Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٨)
(١٣٣) - حدثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا يعلى بن
الوليد بن عبد العزيز الْعَنسيّ، ثنا مُبَشِّر بن إسماعيل الْحَلبيّ، عن الأوزاعيّ،
عن عُمير بن هانئ، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت قال: قال
رسول الله وَ﴾: ((من شَهِدَ أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً
عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، أدخله الله
الجنة على ما كان من عمل)).
وقوله: (أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ) ولفظ البخاريّ: ((من
العمل)) بالتعريف، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أيّ يدخله الجنّة، ولا بُدّ،
سواء كان عمله صالحاً، أو سيّئاً، وذلك بأن يَغفِرَ له السيّءَ بسبب هذه
الأقوال، أو يُرْبِيَّ ثوابها على ذلك العمل السيّئ، وكلُّ ذلك يحصُلُ - إن
شاء الله - لمن مات على تلك الأقوال، إما مع السلامة المطلقة، وإما بعد
المؤاخذة بالكبائر على ما قرّرناه آنفاً. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): معنى قوله: ((على ما كان عليه من العمل)): أي من
صلاح، أو فساد، لكن أهل التوحيد لا بُدّ لهم من دخول الجنة، ويحتمل أن
يكون معنى قوله: ((على ما كان من العمل)): أي يَدْخُل أهل الجنة الجنة على
حسب أعمال كُلِّ منهم في الدرجات. انتهى وقال القاضي البيضاويّ في قوله:
((على ما كان عليه من العمل))، دليلٌ على المعتزلة في مقامين:
[أحدهما]: أن العاصي من أهل القبلة لا يُخَلَّد في النار؛ لعموم قوله:
((من قال: أَشْهَدُ أن لا إله إلا الله إلخ)).
[وثانيهما]: أنه تعالى يعفو عن السيّئات قبل التوبة، واستيفاء العقوبة؛
لأن قوله: ((على ما كان من عمل)) حال من قوله: ((أدخله الله الجنة))، كما في
قولك: رأيت فلاناً على أكل، أي آكلاً، ولا شكّ أن العمل غير حاصل، بل
الحاصل حال إدخاله استحقاق ما يُناسب عمله من الثواب والعقاب، ولا
يُتصوّر ذلك في حقّ العاصي الذي مات قبل التوبة إلا إذا أُدخل قبل استيفاء
العقوبة .
(١) ((المفهم)) ١/ ٢٠١.

٦٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[فإن قلت]: ما ذكرت يستدعي أن لا يدخل أحدٌ النار من العصاة.
[قلت]: اللازم منه عموم العفو، وهو لا يستلزم عدم دخول النار؛ لجواز
أن يعفو عن بعضهم بعد الدخول، وقبل استيفاء العذاب، وليس بحتم عندنا أن
يدخل النار أحدٌ، بل العفو عن الجميع بموجب وعده حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ﴾ [النساء: ٤٨ - ١١٦]، وقال: ﴿يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] مرجُوٌّ.
قال الطيبي: أقول: إن التعريف في ((العمل))(١) للعهد، والإشارة به إلى
الكبائر، والدليل عليه قوله: ((وإن زنى وإن سرق)) في حديث أبي ذرّ
الآتي، وقوله: ((على ما كان عليه)) حال كما في قول الحماسيّ [من الطويل]:
بِجَانِبٍ قَوْسِي مَا مَشَيْتُ عَلَى الأَرْضِ
فَوَاللَّهِ لَا أَنْسَى قَتِيلاً رُزِئْتُهُ
عَلَى أَنَّهَا تَعْفُو الْكُلُومُ وَإِنَّمَا
يُؤَثَّلُ بِالأَدْنَى وَإِنْ جَلَّ مَا يَمْضِي
قال أبو البقاء: ((على)) وما يتّصل بها حال، أي ما أنسى بهذا الرَّزْء في
حال الكلوم، أي حالي مُخالف لحال غيري في استدامة الحُزْنِ، فالمعنى من
يشهد أن لا إله إلا الله يدخل الجنّة في حال استحقاقه العذاب بموجب أعماله
من الكبائر، أي حال هذا مخالفة للقياس في دخول الجنّة، فإن القياس
يقتضي(٢) أن لا يدخل الجنة مَنْ شأنه هذا، كما زعمت المعتزلة، وإلى هذا
المعنى ذهب أبو ذرّ رَظُه في قوله: ((وإن زنى وإن سرق))، وردّ بقوله: ((وإن
زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذرّ)). انتهى كلام الطيبيّ(٣). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٤٩] (.) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ
مُحَمَّدٍ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّنَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ
(١) هذا في رواية البخاريّ، وأما رواية مسلم، فإنها بلفظ: ((من عمل)) بالتنكير، لا
بالتعريف، فتأمّل.
(٢) التعبير بالقياس في مثل هذا الموضع محلّ نظر.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤٨١/٢ - ٤٨٢.

٦٠٣
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٩)
الصَّامِتِ، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي الْمَوْتِ، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: مَهْلاً، لِمَ
تَبْكِي؟ فَوَاللّهِ، لَئِنْ اسْتُشْهِدْتُ لِأَشْهَدَنَّ لَكَ، وَلَئِنْ شُفِّعْتُ لِأَشْفَعَنَّ لَكَ، وَلَئِنِ
اسْتَطَعْتُ لأَنْفَعَنَّكَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللّهِ مَا مِنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللّهِ وَ لَكُمْ
فِيهِ خَيْرٌ، إِلَّا حَدَّثْتُكُمُوهُ، إِلَّا حَدِيثاً وَاحِداً، وَسَوْفَ أُحَدِّئُكُمُوهُ الْيَوْمَ، وَقَدْ أُحِيطَ
بِنَفْسِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَّهَ إِلَّ اللّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً
رَسُولُ اللّهِ، حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ النَّارَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقة ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٠) (ع) ١٣٢/٨.
٢ - (لَيْثٌ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة
ثبتٌ فقيه إمام مشهور [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدم في ((شرح المقدّمة)) ٣٩٧/٢.
٣ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو محمد بن عجلان القرشيّ، مولى فاطمة بنت
الوليد بن عتبة بن ربيعة، أبو عبد الله المدنيّ، أحد العلماء العاملين، صدوقٌ،
إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ◌َ﴿﴾ [٥].
رَوَى عن أبيه، وأنس بن مالك، وسلمان أبي حازم الأشجعي،
وإبراهيم بن عبد الله بن حنين، ورجاء بن حيوة، وسُمَيّ مولى أبي بكر بن
عبد الرحمن، وصيفي مولى أبي أيوب، وعامر بن عبد الله بن الزبير،
والأعرج، وأبي الزناد، وعكرمة، ومحمد بن يحيى بن حبّان، وغيرهم.
ورَوَى عنه صالح بن كيسان، وهو أكبر منه، وعبد الوهاب بن بُخْت،
ومات قبله، وإبراهيم بن أبي عَبْلَة، وهو من أقرانه، ومالك، ومنصور، وشعبة،
وزياد بن سعد، والسفيانان، والليث، وسليمان بن بلال، ويحيى القطان،
وخلق كثير.
قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه:
سمعت ابن عيينة يقول: حدثنا محمد بن عجلان، وكان ثقة. وقال أيضاً:
سألت أبي عن محمد بن عجلان، وموسى بن عقبة؟ فقال: جميعاً ثقة، وما
أقربهما. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقدمه على داود بن

٦٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قيس الفراء. وقال الدُّوري عن ابن معين: ثقة، أوثق من محمد بن عمرو، وما
يشك في هذا أحد. كان داود بن قيس: يجلس إلى ابن عجلان يتحفظ عنه،
وكان يقول: إنها اختطلت على ابن عجلان - يعني أحاديث سعيد المقبري -.
وقال يعقوب بن شيبة: صدوق وسط. وقال أبو زرعة: ابن عجلان من الثقات.
وقال أبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان عابداً ناسكاً فقيهاً،
وكانت له حلقة في المسجد، وكان يفتي. وقال العجلي: مدني ثقة. وقال
الساجي: هو من أهل الصدق، لم يحدث عنه مالك إلا يسيراً. وقال ابن
عيينة: كان ثقة عالماً. وقال يحيى القطان عن ابن عجلان: كان سعيد المقبري
يحدث عن أبي هريرة، وعن أبيه عن أبي هريرة، وعن رجل عن أبي هريرة،
فاختلطت عليه، فجعلها كلها عن أبي هريرة. ولَمّا ذكر ابن حبان في كتاب
((الثقات)) هذه القصة قال: ليس هذا بِوَهْنٍ يُؤَهَّنُ الإنسانُ به؛ لأن الصحيفة كلها
في نفسها صحيحة، وربما قال ابن عجلان: عن سعيد، عن أبيه، عن أبي
هريرة، فهذا مما حُمل عنه قديماً قبل اختلاط صحيفته، فلا يجب الاحتجاج
إلا بما يروي عنه الثقات. وقال العقيلي: يضطرب في حديث نافع. وقال
الواقدي: سمعت عبد الله بن محمد بن عجلان يقول: حُمِل بأبي أكثر من
ثلاث سنين، قال: وقد رأيته، وسمعت منه، ومات سنة ثمان أو تسع وأربعين
ومائة، وكان ثقة، كثير الحديث. وقال ابن يونس: قدم مصر، وصار إلى
الإسكندرية، فتزوج بها امرأة، فأتاها في دبرها، فشكته إلى أهلها، فشاع
ذلك، فصاحوا به، فخرج منها، وتوفي بالمدينة سنة ثمان وأربعين.
علّق له البخاريّ، وأخرج له المصنّف في المتابعات، ولم يحتج به، وله
عنده في هذا الكتاب (١٥) حديثاً، وأخرج له الأربعة.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّنَ) - بفتح المهملة، وتشديد الموحّدة - ابن
مُنْقِذ بن عمرو بن مالك بن خَنْسَاء بن مَبْذُول بن عمرو بن غَنْم بن مازن بن
النّجّار الأنصاريّ المازنيّ، أبو عبد الله الأنصاريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٤].
رَوَى عن أبيه، وعمه واسع، ورافع بن خَديج، وأنس، وعَبّاد بن تميم،
ويحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري، والأعرج، وعمرو بن سليم الزُّرَقِيّ،
وعبد الله بن مُحيريز، وغيرهم. ورَوَى عنه الزهري، ويحيى بن سعيد

٦٠٥
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٩)
الأنصاري، وعبد ربه بن سعيد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وربيعة بن عثمان
التيمي، وابن عجلان، وابن إسحاق، ومالك، وآخرون. قال ابن معين، وأبو
حاتم، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال الواقدي: كانت له
حلقة في مسجد المدينة، وكان يفتي، وكان ثقة، كثير الحديث، مات بالمدينة
سنة إحدى وعشرين ومائة، وهو ابن أربع وسبعين سنة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثاً .
٥ - (ابْنُ مُحَيْرِيزٍ) هو: عبد الله بن مُحَيريز - بمهملة، وراء، آخره زاي،
مصغّراً - ابن جُنَادة بنَ وهب بن لُوذان بن سَعْد بن جُمَح بن عَمْرو بن هُصَيص
الْجُمحيّ - بضم الجيم، وفتح الميم، بعدها مهملة - أبو مُحَيريز المكيّ، من
رَهْط أبي مَحْذُورةٍ، وكان يتيماً في حَجْرِهِ، نَزَلَ الشامَ، وسَكَنَ بيت المقدس،
ثقة عابدٌ [٣].
رَوَى عن أبي محذورة، وأبي سعيد الخدريّ، ومعاوية، وأبي صِرْمَة
الأنصاريّ، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن السَّعْديّ، وأم الدرداء، وغيرهم.
وروى عنه عبد الملك بن أبي محذورة، وعبد العزيز بن عبد الملك بن
أبي محذورة، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، ومكحول الشاميّ، وبسر بن عبد الله
الحضرميّ، وغيرهم.
قال أبو زرعة: ابن مُحَيريز الْمُقَدَّم - يعني على خالد بن معدان - وكان
الأوزاعيّ لا يذكر خمسة من السلف، إلا ذكر فيهم ابن مُحَيريز، ورَفَع من ذكره
وفضله، قال دُحَيم: ورأيته أجلَّ أهل الشام عند أبي زرعة، بعد أبي إدريس،
وأهلٍ طبقته، وقال ضمرة عن الأوزاعيّ: كان ابن أبي زكريا يَقْدَمُ فلسطين،
فيَلْقَى ابن محيريز، فتتصاغر إليه نفسه؛ لِمَا يَرَى من فضل ابن محيريز، وقال
رَجَاء بن حَيْوَة: إن كان أهل المدينة لَيَرون ابن عمر فيهم أَمَاناً، وإنّا نَرَى ابن
محيريز فينا أماناً، وعن الأوزاعي قال: من كان مقتدياً فليقتد بمثل ابن محيريز،
وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقةٌ، من خيار المسلمين، وقال ابن أبي خيثمة: لم
يكن أحدٌ بالشام يَعِيب الحجاج علانيةً إلا ابن محيريز، وفي ((الزهد)) لأحمد عن
أبي زرعة الشيباني: لم يكن بالشام يُظْهِرُ عيب الحجاج إلا ابن محيريز، وأبو
الأبيض الْعَنْسيّ، وقال له الوليد: لَتَنْتَهِيَنَّ عنه، أو لأبعثَنّ بك إليه.

٦٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقد ذكره العقيليّ في ((الصحابة))، وساق بسنده إلى أبي قلابة، عن ابن
محیریز، وكانت له صحبة، فذكر خبراً.
قال الحافظ: وهذا إن كان محفوظاً يكون صحابيّاً لم يُسَمَّ، وأما عبد الله،
فتابعيّ لا ريب فيه، وقد بالغ ابن عبد البر في الإنكار على الْعُقيليّ في ذلك،
وقال ابن خِرَاش: كان من خيار الناس، وثقات المسلمين، وقال النسائيّ:
ثقة .
قال خليفة: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقال ضمرة بن ربيعة:
مات في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكذا قال ابن حبان في ((الثقات)).
قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبيّ: مات سنة تسع وتسعين، انتهى، وهو
مقضى قول الهيثم بن عديّ: إنه مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وأما
الكلاباذيّ، فقال في ((رجال البخاريّ)): مات في خلافة الوليد بن عبد الملك
كما تقدم. انتهى(١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا،
و(٣٧٩) و(١٤٣٨) وأعاده بعده.
٦ - (الصُّنَابحيّ) عبد الرحمن بن عُسَيلة - بمهملة، مصغّراً - ابن عِسْل بن
عَسّال المراديّ، أبو عبد الله الصُّنَابحيّ(٢)، من كبار التابعين، رَحَلَ إلى
النبيّ ◌َّرَ، فوجده قد مات، وهو في الطريق، وهو بالجحفة، قبل أن يَصِلَ إلى
المدينة بخمس ليال، أو ست، فسمع أبا بكر الصديق، وخلائق من الصحابة
رضي الله عنهم أجمعين.
رَوَى عن النبيّ ◌َّه مرسلاً، وعن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وبلال،
وسعد بن عبادة، وعمرو بن عَبَسَةَ، وشداد بن أوس، ومعاذ بن جبل،
ومعاوية، وعائشة.
وروى عنه أسلم مولى عمر، وربيعة بن يزيد الدمشقيّ، وأبو الخير
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٤٢٩/٢.
(٢) بضم الصاد المهملة، وتخفيف النون: نسبة إلى الصُّنَابح: بطن من مراد. ((شرح
النووي)) ٢٢٨/١.

٦٠٧
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٩)
مرثد بن عبد الله اليزنيّ، وعطاء بن يسار، وسُويد بن غَفَلة، وعبد الله بن
محيريز، ومحمود بن لبيد الأنصاريّ، وعبد الله بن سعد البجليّ الكاتب،
وجماعة .
قال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث.
وقال يعقوب بن شيبة: هؤلاء الصنابحيون الذين يُرْوَى عنهم في العدد
ستة، وإنما هما اثنان فقط: الصنابحيّ الأحمسيّ، وهو الصنابح الأحمسيّ،
هذان واحد، مَن قال فيه: الصنابحيّ فقد أخطأ، وهو الذي يروي عنه
الكوفيون، والثاني: عبد الرحمن بن عُسَيلة، كنيته أبو عبد الله، لم يدرك
النبيّ وَّرَ، بل أرسل عنه، وروى عن أبي بكر وغيره، فمَن قال عن عبد الرحمن
الصنابحيّ، فقد أصاب اسمه، ومن قال: عن أبي عبد الله الصنابحيّ، فقد
أصاب كنيته، وهو رجل واحد، ومن قال: عن أبي عبد الرحمن، فقد أخطأ،
قَلَبَ اسمه، فجعله كنيته، ومَن قال: عن عبد الله الصنابحيّ، فقد أخطأ، قَلَب
كنيته، فجعلها اسمه، هذا قول علي بن المدينيّ، ومن تابعه، وهذا الصواب
عندي، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة، وكان كثير المناقب، فمن أجلّها ما
أخرجه الطبراني في مسند عبادة، من طريق ابن محيريز، قال: عُدْنَا عبادة بن
الصامت، فأقبل أبو عبد الله الصنابحيّ، فقال عبادة: مَن سَرَّه أن ينظر إلى
رجل، عُرِج به إلى السماء، فنَظَرَ أهل الجنة، وأهل النار، فرَجَعَ وهو يعمل
على ما رأى، فلينظر إلى هذا.
وذكر ابن حبان في ((الثقات)) عبد الرحمن بن عسيلة نحو ما ذكره ابن
سعد، وقال ابن يونس: شَهِدَ فتح مصر، وقال ابن معين: تأخر إلى زمن
عبد الملك بن مروان، وكان عبد الملك يُجلسه معه على السرير، وذكره
البخاري في ((التاريخ الأوسط)) في ((فصل من مات ما بين السبعين
والثمانين)).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث،
وحديث (١٧٠٩): ((بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئاً ... )).
٧ - (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم.

٦٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أنه اجتمع فيه أربعة تابعيون، يروي بعضهم عن بعض: ابن
عجلان، عن ابن حَبّان، عبد الله بن مُحَيريز، عن الصُّنَابحيّ.
٣ - (ومنها): أن الصُّنابحيّ هذا، وهو تابعيّ كبير، ربما اشتبه على من
لا دراية له بمعرفة الرجال بالصُّنابح بن الأعسر الصحابيّ نَّ ◌ُبه، فينبغي الانتباه
لهذا الفرق. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الصُّنَابِحِيّ) - بضم الصاد المهملة - عبد الرحمن بن عُسَيلة (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ
الصَّامِتِ) رَّبُهُ (أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ)، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا كثير
يقع مثله، وفيه صنعةٌ حسنةٌ، وتقديره: عن الصُّنابحيّ أنه حَدَّثَ عن عبادة بحديث،
قال فيه: دَخلتُ عليه، ومثله ما سيأتي قريباً في ((كتاب الإيمان))، في حديث:
(ثلاثة يُؤْتَون أجرهم مرتين))، قال مسلم كَثْتُهُ: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: أنا
هشيم، عن صالح بن صالح، عن الشعبيّ، قال: رأيت رجلاً سأل الشعبيّ،
فقال: يا أبا عمرو إن من قبلنا من أهل خراسان، ناس يقولون كذا، فقال الشعبيّ:
حدثني أبو بردة، عن أبيه ... فهذا الحديث من النوع الذي نحن فيه، فتقديره:
قال هشيم: حدثني صالح، عن الشعبيّ بحديثٍ قال فيه صالح: رأيت رجلاً سأل
الشعبيّ، ونظائر هذا كثيرةٌ، سننبه على كثير منها في مواضعها - إن شاء الله تعالى -
والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ مفيدٌ.
(وَهُوَ فِي الْمَوْتِ) جملة في محلّ نصب على الحال من ضمير ((عليه))،
أي والحال أن عبادة ظُه في حال الموت، أي ظهرت عليه أماراته (فَبَكَيْتُ)
بفتح الكاف، من باب ضرب، قال الأبيّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون
بكاؤه لِمَا رأى به من كرب الموت، أو لفقده الانتفاع به، والأظهر أنه لذكره
القدوم على الله تعالى؛ لأنه المناسب لتسليته بما ذُكر. انتهى (١).
(١) ((شرح الأبيّ)) ١١٩/١ - ١٢٠.

٦٠٩
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٩)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل الأظهر بكاؤه تأسّفاً على ما فقده من
الانتفاع به، ولما رآه من كرب الموت عليه، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ: مَهْلاً) بإسكان الهاء، وتُفتح(١)، ومعناه أنظرني، قال
الجوهري(٢): يقال: مَهْلاً يا رجل، بالسكون وكذلك للاثنين والجمع
والمؤنث، وهي موحدة، بمعنى أَمْهِلْ، فإذا قيل لك: مهلاً، قلت: لا مَهْلَ
والله، ولا تقل: لا مهلاً والله، وتقول: ما مَهْلٌ والله بمغنية عنك شيئاً، قال
الكميت [من الوافر]:
أَقُولُ لَهُ إِذَا مَا جَاءَ مَهْلاً وَمَا مَهْلٌ بِوَاعِظَةِ الْجَهُولِ
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ليس فيه نهيٌ عن البكاء؛ لأن النهي
إنما وقع بعد الوجوب والموتِ، وفي بكاء بصفة مخصوصة، تأتي مفسَّرة - إن
شاء الله - في ((الجنائز))، انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار القاضي بهذا إلى حديث جابر بن
رَُّهُ أن رسول الله وَّ جاء يعود عبد الله بن ثابت، فوجده قد غُلِب،
عَنِیك
فصاح به رسول الله وَّر فلم يُجِبه، فاسترجع رسول الله وَ له وقال: غُلِينا عليك
يا أبا الربيع، فصاح النسوة وبَكَيْنَ، فجعل ابن عتيك يُسَكِّتهن، فقال
رسول الله وَّل: ((دَعْهُنّ، فإذا وجب، فلا تَبْكِيَنّ باكية)»، قالوا: وما الوجوب يا
رسول الله؟ قال: الموت ... الحديث(٤).
والحاصل أن الجمهور على جواز البكاء قبل الموت، والأولى تركه بعد
الموت، وهذا الحكم خاصّ بجريان الدمع من أثر الرحمة وحزن القلب، دون
ندب ونياحة، فإن ذلك وأمثاله من لطم الخدود، وشقّ الجيوب، وخمش
(١) هكذا جوّز الوجهين في هائه في ((القاموس)). و((المصباح))، فما في ((شرح النوويّ))
من ضبطه بإسكان الهاء فقط تقصير، فتنبّه.
(٢) راجع: ((الصلح)) ١٤٨٢/٤ - ١٤٨٣.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٢٣٥/١.
(٤) حديث صحيح أخرجه مالك في ((الموطإٍ)) ٢٣٣/١ وأحمد في ((مسنده)) رقم
(٢٢٦٣٣) وأبو داود (٢٧٠٤) والنسائيّ (١٨٢٣) والحاكم في ((المستدرك)) ٣٥٢/١
وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبيّ.

٦١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الوجوه، ونشر الشعر، والدعاء بالويل والثبور، كلّ ذلك محرم بلا خلاف بين
العلماء، وعلى الصفة الأولى حملوا الأحاديث الواردة في إباحة البكاء، وعلى
الصفة الثانية حملوا الأحاديث الواردة في النهي عنه، جمعاً بين الأدلّة، وسيأتي
تمام البحث في هذا في ((كتاب الجنائز)) - إن شاء الله تعالى -. والله تعالى أعلم.
(لِمَ تَبْكِي؟ فَوَ اللهِ، لَئِنِ اسْتُشْهِدْتُ) بالبناء للمفعول، أي طلب منّي أن
أَشْهَدَ الأَشْهَدَنَّ لَكَ) أي بكونك من أهل الخير والصلاح (وَلَئِنِ شُفِّعْتُ) بالبناء
للمفعول أيضاً: أي قُبِلت شفاعتي (الأَشْفَعَنَّ لَكَ، وَلَئِنِ اسْتَطَعْتُ) بحذف
المفعول بدليل ما بعده، أي النفعَ لك (لأَنْفَعَنَّكَ، ثُمَّ قَالَ) عبادة ◌َظُه (وَاللهِ مَا مِنْ
حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ إِلَّا حَدَّثْتُكُمُوهُ)، قال القاضي
عياض رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على أنه كَتَمَ ما خَشِيَ عليهم المضرّة فيه
والفتنة، مما لا يحتمله عقل كل واحد، وذلك فيما ليس تحته عَمَلٌ، ولا فيه
حَدٌّ من حدود الشريعة، قال: ومثل هذا عن الصحابة ظّه كثيرٌ في ترك
الحديث بما ليس تحته عَمَلٌ، ولا تدعو إليه ضرورة، أو لا تحتمله عقول
العامة، أو خُشِيت مضرته على قائله، أو سامعه، لا سيما ما يتعلق بأخبار
المنافقين والإمارة، وتعيين أقوام وُصِفُوا بأوصاف غير مستحسنة، وذم آخرين
ولعنهم. انتهى (١).
(إِلَّا حَدِيثاً وَاحِداً، وَسَوْفَ أُحَدَّثُكُمُوهُ الْيَوْمَ، وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي)، يعني
قَرُبْتُ من الموت، وأيست من النجاة والحياة، قال صاحب ((التحرير)): أصلُ
الكلمة في الرجل يجتمع عليه أعداؤه، فيقصدونه، فيأخذون عليه جميع
الجوانب، بحيث لا يبقى له في الخلاص مَطْمَعٌ، فيقال: أحاطوا به، أي
أطافوا به من جوانبه، ومقصوده قَرُبَ موتي.
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَوَ يَقُولُ: ((مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً
رَسُولُ اللهِ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ) أي منعه من دخولها، وهو بمعنى الحديث
الماضي: ((أدخله الله الجنة))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((إكمال المعلم)) ٢٣٥/١ - ٢٣٦.

٦١١
(١١) - بَابُ حَقِّ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ - حديث رقم (١٥٠)
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى) :
حديث عبادة بن الصامت عته هذا من أفراد المصنّف، لم يُخرجه
البخاريّ.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٩/١٠] (٢٩) عن قتيبة بن سعيد، عن
الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبّان، عن
عبد الله بن مُحیریز، عنه.
و(الترمذي) (٢٣٦٨) عن قتيبة به، و(أحمد) في ((مسنده)) ٣١٨/٥ عن
يونس بن محمد، عن الليث به، و٣١٨/٥ عن قتيبة به، و(عبد بن حميد) في
((مسنده) عن ابن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر سليمان بن حيّان، عن محمد بن
عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبّان، عن ابن محيريز، فقال: كنا جلوساً عند
عبادة بن الصامت، إذ جاء الصنابحيّ، فبكى، فقال له: ما يُبكيك ... فذكره،
و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (١١٢٨) عن قتيبة بن سعيد به و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٢٦) و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٦)، و(ابن حبان) في
(صحيحه)) (٢٠٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
[هود: ٨٨].
(١١) - (بَابُ حَقِّ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ)
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٥٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ،
حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، عَنْ مُعَاذِ بْنٍ جَبَلٍ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ وَّهِ، لَيْسَ بَيْنِي
وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: ((يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلِ))، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ
وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: ((يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَّل))، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ
وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: ((يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلَ))، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ

٦١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: ((هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟))، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ
أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ، أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً))، ثُمَّ سَارَ
سَاعَةً، قَالَ: ((يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَل))، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: ((هَلْ
تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟))، قَالَ: قُلْتُ: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ،
قَالَ: ((أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ) - بفتح الهاء، وتشديد الدال ـ ويقال له:
هُذْبَة - بضمّ أوله، وسكون الدال، بعدها موحّدة - ابن خالد بن الأسود القيسيّ
الثوباني، أبو خالد البصريّ الحافظ، ثقة عابدٌ، تفرّد النسائيّ بتليينه، من
صغار [٩].
رَوَى عن أخيه أمية بن خالد، وجرير بن حازم، وهمام بن يحيى،
والحمادين، وحماد بن الْجَعْد، وسليمان بن المغيرة، وأبان بن يزيد العطار،
وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وأبو حاتم، وحرب بن
إسماعيل، وعبد الله بن أحمد،. وزكرياء الساجيّ، وبَقِيّ بن مَخْلَد،
والحارث بن أبي أسامة، وابن أبي عاصم، والبزار، والحسن بن سفيان،
والمعمري، وغيرهم.
قال علي بن الجنيد، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال
النسائيّ: ضعيف، وقال عبدان الأهوازيّ: سمعت عباس بن عبد العظيم يقول:
هي كتب أمية بن خالد - يعني الذي يحدث به هُذْبة - وقال عبدان: كنّا لا
نصلي خلف هُذْبة من طول صلاته، يُسَبِّح نيفاً وثلاثين تسبيحة، وقال ابن
عديّ: سمعت أبا يعلى، وسئل عن هدية وشيبان، أيهما أفضل؟ فقال: هدية
أفضلهما، وأوثقهما حديثاً، وكان حديث حماد بن سلمة عنده نسختين، نسخة
على الشيوخ، ونسخة على المصنفين، وقال الحسن بن سفيان: سمعت هدية
يقول: صليت على شعبة، وقال ابن عدي: لم أر له حديثاً منكراً، وهو كثير
الحديث، صدوق لا بأس به، وقد وثقه الناس.

٦١٣
(١١) - بَابُ حَقِّ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ - حديث رقم (١٥٠)
قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبيّ: قَوّاه النسائي مَرّةً، وضعفه مرةً.
قال أبو داود، عن محمد بن عبد الملك: مات سنة خمس وثلاثين،
وقال ابن حبان في ((الثقات)): مات سنة ست أو سبع وثلاثين، وقال غيره:
مات سنة ثمان أو تسع وثلاثين ومائتين، وقال ابن قانع: مات أول سنة ست،
وهو صالح، وفيها ذكره الْقَرّاب، عن موسى بن هارون، وقال الآجريّ، عن
أبي داود: هدبة أعلى عندنا - يعني من شيبان - قيل له: في سماعه من أخيه
من الشيوخ؟ فقال: لا يُنكر له السماع، وقال مسلمة بن قاسم: بصريّ ثقة.
تفرّد به البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب (٣٤)
حديثاً .
٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقة
ربّما وَهِمَ [٧] (ت١٦٤) (ع) ٦٩/٥.
٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبتُ، رأس
[٤] (ت١١٧) (ع) ٦٩/٥.
٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر، أبو حمزة الصحابيّ الخادم الشهير
مات سنة (٢) أو (٩٣) وقد جاوز مائة (ع) ٢/١.
رضىعنه،
٥ - (مُعَاذُ بْنُ جَبَل) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الْخَزرجيّ، أبو
عبد الرحمن، من أعيان الصحابة ﴿ه، شهد بدراً وما بعدها، مات بالشام سنة
(١٨) (ع) ١٢٩/٦، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أنّ شيخه مشهور بهدّاب، وهُذْبة، وقد ذكره المصنّف
رحمه الله تعالى في مواضع من الكتاب، يقول في بعضها: هُدْبة، وفي بعضها:
هَذّاب، واتفقوا على أن أحدهما اسم، والآخر لقبٌ، ثم اختلفوا في الاسم
منهما، فقال أبو عليّ الغسّانيّ، وأبو محمد عبد الله بن الحسن الطَّبَسيّ(١)،
(١) ((الطَّبَسيّ)) بفتحتين نسبة إلى طبس: مدينة بين نيسابور وأصبهان، وكرمان، وأبو محمد =

٦١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وصاحب ((المطالع))، والحافظ عبد الغنيّ المقدسيّ المتأخّر: هُذْبة هو الاسم،
وهَدّاب لقبٌ، وقال غيرهم: هَدّابٌ اسم، وهُذْبة لقبٌ، واختار الشيخ أبو
عَمْرٍو بن الصلاح هذا، وأنكر الأول، وقال أبو الفضل الفلكيّ الحافظ: إنه
كان يَغضَبُ إذا قيل له: هُذْبة، وذكره البخاريّ في ((تاريخه))، فقال: هدبة بن
خالد، ولم يذكر هدّاباً، فظاهره أنه اختار أن هدبة هو الاسم، والبخاريّ
أعرف من غيره، فإنه شيخه وشيخ مسلم رحمهم الله تعالى أجمعين، ذكره
النوويّ رحمه الله تعالى، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرد به هو،
والبخاري، وأبو داود.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير معاذ رَؤُه، فمدنيّ، ثم نزل
الشام، ومات بها .
٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) رَُ هذا ظاهرٌ في أنه من مسند معاذ ◌َُّته، أخذه
أنس عنه، قال في ((الفتح)): هكذا رواه هَمّام، عن قتادة، ومقتضاه التصريح
بأنه من مسند معاذ ظُه، وخالفه هشام الدستوائيّ، عن قتادة، فقال: ((عن
أنس أن النبيّ وَّ قال - ومعاذٌ رَدِيُفُه على الرَّحْل -: ((يا معاذ))، قال: وقد تقدم
في أواخر ((كتاب العلم))، ومقتضاه أنه من مسند أنس، والمعتمد الأول،
ويؤيده أن البخاريّ أتبع رواية هشام رواية سليمان التيميّ، عن أنس، قال:
ذُكِرَ لي أن النبيّ ◌َ يّ قال لمعاذ، فدَلَّ على أن أنساً لم يسمعه من النبيّ ◌ََّ،
واحتَمَلَ قوله: ((ذُكِرَ)) على البناء للمجهول أن يكون أنسٌ حمله عن معاذ
بواسطة، أو بغير واسطة، قال: وقد أشرت في شرحه في ((العلم)) إلى احتمال
أن يكون أنس حمله عن عمرو بن ميمون الأوديّ، عن معاذ، أو من
= هذا ممن جال الأقطار، وسمع الكثير من الشيوخ، وخرّج لهم التاريخ، وكان
حافظاً ثقة، توفّي سنة (٤٤٩هـ) بمرو الروذ ((اللباب)) ٢٧٤/٢ ((المنتظم)) ٩/ ١٢٥٨.

٦١٥
(١١) - بَابُ حَقِّ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ - حديث رقم (١٥٠)
عبد الرحمن بن سَمُرَة، عن معاذ، وهذا كله بناءٌ على أنه حديث واحد، وقد
رَجَحَ لي أنهما حديثان، وإن اتَّحَد مخرجهما، عن قتادة، عن أنس، ومتنهما
في كون معاذ رِدْفَ النبيّ ◌َ﴿ للاختلاف فيما وردا فيه، وهو أن حديث الباب
في حق الله على العباد، وحق العباد على الله، والماضي فيمن لقي الله لا
يشرك به شيئاً، وكذا رواية أبي عثمان النَّهْديّ، وأبي رَزِين، وأبي الْعَوّام كلهم
عن معاذ، عند أحمد، ورواية عمرو بن ميمون موافقة لرواية حديث الباب،
ونحوُها رواية عبد الرحمن بن سَمُرة، عن معاذ عند النسائيّ، والرواية الأخرى
موافقة لرواية هشام التي في ((العلم))، قال: وقد أشرت إلى شيء من ذلك في
(باب اسم الفرس والحمار))، من ((كتاب الجهاد))، وقد جاء عن أنس، عن
معاذ نحو حديث الباب، أخرجه أحمد من طريق الأعمش، عن أبي سفيان،
عن أنس، قال: أتينا معاذاً، فقلنا: حَدِّثنا من غرائب حديث رسول الله وَلِيهِ،
فذكر مثل حديث همام، عن قتادة. انتهى كلام الحافظ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ.
(قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ وَّ) - بكسر الراء، وإسكان الدال ــ هذه الرواية
المشهورة التي ضبطها معظم الرواة، وحَكَى القاضي عياض رحمه الله تعالى أن
أبا عليّ الطبريّ الفقيه الشافعيّ أحدَ رواة الكتاب ضبطه بفتح الراء، وكسر
الدال، و((الرِّدْف))، و((الرَّدِيف)) هو الراكب، يقال منه: رَدِفْتُهُ بكسر الدال في
الماضي، وفتحها في المضارع: إذا ركبتَ خلفه، وأردفته أنا رباعيّاً، وأصله
من ركوبه على الرِّدف، وهو الْعَجُز، قال القاضي: ولا وجه لرواية الطبريّ إلا
أن يكون فَعِلٌ هنا اسم فاعل، مثلُ (عَجِلٍ))، و((زَمِنٍ))، و((فَرِقٍ))، إن صحت
رواية الطبريّ، انتهى(٢).
[تنبيه]: قد أفرد الحافظ ابن منده رحمه الله تعالى أسماء من أردفه
النبيّ وَّهِ خلفه، فبلغوا ثلاثين نفساً، ذكره في ((الفتح)) (٣) (لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ) وَّة
أراد به المبالغة في شدة قربه؛ ليكون أوقع في نفس سامعه أنه ضابطٌ ما رواه
(١) ((الفتح)) ٤١١/١١ ((كتاب الرقاق)) رقم الحديث (٦٥٠٠).
(٢) ((إكمال المعلم)) ٢٣٦/١ - ٢٣٧ و((شرح النوويّ)) ٢٣٠/١.
(٣) ((الفتح)) ٤١٢/١٠ ((كتاب اللباس)) رقم الحديث (٥٩٦٧).

البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٦١٦
(إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ) - بضم الميم، بعده همزة ساكنة، ثم خاء مكسورة ــ هذا هو
الصحيح، وفيه لغة أخرى: ((مُؤَخَّرَةٌ)) - بفتح الهمزة، والخاء المشددة - قال
القاضي عياض تخّثُ: أنكر ابن قتيبة فتح الخاء، وقال ثابت السَّرَقسطيّ :
(مُؤَخَّرَةُ الرحل، ومُقَدَّمَتُهُ)) بفتحهما، ويقال: ((آخرة الرحل))، بهمزة ممدودة،
وهذه أفصح وأشهر، وقد جمع الجوهريّ في ((صحاحه)) فيها ست لغات، فقال
في ((قادمتي الرحل)): ست لغات: مُقْدِمٌ، ومُقْدِمَةٌ بكسر الدال مخففةً، ومُقَدَّمٌ،
ومُقَدَّمَةٌ، بفتح الدال مشددة، وقَادِمٌ، وقَادِمَةٌ، قال: وكذلك هذه اللغات كلها
في ((آخرة الرحل))، وهي الْعُودُ الذي يكون خلف الراكب، كذا نقله النوويّ في
((شرحە))(١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((إلا مؤخرة الرحل))، كذا وقع
ها هنا ((مُؤْخِرة))، وقرأناه على من يوثَقُ بعلمه بضم الميم، وفتح الراء، والخاء
المشدّدة على أنه اسم مفعول؛ لأنها تُؤخِّر، وأنكر هذا اللفظ يعقوب، وابن
قُتيبة، وقالا: المعروف عند العرب ((آخِرَةُ الرَّحْل))، وهي العود الذي خلف
الراكب، وتقابله قادمته، وقيل فيها: مؤخرة بهمز الواو خفيفة، وكسر الخاء،
حكاهما صاحب ((الصحاح))، وأبو عُبيدة.
و((الرَّحْلُ)) للبعير كالسرج للفرس، والإكاف للحمار. انتهى(٢).
وعبارة ابن الصلاح في ((الصيانة)): ((مؤخرة الرحل)): هي التي خلف
الراكب، يستند إليها، والأكثر الأغلب تسميتها ((آخرة الرحل))، وهي مُؤْخِرةٌ
الرحلِ)) بميم مضمومة، ثم همزة ساكنة، ثم خاء مكسورة خفيفة، وقالها بعض
الرواة بفتح الهمزة، وفتح الخاء المشدّدة، وهو غالبٌ على ألسنة الطلبة، وليس
ذلك بثابت .
وحكى القاضي عياض رحمه الله تعالى في كتابيه ((مشارق الأنوار))،
و((إكمال المعلم)) عن ابن مكيّ أنه أنكر الكسر، وقال: لا يقال: ((مُقدم))، ولا
(مؤخر)) بالكسر، إلا في العين - يعني قولهم: مُقَدِّم العين، ومؤخرها .
قال ابن الصلاح: وهذا الذي حكاه عن أبي حفص عمر بن مكيّ
(١) ((شرح مسلم)) ٢٣٠/١.
(٢) ((المفهم)) ٢٠٢/١.

٦١٧
(١١) - بَابُ حَقِّ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ - حديث رقم (١٥٠)
الصقليّ، صاحب كتاب ((ما تلحن فيه العامّة)) معروف عن الخليل، ومن تقدّم
من أهل اللغة، وما توهّمه القاضي من كونه مخالفاً لما تقدّم ذكرُهُ وهَمٍ منه،
فإن ذلك في مُقَدَّم، ومؤخّر، بغير تاء التأنيث، والمراد به أنه لا يقال: ((مُؤَخِّر
السفينة))، وغيرها، و((مُقَدِّمُها)) بالكسر، بل ((مُؤَخَّرُها))، و((مقَدَّمُها)) بالفتح
والتشديد، وليس في ذلك تعرّض لمؤخرة الرحل بتاء التأنيث، وهما نوعان،
فاعلم ذلك، والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح(١) وهو تحقيق جيد.
(فَقَالَ) وَِّ (يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) يجوز في ((معاذ)) وجهان من الإعراب،
أحدهما: الفتح، والضمّ، كما أشار إليه في ((الخلاصة)) بقوله:
وَنَحْوَ ((زَيْدٍ)) ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ نَحْوِ ((أَزَيْدُ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ))
أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا
وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا
وحاصل المسألة أنه إذا كان المنادى مفرداً علماً، ووُصف بابن ((مضافٍ
إلى علم، ولم يُفصَل بين المنادى وبين ((ابن)) جاز لك في المنادى وجهان:
البناء على الضمّ، على الأصل؛ لأنه منادى مفرد علم، فتقول: ((يا معاذُ بنَ
جبل))، فتضم الذال، والفتح؛ إتباعاً، فتقول: ((يا معاذ بن جبل))، فتفتحها،
ويجب حذف ألف ((ابن)) والحالة هذه خطًّا.
وأما إذا لم يقع ((ابن)) بعد علم، نحو ((يا غلامُ ابنَ عمرو))، أو لم يقع
بعده علمٌ، نحو ((يا زيدُ ابنَ أخينا))، وجب ضمّ المنادى، وامتنع فتحه، ويجب
إثبات ألف ((ابن))، والحالة هذه(٢).
(قُلْتُ: لَبَّيْكَ) بفتح اللام، تثنية ((لَبّ))، ومعناه إجابةً لك بعد إجابة،
وقيل: قرباً منك، وطاعةً لك، وقيل: أنا مقيم على طاعتك، وقيل: محبتي
لك، وقيل: غير ذلك.
وقال الخليل: لَبّ بالمكان: أقام به، حكاه عنه أبو عبيدة، قال الفرّاءُ:
ومنه قولهم: لبيك: أي أنا مقيم على طاعتك، وكان حقّه أن يقال: لبًّا لك،
فثُنّي على معنى التأكيد، أي إلبَاباً لك بعد إلباب، وإقامةً بعد إقامة، قال
(١) ((صيانة صحيح مسلم)) ص١٨٣ - ١٨٤.
(٢) راجع: ((شرح ابن عقيل على الخلاصة مع حاشية الخضريّ)) ١١٦/٢ - ١١٨.

٦١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الخليل: هذا من قولهم: دار فلان تلبّ داري: أي تحاذيها، أي مواجهك بما
تُحبّ إجابةً له، والياء للتثنية، وقال ابن الأنباريّ في ((لبيك)) أربعة أقوال:
[أحدها]: إجابتي لك، مأخوذ من لَبَّ بالمكان، وألبّ به: إذا أقام به،
وقالوا: لبيك، فثنَّوْا؛ لأنهم أرادوا إجابةً بعد إجابةٍ، كما قالوا: حَنَانَيْكَ: أي
رحمةً بعد رحمةٍ، وقال بعض النحويين: أصل ((لبيك)) لبّبك، فاستثقل الجمع
بين ثلاث باءات، فأبدلوا من الثالثة ياء، كما قالوا: تظنّيتُ، أصله تظَنّنْتُ.
[والثاني]: اتّجاهي يا ربّ، وقصدي لك، فتُنِّيَ للتأكيد؛ أخذاً من
قولهم: داري تلبّ دارك، أي تواجهها .
[والثالث]: محبّتي لك يا ربّ، من قول العرب: امرأةٌ لَّةٌ: إذا كانت
محبّةً لولدها، عاطفةً عليه.
[والرابع]: إخلاصي له يا ربّ، من قوله: حَسَبٌ لُبَابٌ إذا كان خالصاً
محضاً، ومن ذلك لُبُّ الطعام، ولبابه(١) .
[تنبيه]: ((لبيك)) من المصادر التي يجب حذف فعلها، ونصبه، وكان حقّه
أن يقال: لَّاً لك، ولكنه تُنّ على معنى التأكيد، فأصله ((لبّين))، فحذفت النون
للإضافة، كما في ((الخلاصة)):
نُوناً تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَ«طُورٍ سِينَا))
قال الفراء: نُصِب على المصدريّة، وقال ابن السكّيت: كقولك: حمداً
وشكراً .
وهو من الأسماء الملازمة للإضافة إلى الضمير، كـ((سَعْدَيك))، كما قال
في ((الخلاصة)) أيضاً:
إِيلَاؤُهُ اسْماً ظَاهِراً حَيْثُ وَقَعْ
وَبَعْضُ مَا يُضَافُ حَتْماً امْتَنَعْ
وَشَذَّ إِيلَاءُ ((يَدَيْ)) لِـالَبَّيْ))
كَ((وَحْدَ)) ((لَبَّيْ)) وَ((دَوَالَيْ)) ((سَعْدَيْ))
(رَسُولَ اللهِ) بالنصب على أنه منادى حُذف منه حرف النداء، وهو جائزٌ،
كما قال في «الخلاصة»:
وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا جَا مُسْتَغَاثاً قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٠٦/٢.

(١١) - بَابُ حَقِّ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ - حديث رقم (١٥٠)
٦١٩
وقال الحريريّ في ((ملحته)) :
وَحَذْفُ ((يَا)) يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ كَقَوْلِهِمْ ((رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي))
أي: يا رسول الله (وَسَعْدَيْكَ) هو مثل ((لبيك))، ومعناه إسعاداً لك بعد
إسعاد، وقال النوويّ: معنى ((سعديك)): أي ساعدت طاعتك مساعدةً بعد
مساعدة .
(ثُمَّ سَارَ) وَِّ (سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ) وَ (يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَل))، قُلْتُ: لَبَّيْكَ
رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ) وَّرِ (سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: ((يَا مُعَاذَّبْنَ جَبَل))، قُلْتُ:
لَبَّيْكَ رسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ) إنما كرر النبيّ وَّ نداء معاذ ◌َظُه ثلاثاً؛ لتأكيد
الاهتمام بما يُخبره به، وليكمل تَنَبُّهُ معاذٍ فيما يَسمعه، وقد ثبت في ((الصحيح))
أنه وَلّ: ((كان إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثاً))، لهذا المعنى، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) وَ (هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟)، قال القرطبيّ رحمه الله
تعالى: حقّ الله على عباده: ما أوجبه عليهم بحكمه، وألزمهم إِيَّاهُ بخطابه
(١)
انتھی(١).
وقال صاحب ((التحرير)): اعلم أنّ الحقّ كلُّ موجودٍ متحققٍ، أو ما
سيوجد لا مَحَالةَ، والله وَلَ هو الحق الموجود الأزليّ الباقي الأبديّ، والموت
والساعة والجنة والنار حقٌّ؛ لأنها واقعة لا مَحالَةَ، وإذا قيل للكلام الصدقِ:
حقٌّ، فمعناه أن الشيء الْمُخْبَرَ عنه بذلك الخبر واقع، متحققٌ، لا تردُّد فيه،
وكذلك الحق المستَحَقُّ على العبد من غير أن يكون فيه تردد وتحير، فحقُّ الله
تعالى على العباد، معناه ما يستحقه عليهم مُتَحَتِّماً عليهم، وحق العباد على الله
تعالى معناه أنه متحققٌ لا مَحَالةَ، هذا كلام صاحب ((التحرير)).
وقال غيره: إنما قال: ((حقهم على الله تعالى)) على جهة المقابلة لحقه
عليهم، ويجوز أن يكون من نحو قول الرجل لصاحبه: حَقُّكَ واجب عليَّ، أي
متأكد قيامي به، ومنه قول النبيّ وَّهِ: ((حَقٌّ على كل مسلم أن يغتسل في كل
سبعة أيام))، والله تعالى أعلم، ذكره النوويّ في ((شرحه)(٢).
(قَالَ) معاذ ◌َُّهَ (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) وَِّ (فَإِنَّ حَقَّ اللّهِ عَلَى
(١) ((المفهم)) ١/ ٢٠٣.
(٢) (شرح مسلم)) ٢٣١/١.

٦٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الْعِبَادِ، أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً)، المراد بالعبادة عملُ الطاعات،
واجتناب المعاصي، ولقد أحسن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى حيث عرّف
العبادة بتعريف جامع مانع، فقال في ((نونيّته)):
مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ هُمَا قُظْبَانٍ
وَعِبَادَةُ الرَّحْمَانِ غَايَةُ حُبِّهِ
مَا دَارَ حَتَّى قَامَتِ الْقُطْبَانِ
وَعَلَيْهِمَا فَلَكُ الْعِبَادَةِ دَائِرٌ
لَا بِالْهَوَى وَالنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ
وَمَدَارُهُ بِالأَمْرِ أَمْرٍ رَسُولِهِ
وإنما عَطَفَ عليها عدم الشرك؛ لأنه تمام التوحيد، والحكمة في عطفه
على العبادة أن بعض الْكَفَرة كانوا يَدَّعُون أنهم يعبدون الله، ولكنهم كانوا
يعبدون آلهة أخرى، فاشتَرَطَ نفي ذلك.
وجملة ((لا يُشركون إلخ)) حالية، والتقدير: يعبدونه في حال عدم الإشراك
به، قال ابن حبان رحمه الله تعالى: عبادة الله إقرار باللسان، وتصديق بالقلب،
وعمل بالجوارح، ولهذا قال في الجواب: ((فما حق العباد إذا فعلوا ذلك))،
فَعَبَّرَ بالفعل، ولم يُعَبِّر بالقول، ذكره في ((الفتح))(١) .
وقال في موضع آخر: اقتصر على نفي الإشراك؛ لأنه يستدعي التوحيد
باقتضاء، ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم؛ إذ من كذّب رسول الله، فقد
كذّب الله، ومن كذّب الله فهو مشرك، أو هو مثلُ قول القائل: من توضّأ
صحّت صلاته، أي مع سائر الشرائط، فالمراد من مات حال كونه مؤمناً بجميع
ما يجب الإيمان به. انتهى (٢).
(ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، قَالَ) وَ ((يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَل))، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ
وَسَعْدَيْكَ، قَالَ) بَِّهِ ((هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَىَّ اللهِ، إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟)، أي
العبادة، مع عدم الشرك (قَالَ) رَّهِ (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) وَةِ («أَنْ لَا
يُعَذِّبَهُمْ)))، وفي رواية ابن حبان من طريق عمرو بن ميمون: ((أن يغفر لهم، ولا
يعذبهم))، وفي رواية أبي عثمان: ((يُدخِلهم الجنة))، وفي رواية أبي الْعَوّام مثله،
وزاد: ((ويغفر لهم))، وفي رواية عبد الرحمن بن غَنْم: (أن يدخلهم الجنة)).
قال القرطبي رحمه الله تعالى: حَقُّ العباد على الله: ما وَعَدَهم به من
(١) ((الفتح)) ١١/ ٤١٢ - ٤١٣.
(٢) (الفتح)) ٢٧٥/١.