Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
(٧) - بَابُ الدُّعَاءِ إِلى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٢٩)
وقد ناقشه العينيّ ناصراً لمذهبه، كعادته في مثل هذا، تركت ذكره؛ لعدم
جدواه؛ إذ الانتصار إنما هو للحقّ، لا لآراء الرجال، وسيأتي البحث في هذا
مستوفّى في محلّه - إن شاء الله تعالى -.
٥ - (ومنها): أن الزكاة فرض.
٦ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به بعضهم على أن الزكاة لا يجوز نقلها عن بلد
المال، لقوله وَجُ: ((فتُرَدّ في فقرائهم)).
قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: وفيه عندي ضعف؛ لأن الأقرب أن
المراد تؤخذ من أَغْنِيَائهم من حيث إنهم مسلمون، لا من حيث إنهم من أهل
اليمن، وكذلك الردّ عليهم، وإن لم يكن هذا هو الأظهر، فهو محتمل احتمالاً
قويّاً، ويقوّيه أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكليّة لا تُعتبر،
ولولا وجود مناسبة في باب الزكاة لقُطع بأن ذلك غير معتبر، وقد وردت صيغة
الأمر بخطابهم في الصلاة، ولا يختصّ بهم قطعاً، أعني الحكم، وإن اختصّ
بهم خطاب المواجهة، انتهى كلامه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه ابن دقيق العيد رحمه الله
تعالى من ضعف الاستدلال بهذا الحديث على عدم جواز نقل الزكاة من بلد
المال إلى بلد آخر هو الأرجح عندي؛ لما بيّنه في تحقيقه، وأما محاولة
الصنعاني في ((حاشيته)) بالردّ عليه، ففيها نظر، فتأملها بعين الإنصاف.
وقد مال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)) لهذا الكتاب إلى ما رجحه
ابن دقيق العيد، فانظره(١). وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه - إن شاء الله تعالى -.
٧ - (ومنها): أنه يدلّ على أن من مَلَكَ النصابَ لا يُعطى من الزكاة،
وهو مذهب أبي حنيفة، وبعض أصحاب مالك رحمهم الله تعالى من حيث إنه
جعل المأخوذ منه غنيّاً، وقابله بالفقير، ومن ملك النصاب فالزكاة مأخوذةٌ منه،
فهو غنيّ، والغنيّ لا يُعطَى من الزكاة، إلا في المواضع المستثناة في الحديث،
وليس بالشديد القوّة، قاله ابن دقيق العيد(٢).
(١) ((شرح صحيح مسلم)) ١/ ١٩٧.
(٢) ((إحكام الأحكام)) ٢٧٨/٣ بنسخة حاشية ((العدّة)).

٤٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وأشار بالحديث إلى ما أخرجه أبو داود، وابن ماجه من حديث أبي
سعيد رَُّهُ مرفوعاً: ((لا تحلّ الصدقة لغني، إلا لخمسة: العامل عليها، أو
رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدّق عليه
بها، فأهداها لغنيّ)).
٨ - (ومنها): بيان عِظَم تحريم الظلم، وأن الإمام ينبغي أن يَعِظَ ولاته،
ويأمرهم بتقوى الله تعالى، ويبالغ في نهيهم عن الظلم، ويُعَرِّفَهم قُبْحَ عاقبته،
قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: في الحديث دليلٌ على تعظيم أمر الظلم،
واستجابة دعوة المظلوم، وذكر النبيّ ◌َ﴾ ذلك عقب النهي عن أخذ كرائم
الأموال؛ لأن أخذها ظلم، وفيه تنبيه على جميع أنواع الظلم. انتهى (١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه تحريم الظلم، وتخويف الظالم،
وإباحة الدعاء للمظلوم عليه، والوعد الصّدق بأن الله تعالى يستجيب للمظلوم
فيه، غير أنه قد تُعجّل الإجابة فيه، وقد تؤخّر؛ إملاءَ للظالم، كما قال ◌َّ:
((إن الله يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُقْلِتْهُ(٢)، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا
أَخَذَ اٌلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ﴾ [هود: ١٠٢]، وكما قد روي عن النبيّ وَّ أنه قال: ((إن الله
تعالى يَرفع دعوة المظلوم على الغمام، ويقول لها: لأنصُرَنَّك ولو بعد حين))(٣).
٩ - (ومنها): أنه يَحرُم على الساعي أخذ كرائم المال في أداء الزكاة، بل
يأخذ الوسط، ويحرم على رب المال إخراج شَرّ المال، قال ابن دقيق العيد
رحمه الله تعالى: ودلّ الحديث أيضاً على أن كرائم الأموال لا تؤخذ من
الصدقة، كالأَكُولة، والرُّبَّى، وهي التي تربّي ولدها، والماخض، وهي
الحامل، وفحل الغنم، وحَزَرات المال - بتقديم الزاي، وقيل: بتأخيرها - وهي
التي تُحزَرُ بالعين، وتُرمق؛ لشرفها عند أهلها .
(١) ((الإحكام)) ٢٨٠/٣ بنسخة الحاشية.
(٢) رواه مسلم في ((صحيحه)) (٢٥٨٣) والترمذي (٣١١٠) وابن ماجه (٤٠١٨) من
حديث أبي موسى
ضى عنه .
(٣) رواه أحمد في ((مسنده)) ٣٠٥/٢ و٤٤٥ والترمذيّ (٢٥٢٦) وابن ماجه (١٧٥٢) من
حديث أبي هريرة
چِنَّه .

٤٢٣
(٧) - بَابُ الدُّعَاءِ إِلى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٢٩)
والحكمة فيه أن الزكاة وجبت مواساةً للفقراء من مال الأغنياء، ولا
يُناسب ذلك الإجحافَ بأرباب الأموال، فسامح الشرع أرباب الأموال بما
يَضِنُون به، وَنَهَى الْمُصَدِّقين عن أخذه، كما نهاهم عن أخذ رديء المال من
الهَرِمة، وذات الْعَوَار، والدَّرِّيّة(١)، والمريضة، والشَّرَط، واللئيمة(٢)، فلا يؤخذ
على الغنيّ خيار ماله، ولا يُعطِي الفقير شرار ماله، بل الوسط، وهكذا جرت
حكمته تعالى بالرفق بالعباد في كلّ أمر من الأمور، له الحمد كثيراً، وله
الحكمة البالغة. انتهى(٣) .
١٠ - (ومنها): أن الزكاة لا تُدفع إلى كافر، ولا تُدفع أيضاً إلى غنيّ من
نصيب الفقراء.
١١ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به بعضهم على أن الكفار ليسوا بمخاطبين
بفروع الشريعة، من الصلاة والصوم والزكاة، وتحريم الزنا ونحوها؛ لكونه وليه
قال: ((فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن عليهم))، فدَلّ على أنهم إذا لم
يُطيعوا لا يجب عليهم.
قال النوويّ: وهذا الاستدلال ضعيف؛ فإن المراد علمهم بأنهم مُطَالَبون
بالصلوات وغيرها في الدنيا، والمطالبةُ في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام،
وليس يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها، يزاد في عذابهم بسببها في
الآخرة، ولأنه ◌َّ﴿ رَتَّبَ ذلك في الدعاء إلى الإسلام، وبدأ بالأهمّ، ألا تراه
بدأ * بالصلاة قبل الزكاة، ولم يقل أحد: إنه يصير مكلفاً بالصلاة دون
الزكاة. انتهى كلام النوويّ(٤)، وهو تحقيقٌ حسنٌ. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: المختار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به، والمنهيّ
عنه، هذا قول المحققين والأكثرين، وقيل: ليسوا مخاطبين بها، وقيل:
مخاطبون بالمنھيّ دون المأمور.
(١) أي: ذات الدّرّ، أي: الحلوبة.
(٢) أي: رُذال المال، وقيل: صِغَارُه، وشِرَاره. انتهى ((النهاية)) ٤٦٠/٢.
(٣) ((إحكام الأحكام)) مع حاشية ((العدّة)) ٢٧٩/٣ - ٢٨٠.
(٤) (شرح مسلم)) ١٩٧/١ - ١٩٨.

٤٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وإلى هذا أشرت في ((التحفة المرضيّة)) بقولي:
أَنْ يُؤْمِنُوا بِلَا خِلَافٍ يُنْسَبُ
وَاعْلَمْ بِأَنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ خُوِطِبُوا
وَالْقَوْلُ بِالْخِطَابِ أَقْوَى حُجَجًا
أَمَّا بِغَيْرِهِ فَالاخْتِلَافُ جَا
ثم رأيت العلامة الصنعانيّ رحمه الله تعالى قد كتب في هذه المسألة بحثاً
نفيساً، أحببت إيراده هنا لنفاسته:
قال رحمه الله تعالى: قوله: ((غير مخاطبين بالفروع))، هكذا أطبق الناس
عليه، ولا يخفى أن الله بعث الرسل تدعو العباد إلى طاعته تعالى في كلّ ما
أمرت به الرسل، من غير تفرقة بين فروع ولا أصول، بل هذه التفرقة والتسمية
حادثة اصطلاحاً قطعاً، وقد بيّن رَّله في حديث عمر رُه، وإتيان جبريل
يسأله عن الإيمان، والإسلام، فأجابه بأن: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله
إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم
رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً)). فقال له جبريل: ((صدقت)).
وإذا كان هذا مسمّى الإسلام بالنصّ النبويّ. ورواية «بني الإسلام على
خمس))، وذكر هذه، أخرج الأولى مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وأخرج الثانية
الشيخان، والترمذيّ، وأبو داود، والنسائيّ.
وإذا عرفت أن هذا مسمى الإسلام، وقد عرفت أنه نَّله بُعث يدعو الأمة
إلى الإسلام، وقال في كتابه إلى قيصر الذي أخرجه البخاريّ وغيره: ((أَسْلِمْ
تَسْلَمْ))، فقد دعا إلى هذا المركّب من الخمسة الأجزاء، وهي سواء في صدقه
عليها، فلا فروع، ولا أصول، بل هذه تسمية مبتدعة، وإذا كان كذلك،
فالدخول في هذا الإسلام مخاطب به كلّ مكلّف، الكافر مكلّف بالدخول فيه،
والاتصاف به، والمسلم مكلّف بالاستمرار عليه، فإن امتنع الكافر عن الدخول
فيه عُذّب على تركه كما يُعذّب المسلم على تركه لأيّ أجزائه عمداً، فالكفّار
مخاطبون بهذا الذي اصطلحوا على تسميته فروعاً، فإن امتنع الكافر عن
الإسلام عوقب على تركه الإسلام بجميع أجزائه بلا فرق. وقالت الكفّار لَمّا
[المدثر: ٤٢، ٤٣]،
٤٣)
سُئلوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِ سَقَرَ ﴿﴿ قَالُوْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ
والرسل من أولهم إلى آخرهم يقولون لأممهم: ﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ
غَيْرُهُ﴾ الآية [الأعراف: ٥٩]، وعبادته المأمور بها شاملة لكلّ ما تأمرهم به

٤٢٥
(٧) - بَابُ الدُّعَاءِ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٢٩)
الرسل مما سَمَّوه أصولاً، وفروعاً، وهذا شيء دخيل. قال: ولكن لما قسموا
الإسلام إلى الأمرين، فشا لهم الخلاف في مسألة خطاب الكفّار بالفروع،
وأطالوا المسألة، والمقاولة في الأصول الفقهيّة، وإلا فهذا شيء لا يُعرَف في
سلف الأمّة وعصر النبوّة، انتهى كلام الصنعانيّ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه العلّامة الصنعانيّ
رحمه الله تعالى تحقيقٌ نفيس، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم.
١٢ - (ومنها): استَدَلَّ به من قال من العلماء أنه لا يشترط التَّبَرِّي من كل
دين يخالف دين الإسلام؛ خلافاً لمن قال: إن من كان كافراً بشيء، وهو
مؤمن بغيره لم يدخل في الإسلام إلا بترك اعتقاد ما كفر به.
والجواب أن اعتقاد الشهادتين يستلزم ترك اعتقاد التشبيه، ودعوى بُنُوّة
عُزِير وغيره، فَيُكْتَفَى بذلك.
١٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على
شهادة أن لا إله إلا الله، حتى يُضيف إليها الشهادة لمحمد بالرسالة، وهو قول
الجمهور، وقال بعضهم: يصير بالأُولى مسلماً، ويُطالَب بالثانية، وفائدة
الخلاف تظهر بالحكم بالردة.
١٤ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن أهل الكتاب ليسوا بعارفين، وإن
كانوا يعبدون الله، ويُظهرون معرفته، لكن قال حذّاق المتكلّمين: ما عَرَفَ الله
من شبّهه بخلقه، أو أضاف إليه اليد، أو أضاف إليه الولد، فمعبودهم الذي
عبدوه ليس هو الله، وإن سمّوه به. قاله في ((الفتح)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله هؤلاء المتكلّمون مشتمل على
حقّ وباطل، أما الحقّ، فقولهم: من شبّه الله بخلقه، أو أضاف إليه الولد، وأما
الباطل، فقولهم: أو أضاف إليه اليد، فإن هذا باطل بلا شكّ، فكيف يقال: من
أضاف إلى الله رَك ما أضافه لنفسه في كتابه العزيز، في قوله تعالى: ﴿يَدُ اُللَّهِ فَوْقَ
أَيْدِيِهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَّدَىّ﴾ [ص: ٧٥]، وأضافه إليه النبيّ ◌َّ
في أحاديثه الصحيحة، كما هو منصوص عليه في محلّه: إنه لا يعرف الله، إن
(١) المصدر السابق.

٤٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
هذا لهو العجب العجاب، فمن اعتقد أن الله تعالى يداً، لا تشبه أيدي
المخلوقين، بل على ما يليق بجلاله، فهو العارف بربه حقّ معرفته، وإنه هو
الذي على الحقّ، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلُ﴾ [يونس: ٣٢]. فتبصّر بالإنصاف،
ولا تَتَهَوَّرْ بتقليد ذوي الاعتساف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٣٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا
زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عِنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ
إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنَّ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ
النَّبِيَّ ◌َّهِ بَعَثَ مُعَاذَاً إِلى الْيَمَنِ، فَقَالَ: ((إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْماً ... )) بِمِثْلِ حَدِيثٍ
وَكِيعٍ).
رجال هذا الإسناد ثمانية:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمَر الْعَدَنيّ، نزيل
مكّة، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوقٌ، صنّف المسند، وكان ملازماً
لابن عيينة، لكن قال فيه أبو حاتم: فيه غفلة [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق)
تقدّم في ٣١/٤.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ - بمهملة - أبو محمد، قيل: اسمه
عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١].
رَوَى عن جعفر بن عون، وأبي أُسامة، وعبد الله بكر السَّهْمِيّ، ويزيد بن
هارون، وابن أبي فُدَيك، وأحمد بن إسحاق الحضرمي، والضحّاك بن مَخْلَد،
والحسين الجعفي، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، والترمذيّ، وابنه محمد بن عبد، وسهل بن شاذَوَيْه،
وبكر بن الْمَرْزُبَان، وسليمان بن إسرائيل الْخُجَنديّ، وشاه بن جعفر، وآخرون،
من آخرهم إبراهيم بن خُرَيم بن قمر اللَّخْمِيّ الشاشيّ، راوية ((التفسير))،
و «المسند» عنه.
قال البخاري في (دلائل النبوة)) عقب حديث ابن عمر في حَنين الجذع:

٤٢٧
(٧) - بَابُ الدُّعَاءِ إِلى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٣٠)
وقال عبد الحميد: ثنا عثمان بن عُمر، ثنا معاذ بن العلاء، عن نافع بهذا،
فقيل: إنه عبد بن حُميد هذا، وقال أبو حاتم بن حبان في ((الثقات)):
عبد الحميد بن نَصْر الْكَشِّيُّ، وهو الذي يقال له: عبد بن حُميد، وكان ممن
جَمَعَ، وصَنَّفَ، ومات سنة تسع وأربعين ومائتين، وقال صاحب ((الشيوخ
النبل)): مات بدمشق، ولم يذكره مع ذلك في ((تاريخ دمشق)).
قال الحافظ: لعل قوله: ((بدمشق)) وقع في بعض النسخ السقيمة، فإن
أكثر النسخ ليس فيها بدمشق، وقال ابن قانع: مات بِكْشّ، فلعلها كانت في
((النبل)) كذلك، وتَصَخَّفَت، وقرأت بخط الذهبي: لم يدخل عبد بن حُميد
دمشق قط، وحَكَى غُنْجَار في ((تاريخ بُخَارَى)) قال: كان يحيى بن عبد الغفار
الكشي مَرِيضاً، فعاده عبد بن حُميد، فقال: لا أبقاني الله بعدك، فماتا جميعاً،
مات يحيى، ومات عبد في اليوم الثاني فَجْأَةً من غير مرض، ورُفِعَت جنازتهما
في يوم واحد، وقرأت بخط محمد بن مُزَاحِم في ظهر جزء من تفسير عبد:
قال: ثنا إبراهيم بن خُرَيم بن خاقان سنة (٣٠٩)، ثنا أبو محمد، عبد الحميد بن
حميد، فذكره. وقال الشيرازي في ((الألقاب)): عبد، وهو عبد الحميد بن
حُميد، ثم ساق عن إبراهيم بن أحمد البلخيّ، وهو المستملي: ثنا داود بن
سليمان بن خُزيمة أبو خزيمة ببخارى، أنا عبد الحميد بن حُميد، ثنا يحيى بن
آدم، فذكر حديثاً، وكذا ساق الثعلبي في مقدمة تفسيره بسند إليه، من طريق
داود بن سليمان هذا، وكذا قال من طريق عُمَر بن محمد الْبُجَيريّ، عن
عبد الحميد بن حميد.
روى له البخاري في ((التعاليق))، ومسلم، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب
(٣٠٧) حدیث.
[تنبيه]: ليس في الكتب الستة من يُسمّى بـ((عبد)) بغير إضافة غير هذا
المترجم، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٣ - (بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ) أبو عمرو الأَقْوَهُ البصريّ، سكن مكة، ثقة متقنٍّ،
طُعِن فيه برأي جهم، ثم اعتذر، وتاب [٩].
رَوَى عن الثوريّ، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، ومسعر، والليث،
وإبراهيم بن طَهْمان، وعبد الرزاق، وغيرهم.

٤٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وروى عنه يحيى بن آدم، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وأبو صالح،
كاتب الليث، وعبد الله الْمُسْنَدِيّ، وعلي بن المدينيّ، وابن أبي عمر الْعَدَنيّ،
ومحمود بن غيلان، وغيرهم.
وقال عمرو بن عليّ: سألت عبد الرحمن بن مهديّ من حديث إبراهيم بن
طَهْمان، فقال: ممن سمعته؟ فقلت: حدثنا بشر بن السَّريّ، فقال: سمعته من
بشر، وتسألني عنه؟ لا أحدثك به أبداً، وقال أحمد بن حنبل: حدثنا بشر بن
السريّ، وكان متقناً للحديث، عجباً، وقال أحمد: سمعنا منه، ثم ذكر حديث
﴿َاضِرَةُ إِلَى رِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، فقال: ما أدري ما هذا؟ أيْشِ هذا؟ فوَثَبَ به
الحميديّ، وأهلُ مكة، فاعتذر، فلم يُقْبَلْ منه، وزَهِدَ الناس فيه، فلما قدمت
مكة المرة الثانية، كان يجيء إلينا، فلا نكتب عنه. وقال عثمان الدارمي، عن
ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال ابن عديّ: له غرائب عن
الثوريّ، ومسعر، وغيرهما، وهو حسن الحديث، ممن يُكْتَب حديثه، ويقع في
أحاديثه من النُّكْرة؛ لأنه يروي عن شيخ مُحْتَمَل، فأما هو في نفسه فلا بأس
به، وقال عباس عن يحيى: رأيته يستقبل البيت، يدعو على قوم يرمونه برأي
جهم، ويقول: معاذ الله أن أكون جهميّاً، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير
الحديث. قال الْبَرْقَانيّ عن الدارقطنيّ: مكي ثقة، وفي موضع آخر: وَجَدُوا
عليه في أمر المذهب، فحَلَفَ، واعتَذَر إلى الحميديّ في ذلك، وهو في
الحديث صدوق. وقال العقيليّ: هو في الحديث مستقيم. وقال العجليّ،
وعمرو بن علي: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال البخاريّ: كان صاحب مواعظ، يتكلم، فسُمَِّ الأَفْوَهَ، قال: وقال
محمود: مات سنة (١٩٥)، وقال غيره: مات سنة (١٩٦)، وهو ابن (٦٣)
سنة .
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (١٩)
و(٦٣٥) و(١٤٥١) و(٢٣٥١) و(٢٤٥٦) و(٢٨١٠).
٤ - (أَبُو عَاصِم) الضحاك بن مَخْلد المذكور قبل حديث.
والباقون تقدّمواً في السند الماضي.
وقوله: ((عن ابن عباس أن النبيّ وَ ﴿ بَعَثَ معاذاً إلخ))، قال النوويّ في

٤٢٩
(٧) - بَابُ الذُّعَاءِ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٣٠)
((شرحه)): هذا اللفظ يقتضي أن الحديث من مسند ابن عباس ظها، وكذلك
الرواية التي بعده، وأما الأولى فمن مسند معاذ به ووجه الجمع بينهما أن
يكون ابن عباس سمع الحديث من معاذ ﴿ه، فرواه تارةً عنه متصلاً، وتارة
أرسله، فلم يذكر معاذاً ظله، وكلاهما صحيح، كما قدمناه أن مرسل
الصحابيّ إذا لم يُعْرَف المحذوف يكون حجةً، فكيف وقد عرفناه في هذا
٠
الحديث أنه معاذ
ويحتمل أن ابن عباس سمعه من معاذ، وحضر القضية، فتارةً رواها بلا
واسطة؛ لحضوره إياها، وتارةً رواها عن معاذ إما لنسيانه الحضور، وإما لمعنى
آخر. والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ
نفيس، وقد أسلفنا نحوه لابن الملقّن(١).
وقوله: ((بمثل حديث وكيع)) يعني أن حديث بشر بن السريّ، وأبي عاصم
عن زكريّا بن إسحاق بمثل ألفاظ حديث وكيع عنه.
[تنبيه]: رواية بِشْرٍ وأبي عاصم اللتان أحالهما المصنف هنا على رواية
وكيع أخرجهما أبو نعيم في ((مستخرجه))، فقال: حدثناه أبو حامد، ثنا أبو
بكر بن خزيمة، ثنا بندار، ثنا أبو عاصم، ثنا زكريّا بن إسحاق ... الحديث.
وأما حديث بشر بن السريّ، فحدثناه محمد بن إبراهيم بن عليّ، ثنا
إسحاق بن أحمد الْخُزَاعِيّ القارئ، ثنا محمد بن أبي عمر، ثنا بشر بن
السريّ، ثنا زكريّا بن إسحاق، عن يحيى بن عبد الله بن صيفيّ، عن أبي معبد،
عن ابن عبّاس: أن النبيّ وَّهِ بَعَثَ معاذ بن جبل إلى اليمن، فقال: ((إنك ستأتي
قوماً أهل الكتاب، فإذا لقيتهم، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن
محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن عليهم خمسَ
صلوات في يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن عليهم صدقةً
تؤخذ من أغنيائهم، وتُردّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك
وكرائم أموالهم، واتّق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب))(٢).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((شرح مسلم)) للنوويّ ١٩٨/١.
(٢) (المسند المستخرج)) ١١٤/١.

٤٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٣١] (.) - (حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع،
حَدَّثَنَا رَوْحُ - وَهُوَ ابْنُ الْقَاسم - عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَّيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللّهِ بَّنِ
صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ﴿ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذَاً
إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: ((إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمِ، أَهْلِ ◌ِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ
عِبَادَةُ اللّهِ رَتْ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِّرْهُمْ أَنَّ اللّهَ فَرَضَ عَلَيْهِم خَمْسَ صَلَوَاتٍ،
فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً، تُؤْخَذُ مِنْ
أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ
أَمْوَالِهِمْ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ) - بالياء والشين المعجمة - هو: أمية بن
بِسْطَام بن المُنْتَشِرِ، أبو بكر البصريّ ابنُ عَمّ يزيد بن زُرَيع، صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن يزيد بن زُريع، وابن عيينة، ومعتمر بن سليمان، وبشر بن
المفضل، وغيرهم.
ورَوَى عنه الشيخان، وروى عنه النسائي بواسطة عثمان بن خُرَّزاذ،
وروى عنه أبو زرعة، وأبو حاتم، والْبُوشَنْجِيّ، وابن أبي عاصم، والدُّوريّ،
وتَمْتَام، والحسن بن سفيان، وأبو يعلى، وغيرهم.
قال أبو حاتم: محله الصدق، ومحمد بنُ المنهال أحبّ إليّ منه. وقال
ابن حبان في ((الثقات)): مات سنة (٢٣١).
تفرّد به الشيخان، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٢٥) حديثاً.
[تنبيه]: قال النوويّ في ((شرحه)): قوله: ((ابن بسطام العيشي: ((أما
((بِسْطام)): فبكسر الباء الموحدة، هذا هو المشهور، وحكى صاحب ((المطالع))
أيضاً فَتْحَهَا، واختُلِفَ في صرفه، فمنهم من صرفه، ومنهم من لم يصرفه، قال
الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: ((بِسْطام)) عجميّ لا ينصرف، قال
ابنُ دُريد: ليس من كلام العرب، قال: ووجدته في كتاب ابن الْجُوَاليقيّ في
الْمُعَرَّب مصروفاً، وهو بعيدٌ، هذا كلام الشيخ أبي عمرو.

٤٣١
(٧) - بَابُ الدُّعَاءِ إِلى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٣١)
وقال الجوهري في ((الصحاح)): بِسْطام ليس من أسماء العرب، وإنما
سَمَّى قيسُ بن مسعود ابنه بِسْطَامَ باسم ملك من ملوك فارس، كما سَمَّوا
قابوس، فعرَّبوه بكسر الباء. والله تعالى أعلم.
وأما ((العَيْشِيُّ)): فبالشين المعجمة، وهو منسوب إلى بني عايش بن
مالك بن تيم الله بن ثعلبة، وكان أصله العايشيّ، ولكنهم خففوه، قال الحاكم
أبو عبد الله، والخطيب أبو بكر البغداديّ: العيشيون بالشين المعجمة بصريون،
والعبسيون بالباء الموحدة، والسين المهملة كوفيون، والعنسيون بالنون والسين
المهملة شاميون، وهذا الذي قالاه هو الغالب. انتهى كلام النوويّ
رحمه الله تعالى(١).
وإلى هذا الضابط في ((العيشيّ، والعبسيّ، والعنسيّ))، أشار السيوطيّ في
((ألفيّة الحديث)) بقوله:
بِالشَّامِ وَالْكُوفَةِ قُلْ عَبْسِيُّ
فِي الْبَصْرَةِ الْعَيْشِيُّ وَالْعَنْسِيُّ
وقد ذَيَّلْتُهُ بقولي :
يَأْتِي مُخَالِفاً فَتَابِعْ مَا وَرَدْ
هَذَا هُوَ الْغَالِب في الضَّبْطِ وَقَدْ
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) - بتقديم الزاي، مصغّراً - الْعَيْشيّ، ويقال: التميميّ،
أبو معاوية البصريّ الحافّظ، ثقة ثبتٌ [٨].
رَوَى عن سليمان التيميّ، وحميد الطويل، وأبي سلمة سعيد بن يزيد،
وعمرو بن ميمون بن مهران، وأيوب، وحبيب المعلم، وحبيب بن الشهيد،
وخالد الحذّاء، وغيرهم.
وروى عنه ابن المبارك، وابن مهديّ، وبهز بن أسد، ويحيى بن غَيْلان،
وعفان، وأمية بن بِسطام، وزكرياء بن عديّ، وعبدان، والقعنبيّ، ويحيى بن
یحیی النيسابوريّ، وغيرهم.
قال إبراهيم بن محمد بن عَرْعَرة: لم يكن أحدٌ أثبت من يزيد بن زريع،
وقال أبو بكر الأسدي عن أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال
عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان رَيْحَانة البصرة، وقال أبو طالب عن أحمد: ما
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٩/١.

٤٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أتقنه، وما أحفظه، يا لك من صحة حديث، صدوقٌ متقن، قال: وكل شيء
رواه يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، فلا تبال أن لا تسمعه من أحد،
سماعه منه قديم، وكان يأخذ الحديث بنيّة. وقال إسحاق بن منصور عن ابن
معين: ثقة، وقال عبد الخالق بن منصور، عن ابن معين: يزيد بن زريع
الصدوق الثقة المأمون، وقال الدُّوريّ: سئل ابن معين عن يزيد بن زريع،
وعبد العزيز الْعَمِّيّ، أيهما مُقَدَّم؟ فقال: يزيد أوثق. وقال معاوية بن صالح:
قلت لابن معين: من أثبت شيوخ البصريين؟ قال: يزيد بن زريع. وقال سعيد بن
صالح: سمعت ابن المبارك يقول لرجل، يحدث عن يزيد بن زريع: عن مثله
فحدث. وقال أبو عوانة: صحبت يزيد بن زريع أربعين سنة، يزداد في كل يوم
خيراً، وقال محمد بن المثنى السِّمْسَار: سمعت بشر بن الحكم، وذَكَر يزيد بن
زريع، فقال: كان متقناً حافظاً، ما أعلم أني رأيت مثله، ومثل صحة حديثه.
وقال عمرو بن عليّ: أعلى مَن رَوَى عن شعبة يزيد بن زريع، ويحيى بن
سعيد، وذكر جماعةً، وقال أبو حاتم: ثقة إمام. وقال نصر بن عليّ
الجهضميّ: رأيت يزيد بن زريع في النوم، فقلت: ما فعل الله تعالى بك؟ قال:
أدخلني الجنة، قلت: بم ذاك؟ قال: بكثرة الصلاة. وقال عليّ بن المدينيّ،
عن يحيى بن سعيد: ابنُ زريع أثبت من وهيب، وعنه أيضاً قال: يزيد بن
زريع، ثم ابنُ عُلَيَّة، زاد أبو حاتم: ثم بشر بن المفضل، ثم عبد الوارث.
وقال عبد العزيز القواريريّ: لم يكن يحيى بن سعيد يُقَدِّم في سعيد بن أبي
عروبة أحداً إلا يزيد بن زريع. وقال محمد بن عيسى بن الطَّبَّاع: ذَكَرُوا
الفقهاءَ، وأصحابَ الحديث، ومن لا يُطْعَن عليه في شيء، فذكروا مالكاً،
وحماد بن زيد، ويزيد بن زُريع. وحَكَى ابن أبي خَيْئَمَة أن يزيد بن زريع سئل
عن التدليس؟ فقال: التدليس كَذِب. وقال النسائيّ: ثقة.
وعن عفّان قال: كان أثبت الناس. وقد أشار ابن طاهر في ترجمة عباس
الْبَحْرَانيّ إلى أنه تغير بأَخَرة.
وقال ابن سعد: كان ثقة حجةً كثير الحديث، وتوفي بالبصرة سنة اثنتين
وثمانين ومائة، وقال عمرو بن عليّ: وُلد سنة إحدى ومائة، وقال ابن حبان:
مات سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين ومائة في شوال، وكان من أورع أهل زمانه،

٤٣٣
(٧) - بَابُ الدُّعَاءِ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٣١)
مات أبوه وكان والياً على الأُبْلَّة، وخَلَفَ خمسمائة ألف، فما أخذ منها حبة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٨٣) حديثاً .
٣ - (رَوٌْ بْنُ الْقَاسِم) التميميّ الْعَنْبَرِيّ، أبو غِيَاث - بمعجمة، آخره
مثلّثة - البصريّ، ثقة حافظ [٦].
رَوَى عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، وزيد بن أسلم، وعمرو بن دينار،
وقتادة، ومحمد بن المنكدر، ومنصور، وهشام بن عروة، ومحمد بن عجلان،
وأبي الزبير، والعلاء بن عبد الرحمن، وعبد الله بن طاوس، وعطاء بن أبي
ميمونة، وسُهيل بن أبي صالح، وعبيد الله بن عُمَر، وعَمْرو بن يحيى بن
عُمارة، وإسماعيل بن أمية، في آخرين، ورَوَى عن قتادة حديثاً واحداً.
وروى عنه سعيد بن أبي عروبة، ومحمد بن إسحاق، وهما من أقرانه،
وعيسى بن شعيب النحويّ، والحسن بن حبيب بن نَدَبَة، ومحمد بن سَوَاء
السَّدُوسِيّ، ويزيد بن زريع، وإسماعيل بن علية، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة: ثقة، وكذا قال عبد الله بن أحمد
عن أبيه، وقال أحمد في موضع آخر: رَوْح بن القاسم، وأخوه هشام من ثقات
البصريين، وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن عيينة: لم أر أحداً طلب
الحديث، وهو مُسِنِّ أحفظ منه. وقال ابن حبان في ((الثقات)): مات قبل
الحجاج بن أرطاة، سنة إحدى وأربعين ومائة، وكان حافظاً متقناً.
قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبيّ: مات سنة نيف وخمسين.
أخرج له الجماعة إلا الترمذيّ، وله في هذا الكتاب (٢٨) حديثاً.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) بن عَمْرو بن سَعيد بن العاص بن سعيد بن
العاص بن أمية بن عبد شمس الأمويّ، ابن عم أيوب بن موسى، ثقةٌ ثبتٌ [٦].
رَوَى عن ابن المسيب، ونافع مولى ابن عمر، وعكرمة، مولى ابن
عباس، وسعيد المقبريّ، وأبي الزبير، والزهريّ، ومكحول الشاميّ، ومحمد بن
یحیی بن حبان، وجماعة.
وروى عنه ابنُ جريج، والثوريّ، ورَوح بن القاسم، وأبو إسحاق
الفزاريّ، وابن إسحاق، ومعمر، ويحيى بن أيوب المصريّ، ويحيى بن سليم
الطائفيّ، وابن عيينة، وغيرهم.

٤٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال عليّ بن المدينيّ: عن ابن عيينة: لم يكن عندنا قرشيان، مثل
إسماعيل بن أمية، وأيوب بن موسى، وقال أحمد: إسماعيل أكبر من أيوب،
وأحب إليّ، وفي رواية: أقوى وأثبت.
وقال ابن معين، والنسائيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، زاد أبو حاتم:
رجلٌ صالحٌ. وقال العجليّ: مكيّ ثقة. وقال الذَّهْليّ: ثنا علي، هو ابن
المدينيّ، سمعت سفيان قال: كان إسماعيل حافظاً للعلم، مع وَرَع، وصدق،
وقال الزبير بن بكار: كان فقيه أهل مكة.
وقال أبو داود: مات إسماعيل في سجن داود، وذكره ابن المديني في
الطبقة الثالثة من أصحاب نافع. وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، مات
سنة (١٤٤)، وقال ابن حبان في ((الثقات)): مات في حبس داود بن عليّ سنة
(١٣٩)، وهكذا حكاه البخاري في ((تاريخه)) عن بقية بن الوليد، وتابعه على
ذلك يعقوب بن سفيان، وإسحاق الْقَرّاب، والكلاباذيّ، وغيرهم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثاً.
[تنبيه]: قال الدارقطنيّ في حديث معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن
عياض بن عبد الله بن أبي سَرْح، عن أبي سعيد، في زكاة الفطر: خالفه
سعيد بن مَسْلَمَة عن إسماعيل بن أمية، عن الحارث بن أبي ذُبَاب عن عياض،
والحديث محفوظ عن الحارث، ولا نعلم إسماعيل رَوَى عن عياض شيئاً،
انتھی .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الدارقطنيّ من عدم علمه
أن إسماعيل ما روى عن عياض شيئاً يردّه ما وقع في ((صحيح مسلم)) (١) من
التصريح بقول إسماعيل: أخبرني عياض، ودونك نصّ الحديث:
حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن
أمية، قال: أخبرني عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، أنه سمع أبا
سعيد الخدريّ، يقول: كنا نُخرِج زكاة الفطر، ورسول الله صل فينا، عن كل
صغير وكبير، حر ومملوك، من ثلاثة أصناف: صاعاً من تمر، صاعاً من أقط،
(١) نبّه على هذا الحافظ في ((تهذيب التهذيب) ١٤٤/١.

٤٣٥
(٧) - بَابُ الدُّعَاءِ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٣١)
صاعاً من شعير، فلم نزل نخرجه كذلك، حتى كان معاوية، فرأى أن مدين من
بُرّ تَعْدِلُ صاعاً من تمر، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كذلك(١).
والباقون تقدّموا قريباً.
وقوله: (إنك تقدَم) بفتح الدال المهملة، من باب تَعِب، وأراد بأهل
الكتاب اليهود والنصارى لأنهم كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب، أو
أغلب، وإنما نبّهه على هذا ليتهيّأ لمناظرتهم، ويُعِدّ الأدلّة لإفحامهم؛ لأنهم
أهل علم سابقٍ، بخلاف المشركين، وعَبَدَة الأوثان. قاله القرطبيّ(٢).
وقوله: (فَلْيكن أَوَّلَ ما تدعوهم إليه عبادةُ الله رََّ) بنصب ((أوَّلَ)) على أنه
خبر مقدّم ل((يكن))، واسمها قوله: ((عبادةُ الله رَ))، ويجوز العكس.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أصلُ العبادة التذلّلُ والخضوع، وسُمّيت
وظائف الشرع على المكلّفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها، ويفعلونها خاضعين
متذلّلين لله تعالى، والمراد بالعبادة هنا هو النطق بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن
محمداً رسول الله.
وقوله: (فإذا عَرَفُوا الله، فأخبرهم إلخ)، أي إن أطاعوا بالنطق بكلمتي
التوحيد، كما قال في الرواية السابقة: (فإن أطاعوا لك بذلك، فأعلمهم إلخ))،
فسَمَّى الطواعية بذلك، والنطق به معرفةً؛ لأنه لا يكون غالباً إلا عن المعرفة.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا الذي أمرَ به النبيّ وَلَّ معاذاً عَظ له هو
الدعوة قبل القتال التي كان النبيّ وَلِّ يُوصي بها أُمراءه، وقد اختلف في
حكمها على ما سيأتي بيانه في ((كتاب الجهاد)) - إن شاء الله تعالى -.
قال: وعلى هذا فلا يكون في حديث معاذ ظه حجة لمن تمسّك به من
المتكلّمين على أن أوّل واجب على كلّ مكلّف معرفة الله تعالى بالدليل والبرهان،
بل هو حجة لمن يقول: إن أول الواجبات التلفّظ بكلمتي الشهادة، مصدِّقاً بها،
وقد اختلَفَ المتكلّمون في أول الواجبات على أقوال كثيرة، منها ما يشنع ذكره،
ومنها ما ظهر ضعفه، والذي عليه أئمة الفتوى، وبهم يُقتدَى، كمالك،
(١) راجع الحديث في أبواب زكاة الفطر برقم (٩٨٥) ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.
(٢) ((المفهم)) ١٨١/١.

٤٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
والشافعيّ، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة السلف أن أول
الواجبات على المكلّف الإيمان التصديقيّ الْجَزميّ الذي لا ريب معه بالله تعالى،
ورسله، وكتبه، وما جاءت به الرسل على ما تقرّر في حديث جبريل منظلها، كيفما
حصل ذلك الإيمان، وبأيّ طريق إليه تُوُصّل، وأما النطق باللسان فمُظهر لِمَا
استقرّ في القلب من إيمان، وسببٌ ظاهرٌ تترتّب عليه أحكام الإسلام.
قال: وقد احتجّ بهذا الحديث من قال: إن الكفّار ليسوا مخاطبين بفروع
الشريعة، وهو أحد القولين لأصحابنا - يعني المالكيّة - وغيرهم من حيث إنه وَّل
إنما خاطبهم بالتوحيد أوّلاً، فلمّا التزموا ذلك خاطبهم بالفروع التي هي
الصلاة، والزكاة، وهذا لا حجة فيه؛ لوجهين:
[أحدهما]: أنه لم يَنُصّ النبيّ وَّ﴾ على أنه إنما قَدَّم الخطاب بالتوحيد لما
ذكروه، بل يَحتمل ذلك، ويَحتَمِل أن يقال: إنه إنما قدَّمه لكون الإيمان شرطاً
مُصحّحاً للأعمال الفروعيّة، لا للخطاب بالفروع؛ إذ لا يصحّ فعلها شرعاً إلا
بتقدّم وجوده، ويصحّ الخطاب بالإيمان وبالفروع معاً في وقت واحد، وإن
كانت في الوجود متعاقبةً، وهذا الاحتمال أظهر مما تمسّكوا به، ولو لم يكن
أظهر فهو مساوٍ له، فيكون ذلك الخطاب مُجملاً بالنسبة إلى هذا الحكم.
[وثانيهما]: أن النبيّ وَلّه إنما رَتَّب هذه القواعد ليبيّن الأوكدَ، فالأوكدَ،
والأهمَّ، فالأهمَّ، كما بيّنّاه في حديث ابن عمر ◌ًَّا المتقدّم.
واقتصار النبيّ ◌َّ ه على ذكر القواعد الثلاث؛ لأنها كانت هي المتعيّنة
عليهم في ذلك الوقت المتأكّد فيه، ولا يُظَنُّ أن الصوم والحجَّ لم يكونا فُرِضًا
إذ ذاك؛ لأن إرسال معاذ به إلى اليمن كان في سنة تسع(١)، وقد كان فُرِضَ
الحجّ، وأما الصوم ففُرضَ في السنة الثانية من الهجرة، مات النبيّ وَّ، ومعاذ
باليمن على الصحيح.
وقول من قال: إن الرواة سكتوا عن ذكر الصوم والحجّ، قول فاسد؛ لأن
الحديث قد اشتَهَرَ، واعتَنَى به الناسُ سلفاً وخَلَفاً، فلو ذكر رسول الله وَخّ له
شيئاً من ذلك لنُقِلَ. انتهى (٢) .
(١) تقدّم القول أيضاً بأنه كان سنة عشر.
(٢) ((المفهم)) ١/ ١٨٢ - ١٨٣.

٤٣٧
(٧) - بَابُ الدُّعَاءِ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلامِ - حديث رقم (١٣١)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار القرطبيّ بقوله: ((وقول من قال إلخ))
إلى الردّ على ابن الصلاح في قوله: إن ذكر بعض دعائم الإسلام دون بعض
في حديث معاذ رظُه هذا من تقصير الراوي انتهى(١)، وقد أجاد القرطبيّ في
الردّ عليه، والله تعالى أعلم.
وقد أجاد البحث في هذا في ((الفتح)) حيث قال: ما نصّه:
لم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم والحج، مع أن بعث معاذ كما تقدم
كان في آخر الأمر، وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرواة،
وتُعُقّب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية؛ لاحتمال
الزيادة والنقصان، وأجاب الكرمانيّ بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر،
ولهذا كُرِّرًا في القرآن، فمن ثَمَّ لم يُذْكَر الصوم والحج في هذا الحديث، مع
أنهما من أركان الإسلام، والسر في ذلك أن الصلاة والزكاة إذا وَجَبًا على
المكلف لا يسقطان عنه أصلاً، بخلاف الصوم، فإنه قد يسقط بالفدية، والحج
فإن الغير قد يقوم مقامه فيه، كما في المعضوب، ويحتمل أنه حينئذٍ لم يكن
شُرعَ، انتھی.
قال الجامع: أما قوله: ((ويحتمل أنه لم يكن شُرع)) فيه نظر لا يخفى؛
لأنه فرض قبله على الراجح كما سبق، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
وقال البُلْقينيّ رحمه الله تعالى: إذا كان الكلام في بيان الأركان، لم يُخِلّ
الشارع منه بشيء، كحديث ابن عمر رضيّا: ((بُنِيَ الإسلام على خمس))، إذا كان
الدعاء إلى الإسلام، اكتَفَى بالأركان الثلاثة: الشهادة، والصلاة، والزكاة، ولو
كان بعد وجود فرض الصوم والحج، كقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ
وَءَاتَوْاْ الزَّكَوَةَ﴾ [التوبة: ١١] في موضعين من براءة، مع أن نزوله ما بعد فُرِضَ
الصوم والحج قطعاً، وحديث ابنِ عمر أيضاً: (أُمِرت أن أقاتل الناس حتى
يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة))، وغير ذلك من
الأحاديث، قال: والحكمة في ذلك أن الأركان الخمسة منها اعتقاديّ، وهو
الشهادة، وبدنيّ، وهو الصلاة، وماليّ، وهو الزكاة، فاقتصر في الدعاء إلى
(١) راجع: ((الصيانة)) ص١٦٣.

٤٣٨
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الإسلام عليها؛ لتفرع الركنين الأخيرين عليها، فإن الصوم بدنيّ محضٍّ، والحجّ
بدنيّ ماليّ، وأيضاً فكلمة الإسلام، هي الأصل، وهي شاقّة على الكفار،
والصلوات شاقّة؛ لتكررها، والزكاة شاقّة؛ لما في جِبِلّة الإنسان من حُبّ
المال، فإذا أَذْعَنَ المرء لهذه الثلاثة، كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها .
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التحقيق الذي ذكره الْبُلْقِينيّ رحمه الله
تعالى حسنٌ جدّاً. والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: ذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى عند قوله: ((فإذا عرفوا الله
فأخبرهم إلى آخره)): ما نصّه: هذا يدل على أنهم ليسوا بعارفين بالله تعالى،
وهو مذهب حُذّاق المتكلمين في اليهود والنصارى أنهم غير عارفين بالله تعالى،
وإن كانوا يعبدونه، ويظهرون معرفته؛ لدلالة السمع عندهم على هذا، وإن كان
العقل لا يَمْنَع أن يعرف الله تعالى من كَذَّب رسولاً .
قال القاضي عياض ◌َُّهُ: ما عرف الله تعالى مَنْ شَبَّهَهُ، وجَسَّمه من
اليهود، أو أجاز عليه البداء، أو أضاف إليه الولد منهم، أو أضاف إليه
الصاحبة والولد، وأجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج، من النصارى، أو
وصفه بما لا يليق به، أو أضاف إليه الشريك، والمعاند في خلقه من
المجوس، والثَّنَويّة، فمعبودهم الذي عبدوه، ليس هو الله، وإن سَمَّوه به؛ إذ
ليس موصوفاً بصفات الإله الواجبة له، فإذن ما عرفوا الله سبحانه، فتحقق هذه
النكتة، واعتَمِد عليها، وقد رأيت معناها لمتقدمي أشياخنا، وبها قطع الكلام
أبو عمران الفاسيّ(٢) بين عامة أهل القيروان، عند تنازعهم في هذه المسألة.
(١) ((الفتح)) ٣/ ٤٥٤ - ٤٥٥ كتاب الزكاة رقم الحديث (١٤٩٦).
(٢) هو الإمام الكبير العلامة عالم القيروان، أبو عمران، موسى بن عيسى الفاسيّ نزيل
القيروان، تفقه بأبي الحسن القابسيّ، وهو أكبر تلامذته، ودخل الأندلس، فتفقّه
بأبي محمد الأصيليّ، وسمع ((صحيح البخاريّ)) عن أبي ذرّ الهرويّ، محدث كثير
الرواية، واسع الرحلة، عالم بالرجال والتاريخ، فقيه أصوليّ مقرئ، مع زهد
وتواضع، وصلاح، من مصنفاته: فهرست شيوخه، وعوالي حديثه، و((كتاب
الأمالي في الحديث))، وتعليقات تتعلّق بتراجم الرواة، توفي في ثالث رمضان =

٤٣٩
(٧) - بَابُ الدُّعَاءِ إِلى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلَامِ - حديث رقم (١٣١)
انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار القاضي عياض بقوله: ((وبها قطع
الكلام أبو عمران إلخ)) إلى قصّة ساقها الحافظ الذهبيّ في ((سير أعلام النبلاء))
في ترجمة أبي عمران الفاسيّ المذكور، فقال:
وحكى القاضي عياض، قال: حَدَثَ في الْقَيْرَوان مسألة في الكفار، هل
يَعرِفون الله تعالى، أم لا؟ فوقع فيها اختلاف العلماء، ووقعت في ألسنة
العامّة، وكَثُرَ المراء، واقتتلوا في الأسواق، إلى أن ذَهَبُوا إلى أبي عمران
الفاسيّ، فقال: إن أنصتم عَلَّمتكم، قالوا: نعم، قال: لا يُكَلِّمني إلا رجل،
ويسمع الباقون، فَنَصَبُوا واحداً، فقال له: أرأيتَ لو لقيت رجلاً، فقلت له:
أتَعْرِف أبا عمران الفاسيّ؟ قال: نعم، فقلت له: صفه لي، قال: هو بَقّالٌ في
سوق كذا، ويسكن سَبْتَةَ، أكان يعرفني؟ فقال: لا، فقال: لو لقيتَ آخر،
فسألته كما سألت الأولَ، فقال: أعرفه، يُدَرِّسُ العلم، ويُفتي، ويسكن بغرب
الشماط، أكان يعرفني؟ قال: نعم، قال: فكذلك الكافر قال: لربه صاحبةٌ،
وولدٌ، وأنه جسم، فلم يعرف الله، ولا وصفه بصفته، بخلاف المؤمن، فقال:
شَفَيتنا، ودَعَوا له، ولم يخوضوا بعدُ في المسألة.
قال الذهبيّ معلّقاً على الكلام: المشركون والكتابيون وغيرهم عَرَفُوا الله
تعالى، بمعنى أنهم لم يَجْحَدوه، وعرفوا أنه خالقهم، قال تعالى: ﴿وَلَپن
سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقال: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِ اللَّهِ شَكٌّ
فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]، فهؤلاء لم يُنكروا البارئ، ولا جحدوا
الصانع، بل عرفوه، وإنما جَهِلُوا نعوته المقدسة، وقالوا عليه ما لا يعلمون،
وأما المؤمن فعرف ربه بصفات الكمال، ونَفَى عنه سمات النقص في الجملة،
وآمن بربه، وكَفَّ عما لا يَعْلَم، فبهذا يتبين لك أن الكافر عَرَفَ الله من وجه،
وجهله من وجوه، والنبيون عرفوا الله تعالى، وبعضُهُم أكمل معرفةً لله،
سنة (٤٣٠ هـ). انظر: ((سير أعلام النبلاء)) ٥٤٥/١٧ - ٥٤٨، و((بغية الملتمس))
=
ص٤٤٢، و((فهرس الفهارس)) ١٥٩/١.
(١) ((إكمال المعلم) ١/ ١٨١ - ١٨٣، ونقله النوويّ في ((شرحه)) ١٩٩/١ - ٢٠٠.

٤٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
والأولياءُ فعرفوه معرفة جيدةً، ولكنها دون معرفة الأنبياء، ثم المؤمنون
العالمون بَعْدَهُم، ثم الصالحون دونهم، فالناس في معرفة ربهم متفاوتون، كما
أن إيمانهم يزيد وينقص، بل وكذلك الأمة في الإيمان بنبيهم، والمعرفة له على
مراتب، فأرفعهم في ذلك أبو بكر الصديق ظُبه مثلاً، ثم عددٌ من السابقين،
ثم سائر الصحابة، ثم علماء التابعين، إلى أن تنتهي المعرفة به، والإيمان به
إلى أعرابي جاهل، وامرأة من نساء القُرَى، ودون ذلك، وكذلك القول في
معرفة الناس لدين الإسلام، انتهى كلام الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى(١)،
وهو تحقيقٌ نفيس، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم)، قال النوويّ
رحمه الله تعالى: قد يُسْتَدَلُّ بلفظة ((من أموالهم)) على أنه إذا امتنع من الزكاة،
أُخِذت من ماله بغير اختياره، وهذا الحكم لا خلاف فيه، ولكن هل تبرأ ذمته،
ويَجزِيه ذلك في الباطن، فيه وجهان لأصحابنا - يعني الشافعيّة - انتهى(٢).
وقوله: (فتردّ على فقرائهم) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ
لمالك على أن الزكاة لا تجب قسمتها على الأصناف المذكورين في الآية،
وأنه يجوز للإمام أن يَصرفها إلى صنف واحد من الأصناف المذكورين في
الآية، إذا رآه نظراً ومصلحةً دينيّةً، وسيأتي هذا البحث مستوفّى في ((كتاب
الزكاة)) - إن شاء الله تعالى.
وفيه دليلٌ لمن يقول: يدفعها من وجبت عليه للإمام العدل الذي يضعها
مواضعها، ولا يجوز لمن وجبت عليه أن يلي تفرقتها بنفسه إذا أقام الإمام من
تُدفع إليه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في هذا الاستدلال نظر، والذي
يظهر لي أنه لا وجوب في ذلك إلا لموجب طارئ، كأن يكون الإمام ألزم
أرباب الأموال الدفع إليه، وسنعود لاستيفاء البحث في موضعه - إن
شاء الله تعالى -.
وقوله: (وتوقّ كرائم أموالهم)، أي احذر من أخذ خيار أموالهم،
(١) ((سير أعلام النبلاء)) ٥٤٦/١٧ - ٥٤٨. (٢) ((شرح مسلم)) ٢٠٠/١.