Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ (٩) - بَابُ الدَِّيلِ عَلَى صِحَّةٍ إِسْلَامٍ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ - حديث رقم (١٣٩) معنى ((حَقّا)) في قولهم: ((أما والله لأفعلنّ)). والآخر: أن يكون افتتاحاً للكلام، بِمَنْزلة ((ألا))، كقولك: ((أما إنّ زيداً منطلق))، وأكثر ما تُحذَف ألفها إذا وَقَعَ بعدها القسم؛ لِيَدُلَّوا على شدة اتصال الثاني بالأول؛ لأن الكلمة إذا بَقِيت على حرف واحد، لم تقم بنفسها، فعُلِم بحذف ألف ((ما)) افتقارها إلى الاتصال (١) . بالهمزة. انتهى" (وَاللّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أَنَّهَ) بالبناء للمفعول (عَنْكَ) أي عن الاستغفار لك، وفي بعض رواية غير الكشميهني عند البخاريّ: ((ما لم أنه عنه))، أي عن الاستغفار الذي دلّ عليه قوله: ((لأستغفرنّ لك)). قال الزين بن الْمُنَيِّر: ليس المراد طلب المغفرة العامّة، والمسامحة بذنب الشرك، وإنما المراد تخفيف العذاب عنه، كما جاء مُبَيَّناً في حديث آخر. وتعقّبه الحافظ بأنّ هذه غفلة شديدةٌ منه، فإن الشفاعة لأبي طالب في تخفيف العذاب لم تُرَدَّ، وطلبها لم يُنْهَ عنه، وإنما وَقَعَ النهي عن طلب المغفرة العامة، وإنما ساغ ذلك للنبيّ وَِّ اقتداءً بإبراهيم ◌ِلَّ في ذلك، ثم وَرَدَ نسخ ذلك كما سيأتي بيانه واضحاً. انتهى. (فَأَنْزَلَ اللهُ وَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣])، أي ما يجوز، وما ينبغي لهم ذلك، وهو خبر بمعنى النهي، قاله في ((الفتح))، وذكر أهل المعاني أنّ ((ما)) تأتي في القرآن بمعنى النفي، كقوله رجل: ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُواْ شَجَرَهَاً﴾ [النمل: ٦٠]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وبمعنى النهي، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وهي في هذا الحديث للنهي، وتأوّل بعضهم الاستغفار هنا بمعنى الصلاة، والصحيح الأول(٢). والواو في قوله تعالى: (﴿وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَ﴾﴾ [التوبة: ١١٣] واو الحال (﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ)) [التوبة: ١١٣]، أي بالموت على الكفر، و((الجحيم)) اسم من أسماء النار المعدّة للكفّار، وكلُّ نار في مَهْوَاة فهي جحيم، ومنه قوله تعالى: ﴿أَبُواْ لَهُ بُلَيْنًا فَأَلْقُوهُ فِ الْجَحِيمِ﴾ [الصّافّات: ٩٧]، (١) راجع: ((شرح مسلم)) للنووي ٢١٥/١. (٢) راجع: ((عمدة القاري)) ١٨١/٨. ٥٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان والجاحم: المكان الشديد الحرّ، وأصحاب الجحيم: مستحقّوها، وملازموها. ثم بيّن تعالى عذر إبراهيم عن استغفاره في قوله: ﴿وَأَغْفِرْ لِأَبِّ إِنَُّ كَانَ مِنَ [الشعراء: ٨٦] بأن ذلك إنما كان منه لأجل وعد إبراهيم لأبيه حين الضَّالِينَ جَ قال له: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِيِّ إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، وقيل: إن الموعد هو من أبي إبراهيم له بأن يسلم، فلما لم يَفِ بها، وتبيّن له أنه لا يسلم إما بالوحي، وإما بموته على الكفر، تبرّأ منه، كما قال تعالى: ﴿فَمَّا نَبَيَّنَ لَهُ: أَنَّهُ عَدُوٌ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، والقولان لأهل التفسير. و((الأوّاه)»: الدَّعَاءُ المتضرّع، قاله ابن مسعود، وابن عبّاس، و((الحليم)): السيّد، قاله ابن حبيب، وقيل: هو الصبور على البَلْوَى، الصَّفُوحُ عن الأذى. قاله القرطبيّ(١). (وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي أَبِي طَالِبٍ) أي في شأنه وأمره (فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ لَّه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءٍ وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ ٥٦ [القصص: ٥٦])، قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي لا تقدر على توفيق من أراد الله تعالى خذلانه، وكشَفَ ذلك بأن الهداية الحقيقيّة هي خلق القدرة على الطاعة، وقبولها، وليس ذلك إلا لله تعالى، والهداية التي تصحّ نسبتها لغير الله تعالى بوجه مّا، هي الإرشاد والدلالة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]: أي ترشد، وتبيّن، كما قال: ﴿لِتُبَيِنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وما ذكرناه هو مذهب أهل السنّة والجماعة، وهو الذي تدلّ عليه البراهين القاطعة. انتهى(٢). وقال النوويّ في ((شرحه)): قد أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في أبي طالب، وكذا نقل إجماعهم على هذا الزجاجُ وغيره(٣)، وهي عامّةٌ، فإنه لا يَهْدِي، ولا يُضِلُّ إلا الله تعالى. (١) ((المفهم)) ١٩٥/١ - ١٩٦. (٢) ((المفهم)) ١٩٦/١. (٣) وتعقّب أبو عبد الله القرطبي في ((تفسيره)) ٢٩٩/١٣ على الزجاج، فقال بعد نقل قوله: قلت: والصواب أن يقال: أجمع جلّ المفسّرين على أنها نزلت في شأن أبي طالب عم النبيّ وَّ ر. انتهى. ٥٢٣ (٩) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةٍ إِسْلَامٍ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ - حديث رقم (١٣٩) وقال الفراء وغيره: قوله تعالى: ﴿مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] يكون على و جھین : [أحدهما]: معناه من أحببته لقرابته. [والثاني]: من أحببت أن يَهتدِيَ، قال ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، وغيرهم: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] أي بمن قُدِّرَ له الهدى. انتهى(١). وقال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في ((تفسيره)): يقول الله تعالى لرسوله وَله: إنك يا محمد ﴿لَا تَهْدِى مَنْ أَحَْبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] أي ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ ﴾ [يوسف: ١٠٣]، وهذه الآية أخصّ من هذا كلّه، ١٢٠٣ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ فإنه قال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص: ٥٦]، أي هو أعلم بمن يستحقّ الهداية ممن يستحقّ الغَوَايةَ. انتهى(٢). وقال النسفيّ رحمه الله تعالى: في ((تفسيره): ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] لا تقدر أن تُدخل في الإسلام كلّ من أحببتَ أن يدخل فيه من قومك وغيرهم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] يخلق فعل الاهتداء فيمن يشاء ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٧] بمن يختار الهداية، ويَقبلها، ويتّعظ بالدلائل والآيات. قال الزجّاج: أجمع المفسّرون(٣) على أنها نزلت في أبي طالب، وذلك أنه قال عند موته: يا معشر بني هاشم صدِّقُوا محمداً تُفلِحُوا، فقال ◌َله: ((يا عمّ تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم، وتَدَُها لنفسك؟))، قال: فما تُرید یا ابن أخي؟ قال: ((أريد أن تقول: لا إله إلا الله، أشهد لك بها عند الله))، قال: يا ابن أخي أنا قد عَلِمتُ أنك صادقٌ، ولكنّي أكره أن يُقال: جَزِعَ عند الموت، وإن كانت الصيغة عامّةً، والآية حجة على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: الهدى هو البيان، وقد هدى الناس أجمع، ولكنهم لم يهتدوا بسوء اختيارهم، فدلّ أن وراء البيان ما يُسمّى (١) ((شرح مسلم)) ٢١٥/١ - ٢١٦. (٢) ((تفسير ابن كثير)) ص١٠٠١ نسخة مؤسّسة الرسالة. (٣) تقدّم أن القرطبيّ قد تعقّب هذا، وقال: الصواب: أجمع جلّ المفسّرين. ٥٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان هدايةً، وهو خلق الاهتداء، وإعطاء التوفيق والقدرة. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث المسيِّب بن حَزْن ﴿هَا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه. أخرجه (المصنّف) هنا ((الإيمان)) ٤٠/١ (١٣٩ (٢٤) (٢) عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبيه به. وعن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ به. وعن الحسن بن عليّ الحلوانيّ، وعبد بن حميد، كلاهما عن يعقوب بن إبراهيم، عن الزهريّ به. و(البخاريّ) في ((التفسير)) ٨٧/٦ (٤٦٧٥) عن إسحاق بن إبراهيم - وفي قصّة أبي طالب ٦٥/٥ (٣٨٨٤) عن محمود - كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر. وفي ((النذور)) ١٧٣/٨ (٦٦٨١) وفي ((التفسير)) أيضاً ١٤١/٦ (٤٧٧٢) عن أبي اليمان، عن شعيب - وفي ((الجنائز)) ١١٩/٢ (١٣٦٠) عن إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح - ثلاثتهم عن الزهريّ به. و(النسائيّ) في ((الجنائز) ٩٠/٤ (٢١٦٢) وفي ((التفسير)) (١١٢٣٠) و(١١٣٨٣) عن محمد بن عبد الأعلى، عن محمد بن ثور، عن معمر به. و(أحمد) ٤٣٣/٥ عن عبد الرزاق، عن معمر به. و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (١٢٤ و١٢٥ و١٢٦ و١٢٧) و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٢ و٢٣ و٢٤ و٢٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده. ١ - (منها): أنه دليلٌ واضحٌ على صحة إسلام مَن حضره الموت، ما لم يَشْرَع في النَّزْعِ، وهو الْغَرْغَرة. (١) (تفسير النسفي)) ٢٤٠/٣. (٢) الأول ترقيمي، والثاني ترقیم محمد فؤاد. ٥٢٥ (٩) - بَابُ الدَِّيلِ عَلَى صِحَّةٍ إِسْلَامٍ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْثُ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ - حديث رقم (١٣٩) ٢ - (ومنها): أنّ من مات على الشرك، فهو من أصحاب الجحيم، ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل. ٣ - (ومنها): أنّ من لم يعمل خيراً قط إذا خَتَمَ عمره بشهادة أن لا إله إلا الله، حُكِم بإسلامه، وأُجريت عليه أحكام المسلمين، فإن قارن نطق لسانه عَقْدُ قلبه نفعه ذلك عند الله تعالى، بشرط أن لا يكون وَصَلَ إلى حَدّ انقطاع الأمل من الحياة، وعَجَزَ عن فهم الخطاب ورَدِّ الجواب، وهو وقت المعاينة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ حَتَّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْتَنَ﴾ [النساء: ١٨]، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن الذي ينفع الإنسان عمله، لا نسبه، فإذا كان غير متّبع للإسلام، فلا تنفعه شفاعة الشافعين. ٥ - (ومنها): أن المحبّة النافعة هي المحبّة الإيمانيّة، لا المحبّة الطبيعيّة، فإن أبا طالب كان يحبّ النبيّ وَّ﴿ حبّاً شديداً، ويقدّمه على نفسه، وعلى أولاده، ولكنه ما نفعه ذلك؛ إذ لم يحبّه المحبّة الشرعيّة التي تحمل على اتّباعه، والانقياد لشرعه. ٦ - (ومنها): أن الشرك محبطً لأعمال الخير؛ لأن أبا طالب كان يحوط النبيّ وََّ، ويقوم بالدفاع عنه، ويَقْدِيه بكلّ ما يملكه، ويفعل تجاهه كلّ خير، إلا أن كلّ ذلك حَبِطَ بشركه، وعدم طاعته بالتوحيد، قال الله رمّ: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنْتُورًا (َ [الفرقان: ٢٣]. ٧ - (ومنها): النهي عن الاستغفار للمشركين. ٨ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية المذكورة. ٩ - (ومنها): جواز الْحَلِف من غير استحلاف؛ لأنّ النبيّ وَلّ قال: ((أما والله لأستغفرنّ لك ... )) الحديث، قال النوويّ رحمه الله تعالى: وكأنّ الحلف هنا لتوكيد العزم على الاستغفار، وتطييباً لنفس أبي طالب. ١٠ - (ومنها): أن قوله: ((هو على مّة عبد المطلب)) من أحسن الآداب، والتصرّفات، وهو أن من حَكَى قول غيره القبيح، ينبغي له أن يأتي بضمير الغيبة؛ لِقُبْحِ صورة لفظه الواقع، كمثل هذا، وكما في حديث: ((إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله ... )) الحديث، رواه مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٥٢٦ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان (المسألة الرابعة): في الاستشكال الوارد على هذا الحديث. قال في ((الفتح)): قوله: ((فَأَنْزَل اللّهُ رَّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاُلَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣])): هكذا وقع في هذه الرواية، ورَوَى الطبريّ من طريق شِبْلٍ، عن عمرو بن دينار، قال: قال النبيّ وَّرَ: (استَغْفَر إبراهيم لأبيه، وهو مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي))، فقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا، كما استغفر نبيّنا لعمه، فنزلت. وهذا فيه إشكال؛ لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتّفاقاً، وقد ثبت أن النبيّ وَ ﴿ أَتَى قبر أمه لَمّا اعتَمَرَ، فاستأذن ربه أن يستغفر لها، فَنَزَلت هذه الآية، والأصل عدم تكرر التُّزُول. وقد أخرج الحاكم، وابن أبي حاتم من طريق أيوب بن هانئ، عن مسروق، عن ابن مسعود رَُّّه قال: ((خرج رسول الله وَ لقه يوماً إلى المقابر، فاتّبَعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلاً، ثم بكى، فبكينا لبكائه، فقال: إن القبر الذي جَلَستُ عنده قبر أمي، واستأذنت ربي في الدعاء لها، فلم يَأْذَن لي، فأنزل عليّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]. وأخرج أحمد من حديث ابن بريدة، عن أبيه نحوه، وفيه: «نَزَل بنا، ونحن معه قريبٌ من ألف راكب))، ولم يذكر نزول الآية. وفي رواية الطبريّ من هذا الوجه: ((لَمّا قَدِمَ مكة أتى رَسْمَ قبر ... ))، ومن طريق فُضيل بن مرزوق، عن عطية: ((لَمّا قَدِم مكة وَقَفَ على قبر أمه، حتى سخنت عليه الشمس؛ رَجَاءَ أن يؤذن له، فيستغفر لها، فنَزَلَت))، وللطبرانيّ من طريق عبد الله بن كيسان، عن عكرمة، عن ابن عباس نحو حديث ابن مسعود، وفيه: ((لَمّا هبط من ثنية عسفان)) وفيه نزول الآية في ذلك. فهذه طُرُقٌ يَعْضِدُ بعضُها بعضاً، وفيها دلالةٌ على تأخّر نزول الآية عن وفاة أبي طالب، ويؤيده أيضاً أنه بَّ قال يوم أحد بعد أن شُجَّ وجهه: ((رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)). لكن يَحتَمِلُ في هذا أن يكون الاستغفار خاصّاً بالأحياء، وليس البحث فيه. ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخّر، وإن كان سببها تَقَدَّمَ، ويكون لنُزُولها سببان، مُتَقَدِّمٌ، وهو أمر أبي طالب، ومتأخرٌ، وهو أمر آمنة. ٥٢٧ (٩) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةٍ إِسْلَامٍ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ - حديث رقم (١٤٠) يُؤَيِّدُ تأخير النُّزول ما ثبت من استغفاره وَّ للمنافقين حتى نَزَل النهي عن ذلك، فإن ذلك يقتضي تأخير النُّزُول، وإن تقدَّم السبب، ويشير إلى ذلك أيضاً قوله في هذا الحديث: وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ الآية [القصص: ٥٦]؛ لأنه يُشعِر بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب وفي غيره، والثانية نزلت فيه وحده. ويؤيد تَعَدُّد السبب ما أخرجه أحمد من طريق أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن عليّ ◌َظُهُ قال: سمعت رجلاً يَستَغفِر لوالديه، وهما مشركان، فذكرت ذلك للنبيّ وَل1، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ ... ) الآية [التوبة: ١١٣]. وروى الطبريّ من طريق ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، قال: وقال المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا، كما استغفر إبراهيم لأبيه، فنَزَلت، ومن طريق قتادة قال: ذكرنا له أن رجالاً، فذكر نحوه. انتهى ما في ((الفتح))(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ. وحاصله أن يُحْمَل على تعدد السبب، وتأخر نزول الآية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى أول الكتاب قال: [١٤٠] ( .. ) - (وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. (ح) وحَدَّثَنَا حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحِ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ صَالِحِ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَّنَ فِيهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْآَيَتَيْنِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: "وَيَعُودَانِ فِي تِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَفِي حَدِيثٍ مَعْمَرٍ مَكَانَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ: فَلَمْ يَزَالَا بِهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة : ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مَخْلَد الْحَنْظليّ، أبو محمد بن راهويه المروزيّ، ثقة حافظ مجتهد [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) ٢٨/٤. (١) راجع: ((الفتح)) ٦٤٥/٨. ٥٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقة حافظ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) ٧/ ١٣٠. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظٌ، مصنّفٌ شهير، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) ١٢٨/٦. ٤ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبتٌ فاضل، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة شيئاً، وكذا فيما حدّث به بالبصرة، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) ١٨/٤. ٥ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) - بضمّ المهملة، وسكون اللام - هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذَليّ، أبو عليّ الْخَلّال، نزيل مكة، ثقة حافظ، له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) ٢٤/٤. ٦ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع). رَوَى عن أبيه، وشعبة، وابن أخي الزهريّ، والليث، وأبي أويس، وعبد العزيز بن المطلب، وعاصم بن محمد بن زيد الْعُمَريّ، وسيف بن عُمَر الضَّبّيّ، وشريك القاضي، وغيرهم. وروى عنه ابن أخيه عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، وأحمد، وعليّ، وإسحاق، وابن معين، وعبد الله بن محمد الْمُسْنَديّ، وعَمْرو الناقد، والْكَوْسج، وأبو خيثمة، وحسن الحلوانيّ، وحجاج بن الشاعر، وغيرهم. قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: سمعت ((المغازي)) من يعقوب بن إبراهيم بن سعد. وقال العجليّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال الذَّهْلِيّ: رَوَى عن إبراهيم بن سعد الزهريِّ، وعن أصحاب الزهريّ، فكثرت روايته لحديث الزهري، ومدار حديثه على أبيه يعقوب، وكان قد سمع هو وأخوه سعد الكتب، فمات أخوه قبل أن يكتب عنه كثيرُ أحدٍ، وبقي يعقوب، فكتب عنه الناس، فوجدوا عنده عِلْماً جليلاً. وقال ابن سعد: كان ثقةً مأموناً، يُقَدَّم على أخيه في الفضل والورع والحديث، ومات في شوال سنة ثمان ومائتين، وكان ٥٢٩ (٩) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةٍ إِسْلَامٍ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ - حديث رقم (١٤٠) أصغر من أخيه سعد بأربع سنين، وفي سنة ثمان أَرَّخه مُطَيَّن، وغير واحد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٩٦) حديثاً . ٧ - (أَبُوه) هو: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة، حجّةٌ، تُكُلِّم فيه بلا قادح [٨]. رَوَى عن أبيه، وصالح بن كيسان، والزهريّ، وهشام بن عروة، وصفوان بن سُليم، ومحمد بن إسحاق، وشعبة، ويزيد بن الهاد، وخلق كثير. ورَوَى عنه الليث، وقيس بن الربيع، وهما أكبر منه، ويزيد بن الهاد، وشعبة، وهما من شيوخه، والقعنبيّ، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وابناه: يعقوب، وسعد، وجماعة. قال أحمد: ثقة، وقال أيضاً: أحاديثه مستقيمة. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: كان وكيع کَفَّ عن حديث إبراهيم بن سعد، ثم حَدَّث عنه بعدُ، قلت: لم؟ قال: لا أدري، إبراهيم ثقة. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حجةٌ. وقال أيضاً: إبراهيم أحب إلي في الزهريّ من ابن أبي ذئب، وقال أيضاً: إبراهيم أثبت من الوليد بن كثير، ومن ابن إسحاق، وقال الدُّوريّ: قلت ليحيى: إبراهيم أحب إليك في الزهريّ، أو الليث؟ فقال: كلاهما ثقة، وقال ابن معين أيضاً، والعجليّ، وأبو حاتم: ثقة، وقال مرةً: ليس به بأس. وقال عليّ بن الجعد: سألت شعبةً عن حديث لسعد بن إبراهيم؟ فقال لي: فأين أنت من ابنه؟ قلت: وأين ذا؟ قال: نازل على عُمارة بن حمزة، فأتيته، فحدثني. وقال البخاريّ: قال لي إبراهيم بن حمزة: كان عند إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق نحو من سبعة عشر ألف حديث في الأحكام، سوى المغازي، وإبراهيم بن سعد من أكثر أهل المدينة حديثاً في زمانه. وقال صالح جَزَرة: حديثه عن الزهريّ لیس بذاك؛ لأنه كان صغيراً حين سمع من الزهريّ. وقال الدُّوريّ عن ابن معين في حديث جمع القرآن: ليس أحدٌ حَدَّثَ به أحسن من إبراهيم بن سعد، وقد حَدَّث مالك بطرف منه. وقال أبو داود: وَلِيَ بيت المال ببغداد. وقال ابن خِرَاش: صدوق. وذكر ابن عدي في ((الكامل)) عن عبد الله بن أحمد، سمعت أبي يقول: ذُكِرَ عند يحيى بن سعيد عُقَيل، وإبراهيم بن سعد، فجعل كأنه يُضَعِّفهما، يقول: عُقيل وإبراهيم، ثم قال أبي: أَيْشٍ ينفع هذا؟ هؤلاء ثقات، لم يَخْبُرُهما يحيى. ٥٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وعن أبي داود السِّجِسْتانيّ: سمعت أحمد سُئل عن حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أنس، مرفوعاً: ((الأئمة من قريش))، فقال: ليس هذا في کتب إبراهيم بن سعد، لا ينبغي أن يكون له أصل. قال الحافظ: رواه جماعة عن إبراهيم. ونَقَلَ الخطيب أن إبراهيم كان يُجِيز الغناء بالعود، ووَلِيَ قضاء المدينة. وقال ابن عيينة: كنت عند ابن شهاب، فجاء إبراهيم بن سعد، فَرَفَعَهُ وأكرمه، وقال: إن سعداً أوصاني بابنه، وسعد سعد. وقال ابن عديّ: هو من ثقات المسلمين، حَدَّث عنه جماعة من الأئمة، ولم يَتخلَّف أحدٌ في الكتابة عنه، وقولُ مَن تَكَلَّم فيه تحاملٌ، وله أحاديث صالحة مستقيمة، عن الزهري وغيره. قال عبد الله بن أحمد: وُلِد سنة (١٠٨) أخبرني بذلك بعض ولده، وقال أبو موسى: مات سنة (١٨٢)، أو (١٨٣)، وقال ابن سعد، وابن المدينيّ، وخليفة، وابن أبي خيثمة، وغيرهم: مات سنة (١٨٣)، زاد علي بن المديني: وهو ابن (٧٣) سنة، وقال ابن سعد وهو ابن (٧٥) سنة، وقال سعيد بن عُفَير وأبو حسان الزِّيَاديّ: مات سنة (١٨٤)، وقال أبو مروان العثمانيّ: سمعت من إبراهيم بن سعد سنة (١٨٥)، ومات بعد ذلك. قال الخطيب: حَدَّث عنه يزيد بن الهاد، والحسين بن سَيَّار الْحَرّانيّ، وبين وفاتيهما مائة واثنتا عشرة سنة. وفي ((تاريخ بغداد)): أنه قَدِمَ بغداد سنة (١٨٤)، فأكرمه الرَّشِيد، وفيها أَرَّخ ابن أبي عاصم وفاته. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠٩) أحاديث. ٨ - (صَالِح) بن كَيْسَان المدنيّ، أبو محمد، ويقال: أبو الحارث، مُؤَدِّب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤]. رأى ابن عمر، وابن الزبير، وقال ابن معين: سمع منهما، ورَوَى عن سليمان بن أبي حَثْمَة، وسالم بن عبد الله بن عمر، وإسماعيل بن محمد بن سعد، والأعرج، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير، ونافع مولى ابن عمر، ونافع مولى أبي قتادة، ونافع بن جبير بن مطعم، وعبد الرحمن بن ٥٣١ (٩) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةٍ إِسْلَامٍ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ - حديث رقم (١٤٠) حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عُبيدة الرَّبَذِيّ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، والزهريّ، وأبي الزناد، ومحمد بن عجلان، والثلاثة أصغر منه، وغيرهم. وعنه مالك، وابن إسحاق، وابن جريج، ومعمر، وإبراهيم بن سعد، وحماد بن زيد، وسليمان بن بلال، وابن عتيبة، وغيرهم. قال مُصْعَب الزبيريّ: كان جامعاً من الحديث والفقه والمروءة. وقال حرب: سئل عنه أحمد؟ فقال: بَخِ بَخ. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: صالح أكبر من الزهريّ. وقال إسماعيل القاضي، عن ابن المديني: صالح أَسَنّ من الزهريّ، قد رأى ابن عمر، وابن الزبير. وقال ابن معين: صالح أكبر من الزهريّ، سَمِع من ابن عمر، وابن الزبير. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: معمر أحب إليّ، وصالح ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: حدثني أحمد بن العباس، عن ابن معين: قال: ليس في أصحاب الزهريّ أثبت من مالك، ثم صالح بن كيسان. وقال يعقوب: صالح ثقةٌ ثبتٌ. وقال أبو حاتم: صالح أحبّ إليّ من عُقيل؛ لأنه حجازيّ، وهو أسنُّ، رأى ابن عمر، وهو ثقةٌ، يُعَدُّ في التابعين. وقال النسائيّ، وابن خِرَاش: ثقة. وقال العجليّ: ثقة. ووقع في ((كتاب الزكاة)) من ((صحيح البخاريّ: صالح أكبر من الزهريّ، أدرك ابن عمر. وقال ابن حبان في ((الثقات)): كان من فقهاء المدينة، والجامعين للحديث والفقه، من ذوي الهيئة والمروءة، وقد قيل: إنه سَمِعَ من ابن عمر، وما أراه محفوظاً. وقال الخليليّ في ((الإرشاد)): كان حافظاً إماماً، رَوَى عنه من هو أقدم منه، عمرو بن دينار، وكان موسى بن عقبة يَحْكِي عنه، وهو من أقرانه. وقال ابن عبد البر: كان كثير الحديث، ثقةً حجّةً فيما حَمَلَ. قال الهيثم بن عديّ: مات في زمن مروان بن محمد، وقال ابن سعد، عن الواقديّ: مات بعد الأربعين ومائة، وقيل: مَخْرَجَ محمدِ بنِ عبد الله بن حسن، وكان ثقةً، كثير الحديث. وقال الحاكم: مات صالح بن كيسان، وهو ابن مائة ونيف وستين سنة، وكان قد لَقِيَ جماعةً من أصحاب رسول الله وَلێ، ثم بعد ذلك تَلَمَّذَ للزهريّ، وتَلَقَّن عنه العلم، وهو ابن تسعين سنة، ابتدأ بالتعلُّم وهو ابن سبعين سنة. ٥٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال الحافظ: هذه مجازفةٌ قبيحةٌ، مقتضاها أن يكون صالح بن كيسان وُلِدَ قبل بِعْثة النبيّ بَّةِ، وما أدري من أين وقع ذلك للحاكم؟ ولو كان طَلَبَ العلم كما حَدَّده الحاكم، لكان قد أَخَذَ عن سعد بن أبي وقّاص، وعائشة، وقد قال عليّ بن المدينيّ في ((العلل)): صالح بن كيسان لم يَلْقَ عقبة بن عامر، كان يروي عن رجل عنه، وقرأت بخط الذهبيّ: الذي يظهر لي أنه ما أكمل التسعين. انتهى كلام الحافظ(١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٢) حديثاً . ٩ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم المذكور في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنَّ رواية صالح بن كيسان عن الزهريّ من رواية الأكابر عن الأصاغر، وأن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: صالح، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب. والله تعالى أعلم. وقوله: (بهذا الإسناد) الإشارة إلى الإسناد الماضي، أي رواه معمر، وصالح كلاهما عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبيه ◌ُته. وقوله: (مثله) منصوب على الحال، أي حال كون حديثهما مثل حديث يونس الماضي. [تنبيه]: رواية معمر التي أحالها المصنف هنا ساقها الإمام البخاري، وأحمد، والنسائي، ولفظ البخاريّ: حدثنا محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيب، عن أبيه، أن أبا طالب، لَمّا حضرته الوفاة، دخل عليه النبي وَّ﴿، وعنده أبو جهل، فقال: ((أَيْ عَمِّ قل: لا إله إلا الله، كلمةً أُحَاجُّ لك بها عند الله))، فقال أبو جهل: وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب تَرْغَب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب، فقال النبيّ وَّه: ((لأستغفرنّ لك، ما لم أُنْهَ عنه))، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْنَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبََّ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ [التوبة: ١١٣]، ٨١٣ ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. (١) (تهذيب التهذيب)) ١٩٨/٢ - ١٩٩. ٥٣٣ (٩) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةٍ إِسْلَامٍ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ - حديث رقم (١٤١) وأما رواية صالح، فقد ساقها البخاريّ أيضاً، فقال: حدثنا إسحاق، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبيه، أنه أخبره، أنه لَمّا حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله وَّ، فَوَجَدَ عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله وَله لأبي طالب: ((يا عَمِّ قل: لا إله إلا الله، كلمةً أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله وَي﴿ يَعْرِضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله وَليه: ((أما والله لأستغفرنّ لك، ما لم أُنْهَ عنك))، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ﴾ الآية [التوبة: ١١٣]. وقوله: (غير أن حديث صالح انتهى) استثناء من كون روايتهما مثل رواية يونس، يعني رواية صالح بن كيسان انتهى عند قوله: ((فأنزل الله رَّك فيه، ولم يذكر تمام الآيتين، وقد عرفت من رواية البخاريّ المذكورة أنه زاد)) ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ﴾ [التوبة: ١١٣]، وعليه فيكون نهاية حديث صالح قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيّ﴾ [التوبة: ١١٣]، ولعل المصنّف وقع له بدون ذكره. وقوله: (ويعودان في تلك المقالة) يعني أن لفظ صالح مكان قول يونس: ((ويُعيدان له تلك المقالة))، و((يعودان في تلك المقالة))، ووقع عند البخاريّ (بتلك المقالة)) بالباء. وقوله: (وفي حديث معمر مكان هذه الكلمة، فلم يزالا به) الإشارة إلى قوله: ((ويعودان في تلك المقالة))، يعني أنه وقع في رواية معمر بدل قول صالح: ((ويعودان في تلك المقالة)) ((فلم يزالا به))، ولفظ البخاريّ: فلم يزالا يكلمانه)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى أول الكتاب قال: [١٤١] (٢٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ - عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ ٥٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان رَسُولُ اللّهِ وَلِ لِعَمِّهِ عِنْدَ الْمَوْتِ: ((قُلْ: لَا إِلَّهَ إِلَّ اللّهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، فَأَبَى، فَأَنْزَلَ اللّهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] الآيةَ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ) بن الزِّبْرِقَان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠] (ت٢٣٤) (خ م ت س ق) ١٩/٤. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر المذكور في الباب الماضي. ٣ - (مَرْوَانٌ) بن معاوية الفزاريّ المذكور في الباب الماضي أيضاً. ٤ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، ويقال: أبو مُنَين - بنون، مصغّراً - الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦]. رَوَى عن أبي حازم، سلمان الأشجعيّ، ومَعْبَد، أبي الأزهر. ورَوَى عنه عبد الواحد بن زياد، وابن عيينة، وأبو خالد الأحمر، وخلف بن خليفة، وعلي بن هاشم بن الْبَرِيد، ومروان بن معاوية، ويحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن عُبيد الطَّنَافسيّ، وآخرون. قال علي بن المديني، عن القطان: صالحٌ، وَسَطّ، ليس هو ممن يُعْتَمَد عليه. وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: يُكْتَب حديثه، محله الصدق، صالح الحديث، قلت: يُحْتَجُّ بحديثه؟ قال: لا، هو بابةُ فُضِيل بن غَزْوَان، وذويه، بعض ما يأتي به صحيح، وبعض لا، قال أبي يُحَوَّلُ من كتاب ((الضعفاء)). وقال الدارقطنيّ: كوفي ثقة. وقال الْعُقَيليّ: قال أحمد بن حنبل: ثقة. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم. وقال ابن حبان في ((الثقات)): يزيد بن كيسان الأسلميّ، كنيته أبو إسماعيل، وهو الذي يقال له: أبو مُنَيْن، كان يُخطئ ويُخَالف، لم يَفْحُش خطؤه حتى يُعْدَلَ به عن سبيل العدول، ولا أَتَّى بما يُنكَر، فهو مقبول، إلا ما يُعْلَم أنه أخطأ فيه، فيُتْرَك خطؤه كغيره من الثقات. أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والباقون، وله في هذا الكتاب (٢٤) حديثاً. ٥٣٥ (٩) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةٍ إِسْلَامٍ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ - حديث رقم (١٤١) ٥ - (أَبُو حَازِم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن مولاته عَزَّة الأشجعيّة، وابن عمر، وأبي هريرة، والحسن، والحسين، وابن الزبير، وغيرهم. وروى عنه الأعمش، ومنصور، وأبو مالك الأشجعيّ، وعديّ بن ثابت، وفُضيل بن غَزْوان، وميسرة الأشجعيّ، ومحمد بن جُحَادة، ومحمد بن عَجْلان، ويزيد بن كيسان، وسَيَّر، أبو الحكم، وفُرَاتٌ الْقَزّاز، ونُعَيم بن أبي هند، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث صالحة. وقال العجليّ: ثقة. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وفي ((صحيح البخاريّ)) عنه قال: جالست أبا هريرة خمس سنین . وقال بعض الناس: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٣) حديثاً. حظّه ٣/١. والله تعالى أعلم. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن فيه التحديث مرّتين بضمير الجماعة؛ لكون الراوي سمعه من لفظ الشيخ مع غيره، والعنعنة ثلاث مرّات، وكلاهما من صيغ الاتّصال بشروطه في ((عن)). ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فإن الأول لم يُخرج له أبو داود، والثاني لم يُخرج له البخاريّ، وأبو داود، ويزيد بن كيسان أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)). ٤ - (ومنها): أن جملة من يسمّى بيزيد بن كيسان في الرواة اثنان: [أحدهما]: صاحب الترجمة هنا . [والثاني]: يزيد بن كيسان، أبو حفص الْخُلْقَانيّ، روى عن طاوس قوله، ٥٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وعنه أبو نُعيم، وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال في ((التقريب)): مقبول، من الطبقة السادسة أيضاً، تفرّد به النسائيّ، أخرج له في ((مسند عليّ فقط))(١) . پته، ٥ - (ومنها): أن جملة من يُكنى بأبي حازم في الرواة ستة: (الأول): هذا المترجم هنا . (والثاني): أبو حازم الأعرج، واسمه سلمة بن دينار التمّار المدنيّ الثقة العابد، من الطبقة الخامسة، وهو أيضاً من رجال الجماعة. (والثالث): أبو حازم بن صخر بن الْعَيْلة - بالمهملة المفتوحة، بعدها تحتانيّة ساكنة - مستور، من الطبقة الثالثة، تفرّد به أبو داود. (والرابع): أبو حازم الأنصاريّ البياضيّ مولاهم، صحابيّ، له حديث، وقيل: لا صحبة له، تفرّد به أبو داود في ((المراسيل)). (والخامس): أبو حازم الغفاريّ مولاهم التمّار المدنيّ، مقبول من الطبقة الثالثة، تفرّد به البخاريّ في ((خلق أفعال العباد))، والنسائيّ. (والسادس): أبو حازم البجليّ الأحمسيّ، والد قيس بن أبي حازم، صحابيّ، له حديث، قيل: اسمه حصين، وقيل: عوف، وقيل: عبد عوف، تفرد به البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وأبو داود(٢). والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): أنه يقع الالتباس في ((الصحيحين)) بين أبي حازم الأشجعيّ، وأبي حازم الأعرج، لأنهما اللذان لهما رواية فيهما، ويفرّق بينهما بأمور: [أحدها]: أن الأشجعيّ روى عن أبي هريرة وغيره من الصحابة ضيه، والأعرج لم يرو عن أحد من الصحابة غير سهل بن سعد [الثاني]: أن الأول كوفيّ، والثاني مدنيّ. [الثالث]: أن الأول من الطبقة الثالثة، والثاني من الخامسة. ٧ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ظبه أحفظ من روى الحديث في دهره، وهو رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً. (١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٤٢٧/٤، و((تقريب التهذيب)) ص٣٨٤. (٢) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٥٠٧/٤، و((التقريب)) ص ٤٠٠. ٥٣٧ (٩) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةٍ إِسْلَامٍ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ - حديث رقم (١٤٢) وأما شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به، فقد استوفيتها في الحديث الماضي، غير تخريجه، فأذكره هنا، فأقول: مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ربه هذا من أفراد المصنّف، فلم يُخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في تخريجه. أخرجه (المصنّف) هنا ((الإيمان)) ١٤١/٩ عن محمد بن عبّاد، وابن أبي عمر، كلاهما عن مروان بن معاوية - و٩/ ١٤٢ عن محمد بن حاتم بن ميمون، عن يحيى بن سعيد القطّان، وحديثه أتمّ - كلاهما عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم الأشجعيّ عنه. وأخرجه (الترمذيّ) في (التفسير)) (٣١٨٨) عن بُندار، عن يحيى بن سعيد به، وقال: حسنٌ غريب، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن کیسان. وأخرجه (أحمد) في ((مسنده)) ٤٣٤/٢ و٤٤١/٢ و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (١٢٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى أول الكتاب قال: [١٤٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمِ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ لِعَمِّهِ: (قُلْ: لَا إِلّهَ إِلَّاَ اللّهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ، لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، فَأَنْزَلَ اللّهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: ٥٦]). رجال هذا الإسناد هم المذكورون في السند الماضي، غير اثنين: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ) البغداديّ السَّمِين، صدوقٌ ربّما وَهِمَ، وكان فاضلاً [١٠] (ت٢٣٥) (مد) ١٠٣/١. ٥٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فَرُّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌّ حافظٌ، إمام قدوة، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ٣٩٨/١. وقوله: (يقولون: إنما حمله على ذلك الْجَزَعُ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ((الْجَزَعُ)) بالجيم والزاي، صحيح الرواية، لا يُعرف في كتاب مسلم غيرها، وهو بمعنى الخوف من الموت، وفي كتاب أبي عُبيد: ((الْخَرَعُ)) - بالخاء المعجمة، والراء المهملة - وقال: يعني الضعف، والْخَوَر، وكذلك قال ثعلبٌ، وفسّره به، قال شَمِر(١): يقال: خَرِعَ الرجل: إذا ضعُفَ، وكلُّ رِخْوٍ ضعيفٍ خَرِيعٌ، وخَرِعٌ، و((الْخَرَعُ)): الفصيل الضعيف، قال: و((الْخَرِعُ)): الدَّهِشُ، وفي ((الصحاح)) ((الَخَرَعُ - بالتحريك -: الرخاوة في الشيء، وقد خَرِعَ الرجُل - بالكسر -: أي ضعُف، فهو خرع، ويقال لِمِشْفَر البعير إذا تدلَّى: خَرِيعٌ. انتھی(٢). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: ((الْجَزَع)) هكذا هو في جميع روايات المحدثين في مسلم وغيره ((الجزع)) بالجيم والزاي، وكذا نقله القاضي عياض وغيره من جميع روايات المحدثين، وأصحاب الأخبار، أي التواريخ، والسير، وذهب جماعات من أهل اللغة إلى أنه ((الْخَرَع)» - بالخاء المعجمة، والراء المفتوحتين - أيضاً، وممن نَصَّ عليه كذلك الْهَرَويّ في ((الغريبين))، ونقله الخطابيّ عن ثعلب مُختاراً له، وقاله أيضاً شَمِر، ومن المتأخرين أبو قاسم الزمخشريّ، قال القاضي عياض تَخُّ: ونبّهنا غير واحد من شيوخنا على أنه الصواب، قالوا: والْخَرَع هو الضعف والْخَوَر، قال الأزهريّ: وقيل: الْخَرَعُ: الدَّهَشُ، قال شَمِر: كلُّ رَحْوٍ ضعيفٍ خَرِيعٌ، وخَرِعٌ، قال: والْخَرَعِ: الدَّهَشُ، قال: ومنه قول أبي (١) هو شَمِر بن حمدويه الهرويّ، أبو عمر اللغويّ الأديب، رحل إلى العراق شابّاً، وأخذ عمن بها من أهل اللغة، وكتَبَ الحديث، له كتاب كبير في اللغة ابتدأه بحرف الجيم، وكان في غاية الكمال، أودعه تفسير القرآن وغريب الحديث، غير أنه كان ضَنِيناً به، لا يسمح بنسخه، ففقد جلّه بوفاته، وله غريب الحديث، توفي سنة (٢٥٥هـ). انظر: (بغية الوعاة)) ٤/٢ و((إنباه الرواة)) ٧٧/٢ و((نزهة الألباب)) ص٢٥٩. (٢) ((المفهم)) ١٩٤/١. ٥٣٩ (٩) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةٍ إِسْلَامٍ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ - حديث رقم (١٤٢) طالب، فذكره، وفسّره بالضعف والْخَوَر. والله أعلم، انتهى(١). وقوله: (لولا أن تُعيّرني قريش) أي تَسُبّني، وتُقَبِّح إليّ، يقال: عيّرتُهُ بكذا تعبيراً: إذا قبّحته، ونسبته إليه، يتعدّى بنفسه، وبالباء، والمختار أن يتعدّى بنفسه، قال الشاعر [من الطويل]: أَعَيَّرْتَنَا أَلْبَانَهَا وَلُحُومَهَا وَذَلِكَ عَارٌ يَا ابْنَ رَيْطَةَ ظَاهِرُ قاله في ((المصباح))، وقال في ((اللسان)): وقد عَيَّره الأمرَ، والعامّة تقول: عَيَّره بكذا بالباء، والأول كلام العرب، كما قال النابغة [من البسيط]: وَعَيَّرَتْنِي بَنُو ذُبْيَانَ خَشْيَتَهُ وَهَلْ عَلَيَّ بِأَنْ أَخْشَاكَ مِنْ عَارِ؟ انتهى باختصار(٢). وقوله: (لأقررت بها عينك) أي سَرَرتك بقولها، وأبلغتُك أمنيّتك، يقال: قَرَّت العينُ، من باب ضربَ قُرَّةً بالضمّ، وقُرُوراً: بَرَدَت، سُرُوراً، وفيه لغة أخرى من باب تَعِبَ (٣). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: أحسن ما يقال فيه: ما قاله أبو العباس ثعلب، قال: معنى أَقَرَّ الله عينه: أي بَلَّغَه الله أمنيته، حتى ترضى نفسه، وتَقَرَّ عينه، فلا تستشرِفُ لشيء، ومنه قولهم لمن أدرك ثأره: وقَعْتَ بِقُرِّكَ: أي أدرك قلبك ما كان يتطلّعُ إليه، وقال الأصمعيّ: معناه أبرد الله دَمْعَته؛ لأن دمعة الفَرَح باردةٌ، قال القاضي عياض: وسمعتُ الأُستاذ أبا الحسن بن الأخضر النحويّ يقول في تفسير هذا: إنه من البرد، كما قال في ضدّه من السّخْن بقوله: أسخن الله عينه، وذلك أن الذي يَرَى ما يسؤوه يَبْكي، فتَسْخن عينه بالدموع، والذي يرى ما يَسُرُّه لا يبكي، فتبقى عينه باردة، فيكون معنى ((أقرّ الله عينه)): أي أراه ما يسُرُّه. انتهى(٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. (١) ((الإكمال)) ٢١٠/١ - ٢١٢ و((شرح النووي)) ٢١٦/١ - ٢١٧. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٣٩/٢ و(لسان العرب)) ٦٢٥/٤. (٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٩٦ - ٤٩٧. (٤) ((الإكمال)) ٢١٢/١ - ٢١٤ و((شرح النووي)) ٢١٧/١. ٥٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان (١٠) - (بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ) وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٤٣] (٢٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ حُمْرَانَ، عَنْ عُثْمَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّ: ((مَنْ مَاتَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَّهَ إِلَّ اللّهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الحافظ المذكور قريباً. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شَدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) ٣/٢. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُلَيَّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبتٌ حافظ [٨] (ت١٩٣) (ع) ٣/١. ٤ - (خَالِدُ) بن مِهْرَان، أبو الْمَنَازل - بفتح الميم، وقيل: بضمّها، وكسر الزاي - الْحَذّاء - بفتح المهملة، وتشديد الذال المعجمة - مولى قريش، وقيل: مولى بني مُجَاشِع، البصريّ، ثقة، يُرسل [٥]. رَأَى أنس بن مالك، ورَوَى عن عبد الله بن شقيق، وأبي رجاء العُطَارديّ، وأبي عثمان النَّهْدي، وأبي قلابة، وأنس، ومحمد، وحفصة أولاد سيرين، وغيرهم. ورَوَى عنه الحمادان، والثوري، وشعبة، وابن علية، وسعيد بن أبي عروبة، وخالد بن عبد الله الواسطي، وعبد الوهاب الثقفي، وبشر بن المفضل، وغيرهم. قال الأثرم عن أحمد: ثَبْت. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي، وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه، ولا يحتج به. وقال ابن سعد: لم يكن خالد بِحَذّاء، ولكن كان يجلس إليهم، قال: وقال فهد بن حَيّان: