Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ (٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُؤَخِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٦) (المسألة الخامسة) : في دفع الاستشكال الوارد على هذا الحديث، وذلك أنّ مقتضاه قتال كل من امتنع من التوحيد، فكيف تُرِكَ قتال مؤدي الجزية والمعاهد؟ [فالجواب]: من أوجه: [أحدها]: دعوى النسخ، بأن يكون الإذن بأخذ الجزية والمعاهدة متأخراً عن هذه الأحاديث، بدليل أنه متأخر عن قوله تعالى: ﴿فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. [ثانيها]: أن يكون من العام الذي خُصّ منه البعض؛ لأن المقصود من الأمر حصول المطلوب، فإذا تخلف البعض لدليل لم يقدح في العموم. [ثالثها]: أن يكون من العام الذي أريد به الخاصّ، فيكون المراد بالناس في قوله: ((أقاتل الناس)): أي المشركين من غير أهل الكتاب، ويدل عليه رواية النسائيّ بلفظ: ((أُمرت أن أقاتل المشركين)). (فإن قيل): إذا تَمَّ هذا في أهل الجزية، لم يتم في المعاهدين، ولا فيمن مَنَعَ الجزية . (أجيب): بأن الممتنع في ترك المقاتلة رَفْعُها، لا تأخيرها مدةً، كما في الهدنة، ومقاتلةٍ من امتنع من أداء الجزية، بدليل الآية. [رابعها]: أن يكون المراد بما ذُكِرَ من الشهادة وغيرها التعبير عن إعلاء كلمة الله، وإذعان المخالفين، فيحصل في بعضٍ بالقتل، وفي بعض بالجزية، وفي بعض بالمعاهدة. [خامسها]: أن يكون المراد بالقتال هو أو ما يقوم مقامه، من جزية، أو غيرها . [سادسها]: أن يقال: الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام، وسببُ السبب سببٌ، فكأنه قال: حتى يُسلِموا، أو يلتزموا ما يُؤَدِّيهم إلى الإسلام، وهذا أحسن، ويأتي فيه ما في الثالث، وهو آخر الأجوبة، ذكر هذا كلّه في ((الفتح))(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أقربُ الأجوبة عندي هو الثالث، فكأنه (١) راجع: ((الفتح)) ١/ ٩٧. ٥٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال: ((أمرت أن أقاتل جميع الناس، إلا الذين أخرجتهم الأدلة من وجوب مقاتلتهم، ممن كان من أهل الجزية، أو نحوها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: وقد رُوي عن سفيان بن عيينة أنه قال: كان هذا في أول الإسلام قبل فَرْض الصلاة، والصيام، والزكاة والهجرة، وهذا ضعيف جدّاً، وفي صحته عن سفيان نظرٌ؛ فإن رواة هذه الأحاديث، إنما صَحِبُوا رسول الله وَّر في المدينة، وبعضهم تأخر إسلامه، ثم قوله: ((عَصَمُوا مني دماءهم وأموالهم)) يدل على أنه كان عند هذا القول مأموراً بالقتال، ويَقتُل من أبى الإسلام، وهذا كله بعد هجرته إلى المدينة، ومن المعلوم بالضرورة أن النبي ◌ّ كان يقبل مِن كل مَن جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويَعْصِم دمه بذلك، ويجعله مسلماً، فقد أنكر على أسامة بن زيد ﴿ما قتله لمن قال: ((لا إله إلا الله)) لَمّا رَفَع عليه السیف، واشتد نکیره علیه. ولم يكن النبي لم يشترط على من جاءه يريد الإسلام أن يلتزم الصلاة والزكاة، بل قد رُوي أنه قَبِلَ مِن قوم الإسلامَ، واشترطوا أن لا يُزَكُوا، ففي ((مسند الإمام أحمد)) عن جبار ه قَال: اشتَرَطَت ثقيفٌ على رسول الله وَيه أن لا صدقة عليهم، ولا جهاد، وأن رسول الله وسلم قال: ((سيتصدقون، ويجاهدون»(١). وفيه أيضاً: عن نصر بن عاصم الليثيّ، عن رجل منهم، أنه أتى النبي (وَله فأسلم على أن لا يُصَلِّي إلا صلاتين، فقبل منه(٢). وأخذ الإمام أحمد رحمه الله تعالى بهذه الأحاديث، وقال: يصح الإسلام على الشرط الفاسد، ثم يُلْزَم بشرائع الإسلام كلها، واستَدَلَّ أيضاً بأن (١) رواه أحمد ٣٤١/٣ وفي سنده ابن لَهِيعة، وفيه كلام مشهور. (٢) رواه أحمد ٤٠٢/٣ والطيالسيّ (١٣٦٠) والنسائيّ ٢٠٥/٢ والطحاويّ في ((شرح مشكل الآثار)) برقم (٢٠٤)، وإسناده صحيح. ٥٠٣ (٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُؤَخِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٦) وَيُّ على أن لا أَخِرَّ إلا قائماً (١)، قال حكيم بن حزام رُه قال: بايعت النبي أحمد: معناه أن يَسْجُد من غير ركوع. وخَرَّج محمد بن نصر المروزي بإسناد ضعيف جدّاً عن أنس ظُبه قال: لم يكن النبي ◌َّهِ يَقبَلُ مَنْ أجابه إلى الإسلام، إلا بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكانتا فريضتين على مَن أَقَرَّ بمحمد رَّهِ وبالإسلام، وذلك قول الله رجمات: ﴿فَإِذْ لَ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [المجادلة: ١٣]، وهذا لا يثبت(٢) وعلى تقدير ثبوته، فالمراد منه أنه لم يكن يُقِرُّ أحداً دخل في الإسلام على ترك الصلاة والزكاة، وهذا حقٌّ، فإنه وَّ أَمَر معاذاً ◌َظُبه لَمّا بعثه إلى اليمن أن يدعوهم أوّلاً إلى الشهادتين، وقال: إن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم بالصلاة، ثم بالزكاة، ومراده أنّ من صار مسلماً بدخوله في الإسلام أُمر بعد ذلك بإقام الصلاة، ثم بإيتاء الزكاة، وكان مَن سأله عن الإسلام يَذْكُر له مع الشهادتين بقية أركان الإسلام، كما قال لجبريل ظلّا لَمّا سأله عن الإسلام، وكما قال للأعرابي الذي جاءه ثائرَ الرأس، يسأله عن الإسلام. وبهذا الذي قررناه يَظهَر الجمع بين ألفاظ أحاديث هذا الباب، ويتبين أن كلها حَقٌّ، فإن كلمتي الشهادتين بمجردها تَعْصِم مَنْ أتى بهما، ويصير بذلك مسلماً، فإذا دخل في الإسلام، فإن أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وقام بشرائع الإسلام، فله ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، وإن أَخَلَّ بشيء من هذه الأركان، فإن كانوا جماعةً لهم مَنَعَةٌ قوتلوا . وقد ظَنَّ بعضهم أن معنى الحديث أن الكافر يُقاتَل حتى يأتي بالشهادتين، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، وجعلوا ذلك حجةً على خطاب الكفار بالفروع، وفي هذا نظرٌ، وسيرة النبيّ وَّ في قتال الكفار تدل على خلاف هذا، وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة ◌ُه أن النبي ◌َِّ دعا عليّاً يوم خيبر، فأعطاه (١) رواه أحمد ٢٥/٣ و٣٦٣، وإسناده صحيح على شرط مسلم. (٢) رواه ابن نصر في ((تعظيم قدر الصلاة)) ١/ ٩٥ وفي سنده عروة بن مروان العرقيّ الرقيّ، قال الدارقطنيّ: كان أميّاً ليس بالقويّ، وأبو العوّام، عمران بن داور القطان صاحب أوهام. ٥٠٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الراية، وقال: ((امش، ولا تَلْتَفِت حتى يفتح الله عليك))، فسار عليّ شيئاً، ثم وَقَفَ، فَصَرَخَ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ فقال: ((قاتلهم على أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله))، فإذا فعلوا ذلك فقد عَصَمُوا منك دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله رَمات))(١). فجعل مجرد الإجابة إلى الشهادتين عصمةً للنفوس والأموال، إلا بحقها، ومن حقّها عدم الامتناع عن الصلاة والزكاة، بعد الدخول في الإسلام، كما فهمه الصحابة ومما يدل على قتال الجماعة الممتنعين من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة من القرآن، قوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّحْكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمَّ﴾ الآية [التوبة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الضَلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينٍ﴾ الآية [التوبة: ١١]، وقوله: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَقَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ اٌلْدِينُ كُلُّمُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، مع قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أُلِينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةً وَذَلِكَ دِينُ الْقَيْمَةِ ﴾﴾ [البينة: ٥]. وثبت أن النبي ◌َ﴿ إذا غزا قوماً لم يُغِرْ عليهم حتى يُصبح، فإن سمع أذاناً، وإلا أغار عليهم(٢) . مع احتمال أن يكونوا قد دخلوا في الإسلام، وكان يوصي سراياه: ((إن سمعتم مؤذناً، أو رأيتم مسجداً، فلا تقتلوا أحداً))(٣). وقد بَعَثَ عيينة بن حِصْن إلى قوم من بني الْعَنْبر، فأغار عليهم، ولم يَسمَع أذاناً، ثم اذَّعَوا أنهم قد أسلموا قبل ذلك. وبَعَثَ بَّ إلى أهل عُمَان كتاباً فيه: ((من محمد النبي إلى أهل عُمَان، سلام عليكم، أما بعدُ فأقرُّوا بشهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأَدُّوا الزكاة، وخُطُوا المساجد، وإلا غَزَوْتكم)). خَرَّجه البزّار، والطبرانيّ، وغيرهما (٤). (١) رواه مسلم (٢٤٠٦). (٢) رواه أحمد في ((مسنده)) ١٥٩/٣، والبخاريّ في ((صحيحه)) (٦١٠). (٣) رواه أحمد ٢٢٦/٤ وأبو داود (٢٦٣٥) والترمذيّ (١٥٤٩) وحسّنه، ولكن في سنده ابن عصام المزنيّ، قال ابن المدينيّ: لا يُعرف. (٤) قال الهيثميّ في ((المجمع)) ٦٤/٣ بعد أن عزاه إلى البزار: وهو مرسل، وفيه من لا يعرف. ٥٠٥ (٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُؤَخِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٦) فهذا كله يدلّ على أنه كان يَعتبِرِ حالَ الداخلين في الإسلام، فإن أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وإلا لم يمتنع عن قتالهم، وفي هذا وقع تناظر أبي بكر وعمر ها، كما في قصّتهما السابقة. فأبو بكر ظُّه أَخَذَ قتالهم من قوله: ((إلا بحقه))، فدَلّ على أن قتالَ مَن أتى بالشهادتين جائز، ومن حقه أداءُ حقّ المال الواجب، وعمر بنظ ◌ُهُ ظَنّ أن مجرد الإتيان بالشهادتين يَعْصِم الدم في الدنيا؛ تَمَسُكاً بعموم أول الحديث، كما ظَنّ طائفة من الناس أنّ مَن أتى بالشهادتين امتنع من دخول النار في الآخرة؛ تَمَسُّكاً بعموم ألفاظٍ وَرَدت، وليس الأمر على ذلك، ثم إن عمر ضُوعيه رَجَعَ إلى موافقة أبي بكر ◌ُته. وقد خَرَّج النسائي قصة تناظر أبي بكر وعمر ﴿ه بزيادةٍ، وهي أن أبا بكر قال لعمر: إنما قال رسول الله وَ له: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة))، وخَرَّجه ابن خزيمة في ((صحيحه))، ولكن هذه الرواية خطأ أخطأ فيها عمران القطان إسناداً ومتناً، قاله الأئمة الحفاظ، منهم علي بن المدينيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذيّ، والنسائيّ، ولم يكن هذا الحديث عن النبي وَّل بهذا اللفظ عند أبي بكر ولا عمر. وإنما قال أبو بكر: «والله لأقاتلنّ مَن فَرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقّ المال))، وهذا أخذه - والله أعلم - من قوله في الحديث: ((إلا بحقها))، وفي رواية: ((إلا بحق الإسلام))، فجَعَلَ من حق الإسلام إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، كما أن من حقه أن لا تُرتَكَب الحدود، وجعل كل ذلك مما استثني بقوله: ((إلا بحقها)). وقوله: لأقاتلن مَن فَرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقّ المال))، يدلّ على أن من ترك الصلاة، فإنه يُقاتَل؛ لأنها حق البدن، فكذلك من ترك الزكاة التي هي حق المال. وفي هذا إشارة إلى أن قتال تارك الصلاة أمر مُجْمَعٌ عليه؛ لأنه جعله أصلاً مقيساً عليه، وليس هو مذكوراً في الحديث الذي احْتَجَّ به عمر ظُه، وإنما أُخِذ من قوله: ((إلا بحقها))، فكذلك الزكاة؛ لأنها من حقها، وكلُّ ذلك من حقوق الإسلام. ٥٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ويُسْتَدَلُّ أيضاً على القتال على ترك الصلاة بما في ((صحيح مسلم)) عن أم سلمة ◌َّا، عن النبيِ نَّه قال: ((يُستَعمَل عليكم أمراءُ، فَتَعْرِفون وتُنكرِون، فمَن أنكر فقد بَرِئ، ومن كَرِهَ فقد سَلِمَ، ولكن مَن رَضِيَ وتابع)»، فقالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: ((لا، ما صَلَّوْا))(١). وحُكْمُ مَن تَرَك سائر أركان الإسلام أن يُقاتَلُوا عليها كما يُقاتَلُون على ترك الصلاة والزكاة. ورَوَى ابنُ شهاب عن حنظلة بن علي بن الأسقع، أن أبا بكر الصديق ضُوعيه بَعَثَ خالد بن الوليد ◌َظُبه، وأمره أن يقاتل الناس على خمس، فمَن تَرَك واحدة من الخمس، فقاتلهم عليها، كما تُقاتل على الخمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان)). وقال سعيد بن جُبير: قال عمر بن الخطاب: لو أَنَّ الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه، كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة. فهذا الكلام في قتال الطائفة الممتنعة عن شيء من هذه الواجبات، وأما قتل الواحد الممتنع عنها، فأكثر العلماء على أنه يُقتَل الممتنع عن الصلاة، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبي عبيد، وغيرهم، ويدل على ذلك ما في ((الصحيحين)) عن أبي سعيد الخدري رضيبه أن خالد بن الوليد بقوله استأذن النبيّ 18َّ في قتل رجل، فقال: ((لا، لعله أن يكون يصلي))، فقال خالد: وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله وَله: ((إني لم أُومَرْ أن أَنْقُبَ عن قلوب الناس، ولا أَشُقَّ بطونهم)). وفي «مسند الإمام أحمد كَُّ)) عن عبيد الله بن عَدِيّ بن الخيار: أن رجلاً من الأنصار حدثه، أنه أتى النبي و ﴿ فاستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فقال النبيّ وَله: ((أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟))، قال: بلى، ولا شهادة له، قال: ((أليس يصلي؟))، قال: بلى، ولا صلاة له، قال: ((أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم))(٢). (١) رواه مسلم برقم (١٨٥٤) وأبو داود (٤٧٦٠). (٢) رواه أحمد ٤٣٢/٥ - ٤٣٣ وإسناده على شرط الشيخين. ٥٠٧ = (٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُؤَخِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٧) وأما قتل الممتنع عن أداء الزكاة، ففيه قولان لمن قال: يُقتَل الممتنع من فعل الصلاة: [أحدهما]: يُقتَل أيضاً، وهو المشهور عن أحمد كَذَتُهُ، ويُسْتَدَلُّ له بحديث ابن عمر نا هذا. [والثاني]: يُقْتَل، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد في رواية. وأما الصوم، فقال مالك: وأحمد في رواية عنه: يُقْتَلُ بتركه، وقال الشافعيّ، وأحمد في رواية: لا يُقْتَل بذلك، ويُستَدَلُّ له بحديث ابن عمر وغيره، مما في معناه، فإنه ليس في شيء منها ذكر الصوم، ولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب: الصوم لم يجئ فيه شيء. قال ابن رجب: قلت: وقد رُوي عن ابن عباس مَّا مرفوعاً وموقوفاً: أن من ترك الشهادتين، أو الصلاة، أو الصيام، فهو كافرٌ، حلال الدم، بخلاف الزكاة والحج، وقد سبق ذكر شرحه في حديث: ((بُني الإسلام على خمس)). أما الحج فعن أحمد كَخْتُهُ في القتل بتركه روايتان، وحَمَلَ بعض أصحابنا رواية قتله على من أخره عازماً على تركه بالكلية، أو أخره، وغلب على ظنه الموت في عامه، وأما إن أخره معتقداً أنه على التراخي، كما يقول كثير من العلماء، فلا قتل بذلك. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [١٣٧] (٢٣) - (وحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِيَانِ الْفَزَارِيَّ - عَنْ أَبِي مَالِكِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول اللّهِ وَه يَقُولُ: ((مَنْ قَالَ: لَا إِلّهَ إِلَّا اللّهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللّهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللّهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سَهْلِ الْهَرَويّ الأصل، ثم الْحَدَثَانيّ، ويقال له: (١) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٢٦/١ - ٢٣٦. ٥٠٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الأنباريّ، أبو محمد، صدوقٌ في نفسه، إلا أنه عَمِيَ، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، من قُدماء [١٠] (ت٢٤٠) وله مائة سنة (م ق) ٤ /٨٦. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، صدوقٌ، قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) ٤/ ٣١. ٣ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حِصْن بن حُذيفة بن بَذْر، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، وهو ابن عمّ أبي إسحاق الفزاريّ، ثقة حافظٌ، وكان يُدلّس أسماء الشيوخ [٨]. رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وحميد الطويل، وسليمان التيميّ، وعاصم الأحول، وأيمن بن نابل، وموسى الجهنيّ، وهاشم بن هاشم بن عتبة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبي مالك الأشجعيّ، ويزيد بن كيسان، وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وزكرياء بن عديّ، ويحيى بن معين، والحميديّ، وعلي بن المدينيِّ، وداود بن رُشيد، وأبو خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن محمد الْمُسْنَدِيُّ، وسُويد بن سعيد، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، وغيرهم. قال أبو بكر الأسدّي عن أحمد: ثبت حافظ، وقال أبو داود عن أحمد: ثقة ما كان أحفظه، وكان يحفظ حديثه. وقال ابن معين، ويعقوب بن شيبة، والنسائيّ: ثقة. وقال الدُّوريّ: سألت يحيى بن معين عن حديث مروان بن معاوية، عن علي بن أبي الوليد؟ قال: هذا علي بن غُرَاب، والله ما رأيت أحيل الناس للتدليس منه. وقال عبد الله بن علي بن المدينيّ، عن أبيه: ثقة فيما يَروِي عن المعروفين، وضَعَّفه فيما يروي عن المجهولين. وقال علي بن الحسين بن الجنيد، عن ابن نُمَير: كان يلتقط الشيوخ من السِّكَك. وقال العجليّ: ثقة ثبت، ما حَدَّث عن المعروفين فصحيح، وما حَدَّثَ عن المجهولين ففيه ما فيه، وليس بشيء. وقال أبو حاتم: صدوق، لا يُدفَع عن صدقه، ويكثر روايته عن الشيوخ المجهولين. وقال الآجريّ، عن أبي داود: (٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُؤَخِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٧) ٥٠٩ كان يقلب الأسماء. وقال ابن أبي خَيْئَمة، عن ابن معين: كان مروان يُغَيِّر الأسماء يُعَمِّي على الناس، كان يحدثنا عن الحكم بن أبي خالد، وإنما هو حَكَم بن ظُهَير. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وفي ((الميزان)): قال ابن معين: وجدتُ بخط مروان: وكيعُ رافضيّ، فقلت له: وكيعٌ خير منك، فَسَبَّنِي، وقال الذهبيّ: كان عالِماً، لكنه يَرْوي عمن دَبَّ ودَرَجَ، وكان فقيراً ذا عيال، فكانوا يَرُّونه، يعني الذين يروي عنهم، كأنه يُجازيهم . . قال ابن المثنى، ودُحَيم: مات فَجْأَةً سنة ثلاث وتسعين ومائة، قبل التروية بيوم. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٨) حديثاً. ٤ - (أَبُو مَالِكِ) سَعْد بن طارق الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [٤] مات في حدود (١٤٠) (خت م ٤) ١١٩/٥. ٥ - (أبوه) طارق بن أَشْيم - بالمعجمة، وزانُ أحمر - ابن مسعود الأشجعيّ، صحابيّ، له أحاديث، رَوَى عن النبي وََّ، وعن الخلفاء الأربعة، وعنه ابنه أبو مالك(١). وقال في ((الإصابة)): طارق بن أشيم بن مسعود الأشجعي والد أبي مالك، قال البغويّ: سكن الكوفة، قال مسلم: تفرد ابنه بالرواية عنه، وله عنده حديثان، قال الحافظ: وفي ابن ماجه أحدهما، وصَرَّح فيه بسماعه من النبي ◌َّ، وفي ((السنن)) حديث آخر عن أبي مالك الأشجعيّ: قلت لأبي: يا أبت قد صليتَ الصبحَ خلف رسول الله وَّه، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ ها هنا بالكوفة نحواً من خمس سنين، أكانوا يقنتون؟ قال: يا بُنَيّ مُحْدَثٌ، وصححه الترمذيّ، وأغرب الخطيب، فقال في كتاب ((القنوت)): في صحبته نظر. قال الحافِظُ: ما أدري أيُّ نظر فيه بعد هذا التصريح؟ ولعله رأى ما أخرجه ابن منده من طريق أبي الوليد، عن القاسم بن مَعْن، قال: سألت آل (١) ((تهذيب التهذيب)) ٢٣٢/٢. ٥١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان أبي مالك الأشجعيّ: أسمع أبوهم من النبيّ وَّهُ؟ قالوا: لا، وهذا نَفْيٌ يُقَدَّم عليه مَن أثبت، ويَحْتَمِلُ أنه عَنَى بقوله: أبوهم أبا مالك، وهو كذلك، لا صحبة له، إنما الصحبة لابنه. انتهى كلام الحافظ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ رحمه الله تعالى تحقيقٌ حسنٌ جدّاً، وحاصله أن طارق بن أشيم ظُه صحابيّ دون شكّ؛ لصحة تصريحه بالسماع، فينبغي حمل قول القاسم على ولده أبي مالك، فإنه هو الذي لا صحبة له، وأما قول الخطيب: في صحبته نظر، فَمِمَّا لا يُلتفت إليه. والله تعالى أعلم. روى البخاريّ في ((الأدب المفرد))، ومسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث برقم (٢٣) وحديث رقم (٢٦٩٧) وكرّره ثلاث مرّات. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، كالسند التالي، وهو أعلى ما وقع له من أعلى الأسانيد، كما سبق بيانه في ((شرح المقدّمة)). ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخيه، فالأول هرويّ، ثم حدثانيّ، نسبة إلى الحديثة، بلد على الفرات، مشهور(٢)، والثاني عدنيّ، ثم مكيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له من الأحاديث إلا نحو ثمانية، راجع: ((تحفة الأشراف)) في ترجمة ٢٠٥/٤ - ٢٠٦، و(«إتحاف الْمَهَرَة بأطراف العشرة)) ٣٣٧/٦ - ٣٤٠. أما شرح الحديث فواضحٌ، يُعلم مما سبق. والله تعالى أعلم. (مسألة): حديث أبي مالك الأشجعيّ، عن أبيه هذا مما انفرد به المصنّف عن بقيّة أصحاب الكتب الستة، أخرجه هنا [١٣٧/٨] - (١٣٨) عن سُويد بن نصر، ومحمد بن أبي عمر، كلاهما عن مروان بن معاوية (١) ٣ /٤١١ - ٤١٢. (٢) راجع: ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٤٧/١ - ٣٤٨. (٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُؤَخِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٨) ٥١١ الفزاريّ - و١٣٨/٨ عن زُهير بن حرب، عن يزيد بن هارون - و١٣٨/٨ عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر - ثلاثتهم عن أبي مالك، عن أبيه. وأخرجه (أحمد) في ((مسنده ٤٧٢/٣ و٣٩٤/٦، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنفه)) ١٢٣/١٠، و٣٧٥/١٢، و(أبو نعيم) في ((المستخرج)) ١١٧/١ - ١١٨ (١٢٢ - ١٢٣)، والطبرانيّ في ((الكبير)) ٨١٩/٨ وما بعده و(ابن منده) (٣٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [١٣٨] (.) - (وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أُبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ. (ح) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مَالِكِ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ ◌َِّ يَقُولُ: ((مَنْ وَحَّدَ اللّهَ ... )) ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور قبل حديثين. ٢ - (أَبُو خَالِدِ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يخطئ [٨] (ت١٩٠) (ع) ١١٩/٥. ٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) ٢/ ٣. ٤ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السّلميّ، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌّ عابدٌ [٩] (ت٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) ٤٥/٤. والباقيان تقدما في السند الماضي. وقوله: ((ثم ذكر بمثله))، أي ذكر كُلُّ من أبي خالد الأحمر، ويزيد بن هارون بمثل حديث مروان الفزاريّ، وإنما أفرد الضمير باعتبار لفظ كليهما، فإنه مفرد اللفظ، مثنّى المعنى. ويحتمل أن يكون الضمير لشيخيه على التأويل المذكور، وهذان الاحتمالان هما الغالب في عادة المصنّف في إحالاته الكثيرة، كما سبق، وكما سيأتي التنبيه عليه. ويحتمل أن يكون الضمير لوالد أبي مالك الأشجعيّ، وهو طارق بن أشيم، أي ساق لفظ الحديث بمثل حديثه السابق. ٥١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان [تنبيه]: رواية أبي خالد الأحمر التي أحالها المصنف هنا على رواية مروان أخرجها ابن حبان في ((صحيحه)) (١٧١) فقال: أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن أبي مالك الأشجعي، قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ولو يقول: ((من وَحَّدَ الله، وكَفَرَ بما يُعْبَدُ من دونه، حَرُمَ ماله وَدَمُهُ، وحسابه على الله)). وأما رواية يزيد بن هارون، فقد أخرجها الإمام أحمد في ((مسنده) ٣/ ٤٧٢ قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا أبو مالك الأشجعي، عن أبيه أنه سمع النبيّ ◌َّ، وهو يقول لقوم: ((من وحّد الله تعالى، وكفر بما يُعبد من دونه حرم ماله ودمه، وحسابه على الله رغبات)) . ثم قال أحمد: حدثنا به يزيد بواسط، وبغداد، قال: سمع النبيّ وَلّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيمُ﴾ [هود: ٥٥]. (٩) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةٍ إِسْلَامٍ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ) [١٣٩] (٢٤) - (وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبِ الْوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللّهِ وَلِّ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ: يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللّهِ))، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللّهِ وَلـ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلّهَ إِلَّ اللّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِ: ((أَمَا وَاللّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ))، فَأَنْزَلَ اللّهُ رَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ ٥١٣ (٩) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةٍ إِسْلَامٍ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ - حديث رقم (١٣٩) [التوبة: ١١٣]، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ لِرَسُولِ اللّهِ وَلِهِ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءٍ وَهُوَ أَعْلَمُ [القصص: ٥٦]). بِالْمُهْتَدِينَ (بَهَا﴾ رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى التُّجِبِيُّ) المصريّ المذكور في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الثقة الحافظ العابد الفقيه [٩] (ت١٩٧) (ع) ٢ / ١٠. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقة، من كبار [٩] (ت١٥٩) (ع) ٢/ ٤. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحجة الفقيه الثبت، رأس [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدم في ((شرح المقدّمة)) ٣٤٣/١. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حزن القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الفقيه الثقة الثبت، من كبار [٣] (ت٩٤) (ع) ٤ / ٧٠. ٦ - (أَبُوهُ) المسيّب بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عِمْران بن مَخْزُوم القرشيّ المخزوميّ، والد سعيد، له ولأبيه حَزْن صحبة، وله حديث في ((الصحيحين)) من طريق طارق بن عبد الرحمن، قال: انطلقت حاجّاً، فمررت بقوم يُصَلُّون، قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة، حيث بايع رسول الله وَالر بيعة الرضوان، فلقيت سعيد بن المسيب، فأخبرني، فقال سعيد: حدثني أبي، أنه كان ممن بايع رسول الله ولو تحت الشجرة، فلما خرجنا من العام المقبل أتيناها، فلم نَقْدِر عليها، قال سعيد: إن أصحاب محمد ◌َّلو لم يعلموها، فعلمتموها أنتم؟ فأنتم أعلم، وللمسيب حديث آخر في ((الصحيحين)) وغيرهما في قصة وفاة أبي طالب. قال الحافظ في ((الإصابة)): وفي كل ذلك رَدٌّ لقول مصعب الزبيريّ: لا يختلف أصحابنا أن المسيب وأباه من مسلمة الفتح، وقد رد كلامه بذلك أبو أحمد الْعَسْكريّ، وقد شَهِدَ المسيب فتوح الشام، ولم يتحرر لي متى مات. انتهى كلام الحافظ(١). (١) ((الإصابة)) ٦/ ٩٦. ٥١٤ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقال في (تهذيب التهذيب)): زعم الواقديّ، ومصعب الزبيريّ أنه من مسلمة الفتح، ولم يصنعا شيئاً، فقد ثبت في ((الصحيح)) أنه شهد الحديبية، وقال ابن يونس: قَدِمَ المسيب مصر لغزو إفريقية، سنة سبع وعشرين. وفي ((الثقات)) لابن حبان في التابعين: المسيب بن حزن فإن كان أراد هذا، فقد وَهِمَ وَهَماً قَبِيحاً، وعَدَّه الأزديّ وغيره فيمن لم يَرْوِ عنه إلا واحدٌ(١). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث، وحديث مبايعته تحت الشجرة (١٨٥٩)، وأعاده بعده مرّتين. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (ومنها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فقد تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويونس وإن كان أيليًّا، إلا أنه نزل مصر، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالإخبار، وفي أوله التحديث، وفي آخره العنعنة، وكلّها من صيغ الاتّصال على التفصيل في ((عن)). ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٦ - (ومنها): أن سعيداً أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة من التابعين، وقد تقدّموا قريباً. ٧ - (ومنها): أن سعيداً تفرّد بالرواية عن أبيه، فليس له راوٍ غيره، وهذا مما يُردّ به على الحاكم أبي عبد الله النيسابوريّ في دعواه أن شرط الشيخين أن يخرجا الحديث الذي يرويه صحابيّ مشهور بالرواية عن الرسول وَليل، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعيّ المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راويان ثقتان إلخ، فإن هذه دعوى يكذّبها هذا السند، ونحوه مما سبق بيانه في المسألة (١) ((تهذيب التهذيب)) ٨٠/٤. ٥١٥ (٩) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةٍ إِسْلَامٍ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ - حديث رقم (١٣٩) الحادية والعشرين من مقدّمة ((شرح المقدّمة))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٨ - (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب إلا ثلاثة أحاديث: هذا الحديث عند الشيخين، والنسائيّ، وحديث قصّة مبايعته تحت الشجرة عندهما، وحديث قصة مجيء أبيه إلى النبيّ وَلّر، فقال له: ((ما اسمك؟ ... إلخ)) عند البخاريّ. ٩ - (ومنها): أن ((المُسَيَّب)) كله بفتح الياء، بصيغة اسم المفعول، إلا هذا، فإن الأولى ضبطه بكسر الياء المشدّدة؛ لأنه الذي ثبت عن أهل المدينة، وهم أعلم به، وإنما فتحه أهل الكوفة، وكان سعيد يكره فتحه، ويقال: إنه دعا على من فتح، وقال: سيّب الله من سيّب أبي، وإلى ما ذُكر من ضبطه أشرت بقولي : أَبِي سَعِيدٍ فَلِوَجْهَيْنِ حَوَى مُسَيَّبٌ بِفَتْحِ يَائِهِ سِوَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِهِ فَلْيُثْبَنَا لَكِنَّ كَسْرَهُ أَحَقُّ إِذْ أَتَّى بَلْ قِيلَ قَدْ دَعَا عَلَى مَنِ اعْتَمَدْ وَعَنْ سَعِيدٍ كُرْهُهُ الْفَتْحَ وَرَدْ عَنْ كُرْهِهِ وَلَوْمِهِ وَتَغْنَمِ فَابْتَعِدَنْ عَنْ فَتْحِهِ لِتَسْلَمِ والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِهِ) المسيِّب بن حَزْن - بفتح المهملة، وسكون الزاي، بعدها نون - ابن أبي وَهْب، أنه (قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبِ الْوَفَاءُ) أي حضرت علامات الموت، وإلا فلو كان انتهى إلى المعاينة، لم ينفعه الإيمان لو آمن، ويدُل عليه ما وقع من محاورة النبيّ ◌َّ له ولمن حضره من كفّار قريش بينه وبينهم. ويحتمل أن يكون انتهى إلى تلك الحالة، لكن رجاء النبيّ وَليقول أنه إذا أقر بالتوحيد، ولو في تلك الحالة أن ذلك ينفعه بخصوصه، وتَسُوغُ شفاعته؛ لمكانه منه، ولهذا قال: ((أُحاجّ لك بها عند الله))، فيكون من الخصوصيّات، ويؤيد ذلك أنه بعد أن امتنع من الإقرار بالتوحيد، وقال: هو على ملة ٥١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان عبد المطلب ومات على ذلك، أن النبيّ وَّ﴿ لم يترك الشفاعة له، بل شَفَعَ له حتى خُفِّفَ عنه العذاب بالنسبة لغيره، وكان ذلك من الخصائص في حقه(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ضعّف القاضي عياضٌ هذا الاحتمال الثاني في ((إكماله)) ٢١٢/١ ونقله عنه النوويّ في ((شرحه))، وأقرّه عليه، والذي يظهر لي أنه احتمال صحيح قويّ، بل هو أقوى من الأول؛ للأدلة التي سمعتها الآن في تحقيق الحافظ، فاحتفظ بها، ولا يصُدَّنَّكَ كلام القاضي، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وسيأتي تمام البحث في هذا في شرح أحاديث الشفاعة الآتية قريباً إن شاء الله تعالى. [تنبيه]: أبو طالب هذا هو ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، وهو عمّ النبيّ ◌َّ، ووالد عليّ بن أبي طالب، واسمه: عبد مناف، وقيل: اسمه كنيته، والأول أصحّ، واسم عبد المطّلب: شيبة، وكان يقال له: شيبة الحمد، واسم هاشم: عمرو، وهاشم لقب له؛ لأنه أوّل من هَشَمَ الثَّرِيد لقومه، واسم عبد مناف: المغيرة، واسم قُصيّ: زيد، وقيل له: مُجَمِّع؛ لأنه جَمَعَ إليه قومَهُ، وكان والد النبيّ ◌ََّ، وهو عبد الله قد تُوُفّي، ورسول الله وَيه حَمْلٌ في بطن أمه على الأصحّ، فؤُلد رسول الله بَّه، ونشأ في كفالة جدّه عبد المطّلب إلى أن تُؤُفّي، فَكَفَلَهُ عمّه أبو طالب، ولم يَزَل يُحبّه حبّاً شديداً، ويَحُوطه ويَحفظه إلى أن بَعَثَ الله محمداً وَله بالنبوّة، فنصَرَه أبو طالب، وأعانه، وأجاره ممن يُريد به سُوءاً، وقام دونه، وعادى في حقّه قُرَيشاً، وجميع العرب إلى أن ناصبوه القتال، وجاهروه بالعداوة والأذى، وطَلَبوا أن يُسلّمه لهم، فلم يفعل، ثم إن قريشاً، وجميع أهل مكة تعاقدوا فيما بينهم، وتحالفوا على هَجْره، وجميع بني هاشم، ومقاطعتهم، وعلى أن لا يقاربوهم، ولا يناكحوهم، لا يبايعوهم، ولا يَصِلُوهم بشيء، من وجوه الرفق كلّها، حتى يُسلموا إليهم رسول الله وَّله، وكَتَبُوا بذلك صحيفةً، وعلّقوها في الكعبة، فانحاز أبو طالب، وبنو هاشم في شِعْبِهم، وأقاموا على ذلك نحو ثلاث سنين (١) ((الفتح)) ٦٤٣/٨. ٥١٧ (٩) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةٍ إِسْلَامٍ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ - حديث رقم (١٣٩) في جهد جَهِيد، وحال شديد إلى أن نَقَضَ الله أمر الصحيفة، وأظهر أمر نبيّه وَّ على ما هو مذكور في كتب السِّيَر. وكان أبو طالب يَعْرِفُ صدقَ النبي ◌َّ في كلّ ما يقوله، ويقول لقريش: تعلمون أن محمداً لم يَكذِب قطّ، ويقول لابنه عليّ: اتّبعه، فإنه على الحقّ، غير أنه لم يدخل في الإسلام، ولم يتلفّظ به، ولم يزل على ذلك إلى أن حضرته الوفاة، فدخل عليه رسول الله وَل﴿ طامعاً في إسلامه، وحَرِيصاً عليه، باذلاً في ذلك جهده، مُستفرغاً ما عنده، ولكن عاقت عن ذلك عوائق الأقدار التي لا ينفع معها حرصٌ، ولا اقتدار. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى(١). وقال النوويّ في ((شرحه)): وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة بقليل، قال ابن فارس: مات أبو طالب، ولرسول الله وَ لفي تسع وأربعون سنة، وثمانية أشهر، وأحد عشر يوماً، وتُؤُفِيت خديجة، أم المؤمنين ◌َّا بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام. انتهى(٢). (جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنٍ الْمُغِيرَةِ)، قال في ((الفتح)): يحتمل أن يكون الْمُّسَيِّب حضر هذه القصة، فإن المذكورين من بني مخزوم، وهو من بني مخزوم أيضاً، وكان الثلاثة يومئذ كُفّاراً، فمات أبو جهل على كفره، وأسلم الآخران. وأما قول بعض الشُّرّاح: هذا الحديث من مراسيل الصحابة فمردود؛ لأنه اسْتَدَلَّ بأن المسيِّب على قول مصعب من مسلمة الفتح، وعلى قول الْعَسْكَرِيّ ممن بايع تحت الشجرة، قال: فأَيّاً ما كان فلم يَشْهَد وفاةَ أبي طالب؛ لأنه تُوُفي هو وخديجة في أيام متقاربة، في عام واحد، وللنبيّ وَّ يومئذ نحوُ الخمسين سنةً. انتهى. ووجه الرَّدِّ أنه يلزم من كون المسيِّب تأخر إسلامه أن لا يَشهَد وفاة أبي طالب، كما شَهِدَها عبد الله بن أبي أمية، وهو يومئذ كافر، ثم أسلم بعد ذلك. وعَجَبٌ من هذا القائل كيف يعزو كون المسيِّب كان ممن بايع تحت الشجرة إلى العسكريّ، ويَغْفُلُ عن كون ذلك ثابتاً في ((صحيح البخاري)) الذي (١) ((المفهم)) ١/ ١٩٢ - ١٩٣. (٢) (شرح مسلم)) ٢١٥/١. ٥١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان شَرَحَهُ؟ كما هو مذكور في ((كتاب المغازي)) واضحاً (١). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ يَا عَمِّ) وفي رواية البخاريّ: ((أَيْ عَمِّ))، فـ(أَيْ)) بتخفيف الياء حرف نداء، و((عَمّ)) منادى مضاف إلى ياء المتكلّم، حُذفت تخفيفاً . [فائدة]: يجوز في إعراب قوله: ((يا عمّ)) أوجهٌ، وذلك لأن القاعدة أنه إذا أُضيف المنادى إلى ياء المتكلّم، وكان صحيح الآخر، كالعبد، والأب، والأم، والعم، ونحوها، جاز فيه ستّة أوجه: [أحدها]: حذف الياء، والاستغناء بالكسرة، نحو ((يا عمِّ))، وهذا هو الأكثر. [الثاني]: إثبات الياء ساكنةً، نحو ((يا عمّي))، وهو دون الأول في الكثرة . [الثالث]: قلب الياء ألفاً، وحذفها، والاستغناء عنها بالفتحة، نحو (یا عمَّ)). [الرابع]: قلبها ألفاً، وإبقاؤها، وقلب الكسرة فتحةً، نحو ((يا عمَّا)). [الخامس]: إثبات الياء مُحرّكَةً بالفتح، نحو ((يا عمّيَ))، وإلى هذه الأوجه الخمسة أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في ((الخلاصة)) بقوله: وَاجْعَلْ مُنَادِى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا كَ«عَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدًا عَبْدِيَا)) [السادس]: ضم الاسم بعد حذفها، كالمنادى المفرد، والاكتفاء بنيّة الإضافة، وهو أضعف الوجوه، ولا يكون إلا فيما يكثر نداؤه مضافاً للياء، كالربّ، والأبوين، والعم، ونحو ذلك(٢). فتبيّن بهذا أنه يجوز في قوله هنا: ((يا عمّ)) هذه الأوجه الستة كلّها، فتنبّه. والله تعالى أعلم. (قُلْ: لَا إِلَّهَ إِلَّ اللهُ، كَلِمَةً) بالنصب على البدل من ((لا إله إلا الله))، أو على الاختصاص، ويجوز الرفع على أنه خبر لمبتدإٍ محذوف، أي هي كلمة (١) ((الفتح)) ٨/ ٦٤٣. (٢) راجع: ((شرح ابن عقيل، مع حاشية الخضريّ)) ١٢٢/٢ - ١٢٣. ٥١٩ (٩) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةٍ إِسْلَامٍ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ - حديث رقم (١٣٩) (أَشْهَدُ) يجوز جزمه على أنه جواب الأمر، أي إن تقل أشهَدْ، ويجوز رفعه على الاستئناف استئنافاً بيانيّاً، كأنه قال: فما لي إن قلتها؟ وفي رواية للبخاريّ: ((أُحَاجُ))، وهي بتشديد الجيم، من الْمُحَاجّة، وهي مفاعلة من الْحُجّة، وفي رواية مجاهد عند الطبريّ: ((أَجادل عنك بها))، زاد الطبريّ من طريق سفيان بن حسين، عن الزهري قال: ((أَيْ عَمّ، إنك أعظم الناس عليَّ حقّاً، وأحسنهم عندي يداً، فقل: كلمةً تجب لي بها الشفاعة فيك يوم القيامة)). قاله في ((الفتح))(١) . قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وكلُّ ذلك ترغيبٌ لأبي طالب، وحرصٌ على نجاته، ويأبى الله إلا ما يُريد. انتهى (٢). (لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ) الجارّان، والظرف متعلّقات بـ(أشهد)). (فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدٍ الْمُطَّلِبِ) الهمزة فيهً للاستفهام الإنكاريّ، أي أتُعرض عنها، وتتركها، يقال: رَغِبَ عن الشيء: إذا لم يُرِده، ورغب فيه: إذا أراده، قال في ((القاموس)): رَغِبَ فيه، كسَمِعَ رَغْباً، ويُضمّ، ورَغْبَةً: أراده، كارتغب، ورَغِبَ عنه: لم يُرده. انتهى(٣)، وفي ((المصباح)): رَغِبْتُ في الشيء، ورَغِبْتُهُ يتعدّى بنفسه أيضاً: إذا أردته، رَغَباً بفتح الغين، وسكونها، وَرُغْبَى بفتح الراء وضمّها، ورَغْبَاءً بالفتح والمدّ، ورَغِبْتُ عنه: إذا لم تُرده. انتهى (٤). (فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ) بفتح أوله، وكسر الراء، يقال عَرَضَ عليه الشيءَ: أراه إيّاه، أي لم يَزَلْ بَّهِ يُرِغَب أبا طالب في تلك الكلمة، ويُحسّنها له، وفي رواية الشعبي عند الطبريّ: ((فقال له ذلك مراراً)) (وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ)، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هكذا هو في الأصول، وعند أكثر الشيوخ، ويعني بذلك أن النبيّ وَّرَ أقبل على أبي طالب يَعْرِض عليه الشهادة، ويُكرّرها عليه، ووقع في بعض النسخ: ((ويُعيدان له تلك المقالة)) على التثنية، ووجهها أن أبا جهل وعبد الله بن أبي أميّة أعادا على أبي طالب (١) ((الفتح)) ٦٤٥/٨. (٣) ((القاموس)) ص٨٤. (٢) ((المفهم)) ١٩٣/١. (٤) ((المصباح المنير)) ٢٣١/١. ٥٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قولهما: ((أترغب عن ملّة عبد المطّلب))، حتى أجابهم إلى ذلك، قال القاضي: وهذا أشبه. انتهى(١). وفي رواية البخاريّ: ((ويُعيدانه بتلك المقالة)) قال في ((الفتح)): أي ويعيدانه إلى الكفر بتلك المقالة، كأنه قال: كان قارب أن يقولها، فَيَرُدّانه، ووقع في رواية معمر: ((فيعودان له بتلك المقالة))، وهي أوضح. انتهى (٢). (حَتَى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ) أي في آخر تكليمه إياهم (هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) أراد بذلك نفسه، ويحتمل أن يكون قال: ((أنا)) فَغَيَّرها الراوي؛ أَنَفَةً أن يَحْكِيَ كلامَ أبي طالب؛ استقباحاً للّفظ المذكور، وهي من التصرفات الحسنة. ووقع في رواية مجاهد قال: ((يا ابن أخي مِلَّةُ الأشياخ))، ووقع في حديث أبي هريرة الآتي بعد هذا عند مسلم: ((قال: لولا أَنْ تُعَيِّرني قريش، يقولون: إنّما حمله الْجَزَعُ، لأقررت بها عينك))، وفي رواية الطبرانيّ: قال: لولا أن يكون عليك عارٌ لم أُبَالِ أن أَفْعَلَ)). (وَأَبَى) أي امتنع أبو طالب (أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَّهَ إِلَّ اللهُ) هو تأكيد من الراوي في نفي وقوع ذلك من أبي طالب، وكأنه استند في ذلك إلى عدم سماعه ذلك منه في تلك الحال، وهذا القدر هو الذي يُمْكن اطّلاعه عليه، ويَحْتَمِل أن يكون أطلعه النبيّ ◌َّد. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَمَا))) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح، وتنبيه، مثلُ ((ألا)) ووقع في بعض النسخ (أَمَ والله لأستغفرن لك))، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا ضبطناه ((أَمَ)) من غير ألف بعد الميم، وفي كثير من الأصول، أو أكثرها: ((أَمَا والله)) بألف بعد الميم، وكلاهما صحيح. قال الإمام أبو السعادات، هبة الله بن عليّ بن محمد العلويّ الحسنيّ المعروف بابن الشجريّ في كتابه ((الأمالي)): ((ما)) مزيدة للتوكيد، رَكَّبُوها مع همزة الاستفهام، واستعملوا مجموعهما على وجهين: أحدهما: أن يراد به (١) ((المفهم)) ١٩٣/١ بزيادة من ((شرح النووي)) ٢١٤/١. (٢) ((الفتح)) ٦٤٤/٨.