
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٨/٥) عن وكيع - و(٢٣٦/٥) عن أبي معاوية -
عن الأعمش، عن أبي سفيان - وفي (٢٤٢/٥) عن عفان، عن هَمَّام، عن
قتادة - كلاهما عن أنس بن مالك نظبه به، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٧ و٢٨
و٢٩) في ((مستخرجه)) (١٣٧ و١٣٨ و١٣٩ و١٤٠) و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٢١٠). والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذا الحديث مما اتّفق فيه الشيخان بإخراجه عن شيخ واحد،
وهو هدّاب بن خالد، وذكره البخاري بِهُدْبة بن خالد، وقد تقدّم أنه يطلق عليه
الاسمان، أحدهما اسمه، والآخر لقبه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال في ((الفتح)): هذا الحديث من الأحاديث التي أخرجها
البخاري في ثلاثة مواضع، عن شيخ واحد، بسند واحد، وهي قليلة في كتابه
جِدّاً، ولكنه أضاف إليه في ((الاستئذان)) موسى بن إسماعيل، وقد تتبع بعض
من لَقِيناه ما أخرجه في موضعين بسند، فبلغ عدتها زيادة على العشرين، وفي
بعضها يتصرف في المتن بالاختصار منه. انتهى(٢). والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٤١٢/١١ - ٤١٣.
(٢) ((الفتح)) ٤١٣/١١.

٦٢٣
(١١) - بَابُ حَقِّ اللّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ - حديث رقم (١٥١)
(المسألة الثالثة): في فوائده.
١ - (منها): بيان حقّ الله تعالى الذي أوجبه على عباده، وهو أن يعبدوه،
ولا يشركوا به شيئاً.
٢ - (ومنها): بيان حقّ العباد على الله تعالى الذي أوجبه على نفسه فضلاً
منه ونعمةً، وهو أن يدخلهم الجنة، ولا يعذبهم.
٣ - (ومنها): جواز ركوب اثنين على دابّة إذا كانت تُطيق ذلك.
٤ - (ومنها): بيان تواضع النبيّ وَّة، حيث كان يُردف أصحابه، ولا
يتكبّر عليهم.
٥ - (ومنها): بيان فضل معاذ ربه، وحسن أدبه في القول، وفي العلم،
بردّه لِمَا لم يُحظّ بحقيقته إلى علم الله تعالى، وعلم رسوله وَّهِ، وقرب مَنْزِلته
من النبيّ ◌َلَد .
٦ - (ومنها): استحباب تكرار الكلام؛ لتأكيده، وتفهيمه، وهكذا
هديه ◌َّ، فقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) من حديث أنس ظُه، عن
النبيّ وَّ: ((أنه كان إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تُفْهَم عنه، وإذا أتى على
قوم، فسَلَّمَ عليهم سَلَّم عليهم ثلاثاً)).
٧ - (ومنها): مشروعيّة استفسار الشيخ تلميذه عن الحكم؛ ليختبر ما عنده
من العلم، ويُبَيِّن له ما يُشْكِلُ عليه منه.
٨ - (ومنها): مشروعيّة إجابة الداعي بـ((لبيك، وسعديك)).
٩ - (ومنها): أن فيه بشارة عظيمة للموحّدين الذين لا يشركون بالله تعالى
شيئاً، حيث وعدهم الله تعالى الذي لا يخلف وعده، أن لا يعذّبهم، بل
يُكرمهم بدخول الجنة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٥١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ،
سَلَّمُ بْنُ سُلَيْم، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ:
كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللهِنَّهِ عَلَى حِمَارٍ، يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ، قَالَ: فَقَالَ: ((يَا مُعَاذُ،

٦٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
تَدْرِي مَا حَقُّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟))، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ
أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ، أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَحَقُّ
الْعِبَادِ عَلَى اللّهِ رَتْ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِلُكُ بِهِ شَيْئاً)، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ،
أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: ((لَا تُبَشِّرُهُمْ، فَيَتَّكِلُوا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفيّ
الحافظ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو الأَخْوَصِ، سَلَّامُ بْنُ سُلَيْم) الْحَنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌّ،
صاحب حديث [٧] (ت١٧٩) (ع) ٤/ ١٢٤.
[تنبيه]: ((أبو الأحوص)) في سند المصنّف هو سلّام بن سُليم، كما صرّح
به، ورواه البخاريّ عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن آدم، عن أبي
الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن معاذ ظُبه، فأبو
الأحوص هو عمّار بن رُزيق.
قال الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)): كنتُ أظنّ أنه سلّام بن سُليم،
وعلى ذلك يدلّ كلام المزيّ، لكن أخرج هذا الحديث النسائيّ، عن محمد بن
عبد الله بن المبارك الْمُخَرِّميّ، عن يحيى بن آدم، شيخ شيخ البخاريّ فيه،
فقال: ((عن عمّار بن رُزيق، عن أبي إسحاق))، والبخاريّ أخرجه ليحيى بن آدم،
عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، وكنية عمّار بن رُزيق أبو الأحوص، فهو
هو، ولم أَرَ من نبّهَ على ذلك، وقد أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة،
وأبو داود عن هنّاد بن السريّ، كلاهما عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق،
وأبو الأحوص هذا هو سلّام بن سُليم، فإن أبا بكر، وهنّاداً أدركاه، ولم يُدركا
عمّاراً، انتهى كلام الحافظ(١)، وهو بحثٌ مُهِمٌّ جدّاً، والله تعالى أعلم.
٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله الْهَمْدانيّ السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ
عابدٌ، اختلط بأخَرة، ويدلّس [٣] (ت١٢٩) (ع) ٢/ ١١.
(١) راجع: ((الفتح)) ٦/ ٧٠ ((كتاب الجهاد)) رقم الحديث (٢٨٥٧).

٦٢٥
(١١) - بَابُ حَقِّ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ - حديث رقم (١٥١)
٤ - (عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ) الأَوْديّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو يحيى الكوفي،
أدرك الجاهلية، ولم يَلْقَ النبي ◌َِّ، ثقة عابدٌ، مخضرمٌ، مشهور [٢].
روى عن عمر، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر، وأبي مسعود
البدري، وسعد بن أبي وقاص، ومعقل بن يسار، وعائشة، وأبي هريرة، وابن
عباس، وغيرهم.
وروى عنه سعيد بن جبير، والربيع بن خُثَيم، وأبو إسحاق السبيعي،
ويزيد بن شريك، وإبراهيم بن يزيد التيمي، وأبوه، وغيرهم.
قال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال أبو بكر بن عياش، عن أبي
إسحاق: كان أصحاب النبي ◌َّ يرضون بعمرو بن ميمون. وقال يونس بن أبي
إسحاق، عن أبيه: كان عمرو بن ميمون إذا دخل المسجد، فرُؤي ذُكِر الله.
وقال الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن
ميمون: قدم علينا معاذ اليمن رسولَ رسولِ الله ◌َلاَ من الشِّحر، رافعاً صوته
بالتكبير، أجش الصوت، فَأَلقَيْتُ عليه محبتي(١) ... الحديث. وقال ابن معين،
والنسائي: ثقة. وذكره ابن عبد البر في ((الاستيعاب))، فقال: أدرك النبيّ مَلآ،
وصَدَّقَ إليه، وكان مسلماً في حياته. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين.
قال أبو نعيم، وغير واحد: مات سنة أربع وسبعين. ويقال: سنة (٧٥).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث فقط.
٥ - (مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) مَلُّه المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلَّهم رجال الجماعة.
٣- (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير معاذ ◌َظُه، فإنه مدنيّ، نزل
الشام، ومات بها .
(١) هكذا النسخة، والظاهر أن ((أَلْقَيتُ)) بضمير المتكلم مبني للفاعل، و((محبتي))
منصوب على المفعولية، ومعناه أحببته، والله أعلم.

٦٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبي إسحاق، عن عمرو بن
ميمون، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) الأوديّ بفتح الهمزة، وسكون الواو (عَنْ مُعَاذِ بْنِ
جَبَل) رَظُهُ أنه (قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ) بكسر، فسكون (رَسُولِ اللهِ وَهُ عَلَى حِمَارٍ،
يُقَالُّ لَهُ: عُفَيْرٌ) - بعين مهملة مضمومة، ثم فاء مفتوحة، مصغّراً - هذا هو
الصواب في الرواية، وفي الأصول المعتمدة، وفي كتب أهل المعرفة بذلك،
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: وقول القاضي عياض
رحمه الله تعالى: إنه بغين معجمة متروك، قال الشيخ: وهو الحمار الذي كان
له وَله، قيل: إنه مات في حجة الوداع، قال: وهذا الحديث يقتضي أن يكون
هذا في مرة أخرى غير المرّة المتقدّمة في الحديث السابق، فإن مُؤْخِرَة الرحل
تختص بالإبل، ولا تكون على حمار.
قال النوويّ: ويحتمل أن يكونا قضيةً واحدةً، وأراد بالحديث الأول قدر
مُؤخِرة الرحل، والله أعلم، انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((عُفَير)) - بالمهملة والفاء، مُصَغَّراً - مأخوذ من
الْعَفَرِ، وهو لون التراب، كأنه سُمِّي بذلك؛ للونه، والْعُقْرة حُمْرة يخالطها
بياض، وهو تصغير أعفر، أخرجوه عن بناء أصله، كما قالوا: سُوَيد في تصغير
أسود، ووَهِمَ من ضبطه بالغين المعجمة، وهو غير الحمار الآخر الذي يقال
له: يعفور، وزعم ابن عبدوس أنهما واحد، وقَوّاه صاحب ((الْهَدْي))، ورَدَّه
الدمياطيّ، فقال: عُفَير أهداه الْمُقَوقِس، ويعفور أهداه فَرْوَة بن عمرو، وقيل
بالعكس، ويعفور بسكون المهملة، وضمّ الفاء، هو اسم ولد الظبي، كأنه سُمِّي
بذلك؛ لسرعته، قال الواقديّ: نَفَقَ يعفور مُنْصَرَف النبيّ وَّر من حجة الوداع،
وبه جزم النووي عن ابن الصلاح، وقيل: طَرَح نفسه في بئرٍ، يوم مات
رسول الله ◌َ، وقع ذلك في حديث طويل ذكره ابن حبان في ترجمة محمد بن
(١) (شرح مسلم)) ٢٣٢/١.

٦٢٧
(١١) - بَابُ حَقِّ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ - حديث رقم (١٥١)
مَرْثد في ((الضعفاء))، وفيه: أن النبيّ وَّ غَنِمَه من خيبر، وأنه كلم النبيّ بَّ،
وذكر له أنه كان ليهوديّ، وأنه خرج من جده ستون حماراً؛ لركوب الأنبياء،
فقال: ولم يبق منهم غيري، وأنت خاتم الأنبياء، فسماه يعفوراً، وكان يركبه
في حاجته، ويرسله إلى الرجل، فيقرع بابه برأسه، فيعرف أنه أرسل إليه، فلما
مات النبيّ وَّ جاء إلى بئر أبي الهيثم بن التَّيِّهَان، فَتَرَدَّى فيها، فصارت قبره،
قال ابن حبان: لا أصل له، وليس سنده بشيء، انتهى (١).
(قَالَ) معاذْ رَبُهُ (فَقَالَ) بَِّ ((يَا مُعَاذٌ، تَدْرِي) بحذف همزة الاستفهام،
وقد صُرِّح بها في الرواية التالية، أي أتدري (مَا حَقُّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ
الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟))، قَالَ) معاذ ◌َه (قُلْتُ: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) ◌ِ ((فَإِنَّ
حَقَّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ، أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللّهِ رَتِ
أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً))، قَالَ) معاذ ◌َظُه (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا
أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ) وَ (لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا))) بحذف نون الرفع؛ للنصب في
جواب النهي، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
والمعنى أنهم إذا أخبرتهم بهذه البشارة، يمتنعون عن العمل، ويتركونه؛
اعتماداً على هذه الكلمة، فاتركهم يجتهدوا في العمل.
قال في ((الفتح)): ما نصّه: قال ابن رجب في ((شرحه)) لأوائل
البخاريّ(٢): قال العلماء: يؤخذ من منع معاذ رَظُله من تبشير الناس لئلا يتكلوا
أن أحاديث الرُّخَصِ لا تشاع في عموم الناس؛ لئلا يَقْصُرَ فهمهم عن المراد
بها، وقد سمعها معاذ رَُّه، فلم يَزْدَد إلا اجتهاداً في العمل، وخشيةً لله رَ،
فأما من لم يَبْلُغ مَنْزِلته فلا يؤمن أن يُقَصِّر اتكالاً على ظاهر هذا الخبر.
وقد عارضه ما تواتر من نصوص الكتاب والسنة أن بعض عُصَاة
الموحدين يدخلون النار، فعلى هذا فيجب الجمع بين الأمرين، وقد سَلَكُوا في
ذلك مسالك:
(١) ((الفتح)) ٦/ ٧٠.
(٢) هذا الكلام ليس موجوداً في الشرح المطبوع الآن؛ لأن كتاب العلم منه مفقود.

٦٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[أحدها]: قول الزهريّ: إن هذه الرخصة كانت قبل نزول الفرائض
والحدود، وسيأتي ذلك عنه في حديث عثمان في الوضوء، واستبعده غيره من
أن النسخ لا يدخل الخبر، وبأن سماع معاذ رؤيته لهذه كان متأخراً عن أكثر
نزول الفرائض، وقيل: لا نسخَ، بل هو على عمومه، ولكنه مُقَيَّد بشرائط، كما
تُرَتَّب الأحكام على أسبابها المقتضية المتوقفة على انتفاء الموانع، فإذا تكامل
ذلك عَمِلَ المقتضي عمله، وإلى ذلك أشار وهب بن منبه بقوله المتقدم في
((كتاب الجنائز)) في شرح ((إنّ لا إله إلا الله مفتاح الجنة)) ليس من مفتاح إلا وله
أسنان، وقيل: المراد ترك دخول نار الشرك، وقيل: ترك تعذيب جميع بدن
الموحدين؛ لأن النار لا تُحْرِق مواضع السجود، وقيل: ليس ذلك لكل مَنْ
وَخَّدَ وعَبَدَ، بل يختص بمن أخلص، والإخلاص يقتضي تحقيق القلب
بمعناها، ولا يُتَصَوَّر حصول التحقيق مع الإصرار على المعصية؛ لامتلاء القلب
بمحبة الله تعالى وخشيته، فتنبعث الجوارح إلى الطاعة، وتَنْكَفُّ عن المعصية
انتهى مُلَخَّصاً (١).
وسيأتي بعد ثلاثة أحاديث حديث أنس عن معاذ ظًا، نحو هذا الحديث،
وفي آخره: ((قال: يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس؟ فيستبشروا، قال: ((إذاً
يتكلوا))، فأخبر بها معاذٌ عند موته تَأْثُّماً، أي خروجاً من إثم كتمان العلم، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث معاذ بن جبل نظبه هذا من رواية عمرو بن ميمون عنه، متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه المصنف هنا في ((الإيمان)) [١٥١/١١] (٤٩) عن أبي بكر بن أبي
شيبة، عن أبي الأحوص سلام بن سُليم، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن
ميمون، عن معاذ
(١) راجع: ((الفتح الباري)) للحافظ ابن حجر ٤١٣/١١ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٠٢).

٦٢٩
(١١) - بَابُ حَقِّ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ - حديث رقم (١٥٢)
و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٨٥٦) عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن
آدم، عن أبي الأحوص، وهو عمّار بن رُزَيق، عن أبي إسحاق به.
و(أبو داود) في ((الجهاد)) عن هنّاد بن السريّ، عن أبي الأحوص، وهو
سلّام بن سُليم، عن أبي إسحاق، به، بقصّة الحمار فحسب.
و(الترمذيّ) في ((الإيمان)) (٢٦٤٣) عن محمود بن غيلان، عن أبي أحمد
الزبيريّ، عن سفيان الثوريّ، عن أبي إسحاق به.
(النسائيّ) في ((العلم)) من ((الكبرى(( (٥٨٧٧) عن محمد بن عبد الله
الْمُخَرِّميّ، عن يحيى بن آدم، عن عمّار بن رُزَيق، به، ولم يذكر قصة
الحمار.
و(أحمد) في ((مسنده)) ٢٢٨/٥ عن وكيع، عن إسرائيل - وفي ٢٢٨/٥
عن عبد الرحمن، عن سفيان - (ح) وعبد الرزاق، عن معمر - ثلاثتهم عن أبي
إسحاق به، وفوائد الحديث تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٥٢] (٣١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، وَالأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمِ، أَنَّهُمَا
سَمِعَا الأَسْوَدَ بْنَ هِلَالٍ، يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ◌ِ:
((يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللّهِ عَلَى الْعِبَاد؟))، قَالَ: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((أَنْ
يُعْبَدَ اللّهُ، وَلَا يُشْرََكَ بِهِ شَيْءٌ))، قَالَ: ((أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ، إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟))،
فَقَالَ: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِنِ البصريّ، ثقة
حافظ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) ٢/ ٢.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار المعروف بُندار، أبو بكر البصريّ،
ثقة حافظ، كان هو ومحمد بن المثنّى فَرَسَي رِهَان، وماتا في سنة واحدة [١٠]
(ت٢٥٢) (ع) ٢/٢.

٦٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقة،
صحيح الكتاب [٩] (ت١٩٣) (ع) ٢ / ٢.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ،
ثم البصريّ، ثقة حافظٌ متقنٌ عابدٌ، أمير المؤمنين في الحديث [٧] (ت١٦٠)
(ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ٣٨٥/١.
٥ - (أَبُو حَصِينٍ) - بفتح الحاء المهملة، وكسر الصاد المهملة، مكبّراً -
عثمان بن عاصم بن حَصِين الأسديّ الكوفيّ، ثقة سُنّيٍّ، وربّما دلّس [٤]
(ت١٢٧) (ع) ٤/ ١.
٦ - (الأَشْعَثُ بْنُ سُلَيْم) بن أسود المحاربيّ الكوفيّ، ثقة [٦].
رَوَى عن أبيه، والأسوَّد بن يزيد، والأسود بن هلال، وسعيد بن جبير،
وعمرو بن ميمون، ومعاوية بن سُويد بن مُقَرِّن، وأبي وائل، وجماعة.
وروى عنه شعبة، والثوريّ، وشريك، وأبو الأحوص، وشيبان النحويّ،
وإسرائيل، وزائدة، ومسعر، وزهير، وأبو عوانة، وعدّة، ورَوَى عنه أبو إسحاق
الشيبانيّ، وهو من أقرانه.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال حرب: سمعت أحمد
يُقَدِّمه على سماك بن حرب، وقال أبو داود، والبزار: ثقة، وقال ابن سعد:
تُؤُفّي في إمارة يوسف بن عُمَر بالكوفة، وذكره ابن حبان، وابن شاهين في
((الثقات))، وقال العجليّ: من ثقات شيوخ الكوفيين، وليس بكثير الحديث، إلا
أنه شيخٌ عَال، مات سنة (١٢٥).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثاً.
٧ - (الأَسْوَدُ بْنُ هِلَالٍ) المحاربيّ، أبو سَلَّام الكوفيّ، مخضرٌ ثقة
جليلٌ [٢].
رَوَى عن معاذ بن جبل، وعمر، وابن مسعود، والمغيرة، وأبي هريرة،
وثعلبة بن زَهْدَم.
وروى عنه أشعث بن أبي الشعثاء، وأبو حَصِين، وأبو إسحاق السبيعيّ،
وإبراهيم النخعيّ، وغيرهم.
قال أحمد: ما علمتُ إلا خيراً، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال

٦٣١
(١١) - بَابُ حَقِّ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ - حديث رقم (١٥٢)
العجليّ: كان جاهليّاً، وكان رجلاً من أصحاب عبد الله، ووثقه، وذكره
الباوَرْديّ، وجماعة ممن أَلَّفَ في الصحابة(١)؛ لادراكه، وقال ابن سعد، عن
الأسود: هاجرتُ زمن عمر، فذكر قصةً، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال ابن سعد: تُؤُفِّي زمن الحجاج بعد الجماجم، وقال عمرو بن عليّ:
سنة (٨٤).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا
الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث المغيرة بن شعبة نظراته ((قال:
بينا أنا مع رسول الله وَّ ذات ليلة، إذ نزل، فقضى حاجته ... ))
الحدیث.
٨ - (مُعَاذُ بْنُ جَبَلِ) رَؤُه المذكور في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير الأسود بن هلال، فلم
يخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن شيخيه من المشايخ التسعة الذين اتفق الأئمة الستّة على
الرواية عنهم دون واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى شعبة، ومن بعده كوفيون إلا
الصحابيّ، كما مرّ قريباً.
٥ - (ومنها): أن فيه مقارنة بين راويين في موضعين، في أول السند بين
شيخيه، وفي وسطه بين أبي حَصِين، والأشعث.
٦ - (ومنها): أنه لا يوجد في ((الصحيحين)) من يكنى بأبي حَصِين بفتح،
فكسر، مكبّراً غير عثمان بن عاصم هذا، ولا يوجد فيهما من اسمه حَصِين بهذا
الضبط أصلاً.
٧ - (ومنها): أن الأشعث، والأسود هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب،
(١) متعلق بـ(ذكره))، أي عدُّوه في جملة الصحابة لأجل أنه أدرك زمن النبي وَله.

٦٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وجملة ما رواه المصنّف للأشعث اثنا عشر حديثاً، وللأسود حديثان فقط، كما
مرّ آنفاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل) رَظُه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: ((يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي
مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟))، قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((أَنْ يُعْبَدَ اللهُ، وَلَا يُشْرََكَ
بِهِ شَيْءٌ))) ببناء الفعلين للمفعول، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا ضبطناه
(يُعْبَدُ)) بضم المثنّة تحتُ، و((شيْء)) بالرفع، وهذا ظاهرٌ، وقال الشيخ أبو عمرو
رحمه الله تعالى: ووقع في الأصول ((شيئاً)) بالنصب، وهو صحيح على التردد
في قوله: ((يعبد الله، ولا يشرك به شيئاً)) بين وجوه ثلاثة:
[أحدها]: ((يَعْبُدَ الله)) بفتح الياء التي هي للمذكر الغائب، أي يَعْبُدَ
العبدُ اللهَ، ولا يُشْرِكَ به شيئاً، قال: وهذا الوجه أَوْجَهُ الوجوه.
[والثاني]: ((تَعْبُدَ)) بفتح المثنّاة فوقُ، للمخاطب على التخصيص لمعاذ؛
لكونه المخاطب، والتنبيه به على غيره.
[والثالث]: ((يُعْبَدَ)) بضم أوله، على ما لم يُسمَّ فاعله، ويكون قوله:
((شيئاً)) كنايةً عن المصدر، لا عن المفعول به، أي لا يُشْرَك به إشراكاً، ويكون
الجارّ والمجرور في قوله: ((به)) هو القائم مقام الفاعل، قال: وإذا لم تُعَيِّن
الرواةُ شيئاً من هذه الوجوه، فَحَقٌّ على من يروي هذا الحديثَ منّا أن ينطق بها
كُلِّها واحداً بعد واحدٍ؛ ليكون آتياً بما هو المقول منها في نفس الأمر جزماً،
والله تعالى أعلم انتهى كلام ابن الصلاح(١).
قال النووي رحمه الله تعالى بعد ما ذكر كلام ابن الصلاح: ما نصّه: وما
ذكرناه أوّلاً صحيح في الرواية، والمعنى، والله تعالى أعلم، انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ رحمه الله تعالى من
صحّة الرواية بضبط (يُعبد الله، ويُشرَك)) بالبناء للمفعول، ورفع ((شيء)) على أنه
(١) ((صيانة صحيح مسلم)) ص ١٨٧ - ١٨٨.
(٢) ((شرح مسلم)) ٢٣٢/١.

٦٣٣
(١١) - بَابُ حَقِّ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ - حديث رقم (١٥٢)
نائب الفاعل، هو المتعيّن؛ لأن ما صحّ روايةً لا يجوز تعدّيه إلى غيره، وإن
صحَّ عربيّة، فافهمه فإنه مهمّ جدّاً.
هذا بالنسبة لهذه الرواية هنا، وإلا فرواية البخاريّ في ((كتاب التوحيد))
من ((صحيحه)) عن محمد بن بشّار بسند المصنّف بلفظ: ((أن يعبدوه، ولا
يشركوا به شيئاً)، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) وَّرِ ((أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ) أي العباد (عَلَيْهِ) أي على الله تعالى حقّاً
أوجبه على نفسه فضلاً منه ومنّةً، لا إيجاباً منهم عليه، كما سبق تحقيقه قريباً
(إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟)، الإشارة إلى ما ذُكر من عبادته، وعدم إشراك شيء به (فَقَالَ)
معاذ رَُّه (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) وَلِّ (أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ))) قد تقدّم البحث في
هذه الجملة مستوفّى قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث معاذ بن جبل ظه هذا من رواية الأسود عنه متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) (١٥٢/١١) عن محمد بن المثنّى،
وابن بشّار، كلاهما عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي حَصِین،
والأشعث بن سُليم، كلاهما عن الأسود بن هلال، عن معاذ بن جبل نَظُه،
وفي (١٥٣/١١) عن القاسم بن زكرياء، عن حسين الْجُعفيّ، عن زائدة، عن
أبي حَصِین، عن الأسود به.
و(البخاريّ) في ((التوحيد)) (٨٣٧٣) عن محمد بن بشّار، عن غُنْدر به.
و(أحمد) في («مسنده)) (٢٢٨/٥) عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن
سفيان الثوريّ، عن أبي حَصِين به، وفي (٢٢٩/٥) عن محمد بن بشّار به.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.

٦٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٥٣] (٣٢) - (حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي
حَصِينٍ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذَاً، يَقُولُ: دَعَانِي رَسُولُ اللّهِ وَّل
فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: ((هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللّهِ عَلَى النَّاسِ ... )) نَحْوَ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة، وقد تقدّموا في السند الماضي، سوى ثلاثة:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان،
وربما نُسب لجدّه، ثقة [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) ١١٦/٤.
٢ - (حُسَيْنٌ) بن عليّ بن الوليد الْجُعفيّ مولاهم، أبو عبد الله، ويقال:
أبو محمد الكوفيّ المقرئ، ثقة عابدٌ [٩].
رَوَى عن خاله الحسن بن الْحُرّ، والأعمش، وزائدة، وابن أبي رَوّاد، وحمزة
الزيات، وإسرائيل بن موسى، وفضيل بن عياض، وجعفر بن بُرْقان، وغيرهم.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، وابن معين، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو
كريب، وهارون الْحَمّال، ومحمد بن رافع، وجماعة، وقد روى عنه سفيان بن
عيينة، وهو أكبر منه.
قال أحمد: ما رأيت أفضل من حسين، وسعيد بن عامر، وقال محمد بن
عبد الرحمن الْهَرَويّ: ما رأيت أتقن منه، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو
داود: سمعت قتيبة يقول: قيل لسفيان بن عيينة: قَدِمَ حسين الجعفي، فوَثَبَ
قائماً، فقيل له؟ فقال: قدم أفضل رجل يكون قط، وقال موسى بن داود: كنت
عند ابن عيينة، فجاء حسين الجعفيّ، فقام سفيان، فقَبَّلَ يده، وقال ابن عيينة:
عَجِبت لمن مَرّ بالكوفة، فلم يُقَبِّل بين عيني حسين الجعفي، وقال يحيى بن
يحيى النيسابوريّ: إن بَقِي أحد من الأبدال، فحسين الجعفيّ، وقال أبو مسعود
الرازيّ: أفضل مَن رأيت الْحَفَرِيُّ، وحسين الجعفيّ، وذكر غيرهما، وقال
الحجاج بن حَمْزة: ما رأيت حسيناً الجعفيّ ضاحكاً ولا مبتسماً، ولا سمعت
منه كلمة رَكِنَ فيها إلى الدنيا، وقال أبو هشام الرِّفَاعيّ عن الكسائيّ: قال لي
هارون الرشيد: مَن أقرأ الناس؟ قلت: حسين بن علي الجعفيّ، وقال حُميد بن
الربيع الخزاز: كان لا يحدث، فرأى مناماً، فشَرَعَ يُحَدِّث حتى كتبنا عنه أكثر

٦٣٥
(١١) - بَابُ حَقِّ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ - حديث رقم (١٥٣)
من عشرة آلاف، وقال العجليّ: ثقة، وكان يُقرئ القرآن، رأسٌ فيه، وكان
صالِحاً، لم أر رجلاً قط أفضل منه، وكان صحيح الكتاب، يقال: إنه لم يطأ
أُنثى قط، وكان جميلاً، وكان زائدة يختلف إليه إلى منزله يحدثه، فكان أروى
الناس عنه، وكان الثوريّ إذا رآه عانقه، وقال: هذا راهب جُعْفَى، وقال ابن
شاهين في ((الثقات)): قال عثمان بن أبي شيبة: بَخ بَخ، ثقةٌ، صدوق.
قيل: ولد سنة (١١٩)، ومات سنة (٣) أو (٢٠٤)، وجزم البخاريّ،
وابن سعد، وابن قانع، ومُطَيَّن، وابن حبان في ((الثقات)) بأنه مات سنة (٣).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٥) حديثاً.
[تنبيه]: قال القاضي عياض رحمه الله تعالى في ((إكماله)): قوله في هذا
الحديث: من رواية القاسم بن زكرياء: حدثنا حسين، عن زائدة «هكذا هو في
أكثر النُّسَخ، والأصول، ووقع في بعضها ((حُصَين)) بالصاد المهملة، وكذا
وجدْتُه مُصْلَحاً في كتابي بخطّي ((حُصَين)) بالصاد المهملة، ولستُ أدري من أين
كتبته؟ وهو خطأً، والصواب ((حسين)) بالسين، وكذا وجدته مُصْلَحاً مغيَّراً من
حُصَين في كتاب شيخنا القاضي أبي عبد الله التميميّ(١)، وهو حُسين بن علي
الجعفي، مولى الْجُعفيين، وقد تكررت روايته عن زائدة في غير موضع من هذا
الكتاب، ولا يُعْرَف حُصَين بالصاد، عن زائدة، والله تعالى أعلم، انتهى(٢).
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقة ثبتٌ، صاحب
سنّة [٧] (ت١٦٠) (ع) ٥٢/٥.
وقوله: (نحو حديثهم) يعني أن القاسم بن زكرياء، شيخ مسلم في الرواية
الرابعة، رواه نحو رواية شيوخ مسلم الأربعة المذكورين في الروايات الثلاث
المتقدّمة، وهم هَدَّابٌ، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن المثنى، وابن بشار.
ورواية القاسم ساقها الحافظ أبو نعيم رحمه الله تعالى في ((المستخرج))،
فقال :
(١) هو محمد بن عيسى التميميّ، أخذ عنه القاضي عياض ((صحيح مسلم)) سماعاً،
وقراءةً، وإجازةَ.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٢٤٣/١ للقاضي عياض و((شرح مسلم)) للنوويّ ٢٣٣/١ - ٢٣٤.

٦٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
١٤٠ - حدثنا أبو محمد بن حَيّان، ثنا محمد بن عبد الرحمن بن
الحجاج بن جَمرة، ثنا جَدِّي، ثنا حسين الجعفيّ، ثنا زائدة، عن أبي حصين،
عن الأسود بن هلال، سمعت معاذ بن جبل يقول: دعاني رسول الله وَالـ
فأجبته، فقال: ((هل تدري ما حق الله على الناس؟))، قلت: الله ورسوله أعلم،
قال: ((أن يعبدوه، لا يشركوا به شيئاً))، ثم دعاني فأجبته، فقال: ((هل تدري ما
حق الناس على الله، إذا فعلوا ذلك؟))، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا
يعذبهم، وأن لا يدخلهم النار)).
رواه مسلم عن القاسم بن زكريا، عن حسين الجعفي، انتهى(١). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾
[هود: ٨٨].
(١٢) - (بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ،
بَلْ لَا بُدَّ مِنِ اسْتِيقَانِ الْقَلْبِ)
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذه الترجمة تنبيهٌ على فساد مذهب غُلاة
المرجئة القائلين: إن اللفظ بالشهادتين كافٍ في الإيمان، وأحاديث هذا الباب تدلّ
على فساده، بل هو مذهبٌ معلوم الفساد من الشريعة لمن وَقَفَ عليها؛ لأنه يلزم
منه تسويغ النفاق، والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح، وهو باطلٌ قطعاً، انتهى(٢).
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٥٤] (٣١) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ،
حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا
قُعُوداً حَوْلَ رَسُولِ اللّهِ بَّهِ مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ مِنْ
بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا، وَفَزِعْنَا، فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ
(١) ((المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم)) ١٢٤/١.
(٢) ((المفهم)) ٢٠٤/١.

٦٣٧
(١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التََّفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤)
فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللّهِ بَِّ حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطاً للأَنْصَارِ، لِبَنِي النَّجَّارِ،
فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَاباً، فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفٍ حَائٍِ، مِنْ بِتْرٍ
خَارِجَةٍ - وَالرَّبِيعُ الْجَدْوَلُ - فَاحْتَفَزْتُ، كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، فَدَخَلْتُ عَلَى
رَسُولِ اللّهِ وَ﴾ِ، فَقَالَ: ((أَبُو هُرَيْرَةَ؟»، فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللّهِ، قَالَ: ((مَا
شَأْتُكَ؟))، قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا،
فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مِنْ فَزِعَ، فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ، فَاحْتَفَرْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ،
وَهَؤُلَاءِ النَّاسُ وَرَائِي، فَقَالَ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ - وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ - قَالَ: ((اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ
هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَّهَ إِلَّ اللّهُ، مُسْتَبْقِناً بِهَا قَلْبُهُ،
فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ))، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعْلَانِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟
فَقُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلَا رَسُولِ اللّهِ بَّهِ بَعَثَنِي بِهِمَا، مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَّهَ إِلَّ اللّهُ،
مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ، بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَخَرَرْتُ لِاسْتِي،
فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَّرِ، فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً، وَرَكِبَنِي
عُمَرُ، فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ وَلِ: ((مَا لَكَ بَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟»، قُلْتُ:
لَقِيتُ عُمَرَ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتَنِي بِهِ، فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْبَيَّ ضَرْبَةً، خَرَرْتُ لِاسْتِي،
قَالَ: ارْجِعْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((يَا عُمَرُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟))، قَالَ: يَا
رَسُولَ اللّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ، مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَّهَ
إِلَّ اللّهُ، مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ، بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: (نَعَمْ))، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي أَخْشَى
أَنْ يَتْكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ، قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((فَخَلِّهِمْ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠]
(ت٢٣٤) (خ م د س ق) ٣/٢.
٢ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَتَفِيُّ) هو: عمر بن يونس بن القاسم الْحَنَفيّ، أبو
حفص اليماميّ الْجُرَشِيّ، ثقةٌ [٩].
روى عن أبيه، وعكرمة بن عَمّار، وأيوب بن عُثْبة، وأيوب بن النَّجّار،
وخَبَّاب بن فَضَالة، وعاصم بن محمد بن زيد، ومُلازِم بن عمرو، وغيرهم.

٦٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ورَوَى عنه ابن ابنه أحمد بن محمد بن عمر، وأبو عمرو الناقد، وأبو
موسى، وبندار، وإسحاق بن وهب الْعَلّاف، وأبو خيثمة، والعباس العنبريّ،
ومحمود بن غيلان، وغيرهم.
قال أحمد: ثقةٌ، ولم أسمع منه، وقال ابن معين: والنسائيّ: ثقة، وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يُتَّقَى حديثُهُ من رواية ابن ابنه عنه؛ لأنه كان
يقلب الأخبار، وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي في ((كتاب أحكام القرآن)):
ثنا عليّ - هو ابن المدينيّ - ثنا عمر بن يونس اليماميّ، وكان ثقةً ثبتاً، ووَثَّقه
أبو بكر البزار، ويقال: مات سنة ست ومائتين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثاً.
٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عَمّار اليماميّ، بصري الأصل،
صدوقٌ يَغْلَطُ [٥].
روى عن الْهِرْماس بن زياد، وله صحبة، وإياس بن سلمة بن الأكوع،
وسالم بن عبد الله بن عمر، وسماك بن الوليد الحنفي، وضَمْضَم بن جَوْس،
وأبي كثير السُّحَيمِيّ، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، والثوريّ، ووكيع، ويحيى القطان، وابن المبارك، وابن
مهديّ، وعمر بن يونس اليماميّ، وعلي بن ثابت الْجَزَريّ، وغيرهم.
قال المفضل الْغَلّابيّ: حدثنا رجل من أهل اليمامة، وسألته عن عكرمة،
فقال: هو عكرمة بن عمار بن عقبة بن حَبِيب بن شِهَاب بن ذُبَاب بن الحارث بن
حمصانة بن الأسعد بن ◌ُذَيْمَة بن سعد بن عِجْل، وقال عبد الله بن أحمد بن
حنبل عن أبيه: عكرمةٌ مضطرب الحديث عن يحيى بن أبي كثير، وقال أيضاً
عن أبيه: عكرمةُ مضطرب الحديث، عن غير إياس بن سلمة، وكان حديثه عن
إياس صالِحاً، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: سمعت أحمد يُضَعِّف رواية أيوب بن
عتبة، وعكرمة بن عَمَّار، عن يحيى بن أبي كثير، وقال: عكرمة أوثق الرجلين،
وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله، هل كان باليمامة أحدٌ يُقَدَّم على
عكرمة اليماميّ، مثلُ أيوب بن عُتبة، ومُلازم بن عمرو، وهؤلاء؟ فقال: عكرمة
فوق هؤلاء، أو نحو هذا، ثم قال: رَوَى عنه شعبة أحاديث، وقال معاوية بن
صالح، عن يحيى بن معين: ثقة، وقال الغلابي، عن يحيى: ثبتٌ، وقال ابن

٦٣٩
(١٢) - بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التََّقُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤)
أبي خيثمة، عن ابن معين: صدوقٌ ليس به بأس، وقال أبو حاتم، عن ابن
معين: كان أُمِّيّاً، وكان حافظاً، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين:
أيوب بن عُتبة أحبّ إليك، أو عكرمة بن عمار؟ فقال: عكرمة أحب إليّ،
وأيوب ضعيف، وقال ابن المدينيّ: أحاديث عكرمة عن يحيى بن أبي كثير،
ليست بذاك، مناكير، كان يحيى بن سعيد يُضَعِّفها، وقال في موضع آخر: كان
يحيى يضعف رواية أهل اليمامة، مثل عكرمة، وضَرْبِهِ، وقال محمد بن
عثمان بن أبي شيبة، عن عليّ بن المدينيّ: كان عكرمة عند أصحابنا ثقةً ثبتاً،
وقال العجليّ: ثقة، يَرْوي عنه النضر بن محمد ألف حديث، وقال البخاريّ:
مضطرب في حديث يحيى بن أبي كثير، ولم يكن عنده كتاب، وقال الآجريّ،
عن أبي داود: ثقة، وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، كان أحمد بن
حنبل يُقَدِّم عليه ملازم بن عمرو، وقال النسائيّ: ليس به بأس، إلا في حديث
يحيى بن أبي كثير، وقال أبو حاتم: كان صَدُوقاً، ورُبَّما وَهِمَ في حديثه،
وربما دَلَّسَ، وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير بعض الأغاليط، وقال
الساجيّ: صدوقٌ وثقه أحمد ويحيى، إلا أن يحيى بن سعيد ضعفه في أحاديثه
عن يحيى بن أبي كثير، وقَدَّم مُلازماً عليه، وقال محمد بن عبد الله بن عَمّار:
عكرمة بن عمار ثقة عندهم، ورَوَى عنه ابن مهديّ، ما سمعت فيه إلا خيراً،
وقال في موضع آخر: هو أثبت من مُلازم، وهو شيخُ أهل اليمامة، وقال
علي بن محمد الطنافسيّ: ثنا وكيعٌ، عن عكرمة بن عمار، وكان ثقة، وقال
صالح بن محمد الأَسَديّ: كان يتفرد بأحاديث طوال، ولم يَشْرَكه فيها أحد،
قال: وقَدِمَ البصرة، فاجتمع إليه الناس، فقال: ألا أراني فقيهاً وأنا لا أشعر،
وقال صالح بن محمد أيضاً: إن عكرمة بن عمار صدوق، إلا أن في حديثه
شيئاً، روى عنه الناس، وقال إسحاق بن أحمد بن خلف البخاريّ: ثقةٌ، رَوَى
عنه الثوريّ، وذكره بالفضل، وكان كثير الغلط، ينفرد عن إياس بأشياء، وقال
ابن خِرَاش: كان صدوقاً، وفي حديثه نُكْرَةٌ، وقال الدارقطنيّ: ثقة، وقال ابن
عديّ: مستقيم الحديث، إذا روى عنه ثقة، وكذا ذكر ابن حبان في ((الثقات))،
وقال: في روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطرابٌ، كان يُحَدِّث من غير كتابه،
وقال أبو أحمد الحاكم: جُلُّ حديثه عن يحيى، وليس بالقائم، وقال يعقوب بن

٦٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
شيبة: كان ثقةً ثبتاً، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال أحمد بن صالح: أنا
أقول: إنه ثقةٌ، وأحتجُّ به، وبقوله.
وقال عاصم بن عليّ: كان مستجاب الدعوة، قال معاوية بن صالح:
مات في إمارة المهديّ، وقال ابن معين وغيره: مات سنة (١٥٩).
علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (٣٨)
حديثاً .
٤ - (أَبُو كَثِيرٍ) السُّحَيْمِيّ - بمهملتين، مصغّراً - الْغُبَريّ - بضمّ المعجمة،
وفتح الموحّدة - اليماميّ الأعمى، قيل: اسمه يزيد بن عبد الرحمن الضرير،
وقيل: يزيد بن عبد الله بن أُذينة، وقيل: ابن غُفَيلة، قال أبو عوانة
الإسفرائينيّ: إنه أصح من أُذينة، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، وأبي هريرة، وعنه ابنه زُفَرُ، ويحيى بن أبي كثير،
وعكرمة بن عَمّار، وعبد الله بن بَدْر السُّحَيميّ، وموسى بن نَجْدة وعقبة بن
التَّوْأَم، والأوزاعيّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وفَّق بين يزيد بن أُذينة، وبين يزيد بن غُفَيلة الشاميّ، وغُفَيلة - بضم
المعجمة، وفتح الفاء، مصغّراً -.
أخرج ه البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والباقون، وله في هذا الكتاب
أربعة أحاديث فقط، برقم (٣١) و(١٩٨٥) وكرره ثلاث مرّات، و(١٩٨٩)
و(٢٤٩١).
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ◌َُبه، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ربه أحفظ من روى الحديث في دهره،
روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم.