Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
(٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ وَّه ... إلخ - حديث رقم (١٢٣)
وقال في ((الفتح)): المراد بالشهر الحرام الجنس، فيشمل الأربعة الحرم،
ويؤيده روايةُ: ((إلا في أشهر الحرم))، وروايةُ: ((إلا في كل شهر حرام))، وقيل:
اللام للعهد، والمراد شهر رجب، وفي رواية للبيهقيّ التصريح به، وكانت مُضَرُ
تبالغ في تعظيم شهر رجب، فلهذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة تَظ ◌ُه حيث
قال: ((رجبُ مضر))، كما سيأتي، والظاهر أنهم كانوا يخصونه بمزيد التعظيم،
مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى، إلا أنهم ربما أنسأوها بخلافه.
وفيه دليلٌ على تقدّم إسلام عبد القيس على قبائل مُضَر الذين كانوا بينهم
وبين المدينة، وكانت مساكن عبد القيس بالبحرين، وما والاها من أطراف
العراق، ولهذا قالوا كما في رواية شعبة: ((إنا نأتيك من شُقّة بعيدة))، قال ابن
قتيبة: الشُّقّة: السفرُ، وقال الزجاج: هي الغاية التي تُقْصَد، ويدل على سبقهم
إلى الإسلام أيضاً ما رواه البخاريّ في ((كتاب الجمعة)) من طريق أبي جمرة
أيضاً، عن ابن عباس ◌ًَّا قال: ((إنّ أوّلَ جمعة جُمِّعَت بعد جمعةٍ في مسجد
رسول الله (َّ في مسجد عبد القيسِ بِجُوَاثَى من البحرين))، و(جُوَاثَى)) بضم
الجيم، وبعد الألف مثلثة مفتوحة، وهي قرية شهيرة لهم، وإنما جَمَّعُوا بعد
رجوع وفدهم إليهم، فَدَلَّ على أنهم سَبَقُوا جميع القرى إلى الإسلام،
(١)
انتھی
.
[تنبيه]: الأشهر الحُرُم هي: ذو الْقَعْدَة، وذو الْحِجَّة، والمحرَّم، ورجب،
هذه الأربعة هي الأشهر الحرم بإجماع العلماء، من أصحاب الفنون، ولكن
اختلفوا في الأدب المستحسن في كيفية عَدِّها على قولين، حكاهما الإمام أبو
جعفر النّحّاس في كتابه ((صناعة الكتاب))، قال: ذهب الكوفيون إلى أنه يقال:
المحرم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة، قال: والْكُتّابُ يَمِيلون إلى هذا
القول؛ ليأتوا بهن من سنة واحدة، قال: وأهل المدينة يقولون: ذو القعدة،
وذو الحجة، والمحرم، ورجب، وقومٌ ينكرون هذا، ويقولون: جاؤوا بهنّ من
سنتين، قال أبو جعفر: وهذا غلط بَيِّنٌ، وجهل باللغة؛ لأنه قد عُلِم المراد،
وأن المقصود ذكرها، وأنها في كل سنة، فكيف يُتَوَهَّم أنها من سنتين، قال:
(١) ((الفتح)) ١٦٠/١.

٣٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
والأَولى والاختيار ما قاله أهل المدينة؛ لأن الأخبار قد تظاهرت عن
رسول الله ﴿ كما قالوا من رواية ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي بكرة رَظُبه،
قال: وهذا أيضاً قولُ أكثر أهل التأويل.
قال النَّخَّاس: وأُدخلت الألف واللام في المحرم دون غيره من الشهور،
قال: وجاء من الشهور ثلاثة مضافات: شهر رمضان، وشهرا ربيع، يعني
والباقي غير مضافات، وسُمِّي الشهر شهراً؛ لشهرته وظهوره، والله تعالى
أعلم(١) .
(فَمُرْنَا) الفاء فصيحيّة، أي فإذا تبيّن لك عذرنا في عدم التردّد إليك
كثيراً؛ لما ذكرنا، فنطلب منك أمرك لنا إلخ.
((ومُر)) بضمّ الميم، فعل أمر من أمر يأمر، من باب نصر، قال الفيّوميّ: إذا
أمرت من هذا الفعل، ولم يتقدّمه حرف عطف حذفتَ الهمزة على غير قياس،
وقلتَ: مُرْهُ بكذا، ونظيره ((كُلْ))، و((خُذْ))، وإن تقدّمه حرف عطف، فالمشهور ردّ
الهمزة على القياس، فيقال: وأُمُرْ بكذا، قال تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ﴾ الآية
[طه: ١٣٢]، ولا يُعرف في ((كُلْ))، و((خُذْ)) إلا التخفيف مطلقاً، انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال الفيومي: ((ولا يُعْرَفُ إلخ))، لكن
أثبت ذلك غيره بقلة كما أشار إليه ابن مالك رحمه الله تعالى في ((لا ميَّته))،
فقال :
وَشَذَّ بِالْحَذْفِ ((مُرْ)) وَ((خُذْ)) و((كُلْ)) وَفَشَا وَأُمُرْ وَمُسْتَنْدَرٌ تَتْمِيمُ (خُذْ)) وَ(كُلَا))
فقوله: ((ومستندر إلخ)) أشار به إلى أنه يجوز تتميم ((خذ)) و((كل)) بقلّة،
فيقال: وأخذ، وأكل، والله تعالى أعلم.
(بِأَمْرٍ) بفتح الهمزة، وسكون الميم، يحتمل أن يكون واحد الأمور، وأن
يكون بمعنى الشأن، قاله الطيبيّ.
وقال الفيّوميّ: ((الأمرُ)) بمعنى الحال، جمعه أمور، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَآَ
أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]، و((الأمرُ)) بمعنى الطلب، جمعه أوامر؛ فرقاً بينهما،
وجمعُ الأمر أوامر هكذا يتكلّم به الناس، ومن الأئمة من يصحّحه، ويقول في
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٨٢/١ - ١٨٣. (٢) ((المصباح المنير)) ٢١/١.

٣٤٣
(٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ نََّ) ... إلخ - حديث رقم (١٢٣)
تأويله: إن الأمر مأمور به، ثم حُوِّل المفعول إلى فاعل، كما قيل: أمرٌ عارفٌ،
وأصله معروفٌ، وعيشةٌ راضيةٌ، والأصلُ مرضيّةٌ، إلى غير ذلك، ثم جُمِعَ على
(١)
فواعل، انتهى(١).
(نَعْمَلُ بِهِ) بالرفع، والجملة في محلّ جرّ صفة لـ((أمرٍ))، ويحتمل جزمه
على أنه جواب الأمر (وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا) ((مَنْ)) بفتح الميم موصولة في
محلّ نصب مفعول ((ندعو))، ولا يثبُتُ كسر ميمها على أنها جارّة، و(وراءنا))
منصوب على الظرفيّة صلة ((مَنْ))، وهو من الأضداد، يأتي بمعنى (خَلْف))،
وبمعنى ((قُدّام)) (قَالَ) وَ (آمُرُكُمْ بِأَرْبَع) أي بأربع خصال، أو بأربع جُمَل
(وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَع) أي عن الانتباذ في أرَّبعة أوعية، فالمنهيّ عنه واحد بالنوعِ،
وهو الانتباذ، ثمَّ إنه تعدّد بحسب الأوعية الأربع الآتي ذكرها (الْإِيمَانِ بِاللَّهِ)
بالجرّ بدل من ((أربع))، بدل تفصيل من مجمل، أو عطف بيان له، ويجوز قطعه
إلى الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي أحدها الإيمان، والنصب على أنه
مفعول لفعل مقدّر، أي أعني الإيمانَ (ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ) أنّث الضمير مع أن
الإيمان مذكّر باعتبار أنه أربع خصال (فَقَالَ) وَِّ (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَه إِلَّ اللهُ) بجرّ
((شهادة)) على أنه بدل من ((الإيمان))، أو عطف بيان له، ويجوز قطعه إلى الرفع
والنصب، كسابقه (وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ) إعرابه كسابقه،
وإقامتها أداؤها بمراعاة أركانها، وواجباتها، وسننَهَا (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) أي إعطاء
القدر المستحقّ لمستحقّها (وَأَنْ تُؤَدُّوا) أي تعطوا (خُمُسَ) بضمتين، ويجوز
إسکان میمه، ويقال فیه: خَمِیس أیضاً، وزان کریم.
[فائدة]: يجوز في كلٍّ من الثلث، والربع، والخمس، والسدس،
والسبع، والثمن، والتسع، والعشر، ثلاث لغات، الأول: ضم أولها وثانيها،
والثاني: تسكين ثانيها، والثالث: فتح أولها، مع كسر الثاني، وزيادةٍ ياء
بعدها، وزان كَرِيم، فتقول: ثُلُثُ، وثُلْثٌ، وثَلِيث، ورُبُعٌ، ورُبْعٌ، ورَبِيع،
وهكذا .
وأما النصف، فيجوز فيه ثلاث لغات أيضاً، النصف، بكسر أوله،
(١) ((المصباح المنير)) ٢١/١.

٣٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وضمه، مع تسكين ثانيه، والثالث النَّصِيفُ وِزان كريم، والله تعالى أعلم.
(مَا غَنِمْتُمْ) بكسر النون، من باب تَعِبَ، قال الفيّوميّ: غَنِمتُ الشيء
أَغْنَمه، غُنْماً: أصبتُهُ غَنِيمَةً، ومَغْنَماً، قال أبو عبيد: الغَنِيمَة: ما نِيلَ من أهل
الشرك عَنْوَةً، والحربُ قائمةٌ، والفيء: ما نِيل منهم بعد أن تَضَعَ الحرب
أوزارها، انتهى(١).
وفي ((القاموس)): والْمَغْنم، والغَنِيمُ، والغَنِيمَةُ، والْغُنْمُ بالضمّ: الفيء،
غَنِمَ بالكسر غُنْماً بالضمّ، وبالفتح، وبالتحريك، وغَنِيمةً، وغُنْماناً بالضمّ،
والفوزُ بالشيء بلا مشقّة، أو هذا الْغُنْمُ، والفيء: الغَنِيمة، انتهى(٢).
قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله وَله: ((آمركم بأربع، وأنهاكم عن
أربع: الإيمان بالله))، ثم فَسّرها لهم، فقال: ((شهادة أن لا إله إلا الله، وأن
محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم))،
وفي رواية: ((شهادة أن لا إله إلا الله))، وعَقَدَ واحدةً، وفي الطريق الأخرى
قال: وأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال:
((وهل تدرون ما الإيمان بالله؟))، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن
لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم
رمضان، وأن تؤدوا خمساً من المغنم))، وفي الرواية الأخرى قال: ((آمركم
بأربع، وأنهاكم عن أربع: اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً، وأقيموا الصلاة،
وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم))، هذه ألفاظه هنا.
وقد ذكر البخاريّ هذا الحديث في مواضع كثيرة، من ((صحيحه))، وقال
فيه في بعضها: ((شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له))، ذكره في ((باب
إجازة خبر الواحد))، وذكره في باب بعد باب نسبة اليمن إلى إسماعيل وَّ في
آخر ذكر الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - وقال فيه: (آمركم
بأربع، وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله، وإقام
الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان))، بزيادة واو (٣)، وكذلك قال فيه في أول
(١) ((المصباح المنير)) ٤٥٤/٢ - ٤٥٥.
(٣) سيأتي أن زيادة الواو رواية شاذّة، فتنبّه.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١٠٣١.

٣٤٥
(٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ وَلِّ) ... إلخ - حديث رقم (١٢٣)
(كتاب الزكاة)): ((الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله))، بزيادة واو أيضاً،
ولم يَذكُر فيها الصيام، وذكر في باب حديث وفد عبد القيس: ((الإيمان بالله،
شهادة أن لا إله إلا الله)).
فهذه ألفاظ هذه القطعة في ((الصحيحين))، وهذه ألفاظ مما يُعَدُّ من
المشكل، وليست مشكلة عند أصحاب التحقيق، والإشكال في كونه وقل* قال:
(آمركم بأربع)»، والمذكور في أكثر الروايات خمس.
واختلف العلماء في الجواب عن هذا على أقوال:
أظهرها ما قاله الإمام ابن بطال رحمه الله تعالى في ((شرح صحيح
البخاريّ))، قال: أمرهم بالأربع التي وَعَدَهم بها، ثم زادهم خامسة - يعني أداء
الخمس - لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر، فكانوا أهل جهاد وغنائم.
وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح نحو هذا، فقال: قوله: «أمرهم
بالإيمان بالله)) أعاده لذكر الأربع، ووصفِهِ لها بأنها إيمان، ثم فسرها
بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصوم، فهذا موافق لحديث: ((بُنِي الإسلام
على خمس))، ولتفسير الإسلام بخمس، في حديث جبريل ظلَّ، وقد سبق أن
ما يُسَمَّى إسلاماً يُسَمَّى إيماناً، وأن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان، وقد
قيل: إنما لم يذكر الحج في هذا الحديث؛ لكونه لم يكن نزل فرضه.
وأما قوله وَّه: ((وأن تؤدُّوا خُمُساً من المغنم))، فليس عطفاً على قوله:
((شهادة أن لا إله إلا الله))، فإنه يلزم منه أن يكون الأربع خمساً، وإنما هو
عطف على قوله: ((بأربع))، فيكون مضافاً إلى الأربع، لا واحداً منها، وإن كان
واحداً من مطلق شُعَبِ الإيمان، قال: وأما عدم ذكر الصوم في الرواية
الأولى، فهو إغفال من الراوي، وليس من الاختلاف الصادر من رسول الله وَليه،
بل من اختلاف الرُّواة الصادر من تفاوتهم في الضبط والحفظ، على ما تقدم
بيانه، فافهم ذلك، وتدبّره تجده - إن شاء الله تعالى - مما هدانا الله ◌ُعَالَ لحلِّه
من الْعُقَد.
قال النووي - بعد نقل كلام ابن بطّال، وابن الصلاح -: وقيل في معناه
غير ما قالاه، مما ليس بظاهر، فتركناه.
قال: وأما قول ابن الصلاح: إن ترك الصوم في بعض الروايات إغفال

٣٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
من الراوي، وكذا قاله القاضي عياض وغيره، وهو ظاهرٌ، لا شكّ فيه، قال
القاضي عياض رحمه الله تعالى: وكانت وفادة عبد القيس عامَ الفتح قبل خروج
النبيّ ◌َطّ إلى مكة، ونزلت فريضة الحج سنة تسع بعدها على الأشهر،
(١)
انتھی
وقال في ((الفتح)) عند قوله: ((فأمرهم بأربع)) أي: خصالٍ، أو جُمَلٍ؛
لقولهم: ((حَدِّثْنَا بِجُمَلٍ من الأمر))، وهي رواية قُرّة عند البخاريّ في (كتاب
المغازي)).
قال القرطبيّ: قيل: إن أول الأربع المأمور بها إقام الصلاة، وإنما ذكر
الشهادتين تبركاً بهما، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ
لِلَّهِ حُسَمٌ﴾ [الأنفال: ٤١]، وإلى هذا نحا الطيبيّ، فقال: عادة البلغاء أن الكلام
إذا كان منصوباً لغرض، جعلوا سياقه له، وطَرَحُوا ما عداه، وهنا لم يكن
الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين؛ لأن القوم كانوا مؤمنين، مُقِرِّين بكلمتي
الشهادة، ولكن ربما كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما، كما كان الأمر
في صدر الإسلام، قال: فلهذا لم يَعُدَّ الشهادتين في الأوامر.
قيل: ولا يرد على هذا الإتيانُ بحرف العطف، فيحتاج إلى تقدير.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: لولا وجود حرف العطف لقلنا: إن
ذكر الشهادتين وَرَدَ على سبيل التصدير، لكن يُمْكِن أن يُقْرَأَ قوله: ((وإقام
الصلاة)) بالخفض، فيكون عطفاً على قوله: ((أَمَرَهم بالإيمان))، والتقدير: أمرهم
بالإيمان، مُصَدِّراً به، وبشرطه من الشهادتين، وأمرهم بإقام الصلاة إلخ، قال:
ويؤيد هذا حذفهما في رواية البخاريّ في ((الأدب)) من طريق أبي التّاح، عن
أبي جمرة، ولفظُهُ: ((أربع، وأربع: أقيموا الصلاة إلخ)).
[فإن قيل]: ظاهر ما ترجم به البخاريّ من أَنَّ أداء الخمس من الإيمان،
يقتضي إدخاله مع باقي الخصال، في تفسير الإيمان، والتقدير المذكور يخالفه.
[أجاب ابنُ رُشيد]: بأن المطابقة تحصل من جهة أخرى، وهي أنهم
سألوا عن الأعمال التي يدخلون بها الجنة، وأجيبوا بأشياء، منها أداء
(١) (شرح مسلم)) للنوويّ ١٨٣/١ - ١٨٤.

٣٤٧
(٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ وَّه ... إلخ - حديث رقم (١٢٣)
الخُمس، والأعمال التي تُدخل الجنة، هي أعمال الإيمان، فيكون أداء الخمس
من الإيمان بهذا التقرير.
[فإن قيل]: فكيف قال في رواية حماد بن زيد، عن أبي جمرة: ((آمركم
بأربع: الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله))، وعَقَدَ واحدةً، كذا للبخاريّ في
((المغازي))، وله في ((فرض الخمس)): وعقد بيده، فدل على أن الشهادة إحدى
الأربع، وأما ما وقع عنده في ((الزكاة)) من هذا الوجه من زيادة الواو في قوله:
((وشهادة أن لا إله إلا الله))، فهي زيادة شاذة، لم يُتَابِعْ عليها حجاجَ بنَ منهال أحدٌ.
ثم ذكر (١) الاستشكال المتقدّم فقال: ما حاصله: كيف قال: ((أربع))،
والمذكورات خمس؟
قال: وقد أجاب عنه القاضي عياض تبعاً لابن بطال، بأن الأربع ما عدا
أداء الخمس، قال: كأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان، وفروض الأعيان، ثم
أعلمهم بما يَلْزَمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد؛ لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار
مضر، ولم يقصد ذكرها بعينها؛ لأنها مسببة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ
ذاك فرض عين، قال: وكذلك لم يذكر الحج؛ لأنه لم يكن فُرِضَ.
قال: وقال غيره: قوله: ((وأن تعطوا)) معطوف على قوله: ((بأربع))، أي
آمركم بأربع، وبأن تعطوا، ويدل عليه العدول عن سياق الأربع، والإتيان
بـ(أن))، والفعل، مع توجه الخطاب إليهم.
وقال ابن التين: لا يمتنع الزيادة إذا حصل الوفاء بوعد الأربع.
قلت(٢): ويدل على ذلك لفظ رواية مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ
في هذه القصة: ((آمركم بأربع: اعبُدُوا الله، ولا تشركوا به شيئاً، وأقيموا
الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم)).
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ويحتمل أن يقال: إنه عَدَّ الصلاة
والزكاة واحدةً؛ لأنها قرينتها في كتاب الله، وتكون الرابعة أداءَ الخُمس، أو
أنه لم يَعُدَّ أداء الخُمس؛ لأنه داخل في عموم إيتاء الزكاة، والجامع بينهما
أنهما إخراج مال معين، في حال دون حال.
-
(١) الضمير لصاحب ((الفتح)).
(٢) القائل صاحب ((الفتح)).

٣٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال البيضاويّ: الظاهر أن الأمور الخمسة المذكورة هنا تفسير للإيمان،
وهو أحد الأربعة الموعود بذكرها، والثلاثة الأُخَر حذفها الراوي؛ اختصاراً،
أو نسياناً، كذا قال، وما ذَكَرَ أنه الظاهر لعله بحسب ما ظهر له، وإلا فالظاهر
من السياق أن الشهادة أحد الأربع؛ لقوله: ((وعَقَدَ واحدةً»، وكأن القاضي أراد
أن يَرْفَعَ الإشكال من كون الإيمان واحداً، والموعود بذكره أربعاً.
وقد أجيب عن ذلك بأنه باعتبار أجزائه المفصلة أربع، وهو في حد ذاته
واحد، والمعنى أنه اسم جامع للخصال الأربع التي ذَكَرَ أنه يأمرهم بها، ثم
فَسَّرَها، فهو واحد بالنوع، متعدد بحسب وظائفه، كما أن المنهيّ عنه، وهو
الانتباذ فيما يسرع إليه الإسكار، واحد بالنوع، متعدد بحسب أوعيته.
والحكمة في الإجمال بالعدد قبل التفسير: أن تَتَشَوَّف النفس إلى
التفصيل، ثم تسكن إليه، وأن يحصل حفظها للسامع، فإذا نسي شيئاً من
تفاصيلها طالب نفسه بالعدد، فإذا لم يَسْتَوف العدد الذي في حفظه، عَلِمَ أنه
قد فاته بعض ما سَمِع.
وما ذكره القاضي عياض من أن السبب في كونه لم يذكر الحجّ في
الحديث؛ لأنه لم يكن فُرِضَ هو المعتمد، وقد قَدَّمنا الدليل على قِدَم
إسلامهم، لكن جَزْمُ القاضي بأن قدومهم كان في سنة ثمان قبل فتح مكة، تَبعَ
فيه الواقديّ، وليس بجيد؛ لأن فرض الحج كان سنة ست على الأصح، كما
سنذكره في موضعه - إن شاء الله تعالى - ولكن القاضي يَخْتَار أن فرض الحج
كان سنة تسع؛ حتى لا يَرِدَ على مذهبه أنه على الفور، انتهى.
وقد احتَجَّ الشافعي لكونه على التراخي، بأن فَرْضَ الحج كان بعد
الهجرة، وأن النبي ◌َر كان قادراً على الحج في سنة ثمان، وفي سنة تسع،
ولم يَحُجَّ إلا في سنة عشر.
وأما قول من قال: إنه تَرَكَ ذكر الحج؛ لكونه على التراخي، فليس
بجيد؛ لأن كونه على التراخي لا يمنع من الأمر به.
وكذا قول من قال: إنما تركه؛ لشهرته عندهم ليس بقويّ؛ لأنه عند
غيرهم ممن ذكره لهم أشهر منه عندهم، وكذا قول من قال: إنما ترك ذكره؛
لأنهم لم يكن لهم إليه سبيل، من أجل كفار مضر، ليس بمستقيم؛ لأنه لا يلزم

٣٤٩
(٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ وَّه ... إلخ - حديث رقم (١٢٣)
من عدم الاستطاعة في الحال، ترك الإخبار به؛ لِيُعْمَلَ به عند الإمكان، كما
في الآية، بل دعوى أنهم كانوا لا سبيل لهم إلى الحج ممنوعة؛ لأن الحج يقع
في الأشهر الحرم، وقد ذَكَرُوا أنهم كانوا يأمنون فيها .
لكن يمكن أن يقال: إنه إنما أخبرهم ببعض الأوامر؛ لكونهم سألوه أن
يُخْبِرَهم بما يدخلون بفعله الجنة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال،
ولم يَقْصِد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلاً وتركاً .
ويدل على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية، مع أن في
المناهي ما هو أشدّ في التحريم من الانتباذ، لكن اقتصر عليها؛ لكثرة تعاطيهم
لها .
وأما ما وقع في ((كتاب الصيام))، من ((السنن الكبرى)) للبيهقيّ من طريق
أبي قلابة الرَّقَاشِيّ، عن أبي زيد الهرويّ، عن قُرّة، في هذا الحديث، من
زيادة ذكر الحج، ولفظه: ((وتَحُجُّوا البيت الحرام))، ولم يتعرض لعدد، فهي
رواية شاذة .
وقد أخرجه الشيخان، ومن استخرج عليهما، والنسائيّ، وابن خزيمة،
وابن حبان، من طريق قُرّة، لم يذكر أحدٌ منهم الحج، وأبو قلابة تغير حفظه
في آخر أمره، فلعل هذا مما حَدَّث به في التغير.
وهذا بالنسبة لرواية أبي جمرة، وقد ورد ذكر الحج أيضاً في ((مسند
الإمام أحمد)) من رواية أبان العطار، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، وعن
عكرمة، عن ابن عباس، في قصة وفد عبد القيس.
وعلى تقدير أن يكون ذكر الحج فيه محفوظاً، فيجمع في الجواب عنه
بين الجوابين المتقدمين، فيقال: المراد بالأربع ما عدا الشهادتين، وأداء
الخمس، انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح))(١)، وهو تحقيقٌ نفيس
جدّاً، والله تعالى أعلم.
(وأَنْهَاكُمْ عَنْ الدَُّّاءِ) بضم الدال المهملة، وتشديد الموحّدة، والمدّ،
وحَكَى الْقَزّاز فيه القصر: هو القرع اليابس، أي الوعاء منه.
(١) ((الفتح)) ١٦١/١ - ١٦٣.

٣٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(وَالْحَنْتَم) بحاء مهملة مفتوحة، ثم نون ساكنة، ثم تاء مثناة من فوقُ،
مفتوحة، ثم مَيَم، الواحدة: حَنْتَمَةٌ، هي الْجَرَّة، كذا فَسَّرها ابن عمر رضيًّا في
((صحيح مسلم)، وله عن أبي هريرة ظُه: الحنتم الجرار الخضر، ورَوَى
الحربي في ((الغريب)) عن عطاء: أنها جِرَارٌ كانت تُعْمَلُ من طين، وشعر، ودَمٍ.
قاله في ((الفتح))(١) .
وقال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)): قد اختُلِف في معنى
((الْحَنتم))).
[فأصح الأقوال، وأقواها]: أنها جِرَار خُضْر، وهذا التفسير ثابت في
((كتاب الأشربة)) من ((صحيح مسلم))، عن أبي هريرة رَظُه، وهو قول عبد الله بن
مُغَفَّل الصحابيّ نَظُه، وبه قال الأكثرون أو، كثيرون من أهل اللغة، وغريبٍ
الحديث، والمحدثين، والفقهاء.
[والثاني]: أنها الجرار كلها، قاله عبد الله بن عمر، وسعيد بن جبير،
وأبو سلمة.
[والثالث]: أنها جرار يُؤْتَى بها من مصر، مُقَيَّرات الأجواب، ورُويَ ذلك
عن أنس بن مالك رُّه، ونحوه عن ابن أبي ليلى، وزاد أنها حُمْر.
[والرابع]: عن عائشة رضي﴿ّا: جِرَارٌ حُمْرٌ أعناقها في جُنُوبها، يُجْلَب فيها
الخمر من مصر.
[والخامس]: عن ابن أبي ليلى أيضاً: أفواهها في جنوبها، يُجْلَب فيها
الخمر من الطائف، وكان ناس ينتبذون فيها، يضاهون به الخمر.
[والسادس]: عن عطاء: جِرَارٌ كانت تُعْمَل من طين، وشعر، ودَمٍ. قاله
النوويّ في ((شرحه))(٢) .
(والنَّقِيرِ) بالنون المفتوحة والقاف المكسورة: أصلُ النَّخْلة، يُنْقَرُ، فَيُتَّخَذ
منه وعاء، وقد جاء تفسيره في الرواية الأخيرة من حديث أبي سعيد
الخدريّ ◌َّهِ: أَنْه الجِذْعُ يُنْقَر وسطه.
(وَالمُقَيَّرِ) بفتح القاف، والياء المشدّدة: هو الْمُزَفَّت، وهو المطليّ
(١) ((الفتح)) ١٦٣/١.
(٢) ((شرح مسلم)) ١/ ١٨٥.

٣٥١
(٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ وَِّه ... إلخ - حديث رقم (١٢٣)
بالقار، وهو الزِّفْتُ، وقيل: الزِّفْتُ نوع من القار، والصحيح الأول، فقد صح
عن ابن عمر طًّا أنه قال: المزفت هو الْمُقَيَّر.
وقال في (الفتح)): ((والْمُقَيَّر)): بالقاف، والياء الأخيرة: ما طُلِيَ بالقار،
ويقال له: الْقَيْر، وهو نَبْتُ يُحْرَق إذا يبس، تُظْلَى به السُّفُن وغيرها، كما تُظْلَى
بالزِّفْت، قاله صاحب ((المحكم))، وفي ((مسند أبي داود الطيالسي)) عن
أبي بكرة رظُبه قال: أما الدُّبّاء، فإن أهل الطائف كانوا يأخذون القَرْع،
فَيَخْرُطُون فيه العنب، ثم يَدْفِنُونه، حتى يُهدَر، ثم يموت.
وأما (النقير)): فإن أهل اليمامة كانوا يَنْقُرون أصل النخلة، ثم ينبذون
الرُّطَب والبسر، ثم يَدَعُونه، حتى يُهدَر ثم يموت.
وأما ((الْحَنْتَم)): فَجِرَارٌ كانت تُحمَلُ إلينا فيها الخمر.
وأما ((المُزَفَّت)): فهذه الأوعية التي فيها الزِّفتُ، انتهى، وإسناده حسن،
وتفسير الصحابي أولى أن يُعْتَمَدَ عليه من غيره؛ لأنه أعلم بالمراد. انتهى(١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: أما معنى النهي عن الانتباذ في هذه
الأربع، فهو أنه نَهَى عن الانتباذ فيها، وهو أن يُجْعَل في الماء حَبّات، من
تمر، أو زبيب، أو نحوهما؛ لِيَحْلُوَ، ويُشْرَب، وإنما خُصَّت هذه بالنهي؛ لأنه
يسرع إليه الإسكار فيها، فيصير حَرَاماً، وتبطل ماليته، فَنَهَى عنه؛ لما فيه من
إتلاف المال، ولأنه ربما شَرِبَه بعد إسكاره مَن لم يَطَّلِعِ عليه، ولم يَنْهَ عن
الانتباذ في أسقية الأَدَم، بل أَذِنَ فيها؛ لأنها لرقتها لا يَخْفَى فيها المسكر، بل
إذا صار مسكراً شَقَّها غالباً .
ثم إن هذا النهي كان في أول الأمر، ثم نُسِخَ بحديث بُرَيدة ◌َظُته أن
النبي وّ قال: ((كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية، فانتبذوا في كلِّ
وِعَاءٍ، ولا تشربوا مُسْكِراً))، رواه مسلم في ((الصحيح)).
قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الذي ذكرناه من كونه منسوخاً هو
مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، قال الخطابيّ: القول بالنسخ هو أصح
الأقاويل، قال: وقال قوم: التحريم باقٍ، وكَرِهُوا الانتباذ في هذه الأوعية،
(١) ((الفتح)) ١/ ١٦٣.

٣٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ذهب إليه مالك، وأحمد، وإسحاق، وهو مرويّ عن ابن عمر، وابن
عباس پ، انتهى(١).
(زَادَ خَلَفٌ) هو خَلَف بن هشام شيخ المصنّف الأول (فِي رِوَايَتِهِ) عن
حمّاد بن زيد (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ) أي مع ((وأن محمداً رسول الله)) كما
صُرِّح به في رواية يحيى بن يحيى شيخه الثاني، عن عباد بن عباد، قال في
(الفتح)): والاقتصار على ((شهادة أن لا إله إلا الله)) على إرادة الشهادتين معاً؛
لكونها صارت عَلَماً على ذلك.
[تنبيه]: وقع عند البخاريّ في ((كتاب الزكاة)) بزيادة الواو في قوله:
((وشهادة أن لا إله إلا الله))، فقال في ((الفتح)): هي زيادة شاذة، لم يُتَابِع عليها
حجاجَ بنَ منهال أحدٌ. انتهى (٢).
(وَعَقَدَ وَاحِدَةً) وفي رواية للبخاريّ: ((وعقد بيده))، والمعنى أنه ◌َّر أشار
بعقد يده إلى أول الخصال الأربع التي وعدهم ببيانها، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٢٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،
وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ
الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ
بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَيْنَ النَّاسِ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْأَلُهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ، فَقَالَ: إِنَّ
وَقْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا رَسُولَ اللّهِ وَ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((مَنِ الْوَقْدُ، أَوْ مَنِ
الْقَوْمُ؟»، قَالُوا: رَبِيعَةُ، قَالَ: «مَرْحَباً بِالْقَوْمِ، أَوْ بِالْوَقْدِ، غَيْرَ خَزَايَا، وَلَا
النَّدَامَى))، قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَإِنَّ بَيْنَا وَبَيْنَكَ
هَذَا الْحَيَّ مِنْ كُفَّارٍ مُضَرَ، وَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّ فِي شَهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا
بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَأَمَرَهُمْ بَأرْبَعِ، وَنَهَاهُمْ
عَنْ أَرْبَعِ، قَالَ: أَمَرَهُمْ بَالْإِيمَانِ بِاللّهِ وَحْدَهُ، وَقَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَّا الْإِيمَانُ
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٥/١ - ١٨٦.
(٢) ((الفتح)) ١٦١/١.

٣٥٣
(٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ وَّه ... إلخ - حديث رقم (١٢٤)
بِاللّهِ؟)) قَالُوا: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً
رَسُولُ اللّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُساً مِنْ
الْمَغْنَم))، وَنَهَاهُمْ عَنْ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَم، وَالْمُزَقَّتِ))، قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ:
((النَّقِيرِ))، قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ: ((الْمُقَيَّرِ))، وَقَالَ: ((احْفَظُوهُ، وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ
وَرَائِكُمْ))، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: ((مَنْ وَرَاءَكُمْ))، وَلَيْسَ فِي رَوَايَتِهِ: ((الْمُقَيَّرِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقة حافظ [١٠] (ت٢٣٥)
(خ م د س ق) ١/١.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠]
(٢٥٢) (ع) ١/ ٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أبو بكر بُنْدَار البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (ت٢٠٢) (ع) ٢/ ٢.
٤ - (غُنْدَر، مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أبو عبد الله البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب
[٩] (ت٣) أو (١٩٤) (ع) ٢/ ٢.
٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الناقد الجهبذ [٧] (ت١٦٠) (ع)
تقدّم في المقدّمة. والباقيان تقدّما في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير أبي بكر، فما أخرج
له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: ((قال أبو بكر: حدّثنا غندر، عن شعبة إلخ))
ففيه بيان احتياط المصنّف رحمه الله تعالى، ووجه ذلك أن أبا بكر بن أبي شيبة
ذكر شيخه غُندراً بلقبه، فقال: حدثنا غندر، عن شعبة، وأما محمد بن المثنى،
ومحمد بن بشّار فقالا: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، فذكراه باسمه ونسبه،
وأنه صرّح بتحديث شعبة له، فحصلت المخالفة من وجهين.

٣٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٥ - (ومنها): أن ((غُنْدَراً)) لقب محمد بن جعفر - وهو بضم الغين
المعجمة، وفتح الدال، وحكى الجوهريّ ضم الدال، وقال المجد في
((القاموس)): غلام غُنْدَرٌ كَجُنْدَبٍ، وقُنْفُذٍ: سَمينٌ غَلِيظُ ناعمٌ، ويقال لِلْمُبْرِمِ
الْمُلِحِّ: يا غُنْدَرُ، وهو لَقَبُ محمد بن جعفر البصريّ؛ لأنه أكثر من السؤال في
مجلس ابن جُريج، فقال: ما تُريد يا غُنْدَرُ، فلَزِمَه. انتهى (١). والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) نصر بن عمران الضُّبَعِيّ البصريّ، أنه (قَالَ: كُنْتُ
أُتَرْجِمُ) بضمّ أوّله مضارع ترجم، قال في ((القاموس)): ((التُّرْجُمَانُ كَعُنْفُوَانٍ،
وَزَعْفَرَانٍ، وَرَيْهَقَانٍ: الْمُفَسِّرُ للِّسَانِ، وقد تَرْجَمَهُ، وتَرْجَمَ عنه، والفِعْلُ يدلُّ
على أصالة التاء. انتهى (٢).
وقال في ((المصباح)): وتَرْجَمَ فلانٌ كلامَهُ: إذا بَيّنه وأوضحه، وترجم
كلامَ غيره: إذا عَبّر عنه بلغةٍ غيرِ لغة المتكلُّم، واسم الفاعل تُرْجُمان، وفيه
لغاتٌ، أجودها فتح التاء، وضمّ الجيم، والثانية: ضمّهما معاً، بجعل التاء
تابعةً للجيم، والثالثة: فتحهما بجعل الجيم تابعةً للتاء، والجمع تراجم، والتاء
والميم أصليّتان، فوزنُ تَرْجَمَ فَعْلَلَ، مثل دَخْرَجَ، وجعل الجوهريّ التاء زائدةً،
وأورده في تركيب رَجَمَ. انتهى(٣) .
وقال النوويّ في ((شرحه)): وأما معنى الترجمة فهو التعبير عن لغة بلغة،
ثم قيل: إنه كان يتكلم بالفارسية، فكان يُتَرْجِم لابن عباس عمن يتكلم بها،
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: وعندي أنه كان يُبَلِّغ كلام
ابن عباس إلى من خَفِي عليه من الناس، إما لزحام مَنَعَ من سماعه فأسمعهم،
وإما لاختصار مَنَعَ من فهمه فأفهمهم، أو نحوّ ذلك، قال: وإطلاقه لفظ
(الناس)) يُشْعِر بهذا، قال: وليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة بلغة أخرى،
(١) ((القاموس المحيط)) ص٤٠٨.
(٣) ((المصباح المنير)) ٧٤/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٩٧٦.

٣٥٥
(٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ وَلِّ» ... إلخ - حديث رقم (١٢٤)
فقد أطلقوا على قولهم: ((باب كذا)) اسم الترجمة؛ لكونه يُعَبِّر عما يُذكَرُ بعده.
(١)
.
انتھی
قال النوويّ: والظاهر أن معناه أنه يُفهمهم عنه، ويفهمه عنهم. انتهى(٢).
واستظهر في ((الفتح)) كون ترجمته لقصور الفهم، قال: لأنه كان جالساً
معه على سريره، ففي رواية البخاريّ: ((كنتُ أقعد مع ابن عبّاس، يُجلسني على
سريره ... ))، فلا فرق في الزحام بينهما، إلا أن يُحمَل على أن ابن عباس كان
في صدر السرير، وكان أبو جمرة في طرفه الذي يلي من يترجم عنهم، وقيل:
إن أبا جمرة كان يَعْرِف الفارسية، فكان يترجم لابن عباس بها، قال القرطبي:
فيه دليل على أن ابن عباس كان يكتفي في الترجمة بواحد؛ لأنه مخبرٌ، انتهى.
وقد بوب عليه البخاري في أواخر ((كتاب الأحكام))، فقال: ((باب ترجمة
الحاكم، وهل يجوز ترجمان واحدٌ))(٣)، وقيل: لا يكفي الواحد، بل لا بدّ من
اثنين؛ لأنها شهادة(٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأول هو الأرجح، كما فعل ابن
عبّاس فيها، والله تعالى أعلم.
وقوله: (بَیْنَ یَدَي ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَیْنَ النَّاسِ)، قال النوويّ رحمه الله تعالى:
كذا هو في الأصول، وتقديره: بين يدي ابن عباس، بينه وبين الناس، فحذف لفظة
((بينه))؛ لدلالة الكلام عليها، ويجوز أن يكون المراد: بين ابن عباس وبين الناس،
كما جاء في البخاريّ وغيره، بحذف (يدي))، فتكون ((يدي)) عبارة عن الجملة، كما
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْهُ مَا قَذَمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠]: أي قَدَّمَ. انتهى.
فقوله: ((بين ابن عبّاس)) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ(أُترجم)).
(فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ) لم يُعرف اسمها، كما قاله سبط ابن العَجَميّ(٥) (تَسْأَلُهُ)
جملة في محلّ جرّ صفة لـ((امرأة)) (عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ) أي حكمه، و((الْجَرّ)) بفتح
الجيم: اسم جمع، الواحدة جَرَّةٌ، ويُجمَع أيضاً على جِرار، وهو هذا الْفَخَّار
(١) ((صيانة صحيح مسلم)) ص١٥٢.
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) ١٨٦/١.
(٣) راجع: ((صحيح البخاريّ)) ٩٤/٩.
(٤) ((المفهم)) ١/ ١٧١.
(٥) «تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم)) ص٥٢.

٣٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
المعروف، قاله النوويّ(١)، وقال القرطبيّ: ((الْجَرّ)) جمع جرّة، وهي قلالُ
فَخَّار، غير أنها مطليّة بالزجاج، وهو الحنتم، ونبيذ الجرّ هو ما يُنبذ فيها من
التمر وغيره، وإنما سألته عن حكم النبيذ في الجِرَار، هل يحلّ أم لا؟ فذكر لها
ما يدلّ على منع ذلك، ثم أخذ في ذكر الحديث بقصّته، قال: وفيه دليل على
أن للمفتي أن يذكر الدليل، مستغنياً به عن التنصيص على جواب الفتيا، إذا
كان السائل بصيراً بموضع الحجة. انتهى(٢).
وللنسائيّ بسنده عن أبي جمرة قال: كنت أترجم بين ابن عباس وبين
الناس، فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر، فَنَهَى عنه، قلت: يا أبا عباس، إني
أنتبذ في جرة خضراء نبيذاً حُلْواً، فأشرب منه، فَيُقَرْقِرُ بطني، قال: لا تشرب
منه، وإن كان أحلى من العسل.
وللبخاريّ في أواخر ((المغازي)) من طريق قُرَّة، عن أبي جمرة قال:
((قلت لابن عباس: إن لي جَرّةً أنتبذ فيها، فأشربه حُلْواً، إن أكثرت منه
فجالست القوم، فأطلت الجلوس خشيت أن أفتضح، فقال: قَدِمَ وفد
عبد القيس ... )).
فلما كان أبو جمرة من عبد القيس، وكان حديثهم يشتمل على النهي عن
الانتباذ في الجرار، ناسب أن يذكره له.
وفي هذا دليل على أن ابن عباس لم يبلغه نسخ تحريم الانتباذ في
الجرار، وهو ثابت من حديث بُرَيدة بن الحصيب
عند مسلم
لضمعنه
وغيره(٣) .
(فَقَالَ) ابن عبّاس ﴿ّ (إِنَّ وَقْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ وَهِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنِ الْوَفْدُ، أَوْ مَنِ الْقَوْمُ؟)))، الشك من أحد الرواة، إما أبو
جمرة، أو من دونه، قال الحافظ: وأظنه شعبة، فإنه في رواية قُرَّة وغيره بغير
شكّ، وأغرب الكرمانيّ، فقال: الشك من ابن عباس (٤)، و((الوفد)): الوافدون،
وهم القادمون، والزائرون، يقال: وَفَدَ يَفِدُ، فهو وافدٌ، والجمع وافدون،
(١) (شرح مسلم)) ١٨٦/١.
(٣) راجع: ((الفتح)) ١٥٨/١.
(٢) («المفهم)) ١/ ١٧٢.
(٤) ((الفتح)) ١٥٨/١.

٣٥٧
(٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ وَّه ... إلخ - حديث رقم (١٢٤)
في قوله تعالى: ﴿يَوَمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ
ووُفُود، والقومُ وَفْدٌ، وقال ابن عبّاس
إِلَى الرَّحْمَنِ وَقْدًا (٥﴾﴾ [مريم: ٨٥](١).
قال ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: في قوله: ((مَنِ القومُ؟))، دليل على
استحباب سؤال القاصد عن نفسه؛ لِيُعْرَفَ، فَيُنَزَّلَ مَنْزِلَته.
(قَالُوا: رَبِيعَةُ) خبر لمحذوف، أي نحن ربيعة، وفيه التعبير عن البعض
بالكل؛ لأنهم بعض ربيعة، وهذا من بعض الرواة، فقد تقدّم من طريق عباد،
عن أبي جمرة: ((فقالوا: إنّا هذا الحيُّ من ربيعة))، والمعنى إنّا حَيٍّ من ربيعة،
و ((الْحَيّ)): اسم لمنزل القبيلة، ثم سميت القبيلة به؛ لأن بعضهم يَحْيَا ببعض.
(قَالَ) بَلِّهِ: (مَرْحَباً بِالْقَوْم) منصوب على المصدريّة، استعمله العرب،
وأكثرت منه، تريد به البرّ، وحسن اللقاء، ومعناه: صادفت رُحْباً وسَعَةً، وقال
القرطبيّ: هو من الرُّحب بضم الراء، وهو السعة، والرَّحْبُ بفتح الراء: هو
الشيء الواسع، وهو منصوب بفعل مضمر، لا يُستعمل إظهاره، أي صادفت
رُحباً، أو أتيت رُخْباً، فاستأنس، ولا تستوحش. انتهى.
وقال في ((الفتح)): هو منصوب بفعل مضمر، أي صادفت رُحْباً، بضم
الراء، أي سَعَةً، و(الرَّحْبُ)) بالفتح الشيء الواسع، وقد يزيدون معها ((أهلاً)):
أي وجدت أهلاً، فاستأنس، وأفاد العسكري أن أول من قال: مَرْحَباً سيف بن
ذي يزن. انتهى.
(أَوْ بِالْوَقْدِ) شكٌّ من الراوي (غَيْرَ خَزَايَا) قال النوويّ: الرواية فيه ((غيرَ))
بنصب الراء على الحال، وأشار صاحب ((التحرير)) إلى أنه يُرْوَى أيضاً بكسر
الراء، على الصفة لـ((القوم))، والمعروف الأول، يدل عليه ما جاء في رواية
البخاريّ: ((مَرْحباً بالقوم الذين جاؤوا غير خزايا، ولا ندامی)).
و((خزايا)): جمعُ خَزْيَان، كحَيْرَان وحَيَارَى، وسَكْرَان وسَكَارى، يقال:
خَزِي الرجلُ يَخْزَى خَزْياً: إذا ذلَّ، وخزايةً: إذا خَجِلَ، واستحيى، قاله
القرطبيّ، وقال النوويّ: الْخَزْيَان: المستحي، وقيل: الذليل المهان، وفي
((الفتح)): هو الذي أصابه خِزْيٌ.
(١) ((المفهم)) ١/ ١٧٢.

٣٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ومعنى هذا الكلام: تأنيسهم، وإكرامهم، والثناء عليهم بأنهم لم يحصل
منهم تأخّر عن الإسلام، ولا عناد، بل بادروا بإسلامهم طائعين من غير خزي
لَحِقهم من قهر، ولا سباء، فلم يُخزِهِم حربٌ، ولم يَفْضَحهم سبيٌّ، ولا ما
أشبه ذلك، مما يستحيون بسببه، أو يُذلّون، أو يهانون، ثم إنهم لما أسلموا
كذلك احتُرِموا، وأُكرموا، وأُحِبُّوا، فلم يندموا على ذلك، بل انشرحت
صدورهم للإسلام، وتنوّرت قلوبهم بالإيمان.
وقوله (وَلَا النَّدَامَى)))، هكذا هو في الأصول: ((النَّدَامَى)) بالألف واللام
و((خزايا)) بحذفهما، ورُويَ في غير هذا الموضع بالألف واللام فيهما، ورُوي
بإسقاطهما فيهما. قاله ابن الصلاح(١).
ووقع في رواية النسائي من طريق قُرّة عن أبي جمرة: ((فقال: مرحباً
بالوفد، ليس الخزايا ولا النادمين)»، وهي للطبراني من طريق شعبة عن ابن أبي
جمرة أيضاً. بَشَّرهم بالخير عاجلاً وآجلاً؛ لأن الندامة إنما تكون في العاقبة،
فإذا انتفت ثَبَتَ ضدّها. انتهى(٢).
وأما ((النَّدَامَى)) فقيل: إنه جمع نَدْمَان، بمعنى نادم، وهي لغة في نادم، حكاها
القزاز، صاحب ((جامع اللغة))، والجوهريّ في ((صحاحه))، وعلى هذا هو على بابه،
وقيل: هو جمع نادم، لكنه على غير قياس؛ لأن قياس نَدَامَى أن يكون جمع ندمان،
والندمان هم الْمَجَالِيسُ على الخمر وساقيها، كما قال الشاعر [من البسيط]:
فَإِنْ كُنْتَ نَدْمَانِي فَبِالْأَكْبَرِ اسْقِنِي وَلَا تَسْقِنِي بِالْأَصْغَرِ الْمُتَلَثِّم
وليس مراداً هنا، وإنما هو جمع نادم إِنْبَاعاً لـ(خَزَايَا)) على عادة العرب
في إتباع اللفظ اللفظَ؛ تحسيناً للكلام، وإن لم يكن بمعناه، وهو كثير في
كلامهم، وهو من فصيحه، ومنه قوله وَ لّ للنساء المتّبعات للجنازة: ((ارْجِعْنَ
مأزورات، غير مأجورات))(٣) أتبع ((مأزورات)) لـ((مأجورات))، ولولا مراعاة
(١) ((صيانة صحيح مسلم)) ص١٥٢ و((شرح النوويّ)) ١٨٦/١.
(٢) ((الفتح)) ١٦٠/١.
(٣) أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) ٥٠٢/١ - ٥٠٣ رقم (١٥٧٨) وهو حديث ضعيف؛
لأن في سنده إسماعيل بن سلمان الكوفيّ الأزرق، وهو ضعيف.

٣٥٩
(٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيْمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ وَّزه ... إلخ - حديث رقم (١٢٤)
الإتباع لقال: ((موزورات)) بالواو؛ لأنه من الوزر، كذا قاله الفراء، وجماعات،
قالوا: ومنه قول العرب: إنه لآتيه بالغدايا والعشايا، جمعوا الغداة على غدايا
إتباعاً لعشايا، ولو أفردت لم يجز إلا غدوات، ومنه قول الشاعر [من البسيط]:
يَخْلِطُ بِالْبِرِّ مِنْهُ الْجِدَّ وَاللِّينَا
هَنَّاكُ أَخْبِيَةٍ وَلَّاجُ أَبْوِبَةٍ
فجمع الباب على أبوبة إتباعاً لـ(أخبية))، ولو أفرده لما جاز ذلك(١).
(قَالَ) الراوي (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ) فيه دليل على أنهم كانوا حين
المقابلة مسلمين، وكذا في قولهم: ((كفّار مضر))، وفي قولهم: ((اللهُ ورسوله
أعلم)) (إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ) ((الشقّة)): بضم الشين وكسرها، لغتان
مشهورتان، أشهرهما وأفصحهما الضم، وهي التي جاء بها القرآن العزيز، قال
الإمام أبو إسحاق الثعلبيّ: وقرأ عُبيد بن عُمير بكسر الشين، وهي لغة قيس،
والشقّةُ السفر البعيد، كذا قاله ابن السكيت، وابن قتيبة، وقُطْرُب، وغيرهم،
قيل: سُمِّيت شُقّةً؛ لأنها تَشُقّ على الإنسان، وقيل: هي المسافة، وقيل: الغاية
التي يَخرُج الإنسان إليها، فعلى القول الأول يكون قولهم: ((بعيدةٍ)) مبالغة في
بعدها. قاله النووي(٢).
(وإن بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيَّ) أي القبيلة، سُمّوا بذلك؛ لأن بعضهم يحيا
ببعض (مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ) فيه دليل على تقدم إسلام عبد القيس على قبائل مضر
الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وكانت مساكن عبد القيس بالبحرين، وما
والاها، من أطراف العراق، ولهذا قالوا: ((إنا نأتيك من شقة بعيدة))، ويدلّ
على سبقهم إلى الإسلام أيضاً ما رواه البخاريّ في ((كتاب الجمعة)) من طريق
أبي جمرة أيضاً عن ابن عباس قال: إن أول جمعة جُمِّعَت بعد جمعة في
مسجد رسول الله ﴾ في مسجد عبد القيس، بِجُوَاثَى من البحرين، و((جُوَاثَى))
بضم الجيم، وبعد الألف مثلثة مفتوحة، قرية شهيرة لهم، وإنما جَمَّعُوا بعد
رجوع وفدهم إليهم، فدل على أنهم سَبَقُوا جميع القرى إلى الإسلام. قاله في
((الفتح))(٣).
(١) ((المفهم)) ١٧٣/١ و((شرح النووي)) ١/ ١٨٧.
(٢) ((شرح مسلم)) ١٨٧/١ - ١٨٩.
(٣) ((الفتح)) ١٦٠/١.

٣٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(وَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ) قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: ذلك أن أهل
الجاهليّة كانوا أصحاب حروب وغارات، ولا يأمن بعضهم بعضاً في المسالك
والمراحل إلا في الأشهر الحرم؛ لأنهم كانوا يكفّون فيها عن الانتهاك،
والانتهاب؛ تعظيماً لها وتسهيلاً للأمر على زوّار البيت. انتهى(١).
(إِلَّا فِي شَهْرِ الْحَرَام) هكذا الرواية عند المصنّف بالإضافة، وقد تقدّم (٢)
أنه من إضافة الشيء إلى نفسه، كمسجد الجامع، ونساء المؤمنات، وتقدّم
توجيهه، والمراد بشهر الحرام الجنس، فيشمل الأربعة الحُرُم، ويؤيده رواية
البخاريّ في ((كتاب المغازي)) بلفظ: ((إلا في أشهر الْحُرُم))، وفي رواية له في
(كتاب المناقب)) بلفظ: ((إلا في كل شهر حرام))، وقيل: اللام للعهد، المراد
شهر رجب، وفي رواية للبيهقيّ التصريح به، وكانت مضر تبالغ في تعظيم شهر
رجب، فلهذا أُضيف إليهم في حديث أبي بكرة رظُه حيث قال: ((ورجب
مضر))، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - والظاهر أنهم كانوا يخصّونه بمزيد
التعظيم مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى، إلا أنهم ربّما أَنْسَأُوهَا
بخلافه، قاله في ((الفتح))(٣).
(فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ) هو بتنوين ((أمرٍ))، قال الخطّابيّ وغيره: هو الْبَيِّن
الواضح الذي ينفصل به المراد، ولا يشكل، قاله النوويّ، وقال في ((الفتح)):
بالتنوين فيهما، لا بالإضافة، والأمرُ واحد الأوامر، أي مُرْنا بعمل، بواسطة
افعلوا، ولهذا قال الراوي: أمرهم، وفي رواية للبخاريّ: قال النبي ◌َّ:
((آمرُكُم))، و((الفصلُ)) بمعنى الفاصل، كالعدل بمعنى العادل، أي يَفْصِل بين
الحق والباطل، أو بمعنى الْمُفَصَّل، أي الْمُبَيَّن المكشوف، حكاه الطيبيّ، وقال
الخطابيّ: الفصلُ الْبَيِّنُ، وقيل: الْمُحْكَمُ. انتهى.
وقال القرطبيّ: القول الفصل: هو الواضح البليغ الذي يفصل بين الحقّ
٢(٤)
والباطل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ
.
[الطارق: ١٣]
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤٦٠/٢.
(٢) انظر ص ٣٤٠.
(٤) ((المفهم)) ١/ ١٧٤.
(٣) ((الفتح)) ١٦٠/١.