Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
(١) - بَابِ بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
الدال، وسكونها، كما تقدّم بيانه (وَأَنَّ الْأَمْرَ أَنْفٌ) بضم الهمزة، والنون: أي
مستأنفُ، لم يَسبِق به قَدَرٌ، ولا علمٌ من الله تعالى، وإنما يعلمه بعد وقوعه،
كما قدّمنا حكايته عن مذهبهم الباطل، وهذا القولُ قولُ غُلَائِهِمْ، وليس قول
جميع القدريّة، وكذّبَ قائله، وضَلَّ، وافترى - عافانا الله، وسائر المسلمين -
.(١)
.
قاله النووي
وقال القرطبيّ: أي مستأنفٌ، ومعناه عندهم أنه لم تسبق به سابقةٌ
علم الله، ولا مشيئته، وإنما أفعال الإنسان موجودة بعلم الإنسان، واختياره
كما تقدّم من مذهبهم، وأُنُفُ كلِّ شيء: أوّله، ومنه أنف الوجه؛ لأنه أوّل
الأعضاء في الشخوص، وأنفُ السيل: أوله، كما قال امرؤ القيس:
قَدْ غَدَا يَحْمِلُنِي فِي أَنْفِهِ لَاحِقُ الأَبْطَلِ مَحْبُوهٌ مُمَرّ
ورَوْضٌ أُنُفٌ: لم يُرْعَ قبلُ، وكذلك كأسٌ أُنُفُ: لَم يُشرَب قبلُ، ومنه
قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ ءَائِقًا﴾ [محمد: ١٦]، أي هذه الساعة المستأنفة.
انتھی(٢).
(قَالَ) ابن عمر ﴿مَا (فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ) أي الذين ذكرت أوصافهم
(فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّ بَرِيٌ مِنْهُمْ) أي من عقيدتهم الخبيثة، وعند أبي عوانة في
((المستخرج)): ((فقال عبد الله: أبلغوهم أني منهم بريء، وأنهم مني برآء))
(وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي) قاله تبرؤاً من أهل البدع والمعاصي، كما أمر الله عَلَ نبيّهِ وَل
بذلك، حيث قال: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُل ◌ِِّ عَمَلِ وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُم بِعُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ
وَأَنْ بَرِىٌّ مِّمَا تَعْمَلُونَ ﴾﴾ [يونس: ٤١] (وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) كناية
عن الحلف باسم الله تعالى، فإنه هو الذي كان يحلف به حيث أمر به في
قوله وَ﴿: ((من كان حالفاً فليحلف بالله، أو ليصمت))، متّفق عليه، وإنما لم
يتلفّظ به إجلالاً لأسماء الله تعالى عن أن تُتَّخَذ عُرْضَةً لكثرة الأيمان بها. والله
تعالى أعلم.
(لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ) منصوب على أنه اسم ((أنّ)» مؤخّراً، والجار
والمجرور خبرها (ذَهَباً) منصوب على التمييز، أي من ذهب، قال نفطويه:
(١) (شرح مسلم)) ١٥٦/١.
(٢) ((المفهم)) ١٣٥/١ - ١٣٦.

٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
سُمّي الذهب ذهباً؛ لأنه يذهب، ولا يبقى(١) (فَأَنْفَقَهُ) أي في سبيل الله تعالى،
أي طاعته، كما جاء في رواية أخرى (مَا) نافية (قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ)
قال القرطبيّ تَخُّْهُ: هذا صريحٌ في أنه كفّرهم بذلك القول المحكيّ عنهم؛ لأنه
حَكَمَ عليهم بما حكم الله به على الكفّار في الآية المتقدّمة، وقد قلنا: إن تكفير
هذه الطائفة مقطوعٌ به؛ لأنهم أنكروا معلوماً ضروريّاً من الشرع. انتهى (٢).
ظاهرٌ في تكفيره
وقال النوويّ تَظّثُ: هذا الذي قاله ابن عمر ظه
القدرية، قال القاضي عياض تَّتُهُ: هذا في القدرية الأُوَلِ الذين نَفَوا تَقَدُّمَ
علم الله تعالى بالكائنات، قال: والقائل بهذا كافر بلا خلاف، وهؤلاء الذين
يُنكرون القدر هم الفلاسفة في الحقيقة.
وقال غيره: ويجوز أنه لم يُرِد بهذا الكلام التكفير المخرج من الملة،
فيكون من قبيل كفران النعم، إلا أن قوله: ((ما قبل الله منه)) ظاهرٌ في التكفير،
فإن إحباط الأعمال إنما يكون بالكفر، إلا أنه يجوز أن يقال في مسلم: لا
يُقْبَل عمله؛ لمعصيته، وإن كان صحيحاً، كما أن الصلاة في الدار المغصوبة
صحيحة، غير مُخْوِجة إلى القضاء عند جماهير العلماء، بل بإجماع السلف،
وهي غير مقبولة، فلا ثواب فيها على المختار عند أصحابنا. انتهى كلام
.(٣)
النوويّ(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: دعواه إجماع العلماء في صحة الصلاة في الدار
المغصوبة غير صحيحة، فإن الإمام أحمد تَخُّْ يقول بعدم صحّتها، وهو
الصواب، كما حقّقته في نظمي في أصول الفقه، وشرحه، فراجعه تستفد علوماً
جمّة، والله تعالى ولي التوفيق.
ثم إن الخلاف في تكفير القدريّة سيأتي تفصيله، وترجيح الراجح منه في
المسألة الثامنة - إن شاء الله تعالى -.
(ثُمَّ قَالَ) ابن عمر ﴿هَا (حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ)﴿ه، فـ(عمر))
بالرفع بدل من «أبي))، وقوله: (قَالَ) تفسير لـ ((حدّثني)) (بَيْنَمَا) هي ((بين)) الظرفيّة
(١) (شرح مسلم للنووي)) ١٥٦/١ - ١٥٧. (٢) ((المفهم)) ١٣٦/١.
(٣) ((شرح مسلم)) ١٥٦/١.

٨٣
(١) - بَابِ بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
زيدت عليها ((ما))، لتكفّها عن عملها الخفضَ لِمَا دخلت عليه، ومثلها ((بينا))
زيدت عليها الألف، فما بعدهما مرفوع بالابتداء في اللغة المشهورة، ومنهم
من يخفضه، كقول الشاعر:
بَيْنَا تَعَانِقِهِ الْكُمَاةَ وَرَوْغِهِ يَوْماً أُتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ
رُوي بخفض ((تعانقه)) ورفعه، وعلى هذا فـ ((ما))، والألف ليستا للكفّ.
ويكثر اقتران جوابهما بـ ((إذ))، و((إذا)) الفجائِيَّتَيْنِ، كما في هذا الحديث،
حيث قال: ((إذ طلع))، وتقول: بينما زيد جالسٌ إذ دخل عليه عمرو، وإذا دخل
عليه عمرو، ومنه قوله [من الطويل]:
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا
إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
وقد يجيء بدونهما، فتقول: بينا زيد جالسٌ، دخل عليه عمرو (١).
وقال صاحب ((النهاية)): (بينا)) هي ((بين)) فأُشبعت الفتحة، فصارت ألفاً،
يقال: (بينا))، و((بينما)) وهما ظرفا زمان، بمعنى المفاجأة، ومُضافان إلى جملة
من فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتمّ به المعنى، كما
يستدعي ((إذا))، والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه ((إذ))، و((إذا))، وقد جاء
في الجواب كثيراً، وفي ((اللباب)): قال الأصمعيّ: لا يُستفصح إلا طرحهما في
جواب ((بينا))، و((بينما))، وأنشد:
فَبَيْنَا نَرْقُبُهُ أَتَانَا مُعَلَّقَ وَفْضَةٍ وَزِنَادَ رَاعٍ
لأن الظاهر أن العامل في ((بينا)) هو الجواب، كما في ((إذا)) الزمانيّة على
الصحيح، ويلزم تقدّم ما في صلة المضاف إليه على المضاف، قال شارحه:
(بينا))، و((بينما)) ظرفان متضمّنان لمعنى الشرط، فلذلك اقتضيا جواباً، والقياس
أن لا يكون ((إذا)) في جوابه، فعلى هذا يكون ((أتانا)) عاملاً في ((بينا))، مع أنه
مضاف إليه، لا يتقدّم على المضاف، وفيه نظر، انتهى كلامه.
قال الطيبيّ: فيقال: لا ريب أن عمر وأبا هريرة ﴿ما كانا أفصح من
الشاعر، وقد أتيا بـ ((إذ)) في الحديث، فحينئذ يكون العامل معنى المفاجأة في
((إذ))، كما قرّر صاحب ((الكشّاف)) في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِ.
(١) راجع ((لسان العرب)) ٦٦/١٣.

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] أن العاملَ في ((إذا)) المفاجأة، تقديره: وقتَ ذكر
الذين من دونه فاجئوا وقت الاستبشار، فمعنى الحديث: وقتَ حضورنا في
مجلس رسول الله ﴿ فاجأنا وقع طلوع ذلك الرجل، فحينئذ (بينا)) ظرف لهذا
المقدّر، و((إذا)) مفعول به بمعنى الوقت، فلا يلزم إذاً تقدّم معمول المضاف إليه
على المضاف، وقد ساعد هذا القول صاحب ((اللباب)) بعد ذلك بقوله:
والعامل فيهما الجواب إذا كان مجرّداً من كلمتي المفاجأة، وإلا فمعنى
المفاجأة المتضمّنة هما إياه، وقوله: ((هما)): أي ((إِذْ))، و((إِذا))، و((إياه)) أي ذلك
المعنى، ويدلّ على تضمّنهما معنى الشرط التصريح بالفاء في الجواب في
قوله وَهى: ((بينا يضحكهم، فطعنه النبيّ وَلهو ... )) الحديث، رواه أبو داود عن
أُسيد بن حُضير (١). انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله تعالى(٢).
(ذَاتَ يَوْم) أي يوماً من الأيام، فـ ((ذات) مقحمة، وقيل: هي من إضافة
الشيء لنفسه، عَلى رأي من يُجيز ذلك.
وقال السنوسيّ رحمه الله تعالى: ((ذات)) صلة للتوكيد، ترفع احتمال أن
يراد باليوم مطلق الزمان، فهي مع اليوم بمنزلة رأيت عين زيد، وهو ظرف،
والعامل فيه معنى الاستقرار الذي في الخبر. انتهى(٣).
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: ((ذات يوم)) ظرف لمعنى الاستقرار في
الخبر، و((ذات)) يجوز أن تكون صلة، قال صاحب ((النهاية)): في الحديث:
((يَطلُع عليكم رجل من ذي يمن على وجهه مسحة من ذي ملك)»، كذا أورده
عمر الزاهد، وقال: ((ذي)) هنا صلةٌ، وأن تكون غيرَ صلةٍ، وفي ((المغرب)):
((ذو)) بمعنى الصاحب، تقول للمرأة: امرأة ذات مال، ثم أجروها مُجرى
(١) هو ما أخرجه أبو داود في ((سننه)) (٥٢٢٤) بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي
ليلى، عن أُسيد بن حُضير رجلٍ من الأنصار قال: بينما هو يحدث القوم، وكان
فيه مِزاح، بينا يُضْحِكهم، فطعنه النبي # في خاصرته بعود، فقال: أصبرني،
فقال: (اصطبر))، قال: إن عليك قميصاً، وليس عليّ قميصٌ، فرفع النبيِ وَ﴿ عن
قميصه، فاحتضنه، وجعل يُقَبِّل كَشْحَهُ، قال: إنما أردت هذا يا رسول الله.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤٢١/٢.
(٣) ((شرح الأبيّ)) ٥٩/١.

٨٥
(١) - بَابِ بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
الأسماء التامّة المستقلّة بأنفسها، فقالوا: ذات قديمة أو مُحدثةٌ، ثم استعملوها
استعمال النفس والشيء، فعلى هذا قوله: ((ذات يوم)» يفيد من التوكيد ما لا
يفيده لو لم يُذكَر؛ لئلا يُتوهّم التجوّز إلى مطلق الزمان، نحو قولك: رأيت
نفس زيد، وقولك: رأيت زيداً. انتهى(١).
(إِذْ طَلَعَ) قال الأبيّ: لم يقل: دخل؛ إشعاراً بعظم الرجل؛ لأنه استعارة
من طلعت الشمس، وفي ضمن كلامه أنهم تعجّبوا من صورة إتيانه الموهمة أنه
جنّيّ، أو ملكٌ؛ لأنه لو كان بشراً لكان إما من المدينة، أو قربها، والأول
منتفٍ؛ إذ لم يعرفه منهم أحدٌ، والثاني كذلك؛ إذ ليس عليه أثر سَفَرٍ ونحوه.
انتهى (٢) (عَلَيْنَا رَجُلٌ) أي ملك، في صورة رجل، و((إذ)»: هي الفجائيّة: أي
فاجأنا طلوع رجل، و((طلع علينا)) من باب منع، ونصر: أي أتانا، ومثله
((اطّلع))، أفاده في ((القاموس)). (شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ) بفتح
العين المهملة، وسكونها، زاد في رواية ابن حبّان: ((سواد اللحية)) (لَا يُرَى
عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ) ببناء الفعل للمفعول، وفي ((مستخرج أبي نعيم)): ((لا نَرَى عليه
أثرَ سفر، ولا يعرفه منا أحد)).
قال النوويّ تَّتُهُ في ((شرحه)) لهذا الكتاب: ضبطناه بالياء المثنّاة، من
تحتُ المضمومة، وكذلك ضبطناه في ((الجمع بين الصحيحين))، وغيره، وضبطه
الحافظ أبو حازم العُذْريّ بالنون المفتوحة، وكذا هو في ((مسند أبي يعلى
الموصليّ))، وكلاهما صحیح. انتهى.
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: هكذا مشهور رواية هذا اللفظ (يُرى)) مبنيّاً لما لم
يُسمّ فاعله بالياء باثنتين من تحتها، ((ولا يعرفه)) بالياء أيضاً، وقد رواه أبو حازم
العذريّ: ((لا نَرى عليه أثر السفر، ولا نعرفه)» بالنون فيهما، مبنيّاً للفاعل،
ونون الجماعة، وكلاهما واضحُ المعنى. انتهى.
ووقع في حديث أبي هريرة ظله عند البخاريّ في ((التفسير)): ((إذ أتاه
رجل يمشي))، وفي حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ عند النسائيّ: ((وإنا لجلوس،
ورسول الله ﴿﴿ في مجلسه، إذ أقبل رجل، أحسن الناس وجهاً، وأطيب الناس
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤٢٢/٢. (٢) المصدر السابق.

٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ريحاً، كأن ثيابه لم يمسها دنس، حتى سلّم في طرَف البساط، فقال: السلام
علیکم یا محمد».
(وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ) يعني أنهم تعجّبوا من كيفيّة إتيانه، ووقع في خاطرهم
أنه إما ملكٌ، أو جنّيّ؛ لأنه لو كان بشراً إما أن يكون من المدينة، أو غريباً،
ولم يكن من المدينة؛ لأنهم لم يعرفوه، ولم يكن إتيانه من بعيد؛ لأنه لم يكن
عليه أثر السفر، من الغبار وغيره.
(حَتَّى جَلَسَ) غاية لمحذوف، أي دنا حتى جلس .. إلخ، وقال الطيبيّ:
متعلّق بمحذوف، تقديره: استأذن، وأتى حتى جلس .. إلخ.
(إِلَى النَّبِيِّ وَِّهِ) قيل: إنما لم يقل: بين يديه؛ لأن له دالّةَ الشيخ(١)؛ إذ
لم يأت متعلّماً، وإنما أتى معلّماً (فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ) يقال: أسند: إذا اتّكأ على
شيء، وأوصل، وإنما جلس هكذا؛ ليتعلّم الحاضرون جلوس السائل عند
المسئول؛ لأن الجلوس على الركبة أقرب إلى التواضع والأدب، واتّصال ركبة
السائل بركبة المسئول يكون أبلغ في استماع كلّ واحد من السائل والمسئول
كلام صاحبه، وأبلغ في حضور القلب، وألزم للجواب؛ لأن الجلوس على هذه
الهيئة دليلٌ على شدّة حاجة السائل إلى السؤال، وتعلّق قلبه، واهتمامه إلى
استماع الجواب، فإذا عَرَف المسئول هذا الحرص والاحتياج من السائل يُلزم
نفسه جوابه، ويبالغ في تفهيمه الجواب أكثر وأتمّ مما سأل السائل(٢).
(إِلَى رُكْبَتَيْهِ) أي إلى ركبتي النبيّ ◌َّر، وفي رواية ابن حبّان في ((صحیحه))،
وابن منده في ((الإيمان)): ((بينا نحن جلوس عند رسول الله وَلقر في أناس، إذ جاء
رجل ليس عليه سَحْنَاءُ السفر(٣)، وليس من أهل البلد، فتَخَطّى حتى وَرَكَ(٤) بين
(١) قال في ((اللسان)) ١١/ ٢٤٨: الدّالّة: المِنّة، يقال: دَلّ يَدِلُّ - من باب ضرب -: إذا
منّ بعطائه، قال: وفلانٌ يُدلّ بصحبته إدلالاً ودَلالاً ودالّةً: أي يجترئ عليك، كما
تُدلّ الشابّة على الشيخ الكبير بجمالها. انتهى.
(٢) راجع ((الكاشف)) ٢/ ٤٢٢.
(٣) أي: هيئة السفر، وأثره.
(٤) يقال: وَرَكَ يَرِكُ وَرَكاً، من باب وَعَد، وتورَّك، وتوارك: إذا اعتمد على وَرَكِه.
أفاده في ((القاموس)) ص ٨٦٠.

٨٧
(١) - بَابِ بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
يدي رسول الله صل* كما يجلس الرجل في الصلاة، ثم وَضَع يده على ركبتي
رسول الله وَلغر، فقال: يا محمد ... )) الحديث.
(وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ) قال النوويّ: معناه أن الرجل الداخل وضع
كفيه على فخذي نفسه، وجلس على هيئة المتعلّم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصحيح أن معناه أنه وضع كفيه على
فخذي النبيّ بَّر؛ لما وقع من التصريح به في رواية ابن حبان وابن منده
المذكورة، وكذا وقع التصريح به في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ رضي الله
تعالى عنهما عند النسائيّ: قالا: كان رسول الله 184 يجلس بين ظهراني
أصحابه، فيجيء الغريب فلا يَدرِي أيهم هو؟ حتى يسأل، فطلبنا إلى
رسول الله ﴿ أن نجعل له مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دُكّاناً من
طين، كان يجلس عليه، وإنا لجلوس، ورسول الله ◌َّهر في مجلسه، إذ أقبل
رجل أحسن الناس وجهاً، وأطيب الناس ريحاً، كأن ثيابه لم يَمَسَّها دَنَسٌ،
حتى سلم في طرف البساط، فقال: السلام عليك يا محمد، فرد عليه السلام،
قال: أَدْنُو يا محمد؟ قال: ادْنُهْ، فما زال يقول: أدنو؟ مراراً ويقول له: ادن،
حتى وضع يده على ركبتي رسول الله أَالت.
وكذا في حديث ابن عبّاس، وأبي عامر الأشعري ﴿: «ثم وضع يده
على ركبتي النبي بَّه)). قال في ((الفتح)): فأفادت هذه الرواية أن الضمير في
قوله: ((على فخذيه)) يعود على النبي وَّر، وبه جزم البغوي، وإسماعيل التيمي؛
لهذه الرواية، ورجحه الطيبي بحثاً؛ لأنه نَسَقُ الكلام، خلافاً لما جزم به
النووي، ووافقه التوربشتي؛ لأنه حمله على أنه جلس كهيئة المتعلم، بين يدي
من يتعلم منه، وهذا وإن كان ظاهراً من السياق، لكن وضعه يديه على فخذ
النبي ◌َطِّ مُنَبِّه للإصغاء إليه. انتهى.
وعبارة الطيبي: قال الشيخ التوربشتيّ: الضمير في الكلمتين راجع إلى
جبريل عليه، فلو ذهب مؤوّل إلى أن الثاني يعود إلى رسول الله وَلو لم
يُنكَر عليه؛ لما يدلّ عليه نَسق الكلام من قوله: ((وأسند ركبتيه إلى ركبتيه))،
غير أنا نذهب إلى الوجه الأول؛ لأنه أقرب إلى التوقير، وأشبه بسمت
ذوي الأدب، وذهب محيي السنّة إلى الوجه الثاني في كتابه المُسَمَّى

٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
بـ ((الكفاية))، وكذا إسماعيل بن الفضل التيميّ في كتابه المسمى بـ((الترغيب
والترهيب)).
قال الطيبيّ: وأقول: لعل هذا الوجه أرجح؛ لأن الأصل في إسناد الركبة
إلى الركبة أن يكون الاعتماد والاتّكاء عليه، فإذا لا یبعُدُ وضع جبريل
يديه على فخذي رسول الله وَلقر على تلك الحالة، فأشعرت تلك الهيئة بأنها
ليست كهيئة التلميذ، وكذا نداؤه لرسول الله ﴿ باسمه، بل هما من هيئة الشيخ
إذا اهتمّ بشأن التعليم، وأراد مزيد إصغاء المتعلّم وإفهامه، فكيف لا؟ وقد
[النجم: ٥]، وكفى به
شَهِد الله تعالى به في قوله رَّك: ﴿عَلََّهُ شَدِيدُ الْقُوَى
شاهداً، وينصره أيضاً أمران:
[أحدهما]: قوله: ((جلس إلى النبيّ وَلَّ))، فلو كان جلوسه جلوس المتعلّم
لقيل: بين يديه، فضلاً أن يقال: عنده، فكيف بقوله: ((جلس إليه))؛ لأنه
متضمّن معنى الميل والإسناد، كأنه قيل: مال إليه حالة جلوسه، وأسند إليه،
فيكون عطف قوله: ((وأسند ركبتيه)) على قوله: ((جلس إليه)) للبيان والتفسير،
كعطف قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَُّ مِنْهُ الْأَنْهَـُّ﴾ - إلى قوله -:
﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهُ﴾ على قوله: ﴿فَهِىَ كَلِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾ [البقرة: ٧٤]؛ لما
يُعلم من المعطوف كون قلوبهم أقسى من الحجارة.
[وثانيهما]: قوله: ((صدَقتَ))، وإنما يقال هذا إذا طابق قول المسئول عنه
قول السائل؛ لأنه إذا عرف أن المسئول عنه أصاب المخبر، وطبّق المفصل
صوّبه، ولهذا السرّ قالوا: ((فَعَجِبْنَا من قوله: صدقت)).
وأيضاً في إيثار ((إذا طلع علينا)) على ((إذ دخل)) إشارة إلى عظمته وعلوّه،
قال الراغب الأصبهانيّ: طلع علينا فلان مستعار من طلعت الشمس(١)، وقال
في «الكشّاف)): في قوله رَّ: ﴿أَطَلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨]: ولاختيار هذه الكلمة
شأن، يقول: أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى علم الغيب(٢)، فحينئذ
يتعلّق قوله: ((حتى)) بمحذوف يدلّ عليه ((طلع))، أي دنا منه حتى جلس إليه.
(١) راجع: ((المفردات)) للراغب، مادة ((طلع)).
(٢) راجع: ((الكشاف)) تفسير سورة مريم ص٧٨.

٨٩
(١) - بَابِ بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَام ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
وإذا تقرّر هذا فصورة هذه الحالة كصورة المعيد(١) إذا امتحنه الشيخ عند
حضور الطلبة، والمستفيدين منه؛ ليزيدوا طمأنينةً وثقةً في أنه يُعيد الدرس،
ويُلقي إليهم المسألة كما سمعه من الشيخ بلا زيادة ولا نقصان، وفيه مسحة من
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى جَ عَلَُّ شَدِيدُ
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَطِقُ عَنِ الْمَوَ (٣)
[النجم: ٣ - ٥]، وهذا معنى قوله وَليل في آخر الحديث: ((ذاك جبريل
اَلْقُرَى ﴾﴾
أتاکم یُعلّمکم دینکم».
وأما سرّ إسناد ركبتيه إلى ركبتيه، ففيه إشارة إلى سابقة بينهما، وشدّة
إخلاص واتّحاد كما بين المتحابّين، ولله دَرُّ القائل [من الطويل]:
أَخِّ ظَاهِرُ الأَخْلَاقِ حُلْوٌ كَأَنَّهُ جَنَا النَّحْلِ مَمْزُوجٌ بِمَاءِ غَمَامِ
يَزِيدُ عَلَى الأَيَّامِ صَفْوَ مَوَدَّةٍ وَشِدَّةَ إِخْلَاصٍ وَرَعْيَ ذِمَامِ
انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله تعالى.
قال الجامع: والحاصل أن كون الضمير للنبيّ وَلّ متعيّن؛ لتصريح الرواية
المذكورة به، فلا مجال لتفسيره بفخذ جبريل ظلّا، وأما الذين رجحوا كونه
لجبريل عليه، فلعدم اطلاعهم على الرواية المصرّحة بالأول، فتنبه، والله
الهادي إلى سواء السبيل.
وقال في ((الفتح)): فيه إشارة لما ينبغي للمسئول من التواضع، والصَّفْح
عما يبدو من جفاء السائل، والظاهر أنه أراد بذلك المبالغة في تعمية أمره؛
ليقوى الظن بأنه من جُفَاة الأعراب، ولهذا تخطى الناس، حتى انتهى إلى
النبي # كما تقدم، ولهذا استغرب الصحابة صنيعه، ولأنه ليس من أهل
البلد، وجاء ماشياً، ليس عليه أثر سفر.
[فإن قيل]: كيف عَرَف عمر له أنه لم يعرفه أحد منهم.
[أجيب]: بأنه يحتمل أن يكون استند في ذلك إلى ظنه، أو إلى صريح
قول الحاضرين. وهذا الثاني - كما قال الحافظ - أولى، فقد جاء كذلك في
رواية عثمان بن غياث، فإن فيها: ((فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقالوا: ما
نعرف هذا)).
(١) هو الذي يتولّى إعادة الدرس نيابةً عن الشيخ للطلبة.

٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وأفاد مسلم، في حديث أبي هريرة له الآتي من رواية عمارة بن
القعقاع، سبب ورود هذا الحديث، فعنده في أوله: ((قال رسول الله وَل قول:
سلوني، فهابوا أن يسألوه، قال: فجاء رجل ... ))، ووقع في رواية ابن منده،
من طريق يزيد بن زريع، عن كهمس: بينا رسول الله وَل﴿ يخطب، إذ جاءه
رجل، فكأن أمره لهم بسؤاله، وقع في خطبته، وظاهره أن مجيء الرجل، كان
في حال الخطبة، فإما أن يكون وافق انقضاءها، أو كان ذكر ذلك القدر
جالساً، وعبر عنه الراوي بالخطبة. انتهى ((فتح)) ١٥٩/١ - ١٦٠.
(وَقَالَ: يَا مُحَمَّدٌ) قيل: كيف بدأ بالسؤال قبل السلام؟
أجيب: بأنه يحتمل أن يكون ذلك مبالغةً في التعمية لأمره، أو ليبين أن
ذلك غير واجب، أو سلم فلم ينقله الراوي.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الثالث هو الصواب، فقد ثبت في رواية
حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ المتقدّم عند النسائيّ قوله: ((حتى سلم من طرف
البساط، فقال: السلام عليك يا محمد، فرد عليه السلام ... ))، قال في
((الفتح)): ونحوه في رواية عطاء، عن ابن عمر، لكن قال: ((السلام عليك يا
رسول الله))، وفي رواية مطر الوراق: ((فقال: يا رسول الله أدنو منك؟ قال:
ادن)»، ولم يذكر السلام.
فاختلفت الروايات، هل قال له: يا محمد، أو يا رسول الله، وهل
سلم، أو لا؟ فأما السلام فمن ذكره مقدم على من سكت عنه.
وقال القرطبي. بناء على أنه لم يسلم، وقال: يا محمد: إنه أراد بذلك
التعمية، فصنع صنيع الأعراب.
قال الحافظ: ويجمع بين الروايتين، بأنه بدأ أولاً بندائه باسمه، لهذا
المعنى، ثم خاطبه بقوله: يا رسول الله. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأقرب أن يحمل على تصرّف
الرواة، فيقال: إنه قال: يا محمد، فعبر بعض الرواة بقوله: يا رسول الله؛ لأن
هذا أقرب إلى التعمية المذكورة. والله تعالى أعلم.
ووقع عند القرطبي: أنه قال: ((السلام عليكم يا محمد))، فاستنبط منه أنه
يستحب للداخل أن يعمم بالسلام، ثم يخصص من يريد تخصيصه. انتهى.

٩١
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
قال الحافظ: والذي وقفت عليه من الروايات، إنما فيه الإفراد، وهو
قوله: ((السلام علیك یا محمد)). انتهى.
(أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَام) قال الطيبيّ ◌َخْتُهُ: الإسلام: الانقياد، والطاعة عن
الطوع والرغبة من غير اعتراض، يقال: سلّم، وأسلم، واستسلم: إذا خضع،
وأذعن، ولذلك أجاب عنه بالأركان الخمسة. انتهى (١).
وقال القرطبيّ: الإسلام في اللغة: هو الاستسلام، والانقياد، ومنه قوله
تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤]: أي انقدنا، وهو
في الشرع: الانقياد بالأفعال الظاهرة الشرعيّة، ولذلك قال وَّ فيما رواه
أنس رضيالله عنه: ((الإسلام علانية، والإيمان في القلب»، ذكره ابن أبي شيبة في
(مصنّفه)) ١١/١١ (٢). انتهى(٣).
وإنما بدأ بالإسلام؛ لأنه يتعلّق بالأمر الظاهر، وثَنّى بالإيمان؛ لأنه يتعلّق
بالأمر الباطن، وفي حديث أبي هريرة ظه الآتي بعد هذا: ((فقال: يا
رسول الله، ما الإيمان))، فبدأ بالإيمان؛ لأنه الأصل، وثَنَّى بالإسلام؛ لأنه
يُظهر مِصْدَاقَ الدعوى، وثَلّث بالإحسان؛ لأنه مُتَعَلِّق بهما .
ورجح الطيبي الأول؛ لما فيه من الترقّي، ولا شك أن القصة واحدة،
اختلف الرواة في تأديتها، وليس في السياق ترتيب، ويدل عليه رواية مطر
الوراق، فإنه بدأ بالإسلام، وثَنَّى بالإحسان، وثَلَّث بالإيمان، فالحق أن الواقع
أمر واحد، والتقديم والتأخير وقع من الرواة، والله تعالى أعلم. قاله
الحافظ تَّتُهُ، وهو حسنٌ.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((الْإِسْلَامُ) أعاده، ووضعه موضع ضميره؛ لإرادة
(١) ((الكاشف)) ٤٢٤/٢.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه))، وزاد: ((ثم يشير إلى صدره، ويقول: التقوى
ههنا، التقوى ههنا)). وفي سنده علي بن مسعدة، ضعفه البخاريّ وغيره، ووثقه
آخرون، وضعف بعضهم هذا الحديث بسببه، وعندي أنه حسن الحديث. انظر
ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) ١٩٢/٣ .. والله تعالى أعلم.
(٣) («المفهم)) ١٣٩/١.

٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الإيضاح (أَنْ) هي المصدريّة الناصبة للمضارع، والجملة في تأويل المصدر خبر
المحذوف: أي هو شهادة أن لا إله إلا الله (تَشْهَدَ أَنْ) مخفّفة من الثقيلة، يدلّ
عليه عطف قوله: ((وأن محمداً))، والتقدير: أنه، والضمير للشأن (لَا إِلَّهَ) ((لا))
هي النافية للجنس على سبيل التنصيص على نفي كلّ فرد من أفراده، وقوله:
(إِلَا اللهُ) قيل: خبر ((لا))، وقيل: الأحسن أن الخبر محذوف، أي لا معبود
بحقّ إلا الله (وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ وَلَّ) وفي حديث أبي هريرة ◌َُّه الآتي:
((الإسلام أن تعبد الله، ولا تشرك به شيئاً)). قال النووي في ((شرحه)): يحتمل
أن يكون المراد بالعبادة، معرفة الله، فيكون عطف الصلاة وغيرها عليها؛
لإدخالها في الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقاً، فيدخل
فيه جميع الوظائف، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها، من عطف الخاص
على العام.
قال الحافظ: أما الاحتمال الأول فبعيد؛ لأن المعرفة من متعلقات
الإيمان، وأما الإسلام فهو أعمال قولية وبدنية، وقد عبّر في حديث عمر ◌ُبه
هنا بقوله: ((أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله))، فدل على أن
المراد بالعبادة في حديث أبي هريرة ظه، النطق بالشهادتين، وبهذا تبين دفع
الاحتمال الثاني، ولَمّا عبر الراوي بالعبادة، احتاج أن يوضحها بقوله: ((ولا
تشرك به شيئاً))، ولم يحتج إليها في رواية عمر؛ لاستلزامها ذلك.
[فإن قيل]: السؤال عامّ؛ لأنه سأل عن ماهية الإسلام، والجواب
خاصّ؛ لقوله: ((أن تشهد))، وكذا قال في الإيمان: ((أن تؤمن))، وفي الإحسان
((أن تعبد)).
[والجواب]: أن ذلك لنكتة الفرق بين المصدر، وبين ((أن)) والفعل؛ لأن
((أن تفعل)) تدل على الاستقبال، والمصدر لا يدل على زمان، على أن بعض
الرواة أورده هنا بصيغة المصدر، ففي رواية عثمان بن غياث قال: ((شهادة أن
لا إله إلا الله))، وكذا في حديث أنس، وليس المراد بمخاطبته بالإفراد
اختصاصه بذلك، بل المراد تعليم السامعين الحكم في حقهم، وحق من
أشبههم من المكلفين، وقد تبين ذلك بقوله في آخره: ((يعلم الناس دينهم)).
(وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ) زاد في حديث أبي هريرة الآتي: ((المكتوبة)): أي

٩٣
(١) - بَابِ بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
المفروضة، وإنما عبر بالمكتوبة للتفنن في العبارة، فإنه عبر في الزكاة
بالمفروضة، ولاتّباع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾
[النساء: ١٠٣].
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: والصلاة في اللغة: الدعاء، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]: أي ادع، وقال الأعشى [من البسيط]:
نَوْماً فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا
عَلَيْكِ مِثْلَ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي
وقيل: إنها مأخوذة من الصَّلَا، والصلا: عِرْقٌ عند أصل الذنب، ومنه
قيل للفرس الثاني في الْحَلْبَة: مصَلِّ؛ لأن رأسه عند صَلا السابقِ، قال الشاعر
[من المتقارب]:
فَصَلَّى أَبُوهُ لَهُ سَابِقُ بِأَنْ قِيلَ فَاتَ الْعِذَارُ الْعِذَارَا(١)
والأول أولى وأشهر، وهي في الشرع: أفعال مخصوصةٌ، بشروط
مخصوصة، الدعاء جزء منها. انتهى.
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: إقامة الصلاة: تعديل أركانها وإدامتها،
والصلاة فَعَلَةٌ، من صَلّى: بمعنى دعا، أو حرّك الصّلَوين(٢)؛ لأن المصلّي
يُحرّكهما في ركوعه وسجوده، كالزكاة من زَكَى: بمعنى نما، أو طهر، فإن
المال يزيد بأداء الزكاة، ويطهر به، وكالصوم، من صام: إذا أمسك، والحجّ،
من حجّ: إذا قصد البيت. انتهى(٣).
(وَتُؤْتِي) أي تعطي (الزَّكَاةَ) وعبّر بالإيتاء إشارةً إلى أنه لا بدّ من
التمليك، زاد في رواية أبي هريرة الله الآتية: ((المفروضة)). قال القرطبيّ:
الزكاة لغة: هي النماء، والزيادة، يقال: زكا الزرع والمالُ، وسُمّي أخذ جزء
من مال المسلم الحرّ زكاةً؛ لأنها إنما تؤخذ من الأموال النامية، أو لأنها قد
نمت، وبلغت النصاب، أو لأنها تنمي المال بالبركة، وحسنات مؤديها
بالتکثیر. انتهى.
(١) ((العذار)): هو ما سال على خدّ الفرس من اللجام.
(٢) الصلوين: مثنى صَلا، وهما ما يكون عن يمين الذّنَب وشماله.
(٣) ((الكاشف)) ٤٢٤/٢.

٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(وَتَصُومَ رَمَضَانَ) الصوم: هو الإمساك مطلقاً، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنّ
نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ الآية [مريم: ٢٦]: أي إمساكاً عن الكلام، وقال الشاعر
[من البسيط]:
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلِكُ اللُّجُمَا
أي ممسكة عن الحركة. وهو في الشرع: إمساك جميع أجزاء اليوم عن
أشياء مخصوصة، بشرط مخصوص. قاله القرطبيّ.
وقوله: ((رمضان)) أي الشهر المسمّى بهذا الاسم، وهو من رَمِضَ: إذا
احترق من الرمضاء، وسمّي به لارتماضهم من حرّ الجوع، أو من حرارة
الزمان الذي وقع فيه، أو لأنه تحترق به الذنوب، وتمحى به العيوب، أو لأنه
تزول معه حرارة الشهوات.
وفيه جواز ذكره من غير إضافة اسم ((شهر)) إليه، وهو الصحيح، وما ورد
من ذلك؛ لا يصحّ، وسيأتي تمام البحث في هذا في ((كتاب الصيام)) - إن
شاء الله تعالى -.
(وَتَحُجَّ الْبَيْتَ) أي الحرام، فـ((أل)) للعهد، أو هو اسم جنس، غَلَب على
الكعبة، وصار علماً لها، فاللام فيه جزء، كـ ((النجم))، قال في ((الخلاصة)):
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَماً بِالْغَلَبَهْ مُضَافٌ أوْ مَصْحُوبُ ((أَلْ)) كَـ ((الْعَقَبَهْ))
والحجّ: لغة القصد، أو القصد المتكرّر مطلقاً، أو إلى معظّم، قال
الشاعر [من الطويل]:
وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولاً كَثِيرَةً يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا
وهو في الشرع: القصد إلى بيت الله المعظّم في وقت مخصوص؛ لفعل
عبادة مخصوصة، والحجّ بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، وقُرئ بهما: ﴿وَلِلَّهِ
عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ ﴾ الآية [آل عمران: ٩٧]. وسيأتي بيان كلّ ذلك مستوفَّى في
مَحَلِّهِ من هذا الشرح - إن شاء الله تعالى -.
وفي رواية ابن حبّان في ((صحيحه)) من طريق سليمان التيميّ، عن
يحيى بن يعمر: ((وتحج، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتُتِمّ الوضوء ... ))
الحدیث.
(إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ) أي إلى البيت، أو إلى الحج، أي إن أمكن لك

٩٥
(١) - بَابِ بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
الوصول إليه. والاستطاعة: هي القوّة على الشيء، والتمكّن منه، ومنه قوله
تعالى: ﴿فَمَا أُسْطَعُواْ أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا أُسَتَطَعُواْ لَهُمْ نَقْبًا (49)﴾ [الكهف: ٩٧]. قاله
القرطبيّ.
[فإن قلت]: كيف خَصّ الأخير بقيد الاستطاعة، دون سائرها، مع أن
الاستطاعة التي يتمكّن بها المكلّف من فعل الطاعة مشروطة في الكلّ؟
[أجيب]: بأن الْمَعْنِيّ بالاستطاعة هنا الزادُ والراحلةُ، وكانت طائفة من
الناس لا يُعِدُّونَهُمَا له، فيكونون كَلَّا على الناس، فنهوا عن ذلك، فقد أخرج
البخاريّ في (صحيحه)) عن ابن عباس ﴿ه قال: كان أهل اليمن يَحُجّون، ولا
يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قَدِمُوا مكة سألوا الناس، فأنزل الله
تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]. وعند ابن أبي حاتم
بلفظ: ((يقولون: نحجّ بيت الله، أفلا يُطعمنا)).
وقال بعضهم: لعل الحكمة في هذا أن يكون حُجَّةً على الأغنياء التاركين
للحج، وقد أعطاهم الله تعالى مالاً وقدرةً.
وإيراد الأفعال المضارعيّة؛ لإفادة الاستمرار التجدّديّ لكل من الأركان
الخمسة، ففي التوحيد المطلوب الاستمرار الدائم مدة الحياة، وفي الصلاة دون
ذلك، وفي الصوم والزكاة دونها، وقدّم الصوم لتعلّقه بجميع المكلّفين، وأخّر
الحجّ؛ لأنه لا يجب في العمر إلا مرّة واحدة.
(سَبِيلاً)) تمييز عن نسبة الاستطاعة، فأخر عن الجارّ؛ ليكون أوقع، وهي
الطريق الذي فيه سهولة، وتُستعمل في كلّ ما يُتوصّل به إلى شيء، وتنكيره
لإفادة العموم؛ إذ النكرة في الإثبات قد تفيد العموم، كما في قوله تعالى:
﴿عَلِمَتْ نَفْسِ﴾ [التكوير: ١٤](١).
[تنبيه]: قد اختلف الرواة في ذكر الحجّ هنا، فمنهم من ذكره، كرواية
كهمس هذه، ومنهم من أسقطه، إما غفلة، أو نسياناً.
قال في ((الفتح)): [فإن قيل]: لِمَ لَمْ يذكر الحج؟ - يعني عند بعض
الرواة - أجاب بعضهم باحتمال أنه لم يكن فُرِض. وهو مردود بما رواه ابن
(١) راجع: ((المرقاة)) ١١٤/١.

٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
منده في ((كتاب الإيمان)) بإسناده الذي على شرط مسلم، من طريق سليمان
التيمي، في حديث عمر ته أوله: أن رجلاً في آخر عمر النبي بَّ، جاء إلى
رسول الله #، فذكر الحديث بطوله، وآخر عمره كله يحتمل أن يكون بعد
حجة الوداع، فإنها آخر سفراته، ثم بعد قدومه بقليل، دون ثلاثة أشهر مات،
وكأنه إنما جاء بعد إنزال جميع الأحكام، لتقرير أمور الدين التي بلّغها متفرقة،
في مجلس واحد؛ لتنضبط. ويُستنبط منه جواز سؤال العالم، ما لا يجهله
السائل؛ ليعلمه السامع.
وأما الحج فقد ذُكِر لكن بعض الرواة إما ذَهِل عنه، وإما نسيه، والدليل
على ذلك اختلافهم في ذكر بعض الأعمال دون بعض، ففي رواية كهمس:
((وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً))، وكذا في حديث أنس، وفي رواية عطاء
الخراساني لم يذكر الصوم، وفي حديث أبي عامر ذَكَر الصلاة، والزكاة
فحسب، ولم يذكر في حديث ابن عباس مزيداً على الشهادتين، وذَكَر سليمان
التيمي في روايته الجميع، وزاد بعد قوله: ((وتحج)): ((وتعتمر، وتغتسل من
الجنابة، وتُتَمِّم الوضوء))، وقال مطر الوراق في روايته: ((وتقيم الصلاة، وتؤتي
الزكاة))، قال: فذكر عُرَى الإسلام، فتبين ما قلناه: إن بعض الرواة ضبط ما لم
يضبطه غيره. انتهى ما في ((الفتح))(١).
(قَالَ) الرجل السائل (صَدَقْتَ) زاد في رواية ابن حبّان قبله: ((قال: فإذا
فعلت هذا فأنا مسلم؟)) قال: ((نعم))، وكذا في بقيّة الأسئلة (قَالَ) أي عمر خُته،
ففي رواية أبي عوانة في ((المستخرج)): فقال عمر ... )) (فَعَجِبْنَا لَهُ) وفي رواية
النسائيّ بلفظ ((إليه)) بدل ((له)) (يَسْأَلُهُ وَيُصَدَّقُهُ) وفي حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ
عند النسائيّ: ((فلما سمعنا قول الرجل: صدقت أنكرناه))، وفي رواية مطر
الوراق: ((انظروا إليه كيف يسأله، وانظروا إليه كيف يصدقه))، وفي حديث
أنس: ((انظروا وهو يسأله، وهو يصدقه، كأنه أعلم منه))، وفي رواية سليمان بن
بريدة قال القوم: ((ما رأينا رجلاً مثل هذا، كأنه يُعَلِّم رسول الله وَّ، يقول له:
صدقت صدقت)).
(١) ١٦٣/١ - ١٦٤.

٩٧
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
قال القرطبي: إنما عَجِبوا من ذلك؛ لأن ما جاء به النبيِ وَّةِ، لا يُعرَف
إلا من جهته، وليس هذا السائل ممن عُرف بلقاء النبي ◌َّ، ولا بالسماع منه،
ثم هو يسأل سؤال عارف، محقّق مصدّق؛ فتعجبوا من ذلك، تعجب المستبعد
لأن يكون أحد يعرف تلك الأمور المسئول عنها من غير جهة النبيّ وَل﴾.
انتهى(١).
[فإن قلت]: قدّم في هذه الرواية السؤال والجواب عن الإسلام، على السؤال
والجواب عن الإيمان، وإن كان هو مقدّماً في الاعتبار، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الْضَلِحَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧]؛ إذ عليه يؤسّس قاعدة الإسلام.
[أجيب]: بأن المقام يقتضي تقديم الإسلام؛ لأنه رأس الأمر، وعموده،
وبه تظهر شعائر الدين، وهو دليل على التصديق، وأَمَارة عليه، وما جاء
جبريل نُلَّا إلا ليُعلّم الناس الشريعة، فينبغي أن يبدأ بما هو الأهمّ، فالأهمّ،
ويترقّى من الأدنى إلى الأعلى، فإن الإسلام مقدّم على الإيمان، وهو على
الإخلاص الذي هو معنى الإحسان(٢). والله تعالى أعلم.
(قَالَ) الرجل (فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ) قال الطيبيّ: الإيمان: إفعالٌ من
الأمن، وهو طمأنينة النفس عن إزالة خوف وشكّ، يقال: آمنه: إذا صدّقه،
وحقيقته آمنه التكذيب والمخالفة. انتهى(٣).
(قَالَ) وَرِ (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ) الإيمان بالله: هو التصديق بوجوده، وأنه لا
يجوز عليه العدم، وأنه تعالى موصوفٌ بصفات الجلال والكمال، من العلم،
والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، والحياة، والرضا، والمحبّة،
وغيرها، وأنه منزه عن صفات النقص التي هي أضداد تلك الصفات، وعن
صفات الأجسام، والمتحيّزات، وأنه واحد، صمد، فردٌ، خالق جميع
المخلوقات، متصرّف فيها بما يشاء من التصرّفات، يفعل في ملكه ما یرید،
ويحكم في خلقه ما يشاء.
(١) ((المفهم)) ١٥١/١.
(٢) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤٢٥/٢.
(٣) ((الكاشف)) ٢/ ٤٢٤.
٠

٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في ((العقيدة الواسطيّة))
حينما يصف اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة: ومن الإيمان بالله الإيمان بما
وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه رسوله وَل من غير تحريف، ولا تعطيل،
ومن غير تكييف، ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله ◌ُعَالَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا
يُحرّفون الكلم عن مواضعه، ولا يُلحدون في أسمائه، وآياته، ولا يكيّفون، ولا
يمثّلون صفاته بصفات خلقه؛ لأنه نَّالَ لا سميّ له، ولا كفء له، ولا ندّ له،
ولا يقاس بخلقه وَالَ، فإنه أعلم بنفسه، وبغيره، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثاً
من خلقه، ثم رسله صادقون، مصدّقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا
وَسَلَمُّ عَلَى
يعلمون، ولهذا قال تعالى: ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
[الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]، فسبّح نفسه
وَاْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
اُلْمُرْسَلِينَ
عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلّم على المرسلين؛ لسلامة ما قالوه من
النقص والعيب، وهو قد جمع فيما وصف، وسمَّى به نفسه بين النفي
والإثبات، فلا عدول لأهل السنّة والجماعة عمّا جاء به المرسلون، فإنّه
الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين،
والشهداء، والصالحين. انتهى كلامه مختصراً.
وقال في ((الفتح)): قوله: (قال: الإيمان: أن تؤمن بالله ... )) إلخ: دل
الجواب أنه عَلِم أنه سأله عن متعلقات الإيمان، لا عن معنى لفظه، وإلا لكان
الجواب الإيمان: التصديق. وقال الطيبي: هذا يوهم التكرار، وليس كذلك،
فإن قوله: ((أن تؤمن بالله))، مُضَمَّن معنى أن تعترف به، ولهذا عدَّاه بالباء: أي
أن تصدق، معترفاً بكذا.
قال الحافظ: والتصديق أيضاً يُعَدَّى بالباء، فلا يحتاج إلى دعوى
التضمين. وقال الكرماني: ليس هو تعريفاً للشيء بنفسه، بل المراد من
المحدود الإيمان الشرعي، ومن الحد الإيمان اللغوي.
قال الحافظ: والذي يظهر أنه إنما أعاد لفظ الإيمان؛ للاعتناء بشأنه،
تفخيماً لأمره، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] في
جواب ﴿مَنْ يُخِي الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]: يعني أن قوله: ((أن تؤمن)) ينحل

٩٩
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
منه الإيمان، فكأنه قال: الإيمان الشرعي: تصديق مخصوص، وإلا لكان الجواب
الإيمان: التصديق، والإيمان بالله: هو التصديق بوجوده، وأنه متصف بصفات
الكمال، مُنَزَّةٌ عن صفات النقص. انتهى كلامه، وهو نفيسٌ. والله تعالى أعلم.
(وَمَلَائِكَتِهِ) قال ابن الأثير: جمع مَلأَكٍ في الأصل، ثم حُذفت همزته؛
لكثرة الاستعمال، فقيل: مَلَكٌ، وقد تحذف الهاء، فيقال: ملائك، وقيل:
أصله مَأْلَكٌ بتقديم الهمزة، من الألوكة، وهي الرسالة، ثم قدّمت الهمزة،
وُمع. انتھی(١).
وقال الفيّوميّ: أَلَكَ بين القوم أَلْكاً، من باب ضَرَبَ، وأُلُوكاً أيضاً:
تَرَسَّل، واسم الرسالة مَأْلُكٌّ بضم اللام، ومَأْلُكةٌ أيضاً بالهاء، ولامها تُضمّ
وتُفتح، والملائكة مشتقّة من لفظ الأُلُوكة، وقيل: من الْمَأْلَك، الواحد مَلَكٌ،
وأصله مَلأٌَّ، ووزنه مَفْعَلٌ، فنُقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسَقَطت، فوزنه
مَعَلٌ، فإن الفاء هي الهمزة، وقد سقطت، وقيل: مأخوذ من لأَكَ: إذا أرسل،
فملأٌَ مَفْعَلٌ، فنُقلت الحركة، وسَقَطت الهمزة، وهي عينٌ، فوزنه مَفَلٌ، وقيل
فيه غیرُ ذلك. انتهى(٢).
ومعنى الإيمان بالملائكة: هو التصديق بوجودهم، وأنهم كما وصفهم الله
تعالى: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ
[الأنبياء: ٢٦ - ٢٧]، ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]،
[الأنبياء: ٢٠]، وأنهم سفراء الله بينه وبين
و﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَاَلنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ
رسله، والمتصرّفون كما أذن لهم في خَلْقه.
وقَدَّم الملائكة على الكتب والرسل؛ نظراً للترتيب الواقع؛ لأنه تَلالة
أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول، وليس فيه مُتَمَسَّك لمن فَضَّل الملك على
الرسول. قاله في ((الفتح)).
قال الجامع عفا الله عنه: مسألة تفضيل الملك على البشر، أو العكس
طويلة الذيل، قليلة النيل، قد استوفيت بحثها في ((شرح النسائي))، وسيأتي هنا
أيضاً في المحل المناسب له - إن شاء الله تعالى -.
(١) ((النهاية)) ٣٥٩/٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٨/١ - ١٩.

١٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(وَكُتُبِهِ) معنى الإيمان بكتب الله تعالى: التصديق بأنه كلام الله تعالى،
وأن ما تضمّنته حقّ وصدق.
[تنبيه]: زاد في حديث أبي هريرة رضيُه الآتي بعد قوله: ((وكتابه)): قولَهُ:
((ولقائه)): قال في ((الفتح)): كذا وقعت هنا بين الكتب والرسل، وكذا لمسلم
من الطريقين، ولم تقع في بقية الروايات، وقد قيل: إنها مكررة؛ لأنها داخلة
في الإيمان بالبعث، والحقّ أنها غير مكررة، فقيل: المراد بالبعث القيامُ من
القبور، والمراد باللقاء ما بعد ذلك، وقيل: اللقاء يحصل بالانتقال من دار
الدنيا، والبعث بعد ذلك، ويدل على هذا رواية مطر الوراق، فإن فيها:
: ((وبالموت، وبالبعث بعد الموت))، كذا في حديث أنس وابن عباس
وقيل: المراد باللقاء رؤية الله، ذكره الخطابي.
وتعقبه النووي بأنّ أحداً لا يقطع لنفسه برؤية الله، فإنها مختصة بمن مات
مؤمناً، والمرء لا يدري بمَ يختم له، فكيف يكون ذلك من شروط الإيمان؟
وأجيب: بأن المراد الإيمانُ بأن ذلك حقّ في نفس الأمر، وهذا من
الأدلة القوية؛ لأهل السنة في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة، إِذْ جُعِلت من
قواعد الإيمان. انتهى(١).
(وَرُسُلِهِ) ووقع في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ عند النسائيّ ((وملائكته،
والكتاب، والنبيين))، وكل من السياقين في القرآن، في البقرة، والتعبير
((بالنبيين)) يشمل ((الرسل))، من غير عكس.
ومعنى الإيمان بالرسل: التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله
تعالى، وأن الله تعالى أيّدهم بالمعجزات الدّالّة على صدقهم، وأنهم بلّغوا
عن الله تعالى رسالاته، وبيّنوا للمكلّفين ما أمرهم الله تعالى ببيانه، وأنه يجب
احترامهم، وألا يُفرَّق بين أحد منهم. قاله القرطبيّ.
وقال في ((الفتح)): ودَلّ الإجمال في الملائكة، والكتب، والرسل على
الاكتفاء بذلك، في الإيمان بهم، من غير تفصيل، إلا من ثبت تسميته، فيجب
الإيمان به على التعيين، وهذا الترتيب مطابق للآية: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ
(١) راجع: ((الفتح)) ١/ ١٦١.