Indexed OCR Text
Pages 61-80
: - حسبما تبين القطع التي جمعتها له في هذه الترجمة - وللدوبيت عنده جمال خاص ، فهو يجمع إلى الرقة والعذوبة حرارة في العاطفة لا تتوفر كثيراً في قصائده، وكان أحياناً يتناول معنى ورد في شعر أحد الشعراء فيصوغه دوبيتاً ١. وعلى الجملة لم يستطع ابن خلكان الناقد أو ابن خلكان الشاعر أن يرتفع فوق الذوق العام في عصره أو أن يباينه ، ولكنه كان مخلصاً في اعجابه بالنماذج الجميلة من الشعر المحدث . ١ الوفيات ٣ : ١٦١ . ٥ - ٧ ٠ 61 كَّبُ وفيّاتٍ الأَعْيَانْ ١ - ابن خلكان المؤرخ : كتب ابن خلكان كثيراً ولكنه لم يؤلف إلا كتاباً واحداً ولم يعرف إلا به : كتب كثيراً من الشعر والنثر ، وقيد بخطه مسوّدات كثيرة ، وربما كانت هذه المسودات هي التي تشير إليها بعض المصادر حينما تقول انه صنع مجاميع أدبية ١ ؛ وقد أفاد هو من هذه المسودات في تأليف كتابه ، ويبدو أن الصفدي اطلع عليها ونقل عنها بعض المادة ٢ ؛ وإذا كان الصفدي قد صرّح بذلك فان غيره نقل أشياء دون تصريح ، وهذه المنقولات مما لم يرد في كتابه الوفيات : من ذلك قول الادفوي في البدر السافر: ((مسعود بن عبد العزيز بن المحسن بن الحسن بن عبد الرزاق ، هكذا ذكره ابن خلكان وقال : انه رأى ذلك بخط بعض الحفاظ المتقنين)) ٣؛ ونقل عنه صاحب ذيل مرآة الزمان نسب علي بن يوسف بن محمد بن عبد اللّه المارديني ٤ وشرف الدين الكرابيسي المشهور بابن العجمي °؛ وجاء في مرآة الجنان نقل يتعلق بعبد القادر الرهاوي لا وجود له في الوفيات٦، وكل ذلك يدلّ على أن مقيدات ابن خلكان كانت أوسع بكثير مما تضمنه كتابه الوحيد الذي خلّد اسمه وهو ((وفيات الأعيان)). لسنا ندري - على وجه اليقين - متى بدأ بجمع كتابه هذا ، ولکن لدینا ١ الصفدي ٧ : ٣٠٨ . ٢ الغيث ٢ : ٧٨ . ٣ البدر السافر ، الورقة : ١٩٦ . ٤ ذيل مرآة الزمان ٢ : ٢٧ . ه ذيل مرآة الزمان ٢ : ١٩، وانظر أمثلة أخرى جـ ١٩:١، ١٨٣. ٦ مرآة الجنان ٤ : ٢٣ . 65 قطعة بخط المؤلف تنتهي بترجمة ذي الرمة، والمؤلف يسميها الجزء الأول ، ويذكر أنه فرغ منه يوم الجمعة بعد الصلاة رابع شهر ربيع الأول سنة ٦٥٥ ١ بالقاهرة المحروسة؛ ثم تابع كتابة بقية التراجم ابتداء من حرف الفاء ، وفي نسخة مكتبة ولي الدين باستانبول (رقم ٢٤٦٠) التي تقف التراجم فيها عند يحيى بن خالد البرمكي ما يفيد أن تحريرها ثمّ في سنة تسع وخمسين وستمائة ( ٦٥٩)، وهذا يوافق ما قاله المؤلف نفسه من أنه اضطر إلى التوقف لتحركه إلى الشام متولياً منصب قاضي القضاة ، وأنه سيكمل كتابه إذا سنحت له الفرصة فيورد ما تبقى من تراجم كثيرة في حرف الياء ؛ ولدينا معظم القطعة التي أكمل بها كتابه بخطه ، ومن هذا يتبين أن كتاب ابن خلكان في صورته الأولى كان يضم ثلاثة أجزاء ، ولكنه أصبح في صورة أخرى خمسة كما يفهم من كلام ابنه موسى عندما صنع المختار . وقد انتهى ابن خلكان من اتمام كتابه يوم ٢٢ جمادى الأولى سنة ٦٧٢ بالقاهرة المحروسة، ولكن هذا لا يعني أنه توقف توقفاً تاماً عند هذا التاريخ ، إذ نرى فيه إضافات أخرى ، لعل آخرها كان سنة ٦٨٠ هـ . كانت النواة الأولى لكتاب ابن خلكان موجودة في مسوداته مما نقله من المصادر التي اطلع عليها حتى سنة ٦٥٤ ومما قيده عن طريق الرواية والسماع ، ولكن نموّ كتابه ظلّ يطرد مع الأيام ، إذ كان عثوره على المصادر وأخذ الفوائد منها يشبه الكشف المتدرّج ، مع أنه كان يعتقد حين أنهى الصورة الأولى من كتابه (حتى ترجمة يحيى بن خالد) أنه ((لم يترك كتاباً من الكتب التي في أيدي الناس المشهورة والخاملة، المبسوطة والوجيزة إلا اختار منه ما يدخل في كتابه)) ٢ . ويمكن للمرء أن يقدر أن ابن خلكان ١ يقول المؤلف في مقدمته: وكان ترتيبي له في شهور سنة ٦٥٤، ولعل هذا لا يعني بداية التأليف ، وبذا تكون المسودة التي لدينا نسخة ثانية من الكتاب ؛ وقد درس هذه المخطوطة دراسة مطولة الأستاذ كوريتون - حين تملكها - في مقال نشره بمجلة الجمعية الاسيوية الملكية سنة ١٨٤١؛ وقد أفدت من مقاله في هذا البحث . ٢ الوفيات ٦ : ٢٢٩. 66 رغم تنقله ، كان يقتني مكتبة حافلة بشتى المؤلفات ، فقد شهد ابنه موسى أنه رأى عند والده نسخة الوسيط للغزالي١ وتملك كتاب ((علماء الأمصار)) تصنيف الحاكم النيسابوري ، بعد أن كانت النسخة في ملك شيخه ابن الصلاح (- ٦٤٣) وبيعت في تركته ٢، ورأى ابنه موسى بخزانة كتبه عشرة كتب بخط الجواليقي منها الكامل للمبرد في جزء واحد ومنها الحماسة والخطب النباتية ٣ ؛ وعدا عن الكتب التي اقتناها المؤلف اعتمد على كتب رآها عند الوراقين أو في المكتبات العامة ، فقد رأى لابراهيم ابن محمد اليزيدي كتاباً في اللغة اسمه (( ما اتفق لفظه وافترق معناه)) في أربع مجلدات ، ووصفه بأنه من الكتب النفيسة ٤ ، ورأى نسخة من ديوان صريع الدلاء ° ونسخة من الدرة الخطيرة بخط المؤلف ابن القطاع٦ ، وعدة نسخ من صحاح الجوهري بخط ياقوت الملكي وكل نسخة تباع بمائة دينار ٧ ، وكتاب الحيل لبني شاكر وهو من أحسن الكتب وأمتعها في مجلد واحد٨ ، والملخص للتبريزي في أربع مجلدات ٩ ، وديوان ابن بابك في ثلاث مجلدات١٠ ، وتحقيق المحيط للخبوشاني في ١٦ مجلدا١١ً . ولكن رؤية هذه المصادر لم تتفق له دائماً قبل أن أنهى الصورة الأولى من کتابه ؛ إذ يبدو أن اطلاعه على کتاب ((الشامل للجويني)) تمّ بعد أن كتب ترجمة الحلاج، ولذلك جاءت مناقشته ١ الوفيات ٤ : ٢٥٣ ( الحاشية). ٢ الوفيات ٥ : ١٩٥ . ٣ الوفيات ٥ : ٣٤٢ . ٤ الوفيات ٦ : ١٩٠ . ٥ الوفيات ٣ : ٣٨٤. ٦ الوفيات ٣ : ٣٢٤. ٧ الوفيات ٦ : ١١٩ . ٨ الوفيات ٥ : ١٦٢ . ٩ الوفيات ٦ : ١٩٢ . ١٠ الوفيات ٣ : ١٩٦ . ١١ الوفيات ٤ : ٢٣٩. 67 لما ورد في الشامل بخط مختلف قليلاً عن خطه الأصلي١؛ وهو يحيل دائماً إلى كتاب الأنساب للسمعاني ، ولكنه لم يجد الكتاب بمصر حين بدأ التأليف ولم ير منه إلا نسخة واحدة حين كان في دور الطلب بديار الشام ، وإذا ذكر الأنساب فانما يعني مختصره لابن الأثير٢ ؛ كذلك يبدو أن اطلاعه على الذيل للسمعاني انما تمّ في مرحلة متأخرة ، وقل مثل ذلك في كتاب اسمه ((اللفيف)) مجهول مؤلفه ٣ وفي الترجمة الذاتية التي كتبها شيخه عبد اللطيف البغدادي٤ ؛ ولم يستطع الاطلاع على مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي إلا بعد أن عاش قاضياً في دمشق ورآه هنالك بخط مؤلفه في أربعين مجلداً" ؛ وقد مكنته اقامته بدمشق من أن يرى ديوان دوبيت لفتيان الشاغوري ٦ وأن يرى في خزانة كتب المدرسة العادلية (في شوال ٦٦٥ ) كتاب التقريب في ست مجلدات (من أصل عشر مجلدات ) وهي نسخة كانت للشيخ قطب الدين مسعود النيسابوري وعليها خطه بأنه وقفها٧ ؛ وكذلك تملك بدمشق (٦٦٧) نسختين من ديوان أبي الدر الرومي بعد أن كان يسمع أن له ديواناً صغيراً، فوجده في عشر كراريس ، أي صدّق الخُبر الخبر٨ ؛ وإذا صحت رواية نسخة الظاهرية من الوفيات ، فان المؤلف رأى نسخة من مقامات الحريري سنة ٦٧٦ ٩ بخط مصنفها ، وباطلاعه عليها وجد أنها ألفت للوزير جلال الدين ابن صدقة وذلك مخالف لما كان قد أثبته حول تأليفها . ونجده لم يفد من كتاب ((عقود الجمان)) لابن الشعار إلاّ في مواضع قليلة تدلّ على ١ الوفيات : ١٤٦ وما بعدها، وقد بدأ هذه الفقرة بقوله ((قلت : وبعد الفراغ من هذه الترجمة ... الخ )» . ٢ الوفيات ٤ : ٢٨٣ . ٣ انظر الوفيات ٦ : ١٢٦، ٣٨٧ . ٤ الوفيات ٦ : ٧٦ . ● الوفيات ٦: ٢٣٩، ٣٥٣؛ ٣: ١٤٢ . ٦ الوفيات ٤ : ٢٦. ٧ الوفيات ٤ : ٢٠٠ . ٨ الوفيات ٦ : ١٢٥ . ٩ في بعض النسخ ٦٥٦، انظر الوفيات ٤ : ٦٤. 68 أنه رأى الكتاب أو بعض أجزائه في دور متأخر ؛ ولم يظفر بمشيخة أستاذه ابن شداد إلا سنة ٦٨٠، وكانت النسخة مما قرىء على ابن شداد وكتب خطه عليها بالسماع ١ ، فإذا تذكرنا أن جانباً من ترجمة ابن شداد يعتمد على سرد مشيخته أدركنا إلى أي زمن جرى التعديل في تراجم كتاب الوفيات ؛ وكان تعرفه إلى كتاب ((السيل والذيل)) للعماد الاصبهاني بمصر أوائل سنة ٦٧٢، فوجده ذيلاً على الخريدة بعد أن كان يظنه ذيلاً على كتاب آخر٢ ، وإذا كان قد فاته الافادة من كتب رآها في بعض مراحل حياته ثم لم يعثر عليها ( كرسائل ابن زبادة التي رآها باربل أو بالموصل ) ٣ فانه لم يكن يستغرق الاطلاع دائماً على المصادر الكبيرة ذات المواد المتشعبة مثل تاريخ ابن الأثير ، فهذا الكتاب يعد من أهم مصادره ، ومع ذلك فانه حين كتب ترجمة أبي الوفاء المهندس أخلى بياضاً لادراج تاريخ وفاته ، ثم وجدها في تاريخ ابن الأثير ، وكان بين الشروع في التاريخ والعثور على الوفاة أكثر من عشرين سنة ٤ ، فاذا قدرنا أنه شرع في الترجمة (وهي من القسم الثاني ) سنة ٦٥٥ فانه لم يعثر على تاريخ الوفاة - في مصدر قريب منه - إلا سنة ٦٧٥ أو بعد ذلك ؛ وقد أقر المؤلف - في خاتمة كتابه - بأنه حين عاد من دمشق (٦٦٩) وجد في القاهرة كتباً كان يؤثر الاطلاع عليها ، وأن التخلي عن مهام القضاء مكنه من ذلك ، فلم ينتفع من تلك الكتب لاتمام كتابه وحسب ، بل لتحشية ما فاته في الصورة الأولى . ولا بد من أن نتذكر هذه التعديلات المستمرة في الكتاب عند الحديث عن التفاوت بين النسخ . وكان في ذهن ابن خلكان وهو يجمع مؤلفه - في المرحلتين - أي قبل العهد الأول في قضاء القضاة وبعده ، أن يحقق خطة أخرى ، فيؤلف كتاباً كبيراً في التاريخ ، لأنه كان يرى أن مؤلفه ، على ما هو عليه ، كتاب مختصر . ١ الوفيات ٤ : ٢٦٤ . ٢ الوفيات ٦ : ٢٥٠. ٣ الوفيات ٦ : ٢٤٦ . ٤ الوفيات ٥ : ١٦٨ 69 هل كان ينوي أن يكتب تاريخاً عاماً أو أن يتوسع في كتاب للتراجم ؟ أكبر الظن أنه كان يخطط لتاريخ عام على مثال كتاب شيخه ابن الأثير ، لأنه كان يريد أن يسرد فيه تاريخ القرامطة مستوفىٌّ ، وايراد تاريخهم على هذه الصورة لا يعتمد على التراجم - فيما أقدّر - وإنما يعتمد على الأحداث١ ؛ وقد ظلّ هذا الأمل حيّاً حين انتهى من الصورة الأولى من كتابه ، وكان يقدر أن يجيء الكتاب المطوّل في أكثر من عشرة أسفار٢ ، وعاد إلى حديث القرامطة وايراد التفصيلات عنهم في التاريخ الكبير حين كتب ترجمة يعقوب ابن الليث الصفار٣ ، وهي ترجمة متأخرة كثيراً حتى عمّا قبلها وما بعدها من التراجم لأنه لا وجود لها فيما تبقى من مسودة المؤلف ، وعندما ختم الصورة الثانية من كتابه الوفيات كان ما يزال على عزم الشروع في كتابه المطوّل ( أي سنة ٦٧٢ ) . من السهل أن نقول إنه لم يفعل ذلك ، لأنه لم يستطع الانصراف إلى التأليف ، فقد كانت الفترة المتبقية من اقامته في القاهرة حتى عاد إلى منصب القضاء بدمشق (سنة ٦٧٦ ) لا تكفي لانجاز كتاب مطوّل كالذي كان يعتزم تأليفه ؛ ولم يذكر أحدٌ من معاصريه أو ممن جاء بعدهم أنه حقق تلك الأمنية ، ولیس بین أیدینا الیوم مما يتصل به سوی کتابه « وفيات الأعيان )» ومعنى ذلك كله أن أمنيته ظلّت أمراً نظرياً لم يخرج إلى حيز الواقع ، ولكن في النفس شيئاً من هذا القطع الجازم : ألا يمكن أن أكون مخطئاً في التقدير ويكون ما انتوى ابن خلكان كتابته تاريخاً مفصلاً في التراجم ؟ ترى لو وصلتنا نسخة آيا صوفيا (رقم : ٣٥٣٢) كاملة - وفيها تراجم كثيرة لا ترد في سائر النسخ - ألم يكن من الممكن عدّها ذلك التاريخ المطوّل ؟ وهذه المنقولات التي وردت في البدر السافر ومرآة الجنان وذيل مرآة الزمان وقدّرت أنها مستمدة مباشرة من مسودات المؤلف : ألا يمكن أن تكون ١ انظر الوفيات ٢ : ١٤٧ . ٢ الوفيات ٦ : ٢٢٩ . ٣ الوفيات ٦ : ٤٣١ . 70 مأخوذة من التاريخ المطوّل ؟ أم ترى الأمر بالعكس وأن المتأخرين الناقلين عن ابن خلکان خلطوا بين مسوداته و کتابه - كما أراده - وعدّوا كل ذلك كتاب (( وفيات الأعيان)) ؟ ومع ذلك فانني رغم توقفي عن الحسم في هذا الموضوع أجدُ العناصر المرجحة لعدم تأليفه كتاباً مطوّلاً أقوى من العناصر التي تشير إلى وجود مثل ذلك الكتاب . أياً كان الأمر فلیس لدینا على وجه التحديد سوی کتابه « وفيات الأعيان )» وقد كانت خطته في تأليفه واضحة تماماً حین شرع فيه ، ويمكن أن نلخص هذه الخطة التي بسطها في مقدمته على النحو التالي : ١) أنه لن يترجم إلا لمن عرف تاريخ وفاته ، وقد أكّد هذه الخطة في كتابه مرّات ، فلم يترجم للحسن بن وهب١ ولم يترجم لكلثوم ابن عمرو العتابي٢ . ٢) أنه لن يذكر فيه أحداً من الصحابة ولا من التابعين ، إلا جماعة يسيرة، فهل قوله إلا ((جماعة يسيرة)) يشير إلى التابعين وحدهم أو إلى الصحابة أيضاً ؛ ذلك أمرٌ غير واضح وهو مصدر الإشكال كثير حين نتحدث عن التفاوت في النسخ . ٣) أنه لن يذكر أحداً من الخلفاء . ٤) أنه سيذكر جماعة ممن شاهدهم ونقل عنهم أو عاصروه ولم يلقهم . ٥) أنه لن يقصر كتابه على طائفة مخصوصة مثل العلماء أو الملوك أو الوزراء أو الشعراء ، بل سيتناول كل من له شهرة بين الناس ويقع السؤال عنه . ٦) أنه يتوخى الايجاز في ما يورده . ٧) أنه يحاول اثبات المولد - ان وجده - ويرفع في النسب ان قدر على ذلك . ١ الوفيات ٢ : ٤١٦ . ٢ الوفيات ٤ : ٣٨٩. 71 ٨) أنه سيضبط بعض الألفاظ مما يمكن أن يقع فيه التصحيف ٩) أنه يميل إلى تسجيل محاسن الناس من مكرمة أو نادرة أو شعر أو فكاهة ، لكي يكون التنويع طارداً للملل . تلك خطة من تسعة بنود ، فالى أي حد تمسّك المؤلف بها ؟ يبدو أنه تمسك بالبند الأول (تحديد سنة الوفاة ) في كلّ مراحل كتابه ، وأنه حين أبهم الاستثناء في البند الثاني جعلنا نعجز عن الفصل في أمر ترجمة عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وهما من الصحابة ، وهل هما ترجمتان أصيلتان في كتابه أو منحولتان ؛ وحين استبعد ذكر الخلفاء أوقفنا أمام إشكال كبير : هل قصد خلفاء بني العباس ؟ فان كان الأمر كذلك فلمَ ترجم لعبد الله بن المعتز وهو أحد من بويعوا بالخلافة ؟ وقد تعقبه اليافعي في هذا الصدد فقال : ((كأنه يعني بالخلفاء المذكورين الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم ، وما كان حاجة إلى ذكرهم ، فانه قد ذكر أنه لم يذكر أحداً من الصحابة ... وكلامه هذا يوهم أنه لم يذكر أحداً من الخلفاء الذين هم الملوك من بني العباس وغيرهم، وليس كذلك ، بل قد ذكرهم)) ١؛ قلت : أما بنو العباس فانه لم يذكر منهم أحداً سوى ابن المعتز - حسبما جاء في النسخ المتفقة من كتابه - إلا أن يكون اليافعي يشير إلى نسخ اطلع عليها ورد فيها ذكر سليمان بن عبد الملك من بني أمية والمتوكل وأبي جعفر المنصور وغيرهما من بني العباس وأما الخلفاء من غير بني العباس فقد ذكر طائفة كبيرة منهم سواءً من العبيديين الذين ادعوا الخلافة لأنفسهم ، أو من الموحدين ، ولكن ربما كان ابن خلكان لا يعدهم خلفاء بالمفهوم الدقيق ؛ ومن الغريب أنه لم يترجم لعبد الرحمن الناصر أو لابنه الحكم المستنصر من خلفاء بني أمية بالأندلس ، في سياق اهتمامه بالترجمة للعبيديين والموحدين ، وترجم لمن هم أدنى منهما شأناً كابن صمادح والمعتمد ابن عباد من ملوك الطوائف . وثمة اشكال أُثير من زاوية شيعية ضدّ المؤلف ، فانه حين استبعد من كتابه ذكر الخلفاء ، ١ مرآة الجنان ٤ : ١٩٤ . 72 لم يذكر فيه علياً والحسنين ، ولكنه عاد إلى ذكر الأئمة المعصومين ، وهم خلفاء في نظر أتباعهم١ وهذا اشكال لا يؤاخذ المؤلف عليه لأنه لا يدخل في معتقده ، مثلما لا يدخل في اعتقاده أن العبيديين كانوا خلفاء وأن الموحدين كانوا كذلك ، في نظر أنفسهم ونظر اتباعهم ، إذ انه لم يكن يؤمن بالخلافة إلا للأئمة من بني العباس ؛ حتى الخلفاء من بني أمية سمّاهم في أغلب الأحيان ملوكاً ، في غير موضعٍ من كتابه . وقد تعقبه اليافعي مرة أخرى فيما يتصل بالبند الرابع وذلك أن المؤلف قد قال : وكذلك الخلفاء لم أذكر أحداً منهم اكتفاء بالمصنفات الكثيرة في هذا الباب ، لكن ذكرت جماعة من الأفاضل الذين شاهدتهم ... الخ )). فقال اليافعي (( وكلامه هذا أيضاً ليس بصائب فَانه يوهم أنه لم ينقل إلا عن الذين عاصرهم، وليس بصحيح، فانه لم يقتصر على ذلك))٢. والحق أن أسلوب المؤلف هنا موهم ، ولكن مقصده واضح من السياق العام لخطته . وقد التزم المؤلف بالشرط الخامس فلم يقصر كتابه على طائفة دون أخرى ، ولكن الشهرة أمرٌ نسبي ، كما أن من يقع السؤال عنه ربما كان في عداد غير المشهورين ، ولكن له من الأهمية ما يحدو الناس إلى السؤال عنه ؛ والايجاز في الترجمة أمر نسبي أيضاً ، وسنجد فيما يلي أن المؤلف لم يلتزم بهذه الخطة في كثير من التراجم . وقد التزم التزاماً دقيقاً باثبات المولد حيثما وجده ، وبضبط الألفاظ والاسماء المشكلة ، وبتسجيل المحاسن ، وعدم الوقوف عند العيوب ، التزاماً لا يختل كثيراً ، وتلك هي البنود الثلاثة الأخيرة. لقد أراد ابن خلكان أن يكون دقيقاً فيما رسم لنفسه من خطة ، ولكن عوامل كثيرة تدخلت لتفسد عليه ما كان يريده ، وأول تلك العوامل تراخي الزمن بين كتابة القسم الأول ثم كتابة القسم الثاني من الكتاب : كان في المرحلة الأولى موجزاً مدققاً فيما يختار ، لأنه كان يرى أمامه مشروعاً ١ انظر روضات الجنات : ٨٧ . ٢ مرآة الجنان ٤ : ١٩٤ . 73 كبيراً ليس من السهل الاستسلام فيه إلى التطويل ، فلما عاد إلى اكمال كتابه وجد نفسه في سعة من الوقت فأخذ يطيل في التراجم ، ويعتمد الاستطراد ، ولذلك جاءت تراجم حرف الياء ربع كتابه تقريباً، لأنه أورد في حرف الياء تراجم لم يكن ليتوقف عندها لو طلب الايجاز أو حكّم قانون الشهرة ، ولأنه أخذ يحتال على ايراد التفصيلات التاريخية ضمن ترجمة واحدة ، فهو يؤرخ للدولة الصفارية في ترجمة يعقوب بن الليث ، ويؤرخ لدولة الموحدين في ترجمة يعقوب بن المنصور ( وكأنه يئس من أن يجد الوقت الكافي لكتابة التاريخ الكبير ) . ومع تراخي الزمن تتغير بعض القواعد الصارمة التي يأخذ المرء نفسه بها . ولنا أن نسأل: إذا كان الايجاز هو القاعدة الأصلية فلم" هذا الاستطراد في ترجمة الخبزأرزي إلى ذكر حكايات مستفادة من كتاب ((الهدايا والتحف))، دون أن تكون لتلك الحكايات أية صلة بالترجمة ١ ، ولم كثر الاستطراد في ترجمة يحيى بن اكثم٢، ولم استكثر المؤلف في ترجمة ابن عبد البر من نقل حكايات من كتابه (( بهجة المجالس)) ، لا صلة لها بالترجمة ٣. ومع تراخي الزمن يقلّ التحرّج ، فبعد أن كان المؤلف شديد الحساسية في الدور الأول نحو النوادر غير المهذبة ، حتى في تراجم من اشتهر بها مثل ابن سكرة وابن الهبارية والبديع الاسطرلابي ، نجده بعد قليل يقول : إنه لا بد في المجاميع من الإحماض ، ويستطرد بذكر أشياء من هذا القبيل عن كتاب الهفوات للصابي؛ . ومن تلك العوامل التي جعلته يعدّل في خطته ، الحاجة : فالفقهاء السبعة مثلاً أشهر من أن يترجم لهم في كتابه (( ولولا كثرة حاجة فقهاء زماننا إلى معرفتهم لما ذكرتهم )) °. كذلك خضع ابن خلكان ـ- رغم وضوح خطته - ١ الوفيات ٥ : ٣٧٠. ٢ الوفيات ٦ : ١٥٥ . ٣ الوفيات ٧ : ٤ الوفيات ٦ : ١٠٢ وانظر ٦ : ٥١ . ● الوفيات ١ : ٢٨٤ . 74 إلى ما تفرضه ندرة المصادر ، فهو يورد قصيدة كاملة لابن قاضي ميلة ظفر بها في ظهر كتاب لأنها لا توجد بكمالها في أيدي الناس١، ومثل ذلك فعل في قصيدة أخرى للقاضي أبي يعلى حمزة بن عبد الرزاق بن أبي حصين٢. وقد حفزه الجهل الشائع بين الناس - وأحياناً بين الفقهاء من اقرانه - إلى أن يترجم لبعض الناس من غير المشهورين ، كترجمته لمطرف الصنعاني ، ولم يفعل ذلك إلا لأن الناس لا يعرفونه ، ولأن صاحبه العماد ابن باطيش نفسه قد أخطأ فيه فظنه مطرف بن الشخير٣ . ولقد بدأ المؤلف عمله انتقائياً يستمدّ مادته من عدة مصادر ثمّ يلائم بين أجزائها بدقة تجعل القارىء يحسّ بمدى ما بذله في سبيل الانتقاء والدقة معاً من جهد ، غير أنه انتهى استرسالياً يأخذ مادته من مصدر واحد ، أو مصدرين ، وكأنه يلخص تلخيصاً ، كذلك فعل في ترجمة أبي يوسف القاضي فأكثرها تلخيص عن تاريخ بغداد للخطيب ، وكذلك هي ترجمة يعقوب ابن الليث الصفار ملخصة عن كتاب أو اثنين ، وهذه هي حال تلك الترجمة الطويلة التي عقدها لصلاح الدين فانها - باستثناء الشئون الهامشية الاستطرادية فيها - ملخصة عن سيرة ابن شداد وعن الكامل في التاريخ لابن الأثير . ومنذ البداية كان تحديد معنى ((العين)) (مفرد أعيان) أمراً من العسير. تصوّره ، ففي الدور الأول من التأليف نجد المؤلف يتوقف عند أشخاص لا يدري شيئاً يقوله فيهم مثل أبي طالب أحمد بن بكر العبدي النحوي فقد ورد في ترجمته ((ولم أطلع على شيء من أحواله حتى أذكره ))٤ ؛ ومثل أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن أبي سهل الكاتب فقد قال فيه (( ولم أعلم من حاله شيئاً حتى أذكره ... وما ذكرته إلا لأجل كتابه (الخراج ) )) · ( الوفيات ٦ : ١٥٩ . ٢ الوفيات ٥ : ٢٧٠ . ٣ الوفيات ٥ : ٢٠٩ - ٢١٠. ٤ الوفيات ١ : ١٠١ ● المصدر نفسه . 75 غير أن التراجم التي تشبه هاتين الترجمتين قليلة في كتابه . وقد يستغرب المرء اصرار المؤلف على أن لا يترجم إلا لمن يعرف سنة وفاته ثم على أن يختار الترتيب الأبجدي من بعد ، ذلك لأن الترتيب الأيجدي قد أفسد على المؤلف ما يمكن أن يؤديه تحديد تاريخ الوفاة للقارىء من قيمة زمنية ، إذا شاء أن يتصوّر تطوّر الحياة الثقافية والأحداث التاريخية حسب تسلسل الزمن ؛ وربما كان أقرب تعليل لهذه الظاهرة هو أن المؤلف لم يتمسك بالتاريخ الدقيق لسنة الوفاة إلا بعد أن اطلع على ما صنعه أستاذه المنذري في ((التكملة لوفيات النقلة)) فتأثر به ، وأعجبته دقته ، فحاول أن يحاكي صنيعه ، ولكنه حين أخذ في ترتيب كتابه كان يريد أن يخرجه في صورة مغايرة للتي درج عليها أستاذه في ذلك الكتاب ، فاختار الترتيب على حروف الهجاء ليكفل لنفسه الاستقلال ؛ ولكنه لم يلتزم الترتيب الهجائي إلاّ في الاسم الأول ولم يراع ذلك في الأسماء الواردة في سلسلة النسب واضطرب لديه الترتيب في حرف العين كثيراً فجاء ((عبد الملك)) قبل ((عبد السلام)) وورد اسم ((عبد الجبار)) بعد ((عبد الكريم)). وحين تباعد طرفا الكتاب وانتشرت أجزاؤه حاول المؤلف أن يربط بينها لكي ينضبط له الكتاب وتتضح معالمه أمامه ، فأخذ يكثر من التحويلات إلى ما تقدم ذكره أو إلى ما سيأتي من بعد ، ولكنه رغم ذلك لم يسلم من وهم عارض أو نسيان ، فقد وعد بايراد ترجمة لأبي بكر محمد بن علي الماذراني ولم يفعل١ وأحال على بيعين ذكرهما في ترجمة العلم الشاتاني ، ولا وجود لهما في المسودة أو في النسخ الأخرى٢ ، وكذلك وجه انتباه القارىء إلى منام ذكره في ترجمة المعتمد ابن عباد إلا أنه لم يرد في النسخ ٣ وقال انه ضبط أسماء أجداد يحيى بن منده في ترجمة جده أبي عبد الله محمد ، ولم يرد شيء من ذلك ٤، ولعلّ المؤلف أدرج هذا الذي ذكره كله في ١ الوفيات ٢ : ٢٥٠. ٢ الوفيات ٤ : ٨٤ . ٣ الوفيات ٥ : ١٨١ . ٤ الوفيات ٦ : ١٧١ . 76 أوراق ملحقة ، ثم ضاعت تلك الأوراق ، فان في مسودته مواضع كثيرة ينبه فيها إلى وجود ((تخريجة)) ولا وجود لهذه التخريجة نفسها ، كما أن هناك تحويلات أخرى على كراريس كان يحتفظ بها ، وبقيت التحويلات وضاعت الكراريس١ . على أنا لو فرضنا أن هذه التحويلات كانت ناشئة عن الوهم والنسيان فانها لا تستطيع أن تكون ، هي والتساهلات التي خرجت بالمؤلف عن خطته اضطراراً أو اختياراً ، أمراً يقلل من قيمة هذا العمل الذي قام به ابن خلكان ، وما أقلّ الكتب التي لقيت تقديراً وعناية وحظوة ، كذلك التقدير وتلك العناية والحظوة التي لقيها كتابه على مرّ الزمن ، سواء أكان ذلك بالتنويه بشأن الكتاب ، أو بالاكثار من استنساخه ، أو بجعله مركزاً لدائرة كبيرة من المؤلفات التي ذيلت أو الحقت به ، أو بالاقتباس منه والاعتماد على ما ورد فيه من معلومات ، أو باختصاره أو باستخراج تراجم منفردة منه ؛ ويطول بي القول لو أردت أن أقف عند كل ظاهرة من هذه الظواهر المذكورة . ذلك لأن هذا المعجم في التراجم قد تميز بخصائص ومميزات أفردته في الاعتبار ، وجعلته موضع ثقة الآخذين عنه . وفي مقدمة هذه المميزات أنه جعل عاماً جامعاً ، وتلك ميزة في غيره تتحوّل إلى نقيصة أحياناً ، ولكنها لم تصبح كذلك فيه لسببين هامين : أولهما شدة تحرّي المؤلف في النخل والانتقاء ، والثاني سعة المصادر التي اعتمد عليها ، ولهذا جاء معجماً متوسط الحجم يسهل نسخه والرجوع إليه ، بخلاف المؤلفات ذات الأجزاء الكثيرة . وقد تمثلت خصائص المؤلف نفسه في كتابه ، وكان من أهمها الأمانة والنزاهة والعدالة ؛ فهناك أمانة في النقل ، لا يسمح المؤلف لنفسه معها بالتجوز في شيء ، حتى إذا صاغ خبراً من الذاكرة أشار إلى ذلك٢، وهناك نزاهة في الحكم على الأشخاص مهما كانوا يختلفون عن المؤلف في العقيدة أو في ١ انظر نموذجاً من ذلك في الوفيات ٦: ٥٥، ٤ : ٣٩٩. ٢ انظر مثالا على ذلك في الوفيات ٦ : ٤٧ . ٦ - ٧ * 77 منحى الحياة، وقد كفلت تلك النزاهة بروح القاضي العادل الذي لا يستطيع أن يتساهل في الخروج عن الانصاف . وقد برز ميل ابن خلكان إلى الاعتدال واضحاً في كتابه ، فانه كان يعالج تراجمه بسماحة خلق وسعة صدر ، وحسبنا أن نذكر كيف أنه ترجم لابن الراوندي ترجمة لم تعجب كثيراً ممن جاءوا بعده لأنه لم يحطّ فيها عليه ولم يصفه بالكفر والالحاد ؛ ويتمتع الكتاب بدقة فائقة ، لا من حيث الاختيار والانتقاء وحسب ، بل من حيث الضبط لكلّ ما يظن المؤلف أن القارىء بحاجة إلى ضبطه ؛ وهذا ما يجعل الوفيات مصدراً هاماً لضبط الأعلام وأسماء الأماكن . وانعكست على الكتاب صفتان أخريان من صفات المؤلف ؛ أولاهما الروح الأدبية ، ولهذا كانت التراجم موضعاً للنزاع بين روح المؤرخ وروح الأديب ، ولكن المؤلف كان على وعي بما يصنع ، وكان ميله إلى الشعر يجعله أحياناً يجهد في البحث عن شعر لأشخاص ليس لهم في ميدان الشعر نصيب كبير، كما أنه أضاع ترجمة كاملة في حلّ لغز١؛ والثانية تحرّجه الكثير مما يدعى الغيبة أو ذكر السيئات ، فقد تجاوز في هذه الناحية عن ذكر أشياء لم يتجاوز عنها الآخرون ؛ كانت رؤيته للحسنات أوسع منظوراً من رؤيته للعيوب ، وتلك خاصية تمثلها تمام التمثيل القصة التي مرّت بنا عن العدلين اللذين كانا يشربان الخمر ؛ وقد اتخذ تلك الخاصية مبدأ في مناقشة ما يورده الآخرون ، فهو ينقل ما قاله الفتح ابن خاقان في ابن باجة ويعلق على ذلك بقوله : (( ولقد بالغ ابن خاقان في أمره وجاوز الحدّ فيما وصفه به من هذه الاعتقادات الفاسدة، والله أعلم بكنه حاله))٢ ولم يورد تعليلاً لاعتقاده هذا ، كأن يبحث عن أسبابه في العداء بين ابن خاقان وابن باجة ، وإنما قال ما قال استئناساً منه إلى شعوره النفسي الذي يكره التمادي في إبراز العيوب . وقد يقال ان مثل هذا يناقض روح العدالة الصارمة ، ولكن الحكم على شئون الماضي إنما هو في الغالب حكم على قضايا ضاعت شواهدها اليقينية ، ومن ١ انظر الوفيات ٦ : ٢٥٥ . ٢ الوفيات ٤ : ٤٣٠ . 78 العدالة في هذا الموقف ، التوقف دون الترجيح ، أو الاستئناس إلى روح الاعتدال لدى البت في أمرٍ ما . وقد حجب المؤلف كثيراً من الحكايات المتصلة بالعبث ، ومع أنه أباح لنفسه ايراد الاحماض بعد أن قطع شوطاً كبيراً في تأليفه ، فانه في الجملة ظلّ أقرب تعلقاً بروح الجدّ فيما يورده من أخبار . ومن الانصاف أن نقول إن الروح الأدبية أو ميله إلى جانب الحسنات لم يستطيعا أن يكبّلا روح المؤرخ الناقد لديه ، فهو حصيف شديد التنبه في هذه الناحية ، إذا نقل خبرين متعارضين - رغم تفاوت الزمن - نبّه إلى هذا التعارض ، وإذا اقتبس مادة من كتاب لم يرسلها - كما ترسل الروايات .- دون محاكمة أو تمحيص . ذكر نقلاً عن المرزباني أنّ والد الفراء حضر وقعة الحسين بن عليّ ، فتعقبه في هذا لأن الفراء الذي عاش ٦٣ سنة ، ولد سنة ١٤٤ بينما كانت معركة كربلاء سنة ٦٣ ، ومن غير المعقول أن يحضر والده تلك المعركة ويعيش ذلك العمر المديد١؛ ونقل عن الخطيب أن يحيى بن معين توفي في ذي القعدة سنة ٢٣٣ وأنه حج في تلك السنة ، وهذا متناقض لأنه لا يمكن أن يحج وأن تكون وفاته في ذي القعدة ٢ ، وهكذا مضى في مواضع مختلفة من كتابه يناقش ويقرّر ، وكان أكثر نقده معتمداً على الحساب الزمني . ومهما أوتي المرء من قوة النزاهة وروح العدالة ، فان هناك مؤثرات - ربما كانت لا شعورية - تظل تفعل فعلها في نفسه ، وخصوصاً حين يواجه المرء صعوبة الاختيار والتحديد ، وهي صعوبة لا مفرّ منها حين يكون المقياس في التمييز غامضاً أو مطاطاً . ويلحظ الدارس أن ابن خلكان كانت توجهه في اختياره عوامل كامنة لا يستطيع أن ينفك منها ؛ وفي هذا المقام يجب أن نتذكر أن ابن خلكان كان إربلياً برمكياً شافعياً، فاذا أبرز دور الاربليين أو أطنب في الحديث عن البرامكة أو استكثر من تراجم الشافعية ، فانه لم ١ الوفيات ٦ : ١٨٢ . ٢ الوفيات ٦ : ١٤١ . 79 يكن يفعل ذلك بداعي التعصب ولكن الانتماء يحدّد أحياناً مجالات الاختيار ، ولنأخذ القضية الثالثة وهي أبرز القضايا ، أعني انتماءه إلى المذهب الشافعي ، فقد أوحت له نشأته على هذا المذهب بوفور ((الأعيان)) بين الشافعية دون أن يكون متعصباً لهم ، وسهّل عليه أبو اسحاق الشيرازي حين اطلع على كتابه ((طبقات الفقهاء)) أمر الاختيار، فهو يتحدث عنهم واثقاً من دورهم الكبير في تاريخ الفكر والفقه الشافعيين ، وقد عددت الشافعية في تراجم الأجزاء الأربعة الأولى فوجدتهم يبلغون مائة وخمساً وخمسين ترجمة (من أصل ٦٨٠)، وهذه نسبة تتجاوز ٢٢ بالمئة من ذلك المجموع ، فاذا أغفلنا تراجم الذين تقدّموا الشافعي في الزمن ، ومن لا ينسبون إلى مذهب معين ، ارتفعت تلك النسبة إلى أكثر من ذلك . على أية حال ليست هذه الملاحظة انتقاداً لابن خلكان على أية ترجمة أوردها ، ولكنا حين نأخذ مقياسه مأخذ الجدّ ونحاسبه عليه ، تثور لدى الباحث نواح كثيرة صالحة للتأمل والتدقيق ، غير أنا كنا أسعد حالاً لو أنه زاد من مصادره وزاد من عدد تراجمه ، ولم يتوقف حيث كان يسأم الاطالة ، إذ أن الدارس الحديث أعرف بقيمة كل حقيقة صغيرة تذلل لديه عقبة من عقبات البحث العلمي ، وربما كانت حاجته إلى معجم يورد تراجم المغمورين تفوق حاجته إلى معجم يقتصر على ذكر الأعيان . وربما كانت كلمة ((مؤرخ)) التي استعملتها في الحديث عن ابن خلكان غير دقيقة ، ولهذا أسرع إلى القول بأنه كانت لديه أدوات المؤرخ ولكنه لم يكتب تاريخاً ، ولم يمكنه الزمن إلا من تسليط وعي المؤرخ النابه على مجموعة من التراجم، بل لعلّه فيما يبدو بدأ في التاريخ، أو بجمع الاخبار عامة ، ثم بدّدها في جزئيات صغيرة، كان لديه تاريخ للصفاريين أدرجه في ترجمة واحدة، وتاريخ السلاجقة وآخر للعبيديين ورابع للأيوبيين ، ومن قرأ التراجم بدقة وجد أنها ((فِصَلٌ)) من كلّ كبير . هل كان إحساسه بما يدور حوله هو السبب في أنه لم يقدم على كتابة تاريخ : كان يعلم أن ابن المستوفي منصرف إلى تاريخ إربل، وأن ابن الشعار يؤرخ لشعراء الزمان، وأن ابن العديم يخط 80