Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ (٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ وَّه ... إلخ - حديث رقم (١٢٤) وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: ((قوله: ((بأمر فصلٍ)) يحتمل أن يكون الأمر واحد الأوامر، وأن يكون بمعنى الشأن، و((فصل)) يحتمل أن يكون بمعنى الفاصل، وهو الذي يفصل بين الصحيح والفاسد، والحقّ والباطل، وأن يكون بمعنى الْمُفَصّل، أي مبيّن مكشوف، ظاهر ينفصل به المراد عن الاشتباه، فإذا كان بمعنى الشأن والفاصل، وهو الظاهر يكون التنكير للتعظيم بشهادة قوله: ((وندخل به الجنّة))، كما قال ◌َّير: ((سألتني عن عظيم)) في جواب معاذ ((أخبرني بعمل يدخلني الجنة))، فالمناسب حينئذٍ أن يكون الفصل بمعنى المفصّل؛ لتفصيله وَّله الإيمان بأركانه الخمسة، كما فصّله في حديث معاذ قُبه، وإن كان بمعنى واحد الأوامر، فيكون التنكير للتقليل، فإذاً(١) المراد به اللفظ، والباء للاستعانة، والمأمور به محذوف، أي مرنا بعمل بواسطة افعلوا، وتصريحه في هذا المقام أن يقال لهم: آمنوا، وقولوا: آمنًا، هذا هو المعنِيُّ بقول الراوي: ((أمرهم بالإيمان بالله وحده)). وعلى أن يراد بالأمر الشأن يكون المراد معنى اللفظ وموادّه، وعلى هذا الفصل بمعنى الفاصل، أي مرنا بأمر فصل، أي جامع قاطع، كما في قوله ◌َّه: ((قل: آمنت بالله، ثم استقم))، فالمأمور به هاهنا أمر واحد، وهو الإيمان، والأركان الخمسة كالتفسير للإيمان بدلالة قوله وَله: ((أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟))، ثم بيِّنَهُ بما قال. [فإن قيل]: على هذا في قول الراوي إشكالان: [أحدهما]: أن المأمور به واحد، وقد قال: أربع. [وثانيهما]: أن الأركان خمسة، وقد ذكر أربعاً. [والجواب]: عن الأول أنه جعل الإيمان أربعاً باعتبار أجزائه المفصّلة، وعن الثاني أنه من عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصوباً لغرض من الأغراض جعلوا سياقه له، وتوجّهه إليه، وكان ما سواه مطروحاً، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]، أي فعزّزناه، فترك المنصوب، وأتى بالجارّ والمجرور؛ لأن الكلام لم يكن مسوقاً له، فهاهنا لَمّا لم يكن الغرض في (١) هكذا النسخة، ولعل الأولى: ((إذ المراد .. )) إلخ، فتأمل. ٣٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الإيراد ذكر الشهادتين؛ لأن القوم كانوا مؤمنين مقرّين بكلمتي الشهادتين، بدليل قولهم: ((الله ورسوله أعلم))، وترحيب الرسول وَلّ لهم، ولكن كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما، وأنهما كافيتان لهم، وكان الأمر في صدر الإسلام كذلك، لم يجعله الراوي من الأوامر، وقصد به أنه وَّر نبّههم على موجب توهّمهم بقوله: ((أتدرون ما الإيمان؟))، ولذلك خصّص ذكر و((أن تعطوا من المغانم الخمس)) حيث أتى بالفعل المضارع على الخطاب؛ لأن القوم كانوا أصحاب حروب وغزوات، بدليل قولهم: ((بيننا وبينك هذا الحيّ من كفّار مضر))؛ لأنه هو الغرض من إيراد الكلام، فصار أمراً من الأوامر. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قرّره الطيبيّ ◌َقْتُهُ في توجيه الاستشكال الوارد على هذا الحديث من عدم عدّ الشهادتين من الأربع يضعّفه قوله: ((وعقد واحدة))، فإنه ظاهر في كونه وَلّر عدّ الشهادتين منها، فالأولى ما سبق لابن الصلاح ◌َظَّثهُ وغيره، من التوجيه بأنهما داخلتان فيها، وأن أداء الخمس غير داخل فيها، بل هو أمر مستقلّ، فقوله: ((وأن تؤدّوا إلخ)) معطوف على ((بأربع))، أي وآمركم بأربع، وبأداء الخمس، فهذا جواب يزيل الإشكال المذكور، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب. (نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا) قال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: أي بحسب المكان من البلاد البعيدة عن المدينة، ويحتمل أن يراد بحسب الزمان، أي أولادنا، وأخلافنا، والظاهر أن المراد به قومهم. انتهى (٢). و((من)) موصولة في محلّ نصب على المفعوليّة لـ«نُخْبِرْ))، قال الشيخ قطب الدين: لا خلاف أن قوله: ((من وراءنا)) بفتح الميم، والهمزة، وذكر الكرمانيّ أن في بعض الروايات ((مِنْ وَرَائنا)) بكسر الميم، قال العينيّ: إن صحت هذه الرواية يحتمل أن تكون ((من)) للغاية، بمعنى أن قومهم يكونون غاية لإخبارهم. (٣) انتھی (نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قيّدناه على من يُوثق (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٦١/٢ - ٤٦٢. (٢) ((شرح الكرمانيّ)) ٢٠٨/١. (٣) ((عمدة القاري)) ٣٠٧/١. ٣٦٣ (٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ بَلّزله ... إلخ - حديث رقم (١٢٤) بعلمه: ((نُخْبِرُ به)) مرفوعاً، و((ندخل)) مرفوعاً ومجزوماً، فرفعهما على الصفة ((أمر))، وجزم ((ندخُلْ)) على جواب الأمر المتضمّن للجزاء، فكأنهم قالوا: إن أمرتنا بأمر واضح فعلنا به، ورجونا دخول الجنّة بذلك الفعل. انتهى (١). وإلى هذا الجزم أشار في ((الخلاصة)) حيث قال: وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْيِ جَزْماً اعْتَمِدْ إِنْ تَسْقُطِ الْفَا وَالْجَزَاءُ قَدْ قُصِدْ وقال في ((الفتح)): قوله: ((نخبر به)) بالرفع على الصفة لـ((أمرٍ))، وكذا قوله: ((وندخل))، ويروي بالجزم فيهما، على أنه جواب الأمر، وسقطت الواو من ((وندخل)) في بعض الروايات، فيُرفَع ((نُخْبِرُ))، ويُجزَم ((ندخلْ))(٢). (قَالَ) الراوي (فَأَمَرَهُمْ) الفاء للتعقيب، أي أمر النبيّ وَّ الوفد بعد ذلك (بِأَرْبَعِ) أي بأربع خصال، أو جُمَل (وَنَهَاهُمْ) عطف على ((أمرهم)) (عَنْ أَرْبَعِ) أي عَّن ارتكاب أربع خصال (قَالَ) الراوي (أَمَرَهُمْ بَالْإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ) تفسيِّر لقوله: ((فأمرهم بأربع))، ولهذا ترك العاطف (وَقَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ)))، أي هل تعلمون (مَا) استفهاميّة مبتدأ، خبره قوله: ((الْإِيمَانُ بِاللهِ؟))) وَ (قَالُوا) أي الوفد (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) بَِّ ((شَهَادَةُ أَنْ لَا إِله إلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ) برفع ((شهادة)) على أنه خبر لمحذوف، أي هو، أو هي شهادة إلخ (وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدُّوا) عطف على ((أربع)) من قوله: ((فأمرهم بأربع))، فيكون مضافاً إلى الأربع، وليس واحداً منها، وإن كان واحداً من شعب الإيمان، ولا يُعطف على ((شهادة أن لا إله إلا الله إلخ))؛ لئلا يلزم كونها خَمْساً. [فإن قلت]: لم عَدَل عن لفظ المصدر الصريح إلى ((أن)) والفعل المضارع. [أجيب]: بأن ذلك للإشعار بمعنى التجدّد الذي في الفعل؛ لأن سائر الأركان كانت ثابتة قبل ذلك، بخلاف إيتاء الخمس، فإن فريضته تتجدّد بحسب تجدّد الجهاد(٣). والله تعالى أعلم. (١) ((المفهم)) ١/ ١٧٤. (٣) راجع: ((شرح الكرمانيّ)) ٢٠٩/١. (٢) ((الفتح)) ١٦١/١. ٣٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان [تنبيه] قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: وحَسَنٌ أَن يُقْرَأ ((وأن يؤدّوا)) بياء المغايبة، ويجوز بتاء المخاطبة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن ابن الصلاح تَّتُ ثبتت الرواية لديه بالوجهين، وإلا فالموجود في النسخ عندنا بتاء الخطاب، فليُتأمل، والله تعالى أعلم. (خُمُساً) بضمّتين، أو بضمّ فسكون، كما سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي (مِنْ الْمَغْتَم))) أي الغنيمة، وهي تُقْسَم على خمسة أخماس، أربعة أخماسه للغزاة، والخُمَس يُخَمَّس ثانياً للمصارف الخمسة التي بيّنها الله تعالى في قوله: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن ◌َشَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]. (وَنَهَاهُمْ) أي بعد أن سألوه عن الأشربة، ففي رواية للبخاريّ: ((وسألوه عن الأشربة))، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ ظُه الآتي للمصنّف بعد هذا: ((قالوا: يا نبيّ الله جعلنا الله فداءك ماذا يصلح لنا من الأشربة؟)) (عَنِ الدُّبَّاءِ) أي عن الانتباذ في القرع (وَالْحَنْتَم) أي الجرارِ الخضر، وقيل في معناها غير ذلك، كما أسلفناه في الحديث السابق (والْمُزَفَّتِ) بتشديد الفاء، بصيغة اسم المفعول: أي المطليّ بالزفت، وهو القار. (قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجّاج الراوي عن أبي جمرة (وَرُبَّمَا) كلمة ((رُبَّ)) هنا للتقليل، وإذا زيدت عليها ((ما)) فالغالب أن تكفها عن العمل، وتهيّأها للدخول على الجملة الفعليّة التي فعلها ماض، كما هنا، وأما قوله رغمت: ﴿رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الحجر: ٢]، فمؤوّل بالماضي، على حد قوله رَى: ﴿وَنُفِخَ فِ اُلُورِ﴾ الآية [الكهف: ٩٩] (١) وأشار إلى زيادة ((ما)) عليها في ((الخلاصة)) فقال: وَزِيدَ بَعْدَ ((رُبَّ)) وَالْكَافِ فَكَفّ وَقَدْ يَلِيْهِمَا وَجَرٌّ لَمْ يُكَفّ (قَالَ) أي أبو جمرة ((النَّقِيرِ))) بفتح النون، وكسر القاف: جِذْع يُنقر وسطه، ويُنبذ فيه (قَالَ شُعْبَةُ) أيضاً (وَرُبَّمَا قَالَ: ((الْمُقَيَّرِ))) أي بدل ((المزفّت))، وهو المطليّ بالقار، ويقال له: القير بالكسر، وهو نبتٌ يحرق إذا ييس تُظْلَى به السفن وغيرها، كما تُطْلَئ بالزفت. (١) ((عمدة القاري)) ٣٠٨/١. ٣٦٥ (٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ وَّهه ... إلخ - حديث رقم (١٢٥) (وَقَالَ) بَّرِ (احْفَظُوهُ) أي ما ذكرته لكم (وَأَخْبِرُوا بِهِ) وفي رواية البخاريّ: احفظوهنّ، وأخبروا بهنّ)) (مِنْ وَرَائِكُمْ))) بكسر ميم ((من)) على أنها ((مِنْ)) الجارّة. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) أي ابن أبي شيبة شيخ المصنّف (في رِوَايَتِهِ: ((مَنْ وَرَاءَكُمْ))) أي بفتح الميم، على أنها موصولة مفعول ثان لـ((أخبروا))، قال ابن الصلاح: ضبطنا الأول بكسر الميم، والثاني بفتحها، وهما يرجعان إلى معنى (١) واحد. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((وأخبروا بهن من وراءكم)) بفتح ((مَنْ))، وهي موصولة، و((وراءكم)) يشمل من جاؤوا من عندهم، وهذا باعتبار المكان، ويشمل من يحدث لهم من الأولاد وغيرهم، وهذا باعتبار الزمان، فيحتمل إعمالها في المعنيين معاً، حقيقةً ومجازاً، واستنبط منه البخاريّ الاعتماد على أخبار الآحاد، انتهى(٢). (وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ) أي رواية أبي بكر ((الْمُقَيَّرِ))) بالجرّ على الحكاية، ويجوز تركها، يعني أنه إنما ذكر ((المزفّت)) فقط. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١٢٥] ( .. ) - (وحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلَيِّ الْجَهْضَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ وَّهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، نَحْوَ حَدِيثٍ شُعْبَةً، وَقَالَ: ((أَنْهَاكُمْ عَمَّا يُنْبَذُ فِي الدَُّّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَقَّتِ))، وَزَادَ ابْنُ مُعَاذٍ فِي حَدِيثِهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ لِلْأَشَجِّ، أَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: ((إِنَّ فِيَكَ خَصْلَتَيْنِ، يُحِبُّهُما اللّهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ المذكور في الباب الماضي. (١) ((الصيانة)) ص١٥٤ - ١٥٥. (٢) ((الفتح)) ١٦٣/١. ٣٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٢ - (أبُوه) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ المذكور أيضاً في الباب الماضي . ٣ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ) الأزديّ البصريّ، ثقة ثبتٌ، طُلِب للقضاء، فامتنع [١٠] (ت٢٥١) (ع) ٤ /٣٠. ٤ - (أَبُوهُ) عليّ بن نصر بن عليّ بن صُهْبَان بن أَبِيّ الْجَهْضَميّ - بفتح الجيم، وسكون الهاء، بعدها معجمة مفتوحة - الْحُدّانيّ الأَزْديّ، أبو الحسن البصري الكبير البصريّ، ثقة، من كبار [٩]. رَوَى عن عبد الرحمن بن سليمان الْغَسيل، وعبد العزيز بن أبي رَوّاد، والمثنى بن سعيد الضُّبَعيّ، والقاسم بن مَعْن، ومَهْديّ بن ميمون، وهشام الدستوائي، وخالد بن قيس الْحُدّاني، وإبراهيم بن نافع، وشعبة، وابن المبارك، وقرة بن خالد، والليث، وغيرهم. وروى عنه ابنه نصر، ووكيع، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وأبو نعيم، وهم من أقرانه، ومعلى بن أسد. قال أحمد بن حنبل: صالح الحديث، أثبت من أبي معاوية، وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال صالح بن محمد: صدوق. ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال محمد بن عبد الله الحضرمي، وابن حبان: مات سنة سبع وثمانين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثاً . ٥ - (قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) السَّدُوسيّ، أبو خالد، ويقال: أبو محمد البصريّ، ثقة ضابطٌ [٦]. رَوَى عن أبي رجاء الْعُطَارِديّ، وحُميد بن هلال، ومحمد بن سیرین، والحسن، وعبد الحميد بن جُبير بن شيبة، وعمرو بن دينار، وأبي جمرة، وغيره. وروى عنه شعبة، وهو من أقرانه، ويحيى بن سعيد القطان، وابن مهديّ، وخالد بن الحارث، وأبو داود الطيالسيّ، وأبو عامر الْعَقَديّ، وعليّ بن نصر، وغيرهم. ٣٦٧ (٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ بَّه ... إلخ - حديث رقم (١٢٥) قال صالح بن أحمد، عن علي بن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: كان قرة عندنا من أثبت شيوخنا، وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن قرة، وعمران بن حُدير؟ فقال: ما فيهما إلا ثقة، قال: وسئل أبي عن قرة، وأبي خَلْدَة؟ فقال: قرة فوقه، وهو دون حبيب بن الشهيد، قيل له: قرة، والقاسم بن الفضل؟ قال: ما أقربه منه، وقال مرةً: ثقة. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: قرة أحب إليّ من جرير بن حازم، ومن أبي خَلْدَة، وقرة ثبت عندي. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو مسعود الرازيّ، قرة أثبت عندك، أو حسين المعلم؟ فقال: قرةُ. وقال الآجريّ: ذَكَرَ أبو داود قرة، فَرَفَعَ من شأنه، وقال أيضاً: سألت أبا داود عنه، وعن الصَّعْق بن حَزْن؟ فقال: قرة فوقه، وقال النسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال الطحاويّ: ثبتٌ متقنٌّ ضابطٌ . وقال أبو نعيم: مات سنة نَيِّف وسبعين ومائة، وقال ابن حبان في (الثقات)): كان متقناً، ومات سنة أربع وخمسين ومائة، وكذا أُرَّخه خليفة في (تاريخه))، وقال في ((الطبقات)): مات سنة خمس وخمسين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثاً. والباقيان تقدّما قريباً. وقوله: (قالا جميعاً)، لفظة ((جميعاً)) منصوبة على الحال، ومعناه: اتّفقا، واجتمعا على التحديث بما يذكره، إمّا مُجْتَمِعَين في وقتٍ واحدٍ، وإما في وقتين، ومن اعتقد أنه لا بدّ أن يكون ذلك في وقت واحدٍ، فقد غَلِطَ غَلَطاً بَيِّناً. قاله النوويّ رحمه الله تعالى(١). وقوله: (وقال رسول الله وَل﴿ للأشجِّ أَشَجِّ عبد القيس: ((إنّ فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة))). أما ((الأشجّ)): فاسمه المنذر بن عائذ - بالذال المعجمة - الْعَصَريّ - بفتح العين والصاد المهملتين - هذا هو الصحيح المشهور الذي قاله ابن عبد البرّ، والأكثرون، أو الكثيرون، وقال ابن الكلبيّ: اسمه المنذر بن الحارث بن (١) ((شرح مسلم)) ١٨٨/١. ٣٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان زياد بن عَصَر بن عوف، وقيل: اسمه المنذر بن عامر، وقيل: المنذر بن عُبيد، وقيل: اسمه عائذ بن المنذر، وقيل: عبد الله بن عوف. وأما ((الْحِلمْ)): فهو العقل، وهو بكسر الحاء، يقال منه: حَلُمَ الرجل يَحلُم بضمّ اللام: إذا صار حليماً، وتحلّم: إذا تكلّف ذلك. وأما ((الأَناة)»: فهي الرفق، والتَثَبُّتُ في الأمور، وتركُ الْعَجَلة، وهي مقصورة، يقال منه: تأنّى الرجل يتأنى تأنّياً، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: أَنَاةً وَحِلْماً وَانْتِظَاراً بِهِمْ غَداً فَمَا أَنَا بِالْوَانِي وَلَا الضَّرَعِ الْغُمْرِ وسبب قول النبيّ ◌َ ير ذلك له ما جاء في حديث الوفد: أنهم لَّمّا وَصَلُوا المدينة بادروا إلى النبيّ و98َ، وأقام الأشجّ عند رحالهم، فجَمَعَها، وَعَقَل ناقته، ولَبِس أحسن ثيابه، ثم أقبل إلى النبيّ وََّ، فقرّبه النبيّ وَّر وأجلسه إلى جانبه، ثم قال لهم النبيّ وَّه: (تبايعونَ على أنفسكم وقومكم؟))، فقال القوم: نعم، فقال الأشجّ: يا رسول الله إنك لم تُزاول الرجل عن شيء أشدّ عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا، وترسل معنا مَنْ يدعوهم، فمن اتبعنا كان منّا، ومن أبى قاتلناه، قال: ((صدقت، إن فيك خصلتين ... )) الحديث(١). قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فالأناة تربُّصُهُ حتى نظر في مصالحه، ولم يَعْجَل، والحِلمُ هذا القول الذي قاله الدالّ على صحة عقله، وجَوْدة نظره للعواقب(٢) . (١) أخرجه أبو داود بمعناه مختصراً في ((سننه)) ٣٩٥/٥ برقم (٥٢٢٥) ولفظه: حدثنا محمد بن عيسى بن الطَّاع، حدثنا مطر بن عبد الرحمن الأعنق، حدثتني أم أبان بنت الوازع بن زارع، عن جدّها زارع، وكان في وفد عبد القيس، قال: لَمّا قدمنا المدينة، فجعلنا نتبادر من رواحلنا، فنُقَبِّل يد النبي وَّه ورجله، قال: وانتظر المنذر الأشجّ حتى أَتَى عَيْبَتَهُ، فلبس ثوبيه، ثم أتى النبي ◌َّ فقال له: ((إن فيك خَلَّتَين يحبهما الله: الحلم والأناة))، قال: يا رسول الله، أنا أتخلق بهما، أم الله جبلني عليهما؟ قال: ((بل الله جَبَلَك عليهما، قال: ((الحمد لله الذي جَبَلني على خلتين، يحبهما الله ورسوله)). وحسنه الشيخ الألباني دون ذكر رجله. انظر: ((صحيح أبي داود)» ٩١٨/٣. (٢) ((إكمال المعلم)) ١٦٦/١ - ١٦٨. ٣٦٩ (٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ وَّره ... إلخ - حديث رقم (١٢٥) قال النوويّ: ولا يخالف هذا ما جاء في ((مسند أبي يعلى)) وغيره أنه لَمّا قال رسول الله وَ﴿ للأشجّ: ((إن فيك خصلتين ... )) الحديث، قال: يا رسول الله، كانا فيَّ أم حَدَثًا؟ قال: ((بل قديم))، قال: قلت: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلَّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عباس طيها هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه. أخرجه (المصنّف) هنا ١٢٣/٦ عن خلف بن هشام، عن حماد بن زيد - (ح) عن يحيى بن يحيى، عن عباد بن عباد - كلاهما عن أبي جمرة، عن ابن عبّاس ◌ًِّا و١٢٤/٦ عن أبي بكر بن أبي شيبة - ومحمد بن المثنى - ومحمد بن بشار - ثلاثتهم عن غندر، عن شعبة، عن أبي جمرة به و١٢٥/٦ عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه - (ح) عن نصر بن عليّ الْجَهْضَمِيّ، عن أبيه - كلاهما عن قرّة بن خالد، عن أبي جمرة به. وأخرجه (البخاريّ) ٢٠/١ و١١١/٩ عن عليّ بن الجعد، - و٣٢/١ عن محمد بن بشار، عن غندر - و١١١/٩ عن إسحاق، عن النضر - ثلاثتهم عن شعبة به، و١٣٩/١ عن قتيبة بن سعيد، عن عباد بن عباد المهلّبيّ، و١٣١/٢ عن حجاج - و٩٨/٤ عن أبي النعمان - و٢٢٠/٤ عن مسدّد، و٢١٣/٥ عن سليمان بن حرب، و٢١٣/٥ عن إسحاق، عن أبي عامر الْعَقَديّ، و٥٠/٨ عن عمران بن ميسرة، عن عبد الوارث، عن أبي التّاح، و٩/ ١٩٧ عن عمرو بن عليّ، عن أبي عاصم، تسعتهم عن أبي جمرة به. وأخرجه (أبو داود) و(٣٦٩٢ و٣٦٩٤ و٤٦٧٧) و(الترمذيّ) (١٥٩٩ و٢٦١١) و(النسائيّ) ١٢٠/٨ و٣٢٢ وفي ((الكبرى (٣١٦) و(أحمد) ٢٢٨/١ و٣٣٣ و٣٦١ و(ابن خزيمة) (٣٠٧ و١٨٧٩ و٢٢٤٥ و٢٢٤٦) و(أبو نعيم) في (١) ((شرح مسلم)) للنوويّ ١٨٩/١. ٣٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ((مستخرجه)) (١٠٣ و١٠٤ و١٠٥ و١٠٦ و١٠٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الأمر بالإيمان بالله تعالى، ورسوله وَل﴾، والأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان. ٢ - (ومنها): مشروعيّة وِفَادة الرؤساء، والأشراف إلى الأئمة عند الأمور المهمة . ٣ - (ومنها): تقديم الاعتذار بين يدي المسألة. ٤ - (ومنها): بيان مهمات الإسلام، وأركانه، ما سوى الحجّ؛ إذ لم يُفرض وقتئذٍ، وقيل: غير ذلك. ٥ - (ومنها): استعانة العالم في تفهيم الحاضرين، والفهم عنهم ببعض أصحابه، كما فعله ابن عبّاس ◌َّا مع أبي جمرة رحمه الله تعالى. ٦ - (ومنها): جواز استفتاء المرأة الرجال الأجانب، وسماعها صوتهم، وسماعهم صوتها، خلافَ من قال: إنّ صوتها عورة، وهو قول ضعيف. ٧ - (ومنها): أن فيه استحباب تأنيس الرجل لزوَّاره، والقادمين عليه بقوله: مرحباً، ونحوه، والثناء عليهم إيناساً وبسطاً، وقد تكرر ذلك من النبيِ وَل، كهذا الحديث، وقولهمَ ل﴿ لأم هانئ ضَّا: ((مرحباً بأم هانئ))، وفي قصة عكرمة بن أبي جهل تظله: ((مرحباً بالراكب المهاجر))، وفي قصة فاطمة ثّ: ((مرحباً بابنتي))، وكلها صحيحة(١)، وأخرج النسائي من حديث عاصم بن بشير الحارثيّ، عن أبيه: أن النبي وَ ر قال له: لما دخل، فسلّم عليه: ((مرحباً، وعليك السلام))، وقد بوّب الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في (صحيحه)) ٥٠/٨ - ٥١: ((باب قول الرجل: مرحباً))، وأورد قول النبيّ وَّ لفاطمة فيها: ((مرحباً بابنتي))، وقصّة أم هانئ، ثم أخرج حديث ابن عباس . المذكور في الباب. ٨ - (ومنها): جواز مدح الإنسان في وجهه إذا لم يُخَف عليه الإعجاب، أو نحوه، وأما قوله ◌َّه: ((إياكم والمدح، فإنه الذبح))، أخرجه أحمد، (١) لكن قصة عكرمة بن أبي جهل ضعفها الترمذي، فراجع ((الجامع)) جه ص٧٨. ٣٧١ (٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ مَِّه ... إلخ - حديث رقم (١٢٥) وابن ماجه(١)، وقوله: ((ويلك قطعت عنق صاحبك))، متّفقٌ عليه، فمحمول على ما إذا خيف فيه الافتتان. قال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)): وفيه جواز الثناء على الإنسان في وجهه، إذا لم يُخَفْ عليه فتنة بإعجاب ونحوه، وأما استحبابه فيختلف بحسب الأحوال والأشخاص، وأما النهي عن المدح في الوجه، فهو في حق من يُخاف عليه الفتنة بما ذكرناه، وقد مَدَح النبيّ وَّ في مواضع كثيرة في الوجه، فقال ◌َله لأبي بكر ◌َظُه: ((لست منهم))، ((يا أبا بكر لا تَبْكِ إن أَمَنَّ الناس عليّ في صحبته، وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً))، وقال له: ((وأرجو أن تكون منهم))، أي من الذين يُدْعَونَ من أبواب الجنة، وقال وَّ: ((ائذن له، وبشره بالجنة))، وقال ◌َله: (اثْبُتْ أُحُدُ، فإنما عليك نبيّ، وصِدِّيقٌ، وشهيدان))، وقال وَّ: ((دخلتُ الجنة، ورأيت قصراً، فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخله، فذكرتُ غَيْرَتك))، فقال عمر رَظُّه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أعليك أغار؟ وقال له: ((ما لَقِيَك الشيطان سالكاً فَجّاً إلا سلك فجًّا غير فَجِّك))، وقال وَه : ((افتح لعثمان، وبَشِّره بالجنة))، وقال لعليٍّ ◌َّه: ((أنت مني، وأنا منك))، وفي الحديث الآخر: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى))، وقال ◌َله لبلال: ((سَمِعْتُ دَقَّ نعليك في الجنة))، وقال بَّار لعبد الله بن سلام: ((أنت على الإسلام حتى تموت))، وقال للأنصاريّ: ((ضَحِكَ الله رَيْك - أو - عَجِبَ من فعالكما))، وقال للأنصار: ((أنتم من أحب الناس إليَّ))، ونظائر هذا كثيرة من مدحه ◌َّ في الوجه، وأما مدح الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من العلماء والأئمة الذين يُقْتَدَى بهم رضي الله عنهم أجمعين، فأكثر من أن يحصر، والله تعالى أعلم، انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى(٢). ٩ - (ومنها): وجوب الْخُمُس في الغنيمة، قلّت أم كثُرت، وإن لم يكن الإمام مع السّريّة الغازية. (١) حديث حسنٌ، أخرجه أحمد ٩٩/٤ وابن ماجه (٣٧٤٣) من حديث معاوية (٢) (شرح مسلم)) ١٩٥/١ - ١٩٦. ٣٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ١٠ - (ومنها): النهي عن الانتباذ في الأواني الأربع المذكورة، وهو أن تجعل في الماء حبّات من تمر، أو زبيب، أو نحوهما؛ ليحلو، فيُشرب؛ لأنه يسرع فيها الإسكار، فيصير حراماً، ولم يُنه عن الانتباذ في أسقية الأدم، كما سيأتي في حديث أبي سعيد الخدريّ رظُه؛ لأنها لرقّتها لا يبقى فيها المسكر، بل إذا صار مسكراً شقّها غالباً. ١١ - (ومنها): أن في قوله: ((إن وفد عبد القيس إلخ))، دليلٌ على أن مذهب ابن عباس ﴿ أن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية، ليس بمنسوخ، بل حكمه باقٍ، وهذا منقول عنه، وعن عمر رظُبه، وحكاه الخطابيّ عن مالك، وأحمد، وإسحاق، والصحيح قول جمهور أهل العلم: إنه منسوخ، وناسخه حديث بريدة بن الْحُصيب ◌َّ ◌ُبه أن رسول الله وَ لل قال: ((كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية، فانتبذوا في كلّ وِعاء، ولا تشربوا مسكراً))، رواه مسلم، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه - إن شاء الله تعالى -. ١٢ - (ومنها): أنه استَنْبَطَ منه ابنُ التين تَذَثُ جوازَ أخذ الأجرة على التعليم؛ لقول ابن عبّاس ﴿ًا لأبي جمرة: أقم حتى أجعل لك سهماً من مالي))، وفيه نظر؛ لاحتمال أن يكون إعطاؤه ذلك كان بسبب الرؤيا التي رآها في العمرة قبل الحج، كما ورد ذلك صريحاً عند البخاريّ. ١٣ - (ومنها): أن فيه اتخاذ المحدث المستملي. ١٤ - (ومنها): جواز قول: رمضان، من غير تقييد بالشهر. ١٥ - (ومنها): أنه لا عيب على الطالب، أو المستفتي أن يقول للعالم: أوضح لي الجواب، ونحو ذلك. ١٦ - (ومنها): استحباب إكرام الفاضل، فقد أجلس النبيّ وَّرِ الأشجّ إلى جانبه . ١٧ - (ومنها): أنه يدلّ على أن ابن عبّاس ظه كان يكتفي في الترجمة بواحد؛ لأنه مخبر، وقد اختلف فيه، فقيل: لا يكفي الواحد، بل لا بدّ من اثنين؛ لأنها شهادة، والأول أرجح. ١٨ - (ومنها): أن فيه ما يدلّ على أن المفتي يجوز له أن يذكر الدليل، مستغنياً به عن إيضاح الفتيا، إذا كان السائل بصيراً بموضع الحجة، فقد استغنى ٣٧٣ (٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ وَ﴿ه ... إلخ - حديث رقم (١٢٦) ابن عبّاس ◌ُّ بإيراد الحديث للسائلة عن التصريح بحكم المسألة. ١٩ - (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على إبداء العذر، عند العجز عن توفية الحقّ واجباً، أو مندوباً، وعلى أنه يَبدأ بالسؤال عن الأهم، وعلى أن الأعمال الصالحة تُدخِل الجنة، إذا قُبِلت، وقبولها يقع برحمة الله تعالى. ٢٠ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن الإيمان والإسلام بمعنى واحد؛ لأنه فسّر الإسلام فيما مضى بما فسَّر به الإيمان هاهنا . ٢١ - (ومنها): ما قيل: إنما خُصّت هذه الأوعية المذكورة بالنهي؛ لأنها يسرع الإسكار إليها . ٢٢ - (ومنها): ما قيل: الحكمة في إجمال العدد قبل التفسير في قوله: ((بأربع))، و((عن أربع))؛ لأجل تشويق النفس إلى التفصيل؛ لتسكن إليه، ولتحصيل حفظها للسامع، حتى إذا نسي شيئاً من تفاصيل ما أجمله طالبته نفسه بالعدد، فإذا لم يستوف العدد الذي حفظه، عَلِم أنه قد فاته بعض ما سمعه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال : [١٢٦] (١٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ لَقِيَ الْوَقْدَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَله مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، قَالَ سَعِيدٌ: وَذَكَرَ قَتَادَةُ أَبَا نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فِي حَدِيثِهِ هَذَا: أَنَّ أُنَاساً مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَّهِ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللّهِ، إِنَّا حَيٍّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْكَ إِلَّ فِي أَشْهُرِ الْحُرُم، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ، تَأْمُرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، إِذَا نَحْنُ أَخَذْنَا بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((آمُرُكُمْ بِأَرْبَعِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعِ: اعْبُدُوا اللّهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَأَتُوا الزَّكَاةَ، وَصُومُوا رَمَضَأَنَ، وَأَعْطُوا الْخُمُسَ مِنْ الْغَنَائِمِ. وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعِ: عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَقَّتِ، وَالنَّقِيرِ))، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللّهِ، مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِّيرِ؟ قَالَ: ((بَلَى، جِذْعٌ تَتْقُرُونَهُ، فَتَقْذِفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاء)» ٣٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان - قَالَ سَعِيدٌ: أَوْ قَالَ -: مِنْ التَّمْرِ، ثُمَّ تَصُبُّونَ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا سَكَنَ غَلَيَانُهُ شَرِبْتُمُوهُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ - أَوْ - إِنَّ أَحَدَهُمْ، لَيَضْرِبُ ابْنَ عَمِّهِ بِالسَّيْفِ))، قَالَ: وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ كَذَلِكَ، قَالَ: وَكُنْتُ أَخْبَؤُهَا؛ حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللّهِ وَلَ، فَقُلْتُ: فَفِيمَ نَشْرَبُ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: ((فِي أَسْقِيَةِ الْأَدَمِ، الَّتِي يُلَاثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنَّ أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الْجِرْذَانِ، وَلَّا تَبْقَى بِهَا أَسْقِيَةُ الْأَدَمِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللّهِ وَ: ((وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَنْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ))، قَالَ: وَقَالَ نَبِيُّ اللّهِ وَهِ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: ((إِنَّ فِيَكَ لَخَصْلَتَيْنِ، يُحِبُّهُمَا اللّهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابِريّ البغداديّ، ثقة [١٠] (ت٢٣٤) (عخ م د عس) ٩/١. ٢ - (ابنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقة حافظ [٨] (ت١٩٣) (ع) ١/ ٣. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) واسمه مِهْران الْعَدَويّ الْيشكريّ، مولى بني عَدِيّ بن يَشْكُر، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظ، له تصانيف، لكنه کثیر التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦]. رَوَى عن قتادة، والنضر بن أنس، والحسن البصري، وعبد الله بن فَيْرُوز الدَّانَاجِ، وأبي مَعْشَر زياد بن كُليب، وزياد الأعلم، ومطر الوَرَّاق، وأيوب، وعامر الأحول، وعلي بن الْحَكَم الْبُنَانيّ، وأبي رَجَاء الْعُطَاردي، وأبي نضرة العبديّ، ويعلى بن حكيم، وأبي التّاح، وجماعة. وروى عنه الأعمش، وهو من شيوخه، وشعبة، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وخالد بن الحارث، ورَوْح بن عُبادة، ويزيد بن زُريع، ومحمد بن أبي عديّ، ومحمد بن سَوَاء، ويحيى القطان، وبشر بن المفضّل، وسهل بن يوسف، وابن المبارك، وعبد الوارث بن سعيد، وكهمس بن المنهال، وابنُ علية، وأبو أسامة، وسالم بن نوح، وسعيد بن عامر، وأبو خالد الأحمر، وعبدة، وعلي بن مسهر، وعلي بن يونس، وعبد الوهاب بن عطاء، ومحمد بن ٣٧٥ (٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ وَِّ» ... إلخ - حديث رقم (١٢٦) بكر، ومحمد بن بشر، ومحمد بن جعفر غندر، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، وجماعة . قال أبو حاتم: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يكن لسعيد بن أبي عروبة كتاب، إنما كان يحفظ ذلك كله. وقال ابن معين والنسائيّ: ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة مأمون. وقال ابن أبي خيثمة: أثبت الناس في قتادة سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي. وقال أبو عوانة: ما كان عندنا في ذلك الزمان أحفظ منه، وقال أبو داود الطيالسيّ: كان أحفظ أصحاب قتادة. وقال ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: سعيد أحفظ، وأثبت - يعني من أبان العطار - وأثبت أصحاب قتادة هشام، وسعيد. وقال أبو حاتم: هو قبل أن يختلط ثقة، وكان أعلم الناس بحديث قتادة، وقال أبو زرعة الدمشقيّ عن دُحَيم اختلط مخرج إبراهيم سنة خمس وأربعين ومائة. وقال الآجري عن أبي داود: سماع وكيع عنه بعد الهزيمة(١)، وقال أبو داود: كان وكيع يقول: كنا ندخل على سعيد، فنسمع، فما كان من صحيح حديثه أخذناه، وما لم يكن صحيحاً طرحناه. وقال أبو نعيم: كتبت عنه بعد ما اختلط حديثين. وقال ابن حبان: كان سماع شعيب بن إسحاق منه سنة (٤٤) قبل أن يختلط بسنة. وقال النسائيّ: ((ذِكْرُ من حَدَّث عنه سعيد بن أبي عروبة، ولم يسمع منه)): لم يسمع من عمرو بن دينار، ولا من هشام بن عروة، ولا من زيد بن أسلم، ولا من عبيد الله بن عمر، ولا من أبي الزناد، ولا من الحكم بن عتيبة، ولا من إسماعيل بن أبي خالد، ولا من حماد - يعني ابن أبي سليمان -. وقال ابن المبارك: سمع من قيس بن سعد شيئاً. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: لم يسمع من الأعمش، ولا من يحيى بن سعيد الأنصاري، ولا من أبي بشر. وقال ابن معين: لم يسمع من عبد الله بن محمد بن عَقِيل. وقال أبو بكر البزار: يحدث عن جماعة لم يسمع منهم، فإذا قال: سمعت، وحدثنا كان مأموناً على ما قال. وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى: كان (١) أي بعد هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن سنة (١٤٢ هـ)، قاله في ((شرح النوويّ)) ١٩٠/١. ٣٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان يُرسل. وقال الأزديّ: اختلط اختلاطاً قبيحاً. وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، ثم اختلط في آخر عمره. وقال ابن حبان في ((الثقات)): مات سنة (١٥٥)، وبقي في اختلاطه خمس سنين، ولا يُحتجّ إلا بما رَوَى عنه القدماء، مثل يزيد بن زُريع، وابن المبارك، ويعتبر برواية المتأخرين عنه، دون الاحتجاج بها، ثم قال: وقد قيل: مات سنة (٥٠). وقال الذهليّ عن عبد الوهاب الْخَفّاف: خولط سعيد سنة (٤٨)، وعاش بعدما خولط تسع سنين. وقال العقيليّ: سمع منه محمد بن أبي عديّ بعدما اختلط. وقال الآجري، عن أبي داود: كان سعيد يقول في الاختلاط: قتادة عن أنس، أو أنس عن قتادة. وقال النسائيّ: من سَمِع منه بعد الاختلاط فليس بشيء، وقال الآجري عن أبي داود: سماع رَوْح منه قبل الهزيمة، وكذا سَرَّار، وسماع ابن مهديّ منه بعد الهزيمة. وقال يزيد بن زُريع: أول ما أنكرنا ابن أبي عروبة يوم مات سليمان التيميّ، جئنا من جنازته، فقال: من أين جئتم؟ قلنا: من جنازة سليمان التيميّ، فقال: ومن سليمان التيميّ؟ قال الحافظ: والتيميّ مات سنة (١٤٣)، ويؤيد ذلك ما حكاه ابن عديّ في ((الكامل)) عن ابن معين قال: من سمع منه سنة (١٤٢) فهو صحيح السماع، وسماع من سمع منه بعد ذلك ليس بشيء، وأثبت الناس سماعاً منه عبدة بن سليمان. وقال ابن قانع: خلط في آخر عمره، وكان أعرج، يُرمَى بالقدر. وقال أحمد: كان يقول بالقدر ويكتمه. وقال العجليّ: كان لا يدعو إليه، وكان ثقة. وقال ابن مهديّ: كتب غُنْدَر عن سعيد بعد الاختلاط. وقال ابن عدي: وسعيد من ثقات المسلمين، وله أصناف كثيرة، وحدَّثَ عنه الأئمة، ومن سمع منه قبل الاختلاط، فإن ذلك صحيح حجة، ومن سمع منه بعد الاختلاط، لا يُعتمد عليه، وأرواهم عنه عبد الأعلى، وهو مقدم في أصحاب قتادة، ومن أثبت الناس عنه روايةً، وكان ثَبْتاً عن كل مَن رَوَى عنه، إلا من دَلَّس عنهم، وأثبت الناس عنه ابنُ زُريع، وخالد بن الحارث، ويحيى بن سعيد، ونظراؤهم. ٣٧٧ (٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ نَّه ... إلخ - حديث رقم (١٢٦) وقال ابن القطان: حديث عبد الأعلى عنه مشتبهٌ، لا يُدرى هو قبل الاختلاط أو بعده؟ وتَعَقَّب ذلك ابن الْمَوَّاق فأجاد. وقال ابن السكن: كان يزيد بن زُريع يقول: اختلط سعيد في الطاعون - يعني سنة (١٣٢)، وكان القطان يُنكر ذلك، ويقول: إنما اختلط قبل الهزيمة. وجمع الحافظ بين القولين بما قال أبو بكر البزار: إنه ابتدأ به الاختلاط سنة (١٣٣)، ولم يَستحكم، ولم يُطبِق به، واستمرّ على ذلك، ثم استحكم به أخيراً، وعامة الرواة عنه سمعوا منه قبل الاستحكام، وإنما اعتبر الناس اختلاطه بما قال يحيى القطان. والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن ممن سمع منه قبل الاختلاط يزيدَ بنَ زُريع، وعبدةَ بنَ سليمان، وخالدَ بن الحارث، ويحيى القطان، وعبدَ الأعلى بن عبد الأعلى، وابنَ المبارك، وروحَ بن عبادة، ويزيدَ بن هارون(١). والله تعالى أعلم. وقال البخاريّ: قال عبد الصمد: مات سنة ست وخمسين ومائة، وقال غيره: سنة (٥٧). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٧) حديثاً. [تنبيه]: أبو عروبة هكذا يقول أهل الحديث وغيرهم: ((عروبة)) بغير ألف ولام، وقال ابن قتيبة في كتابه ((أدب الكاتب)) في ((باب ما تغيّر من أسماء الناس)): هو ابن أبي العروبة بالألف واللام، يعني أن قولهم: عروبة لحن، وذكر ابن قتيبة في كتابه ((المعارف)) كما ذكره غيره، فقال: سعيد بن أبي عروبة، يُكنى أبا النضر، لا عقب له، يقال: إنه لم يمسّ امرأةً قط، واختلط في آخر عمره. انتهى(٢). ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبتٌ، رأس [٤] (ت١١٧) (ع) ٤ / ٦٩. ٥ - (أَبُو نَضْرَةَ) - بنون مفتوحة، ومعجمة ساكنة - مشهور بكنيته، واسمه: (١) ذكره النووي في ((شرحه)) ١٩٠/١ ممن سمع منه قبل الاختلاط. (٢) راجع: ((شرح النوويّ على مسلم)) ١٩٠/١. ٣٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان المنذر بن مالك بن قُطَعَةَ الْعَبْدِيّ، ثم الْعَوَقيّ البصريّ، ثقة [٣]. أدرك طلحة، وَرَوَى عن علي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعريّ، وأبي ذر الغفاريّ، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ، وابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وعمران بن حُصين، وسمرة بن جندب، وأنس، وجابر، وغيرهم. وروى عنه سليمان التيميّ، وأبو مسلم سعيد بن يزيد، وعبد العزيز بن صهيب، وحميد الطويل، وعاصم الأحول، وقتادة، وداود بن أبي هند، وخُلید بن جعفر، ویحیی بن أبي کثیر، وکھمس بن الحسن، وسعيد بن إياس الْجُريريّ، وآخرون. قال صالح بن أحمد عن أبيه: ما علمت إلا خيراً، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو زرعة، والنسائيّ، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن أبي نضرة، وعطية؟ فقال: أبو نضرة أحب إليّ. وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، وليس كل أحد يَحتجّ به، مات في ولاية ابن هُبَيْرة، حدثنا عفّان، حدثنا مهدي بن ميمون: شَهِدتُ الحسنَ حين مات أبو نضرة، صلى بنا على الجنازة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان من فُصَحاء الناس، فُلِج في آخر عمره، مات سنة ثمان أو تسع ومائة، وأوصى أن يصلي عليه الحسن، وكان ممن يخطئ. وقال خليفة بن خياط: مات سنة ثمان، وقال عمرو بن علي: مات سنة تسع ومائة، وقال البخاريّ: قال يحيى بن سعيد: مات قبل الحسن بقليل، وأورده العقيليّ في ((الضعفاء))، ولم يذكر فيه قدحاً لأحد، وكذا أورده ابن عديّ في ((الكامل))، وقال: كان عَرِيفاً لقومه، وأظن ذلك لِمَا أشار إليه ابن سعد، ولهذا لم يحتج به البخاريّ. وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال أحمد بن حنبل: ثقة. علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (٦٤) حديثاً. [تنبيه]: قوله: ((ابن قُطَعَة)) بضم القاف، وفتح الطاء المهملة، هكذا ضبطه في ((تقريب التهذيب))، وضبطه النوويّ في ((شرحه)) ١٩٠/١) بكسر القاف، وإسكان الطاء. وأما ((الْعَوَقِيّ)): فهو بفتح العين، والواو، وبالقاف، هذا هو المشهور ٣٧٩ (٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ مَِّه ... إلخ - حديث رقم (١٢٦) الذي قاله الجمهور، وحَكَى صاحب ((المطالع (( أن بعضهم سكّن الواو من (الْعَوقِيّ))، والْعَوَقَّةُ: بطن من عبد القيس، قاله النوويّ في ((شرحه)) ١٩٠/١ -١٩١. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ّا (ت٣٦) وقيل: غير ذلك، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ٤٧٠/٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود، وأخرج له البخاريّ في ((خلق أفعال العباد))، والنسائيّ في ((مسند عليّ ◌َّه))، وغير أبي نَضْرَةَ، فقد علّق عنه البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين، غير شيخه، فإنه بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: قتادة، عن أبي نَضْرَةَ. ٥ - (ومنها): أن أبا سعيد رُبه صحابيّ ابن صحابيّ ـ فأبوه صحابيّ، استُشهد يوم أحد رظُه - وهو من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة رحمه الله تعالى أنه (قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ) بفتح الميم موصولة، بمعنى الذي (لَقِيَ) بكسر القاف، يقال: لقيتُهُ أَلْقَاهُ، من باب تَعِبَ لُقِيًّا، والأصل على فُعُولٍ، ولُقَّى بالضمّ مع القصر، ولِقَاءً بالكسر مع المدّ والقصر، وكلُّ شيء استَقْبَلَ شيئاً، أو صادفه، فقد لَقِيه، ومنه لقاء البيت، وهو استقباله، قاله الفيّوميّ (١) (الْوَقْدَ) تقدّم أنه بمعنى الجماعة المختارة من القوم ليتقدّموا في لُقِيّ العظماء في المهمات (الَّذِينَ قَدِمُوا) بكسر الدال، يقال: قَدِمَ الرجلُ البلدَ يقدَمه، من باب تَعِبَ قُدُوماً، ومَقْدَماً: إذا دخله، وأما قَدَمَ القومَ يقدُمهم قَدْماً، من باب نصر، فإنه بمعنى تقدّمهم(٢)، ولا يناسب هنا (عَلَى (١) ((المصباح المنير)) ٥٥٨/٢. (٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٩٣/٢. ٣٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان رَسُولِ اللهِ وَّهِ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ) القبيلة المشهورة (قَالَ سَعِيدٌ) هو ابن أبي عروبة (وذَكَرَ قَتَادَة) أي ممن حدّثه بهذا الحديث من الوفد المذكورين (أَبَا نَضْرَةَ) أي فزال بهذا تهمة تدليسه، فإنه معروف به (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ◌َّبه متعلّق بـ ((حَدّثنا))، وقال النوويّ: معنى هذا الكلام أن قتادة حدّث بهذا الحديث عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ ظبه، كما جاء مبيّناً في الرواية التي بعد هذا من رواية ابن أبي عديّ، انتهى (١) (فِي حَدِيثِهِ) متعلّق بـ ((حدّثنا))، و((في)) بمعنى الباء، وقوله: (هَذَا) بدل من ((حديثه))، والإشارة إلى ما يسوقه بعدُ (أَنَّ أُنَاساً) بضم الهمزة، قال الفيّومي: و((الأُناس)) قيل: فُعَالٌ بضمّ الفاء، مشتقّ من الأُنْسِ، لكن يجوز حذف الهمزة تخفيفاً على غير قياس، فيبقى نَاساً، وعن الكسائيّ أن الأُناس والناس لغتان بمعنى واحد، وليس أحدهما مشتقاً من الآخر، وهو الوجه، لأنهما مادّتان مُختلفتان في الاشتقاق، والحذف تغيير، وهو خلاف الأصل. انتهى (٢) (مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ) متعلّق بصفة لـ ((أُناس))، أي كائنين من هذه القبيلة (قَدِمُوا) بكسر الدال (عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ) فيه دليلٌ على أنهم مؤمنون قبل مجيئهم؛ إذ نادوه بصفة النبوّة (إِنَّا) هي ((إنّ)) واسمها ضمير المتكلّمين، وخبرها قولهم: (حَيٍّ) أي قبيلة، سمّوا بذلك لأن بعضهم يحيا ببعض، وجمعه أحياء (مِنْ رَبِيعَةَ) متعلّق بصفة لـ((حيّ))، كما سبق قريباً (وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ) بضمّ، ففتح، غير منصرف؛ للعَلَميّة، والعدل من ماضر، وهو أبو قبيلة، وهو مُضر بن نِزَار، يُلقّب مضر الحمراء؛ لولعه بشرب اللبن الماضر، أي الحامض، أو لبياض لونه، والعرب تسمّي الأبيض أحمر(٣)، وتقدّم غير هذا في سبب تلقيبه (وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْكَ) بتثليث الدال، من باب ضرب، ونصر، وفَرِحَ(٤): أي لا نَقْوَى، ولا نتمكّن من (١) (شرح مسلم)) ١٩٠/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٦/١ في مادّة ((أنس)). (٣) راجع: ((القاموس المحيط))، وهامشه ص٤٢٩. (٤) هكذا ضبطه في ((القاموس))، واقتصر في (المصباح)) على الكسر من باب ضرب فقط .