Indexed OCR Text

Pages 21-40

١
وحج المهدي في سنة ستين ومائة ويعقوب معه ، وفي سنة إحدى وستين
تقدم إليه بتوجيه الأمناء إلى العمال في جميع الآفاق ففعل ذلك ، فلم يكن
ينفذ شيء من الكتب للمهدي حتى يرد كتاب من يعقوب إلى أمينه بانفاذه ،
وكان ١ وزير المهدي أبا عبيد اللّه معاوية بن عبد الله بن يسار الأشعري الطبراني
صاحب مربعة عبيد الله ببغداد ، وكان جده يسار مولى عبد الله بن عضاه
الأشعري ، فلم يزل الربيع بن يونس - المقدم ذكره في حرف الراء٢ - يسعى
به إلى المهدي وصحح على ابنه الزندقة فقتله المهدي ، وكان الربيع بعد ذلك
يقبح أمره عنده ويقول له : لا تثق به بعد قتلك ابنه ، ويذكر كفاية يعقوب
ابن داود ، حتى عزله عن الوزارة وأفرده في ديوان الرسائل ، واستوزر
يعقوب في سنة ثلاث وستين . .
ثم إن المهدي عزل أبا عبيد الله عن ديوان الرسائل في سنة سبع وستين ،
ورتب فيه الربيع بن يونس المذكور ، وكان أبو عبيد اللّه يصل إلى المهدي
على عادته رعايةً منه لخدمته ، فقال في ذلك علي بن الخليل الكوفي ٣ من جملة
أبيات :
قل للوزير أبي عبيد اللّه هَلْ من باقيه
يعقوبُ يلعبُ بالأمو رٍ وأنت تنظر ناحيه
أدخلته فَعَلا عليك كذاك شوْم الناصيه
وأخذت حَتْفَكَ جاهداً بيمينك المتراخيه
وغلب يعقوب على أمور المهدي كلها ، وكان المنصور قد خلف في
بيوت المال تسعمائة ألف ألف درهم وستين ألف درهم ، وكان الوزير أبو
عبيد اللّه يشير على المهدي بالاقتصاد في الإنفاق وحفظ الأموال ، فلما عزل
١ هنا ضاعت ورقة فيها خط المؤلف ، وكمل النقص بخط حديث .
٢ ٣ ٢ : ٠٢٩٤
٣ ترجمته في الأغاني ١٤: ١٦٦ والأبيات في ص : ١٦٩ .
٢١

وولي يعقوب زيّن له هواه ، فأنفق الأموال وأكب على اللذات والشرب
وسماع الغناء ، واشتغل يعقوب بالتدبير ، ففي ذلك يقول بشار بن برد
الشاعر المشهور - المقدم ذكره في حرف الباء١ -:
إن الخليفةَ يعقوبُ بن داود
بني أمية هُبّوا طال نومكُمُ
خليفةَ اللّه بين الزق ٢ والعود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا
وكان أبو حارثة النهدي يتقلد خُزُنَ بيوت الأموال ، فلما خلت من
المال دخل إلى المهدي ومعه المفاتيح وقال له : إذا كنت قد أنفقت جميع
الأموال فما معنى هذه المفاتيح معي ؟ مر من يقبضها مني ، فقال له المهدي :
دعها معك فإن الأموال تأتيك . ثم سير في استحثاث الأموال فوردت عليه
في مدة يسيرة ، وقَصّر في النفقات قليلاً فتوفرت الأموال ، وتشاغل أبو
حارثة في قبض ما ورد عليه وتصحيحه ، فلم يدخل إلى المهدي ثلاثة أيام ،
فقال المهدي : ما فعل هذا الأعرابي الأحمق ؟ فخبر بالسبب في تأخره،
فدعا به وقال له : ما أخرك عنا؟ فقال: ورود الأموال ، فقال : يا أحمق
توهمت أن الأموال لا تأتينا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن الحادث لو حدث
واحتيج إلى المال ولم يصلح إلا به لم ينتظر حتى يوجه في حمل الأموال
وروي أن المهدي حج في بعض السنين فمر بميل وعليه كتابة ، فوقف
وقرأه فإذا هو :
لله درك يا مهديّ منِ رجلٍ
لولا اتخاذك يعقوب بن داود
فقال لمن معه : اكتب تحته على رغم أنف الكاتب لهذا وتعساً لحده !
فلما انصرف وقف على الميل فقلنا : لم يقف عليه إلا لشيء قد علق بقلبه
من ذلك الشعر ، فكان كذلك لأنه أوقع بيعقوب بعد قليل .
١ أنظر:ج ١ : ٢٧١
٢ المختار: الدف؛ بر من: الدن.
٢٢

وكثرت الأقوال في يعقوب ووجد أعداؤه مقالا فيه وذكروا خروجه
على المنصور مع إبراهيم بن عبد الله العلوي، وعرفه بعض خدمه أنه سمعه
يقول : بنى هذا الرجل مستنزهاً أنفق عليه خمسين ألف ألف درهم من
أموال المسلمين ، وكان المهدي قد بن عيسى باد ، وأراد المهدي أمراً فقال
له يعقوب: هذا يا أمير المؤمنين من السّرَف١، فقال له : ويلك ، وهل
يحسن السرف إلا بأهل الشرف ؟ وكان يعقوب قد ضجر مما كان فيه
وسأل المهدي الإقالة وهو يمتنع .
ثم إن المهدي ٢ أراد أن يمتحنه ٣ في ميله إلى العلوية ، فدعا به يوماً
وهو في مجلس فُرُشُه موردة وعليه ثياب موردة وعلى رأسه جارية على رأسها
ثياب موردة وهو مشرف على بستان فيه شجر فيه صنوف الأوراد ، فقال
له : يا يعقوب، كيف ترى مجلسنا هذا؟ قال: على غاية الحسن ، فمتّع
اللّه أمير المؤمنين به ، فقال له: جميع ما فيه لك وهذه الجارية لك ليتم
سرورك ، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم ، فدعاً له ، فقال له المهدي :
ولي إليك حاجة ، فقام يعقوب قائماً وقال : يا أمير المؤمنين ما هذا القول
إلا لموجدة وأنا أستعيذ بالله من سخطك، فقال : أحب أن تضمن لي قضاءها ،
فقال: السمع والطاعة، فقال له: واللّه، فقال: والله- ثلاثا، فقال
له : ضع يدك على رأسي واحلف به ، ففعل ذلك ، فلما استوثق منه قال
له : هذا فلان بن فلان ، رجل من العلوية ، أحبّ أن تكفيني مؤونته، وتريحني
منه فخذه إليك. فحوله إليه وحول إليه الجارية وما كان في المجلس والمال ،
فلشدة سروره بالجارية جعلها في مجلس تقرب منه ليصل إليها ، ووجه فأحضر
العلوي فوجده لبيباً فهماً فقال له : ويحك يا يعقوب تلقى الله تعالى بدمي ،
١ ر : فيه سرف
٢ إنظر الجهشياري: ١٦٠
٣٠٠ هنا تعود النسخة بخط المؤلف
٢٣

وأنا رجل من ولد فاطمة رضي الله عنها بنت محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال
له يعقوب : يا هذا أفيك خير ؟ فقال : إن فعلت خيراً معي شكرت ودعوت
لك ، فقال له : خذ هذا المال وخذ أي طريق شئت ، فقال : طريق كذا
وكذا آمن لي ، فقال له امض مصاحباً . وسمعتِ الجارية الكلام كله ،
فوجهت مع بعض خدمها به وقالت : قل له : هذا فعلُ الذي آثرته على
نفسك بي ، وهذا جزاؤُك منه ؛ فوجه المهدي فشحن الطريق حتى ظفر بالعلوي
وبالمال ، ثم وجه إلى يعقوب فأحضره ، فلما رآه قال : ما حال الرجل ؟
قال : قد أراحك اللّه منه، قال : مات ؟ قال : نعم ، قال : والله ؟
قال : والله ، قال : فضع يدك على رأسي ، فوضع يده على رأسه وحلف
له به ، فقال : يا غلام أخرج إلينا مَنْ في هذا البيت ، ففتح بابه عن
العلوي والمال بعينه ، فبقي يعقوب متحيراً وامتنع الكلام عليه فما دَرَى
ما يقول ، فقال له المهدي : لقد حل دمك ، ولو آثرت إراقته لأرقته ،
ولكن احبسوه في المطبق ، فحبسوه ، وأمر بأن يطوى عنه خبره وعن كل
أحد . فأقام فيه سنتين وشهوراً في أيام المهدي وجميع أيام الهادي موسى بن
المهدي وخمس سنين وشهوراً من أيام هارون الرشيد ، ثم ذكر يحيى بن
خالد البرمكي أمره وشفع فيه فأمر باخراجه ، فأخرج وقد ذهب بصره ،
فأحسن إليه الرشيد ، وردًّ ماله ، وخيّرهُ المقام حيث يريد ، فاختار
مكة ، فأذن له في ذلك ، فأقام بها حتى مات في سنة سبع وثمانين ومائة .
ولما أطلق يعقوب سأل عن جماعة من إخوانه فأخبر بموتهم فقال :
فهم ينقصون والقبورُ تزيدُ
لكل أناسٍ مَقْرٌ بفنائهم
همُ جيرةُ الأَحْيَاءِ أما محلهم فدانٍ ، وأما الملتقى فبعيد
قلت : هذان البيتان في باب المرائي في كتاب ((الحماسة))١.
١
شرح المرزوقي رقم : ٢٩٧، وانظر الجهشياري : ١٦٣.
٢٤

قلت: هكذا ذكر تاريخ وفاته محمد بن عبدوس الكوفي المعروف بالجهشیاري
في كتابه ((تاريخ الوزراء )) وذكر غيره أن يعقوب بن داود مات في سنة
اثنتين وثمانين ومائة ، والله أعلم بالصواب .
وقال عبد الله بن يعقوب بن داود : أخبرني أبي أن المهدي حبسه في
بئر وبنى عليها قبة، قال: فمكثتُ فيها خمس عشرة سنة، وكان يدلّى لي فيها
كل يوم رغيف خبز وكوز ماء وأُوذن بأوقات الصلوات ، فلما كان
في رأس ثلاث عشرة سنة أتاني آتٍ في منامي فقال١ :
حنا علی یوسف ربّ فأخرجه .
من قعرِ جبٍّ وبيتٍ حوله غُمَمُ ٢
قال : فحمدت الله تعالى وقلت: أتاني الفرج، ثم مكثت حولاً لا
أرى شيئاً ، فلما كان رأس الحول الثاني أتاني ذلك الآتي فأنشدني :
عسى فرجٌ يأتي بسه اللّه إنه له كلّ يوم في خليقتِه أمرٌ
قال : ثم أقمت حولاً آخر لا أرى شيئاً ، ثم أتاني ذلك الآتي بعد الحول
فقال :
يكون وراءهُ فرجٌ قريبٌ
عسى الكربُ الذي أمسيتَ فيه
ويأتي أهله النسائي الغريب
فيأمنُ خائفٌ ويفك عان
فلما أصبحت نوديت ، فظننت أني أوذن بالصلاة ، فدلي لي حبل أسود
وقيل لي : اشْدُدْ به وسطك ، ففعلت وأخرجت ، فلما قابلت الضوء عشي
بصري، فانطلقوا بي ، فأدخلت على الرشيد فقيل لي : سلم على أمير المؤمنين
فقلت : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، المهدي ، فقال
الرشيد : لست به ، فقلت : السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ،
الهادي ، فقال: لست به فقلت : السلام على أمير المؤمنين ورحمة اللّه
١ ينقطع هنا خط المؤلف، ويستكمل النص بخط آخر ، وانظر تاريخ بغداد : ٢٦٤
٢٠ ر س بر : عم
٢٥

وبركاته، فقال: الرشيد، فقلت: الرشيد١، فقال: يا يعقوب بن داود، إنه والله
ما شفع٢ فيك إليّ أحد ، غير أني حملت الليلة صبية لي على عنقي فذكرت
حملك إياي على عنقك ، فرثيت لك من المحل الذي كنت به فأخرجتك ،
وكان يعقوب يحمل الرشيد وهو صغير يلاعبه .
(368) ولما حبس المهدي يعقوب وتب في الوزارة أبا جعفر الفيض بن أبي.
صالح٣، وكان من غلمان عبد الله بن المقفع ، وكان شديد الكبر ، وكان أبوه
نصرانياً ، وفيه يقول الشاعر :
أَحْوَجَكَ اللّه إلى الفيضِ
يا حابسي عن حاجتي ظالماً
كأنما يمشي على البيض
ذاك الذي يأتيك معروفه
وطَهْمان : بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء وبعدها ميم وبعد الألف
نون
(369) وكانت ولادة أبي عبيد الله معاوية الأشعري في سنة مائة، وتوفي سنة
سبعين ومائة ، وقيل في سنة تسع وستين ، وقيل مات في الوقت الذي مات
فيه موسى الهادي ، وكانت وفاته ببغداد ، ودفن في مقابر قريش.
وتوفي الفيض في سنة ثلاث وسبعين ومائة .
وتولى الوزارة بعده الربيع بن يونس - وقد سبق ذكره في ترجمة بشار
ابن برد الشاعر ٤- وذكر أن يعقوب بن داود أعان على قتله .
(370) ولما مات يعقوب رثاه أبو حنش الهلالي، وقيل النميري، واسمه حضير
ابن قيس البصري وعاش مائة سنة، بأبيات هي في كتاب ((الحماسة)) أولها":
فليبكين زمانك الرطب الثرى
يعقوب لا تَبْعِدْ وجُنّبت الردى
١ س: فقلت السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال: الرشيد .... الخ
٢ ر : تشفع
٣. انظر الجهشياري: ١٦٤
٤ انظر ١ : ٢٧٣
٥ الخماسية رقم: ٣٢٥ والجهشاري: ١٦٣ وسماه ((حصين بن قيس)»
٢٦٠

٨٣١
يعقوب بن كلِّس
أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن إبراهيم بن هارون بن داود بن كلّس،
وزير العزيز نزار بن المعز العبيدي صاحب مصر - المقدم ذكرهما - ،
کان يعقوب أولاً يهودياً يزعم أنه من ولد هارون بن عمران أخي موسى بن
عمران ، عليهما السلام ، وقيل إنه كان يزعم١ أنه من ولد السموأل بن
عاديا اليهودي صاحب الحصن المعروف بالأبلق ، وهو المشهور بالوفاء ،
وقصته مع امرىء القيس الكندي الشاعر المشهور مشهورة مستفيضة بين العلماء
في الوفاء له في ودائعه.
وكان يعقوب المذكور قد ولد ببغداد ونشأ بها عند باب القز ، وتعلم
الكتابة والحساب ، وسافر به أبوه من بغداد إلى الشام ، وأنفذه إلى مصر سنة
إحدى وثلاثين وثلثمائة فانقطع إلى بعض خواص الاستاذ كافور الإخشيدي
- المقدم ذكره٢ - فجعله كافور على عمارة داره ، ثم صار ملازماً لباب
داره ، قرأمی کافور من نجابته وشهامته وصيانته ونزاهته وحسن إدراكه
ما تفقّ عليه، فاستحضره وأجلسه في ديوانه الخاص ، وكان يقف بين يديه
ويخدم ويستوفي الأعمال والحسابات ٣، ويدخل يده في كل شيء ، ثم
٨٣١- ترجمته في ابن الصيرفي: ١٩ والنجوم الزاهرة ٤: ٢١ وابن ميسر : ٤٥ ، ٥١
ومرآة الجنان ٢: ٢٥٠ وابن الأثير (ج: ٩) والمواعظ والاعتبار ٢: ٥ - ٨ وابن
القلانسى: ٣٣ واتعاظ الحنفا (صفحات متفرقة) والدرة المضية (في مواطن مختلفة) ..
١ أنه كان يزعم : سقطت من ع .
٠٠٢
٣ ع: والحسبانات
٢٧

لم تزل أحواله تتزايد مع كافور حتى صار الحجاب والأشراف يقومون له
ويكرمونه ، ولم تتطلع نفسه إلى اكتساب مال ، وأرسل له كافور شيئاً فرده
عليه وأخذ منه القوت خاصة . وتقدم كافور إلى سائر الدواوين أن لا يمضي
دينار ولا درهم إلا بتوقيعه، فوقع في كل شيء. وکان یبر ويصل من اليسير
الذي أخذه ، هذا كله وهو على دينه . ثم إنه أسلم يوم الإثنين لثماني عشرة
ليلة خلت من شعبان سنة ست وخمسين وثلثمائة ، ولزم الصلاة ودراسة
القرآن الكريم ، ورتب لنفسه رجلاً من أهل العلم شيخاً عارفاً بالقرآن المجيد
والنحو حافظاً لكتاب السيرافي ، فكان يبيت عنده ويصلي به ويقرأ عليه ،
ولم تزل حاله تزيد وتنمي مع كافور إلى أن توفي كافور في التاريخ المذكور
في ترجمته .
وكان أبو الفضل جعفر بن الفرات - المقدم ذكره في حرف الجيم١ -
وزير كافور يحسده ويعاديه ، فلما مات كافور قبض ابنُ الفرات على جميع
الكتاب وأصحاب الدواوين ، وقبض على يعقوب بن كِلّس في جملتهم ،
فلم يزل يتوصل ويبذل الأموال حتى أفرج عنه ، فلما خرج من الاعتقال
اقترض من أخيه ومن غيره مالاً وتجمل به وسار مستخفياً قاصداً بلاد المغرب
فلقي القائد جوهر بن عبد الله الرومي مولى المعز العبيدي - المقدم ذكره٢-
في الطريق ، وهو متوجه بالعساكر والخزائن إلى الديار المصرية ليملكها ،
فرجع في الصحبة ، وقيل إنه استمر على قصده وانتهى إلى إفريقية وتعلق
بخدمة المعز العبيدي - المقدم ذكره٣ - ثم رجع إلى الديار المصرية ، ولم يزل
يترقى إلى أن ولي الوزارة للعزيز نزار بن المعز معدّ ، وعظمت منزلته عنده
وأقبلت عليه الدنيا ، وانثال الناس عليه ولازموا بابه ، ومَهّد قواعد الدولة
وساس أمورها أحسن سياسة ، ولم يبق لأحد معه كلام . وكان في أيام المعز
١ انظر جـ ١ : ٣٤٦
٢ ج ١ : ٠٣٧٥ .
٢٢٤
٢٨

يتصرف في الخدم الديوانية ، ثم انتقل إلى العزيز من بعده وتولى وزارة العزيز
يوم الجمعة ثامن عشر رمضان سنة ثمان وستين وثلثمائة .
وقال ابن زولاق في تاريخه ، بعد ذكر المعز وتاريخ وفاته ، ما مثاله :
((وممن وزر للمعز الوزير يعقوب بن كلّس، وهو أول من وزر الدولة الفاطمية
في الديار المصرية ، وكان من جملة كتاب كافور ، فلما وصل المعز أحسن
في خدمته وبالغ في طاعته إلى أن استوزره ))؛ هذا آخر كلام ابن زولاق .
وقال غيره : كان يعقوب يحب أهل العلم ويجمع عنده العلماء ، ورتب
لنفسه مجلساً في كل ليلة جمعة يقرأ فيه بنفسه مصنفاته على الناس ، وتحضره
القضاة والفقهاء والقراء والنحاة وجميع أرباب الفضائل وأعيان العدول وغيرهم
من وجوه الدولة وأصحاب الحديث ، فإذا فرغ من مجلسه قام الشعراء
ينشدونه المدائح .
وكان في داره قوم يكتبون القرآن الكريم وآخرون يكتبون كتب الحديث
والفقه والأدب ، حتى الطب ، ويعارضون ويشكلون المصاحف وينقطونها .
وكان من جملة جلسائه الحسين بن عبد الرحيم المعروف بالزلازلي مصنف
كتاب ((الأسجاع)). ورتب في داره القراء والأئمة يصلون في مسجد اتخذه
في داره؛ وأقام في داره مطابخ لنفسه ولجلسائه، ومطابخ لغلمانه وحاشيته
وأتباعه ، وكان ينصب كل يوم خِوَاناً لخاصته من أهل العلم والكتاب وخواص
أتباعه ومن يستدعيه ، وينصب موائد عديدة يأكل عليها الحجاب وبقية
الكتاب والحاشية . وصنع في داره ميضأة للطهور بثمانية بيوت تختص بمن
يدخل داره من الغرباء . وكان يجلس كل يوم عقب صلاة الصبح ويدخل
عليه الناس للسلام ، وتعرض عليه رقاع الناس في الحوائج والظلامات .
وقرر عند مخدومه العزيز جماعة جعلهم قواداً يركبون بالمواكب والعبيد ،
ولا يخاطب واحد منهم إلا بالقائد ، وكان من جملة هؤلاء القواد القائد
أبو الفتوح فضل بن صالح الذي تنسب إليه منية القائد فضل ، وهي بليدة
بالأعمال الجيزية من الديار المصرية .
٢٩

ثم إن الوزير المذكور شرع في تحصین داره ودور غلمانه بالدروب والحرس
والسلاح والعدد ، وعمرت ناحيته بالأسواق وأصناف ما يباع من الأمتعة
ومن المطعوم والمشروب والملبوس . ويقال إن داره كانت بالقاهرة في موضع
مدرسة الوزير صفي الدين أبي محمد عبد الله بن علي المعروف بابن شكر المختصة
بالطائفة المالكية ، وإن ١ الحارة المعروفة بالوزيرية التي بالقاهرة داخل باب
سعادة منسوبة إلى أصحابه ، لأنهم كانوا يسكنونها
وكان الوزير أبو الفضل ابن الفرات - المقدم ذكره - يغدو إليه ويروح
ويعرض عليه محاسبات القوم الذين يريد محاسبتهم ويعول عليه فيها ويجلس
معه في مجلسه وربما حبسه لمواكلته فيأكل معه بعد أن جرى عليه منه ما
سبق ذكره
وكانت هيبته عظيمة وجوده وافراً ، وأكثر الشعراء من مدائحه . ولقد
نظرت في ديوان أبي حامد أحمد بن محمد الأنطاكي المنبوز بأبي الرقعمق
الشاعر - المقدم ذكره٢ - فوجدت أكثر مديحه في الوزير المذكور، والقصيدة
التي نقلت بعضها في ترجمته مدح بها الوزير المذكور . ورأيت في تاريخ
الأمير المختار عز الملك محمد بن أبي القاسم المعروف بالمسبحي -المقدم ذكره٣-
فصلاً طويلاً يتعلق بشرح حال الوزير المذكور ، ومعظم ما ذكرته ها هنا
نقلته منه
وصنف الوزير المذكور كتاباً في الفقه مما سمعه من المعز وولده العزيز،
وجلس في شهر رمضان سنة تسع وستين وثلثمائة مجلساً حضره العام والخاص
وقرأ فيه الكتابَ بنفسه على الناس ، وحضر هذا المجلس الوزير أبو الفضل
ابن الفرات المذكور ، وجلس في الجامع العتيق جماعة يفتون الناس من.
هذا الكتاب
وسمعت من جماعة من المصريين يقولون : إن الوزير المذكور كانت
١٠ عودة إلى خط المؤلف .
٢ ج ١ : ١٣١
٣-٤: ٣٧٧
٣٠

له طيور فائقة أصيلة مختارة تسبق كلّ طائر يسابقها ، وكان لمخدومه العزيز
طيور أيضاً سابقة فاخرة، فسابقه العزيزُ يوماً ببعض الطيور فسبق طائر الوزير،
فعز ذلك على العزيز ، ووجد أعداؤه سبيلاً إلى الطعن فيه ، فقالوا للعزيز :
إنه قد اختار من كل صنف أجوده وأعلاه ولم يبق منه إلا أدناه ، حتى الحمام ،
وقصدوا بذلك الإغراء به جداً منهم لعله يتغير عليه ، فاتصل ذلك بالوزير
فکتب إلى العزيز!
له العلا والنسب الثاقِبُ
قل لأمير المؤمنين الذي
جاء وفي خدمته حاجب
طائرك السابق. لكنه
فأعجبه ذلك منه وسُرّي عنه ما كان وَجَده عليه ؛ هكذا ذكره القاضي
الرشيد ابن الزبير - المقدم ذكره٢ - في كتاب ((الجنان )) وذكر غيره أن هذين
البيتين لوليّ الدولة أبي محمد أحمد بن علي المعروف بابن خير ان الكاتب الشاعر
المصري ، - وقد سبق ذكره في ترجمة أبي الحسن علي بن أحمد بن نوبخت
الشاعر٣- وإنما لم أفرده بترجمة لأني لم أظفر بتاريخ وفاته، وقد التزمت في
هذا الكتاب أني لا أذكر إلا مَنْ وقفتُ على تاريخ وفاته
وذكر أبو القاسم على بن منجب بن سليمان الكاتب المعروف بابن الصيرفي
المصري في جزء سماه ((الإشارة إلى من قال الوزارة)) ذكر فيه وزراء
المصريين إلى عصره، وابتدأ بذكر يعقوب المذكور فقال: ((كان كاتباً يهودياً
صائناً لنفسه محافظاً على دينه، جميل المعاملة مع التجار فيما يتولاه ، واتصل
بخدمة كافور الإخشيدي فحمد خدمته ، ورد إليه زمام ديوانه بمصر والشام
نضبطه له على حسب إرادته . وكان سبب حَظْوته عنده أن يهودياً قال
١ المواعظ والاعتبار : ٧ .
٢ انظر ج ٢ : ٣٣٩
٣ انظر ج ٣ : ٤٩
٣١

له : إن في دار ابن البلدي ١ بالرملة ثلاثين ألف دينار مدفونة ، وقد
توفي ، فكتب يعقوب إلى كافور رقعة يقول فيها : إن في دار ابن البلدي
بالرملة عشرين ألف دينار مدفونة في موضع أعرفه وأنا أخرجُ أحملها ،
فأجابه إلى ذلك ، وأنفذ معه البغال لحملها ، وورد الخبر بموت بُكتير بن
هرواز٢ التاجر ، فجعل إليه النظر في تركته . واتفق موت يهودي بالفَرَها
ومعه أحمال كتان ، فأخذها وفتحها فوجد فيها عشرين ألف دينار ،
فكتب إلى كافور بذلك، فتبرك به وكتب إليه بحملها ، فباع الكتان وحمل
الجميع وسار إلى الرملة، فحفر الدار التي لابن البلدي ١ وأخرج المال ،
وهو ثلاثون ألف دينار، فكتب إلى كافور : عرَفْتُ الأستاذَ أنها عشرون
ألف دينار ووجدت ثلاثين ألف دينار ، فازداد محله من قلبه، وتصوره بالثقة،
ونظر في تركة ابن هرواز٢ واستقصى وحمل منها مالاً كثيراً ، فأرسل إليه
کافور صلة كثيرة، فأخذ منها ألف درهم ورد الباقي وقال: هذه كفائي،
فزاد أمره عنده ، حتى إنه كان يشاوره في أكثر أموره .
وقال عبد اللّه أخو مسلم العلوي : رأيت يعقوب قائماً يسارّ كافورا ،
فلما مضى قال لي : أيّ وزير بين جنبيه؟!)).
وسار إلى المغرب وخدم المعز ، وتولى أمور العزيز في مستهل شهر
رمضان سنة ثمان وستين وثلثمائة ، ولقبه بالوزارة وأمر أن لا يخاطبه أحد
إلا بها ، ولا يكاتب إلا بذلك . ثم اعتقله في سنة ثلاث وسبعين وثلثمائة في
القصر ، فأقام معتقلاً شهوراً ثم أطلقه في سنة أربع وسبعين ورده إلى ما
كان عليه .
ووُجدَتْ رقعة في دار الوزير المذكور في سنة ثمانين وثلثمائة ، وهي
السنة التي توفي فيها ، ونسختها :
وَتَوَقّوا طوَّارِقَ الحدَثَان
احذَرُوا مِنْ حَوَادث الأزْمَان
١ س: ابن البكري ؛ وما في المتن ثابت في المسودة وابن الصير في .
٢٠٠ س: هزوان؛ ع بر : هروان ؛ وأثبتنا ما في المسودة .
٣٢

قدِ أَمنّمْ مِنَ الِمَانِ ونمتِمْ رُبّ خَوْفٍ مكمّنٍ في أمَان
فلما قرأُها قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، واجتهد أن يعرف
كاتبها فلم يقدر على ذلك .
ولما اعتل علة الوفاة آخر السنة المذكورة ركب إليه العزيز عائداً وقال
له : وددت أنك تباع فأبتاعك بملكي أو تقدی فأفديك بولدي ، فهل من
حاجة توصي بها يا يعقوب ؟ فبكى وقبل يده وقال : أما فيما يخصّني فأنت
أرعى لحقي من أن أسترعيك إياه، وأرأف على من أخلفه من أن أوصيك به،
ولكني أنصح لك فيما يتعلق بدولتك : سالِمِ الروم ما سالموك ، واقنع من
الحمدانية بالدعوة والسكة ، ولا تُبْقِ على مفرج بن دغفل بن جَرّاح إن
عرضت لك فيه فرصة . ومات ، فأمر العزيز أن يدفن في داره ، وهي المعروفة
بدار الوزارة بالقاهرة داخل باب النصر ، في قبة كان بناها ، وصلى عليه
وألحده بيده في قبره ، وانصرف حزيناً لفقده ، وأمر بغلق الدواوين أياماً بعده .
وكان إقطاعه من العزيز في كل سنة مائة ألف دينار ، ووجد له من العبيد
والمماليك أربعة آلاف غلام ، ووجد له جوهر بأربعمائة ألف دينار ، وبزّ
من كل صنف بخمسمائة ألف دينار . وكان عليه للتجار ستة عشر ألف دينار
فقضاها عنه العزيز من بيت المال وفرقت على قبره .
وذكره الحافظ ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) فقال: (( کان يهودياً من
أهل بغداد خبيئاً ذا مكر ، وله حيل ودهاء وفيه فطنة وذكاء . وكان في
قديم أمره خرج إلى الشام فنزل الرملة ، وصار بها وكيلا ، فكسر أموال
التجار وهرب إلى مصر ، فتاجر كافوراً الإخشيدي ، فرأى منه فطنةً وسياسة
ومعرفة بأمر الضياع فقال : لو كان مسلماً لصلح أن يكون وزيراً ، فطمع
في الوزارة ، فأسلم يوم جمعة في جامع مصر ، فلما عرف الوزير أبو الفضل
جعفر بن الفرات أمره قصده فهرب إلى المغرب ، واتصل بيهود كانوا مع
الملقب بالمعز ، وخرج معه إلى مصر ، فلما مات الملقب بالمعز وقام ولده
الملقب بالعزيز استوزر ابن كِلّس في سنة خمس وستين وثلثمائة ، فلم
٣-٧
٣٣

يزل مدبر أمره إلى أن هلك في ذي الحجة سنة ثمانين وثلثمائة)) .
وقال غيره : ابتدأ المرض بالوزير المذكور يوم الاحد الحادي والعشرين
من ذي القعدة سنة ثمانين وثلثمائة ، وأخذته سكتة ، ثم تزايد به المرض
واشتد، وانطلق لسانه ، ثم توفي ليلة الأحد على صباح الاثنين خمس خلون
من ذي الحجة من السنة المذكورة ، وكفن في خمسين ثوباً ، واجتمع الناس
كلهم من القصر إلى داره . وخرج العزيز وعليه الحزن ظاهر، وركب بغلته
بغير مظلة ، وكانت عادته أنه لا يركب إلا بها، وصلى عليه وبكى ، وحضر
مواراته .
ويقال إنه كفن وحنط بما مبلغه عشرة آلاف دينار ، وذكر من سمع
العزيز وهو يقول : واطول أسفي عليك يا وزير ، وبكى عليه القائد جوهر
بكاء شديداً ، وإنما كان بكاوَّه على نفسه لأنه عاش بعده سنة واحدة . وغدا
الشعراء إلى قبره ، ويقال إنه رثاه مائة شاعر ، وأخذت قصائدهم وأجيزوا.
وقيل إنه مات على دينه ، وكان يظهر الإسلام ، والصحيح أنه أسلم
وحسن إسلامه . وقال يوماً - وقد ذُكر اليهود في مجلسه - كلاماً يسوء
اليهودَ سماعهُ ، ثم بين عوراتهم وفساد مذهبهم ، وأنهم على غير شيء ،
وأن اسم النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة وهم يَجْحَدونه.
وكانت ولادته في سنة ثماني عشرة وثلثمائة ببغداد ، عند باب القز ،
رحمه اللّه تعالى .
وكلّس : بكسر الكاف واللام المشددة وبعدها سين مهملة.
والسّمَوْأل بن عادياء : بفتح السين المهملة والميم وسكون الواو وبعدها
همزة مفتوحة ثم لام .
وعادياء : بعين مهملة وبعد الألف دال مهملة مكسورة ثم ياء مثناة من
تحتها وبعدها همزة ممدودة
وأما القائد جوهر فقد تقدم ذكره في ترجمته .
(371) وأما القائد فضل فإنه كان رجلاً نبيلاً كريماً ممدحاً وإليه تنسب
٣٤

((مُنية القائد فضل)) البليدة التي في أعمال الجيزة التي قبالة مصر، وفيه
يقول أبو القاسم عبيد الغفار شاعر دولة الحاكم بن العزيز المذكور:
في وجوهِ المدائحِ
إنما الفضلُ غُرّةٌ
الروائح
عبقات
رياحه
أريميّ
ورائح
بينَ غاد
كعبةُ الجود كفّهُ
إنما تصلحُ الأمو رُ برأي ابن صالح
وكان مكيناً في دولة الحاكم المذكور ، ثم نقم عليه وحبسه وضربت
عنقه في محبسه يوم السبت عشيةً لإحدى وعشرين ليلة خلت من ذي القعدة
سنة تسع وتسعين وثلثمائة ، ولم يظهر منه جّزّع ، ولفّ في حصير ، وأُخرج
من الحجرة التي كان محبوساً بها ، رحمه الله تعالى.
(312) وأما أبو القاسم الشاعر المذكور، فإن الحاكم قتله مع جماعة من الأعيان
في يوم الأحد السادس والعشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وثلثمائة ،
وأحرقهم بالنار . وكان قتل الجميع في حجرة واحدة ، والله أعلم .
٨٣٢
يعقوب بن صابر المنجنيقي
أبو يوسف يعقوب بن صابر بن بركات بن عمار بن علي بن الحسين بن
علي بن حَوْثَرَة ، الحَرّاني الأصل البغدادي المولد والدار المَنْجَنيقي ، الملقب
نجم الدين ، الشاعر المشهور ؛ ذكره أبو عبد الله محمد بن سعيد المعروف بابن
الدّبيّي في تاريخه الذي جعله ذيلا لتاريخ الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن
٨٣٢- ترجمته في ابن الشعار ١٠: ١٤٤ والحوادث الجامعة: ٨ - ١١ والبداية والنهاية
١٣: ١٢٥ والشذرات ٥: ١٢٠ وأضاف الأستاذ الزركلي في الأعلام أن له ترجمة في
التكملة في وفيات النقلة للمنذري، وانظر البدر السافر الورقة: ٢٣٧ والزركشي ٣٦٤:٣.
٣٥

السمعاني الذي ذيله على ((تاريخ بغداد )) تأليف الحافظ أبي بكر أحمد بن
علي بن ثابت البغدادي - وقد سبق ذكر كل واحد من هؤلاء الثلاثة في هذا
التاريخ - فقال ابن الدبيني: ((كان يعقوب المذكور متقدماً على أهل صناعته،
يعني في صنعة المنجنيق وما يتعلق به ، وكان فيه فضل ويقول الشعر ، سمع
شيئاً من الحديث من أبي المظفر ابن السمرقندي وأبي منصور ابن الشطرنجي ،
علقت عنه شيئاً من شعره ، أنشدني أبو يوسف يعقوب بن صابر لنفسه ١ :
خجلاً ومال بعطفه المياسٍ
قبلتُ وجنته فألفتَ جيده
عَرَقٌ يحاكي الطلّ فوق الآس
فانهلّ من خديه فوق عذاره
بتصاعدِ الزفرات من أنفاسي
فكأني استقطرتُ ورد خدوده
سألته عن مولده فقال : في ضحى نهار الاثنين رابع محرم سنة أربع
وخمسين وخمسمائة)) .
وقال غير ابن الدبيني٢: ((كان ابن صابر المنجنيقي جندياً في ابتداء أمره
مقدماً على المنجنيقيين بمدينة السلام ببغداد ، ولم يزل مُغْرى بآداب السيف
والقلم وصناعة السلاح والرياضة ، واشتهر بذلك ، ولم يلحقه أحد من أبناء
زمانه في درايته وفهمه لذلك، وصنف فيه كتاباً سماه ((عمدة السالك ٣ في
سياسة الممالك)) ولم يتممه وهو مليح في معناه ، يتضمن أحوال الحروب
وتعبيتها وفتح الثغور ، وبناء المعاقل وأحوال الفروسية والهندسة والمصابرة على
القلاع والحصار؛ والرياضة الميدانية والحيل الحربية ، وفنون العلاج بالسلاح
وعمل أداة الحرب والكفاح ، وصنوف الخيل وصفتها ، وقد قسم هذا
الكتاب ورتبه أبواباً ، كلّ باب منه يشتمل على فصول)).
((وكان شيخاً هشّاً مليحاً لطيفاً فكهاً طيب المحاورة، شريف النفس
متواضعاً ، فيه تودد وبشر وسكون ، وهو مع ذلك شاعر مكثر مجيد ذو
الأبيات في ابن الشعار ١٠ : ١٤٨
٢ لم يصرح المؤلف هنا بالمصدر، والنص متفق مع ما جاء عند ابن الشعار ١٠ : ١٤٤.
٣ ابن الشعار : عمدة المالك .
٤ ابن الشعار : والمصابرة والحصار والمعاقل والأمصار .
٣٦

معان مبتكرة ، يقصّد الشعر ويعمل المقاطيع ، وجمع من شعره كتاباً مختصراً
سماه ((مغاني المعاني)) ومدح الخلفاء، وكانت له منزلة لطيفة عند الامام
الناصر لدين الله أبي العباس أحمد خليفة العصر ذلك الوقت)»١.
قلت : وكانت أخباره في حياته متواصلة إلينا وأشعاره تنقلها الرواة عنه ،
ويحكون وقائعه وماجراياته وما ينظم في ذلك من الأشعار الرائقة والمعاني
البديعة ، ولم تتفق لي رؤيته مع المجاورة وقرب الدار من الدار ، لأنه كان
ببغداد ونحن بمدينة إربل ، وهما متجاورتان ، لكن لكثرة اطلاعي على أخباره
وما يتفق له من النظم المنقول عنه في وقته كأني كنت معاشره ، وما زلت
مشعوفاً بشعره مستعذباً أسلوبه فيه . واجتمعت بخلق كثير من أصحابه والناقلين
عنه ، منهم صاحبنا الشيخ عفيف الدين أبو الحسن علي بن عدلان المعروف
بالمترجم الموصلي ، فإنه أنشدني له شيئاً كثيراً ، فمن ذلك قوله٢ :
لهدم الصيّاصي وافتتاح المرابطِ
كلفتُ بعلم المنجنيق ورميه
فلم أخلُ في الحالين من قصد حائط
وعدتُ إلى نظم القريضِ لشقوتي
وأنشدني عنه أيضاً ، وذكر أنه لم يسبق إليه٣ :
لا تكن واثقاً بمن كظم الغيظَ اغتيالاً وَخَفْ غرارَ الغرور
فالظّبَا المُرْهفاتُ أقتلّ ما كا نت إذا غاض ماوُها في الصدور
وأنشدني له أيضاً في جارية سوداء كان يهواها ، وهي حبشية :
بذات° جفون صحاحٍ مراضٍ
وجارية من بنات الحبوش
غراماً ولم أك بالشيب راض
فشبْتُ
للتصالي
تعشقتها
فصارت تعيّرني بالبياض
بالسواد
أعيّرها
وكنت
١ هنا ينتهي النقل مؤقتاً عن ابن الشعار.
٢ ابن الشعار ١٠: ١٤٩ ورواية البيت الأول :
كلفت بعلم المنجنيق فلم أزل
أحث ركابي بين ناء وشاحط
٣ ابن الشعار ١٠ : ١٤٩
٤ ابن الشعار : أقطع .
٥ كذا في المسودة والمختار .
٣٧

وأنشدني عنه أيضاً :
وعبْرَتها حذراً تدمعُ
وجارية عبرت للطواف
ففيسه الأمان لمن يجزع
فقلتُ ادخلي البيتَ لا تجزعي
فقالت : ومِنْ شيبةٍ أفرع
شيبة
سِدَانتُهُ لبي
وأنشدني عنه في غلام يتعلم السباحة في دجلة بغداد ، وقد لبس تّبانَ ١
أزرق وشد على ظهره شكوة منفوخة كما جرت عادة من يتعلم العوم٢،
فقال في ذلك :
أضحت تُعَانق مَنْ أحبّ وأعشقُ
يا للرجال شكايتي من شكوة
تطفو ويُثْقلي الغرام فأغرق
جمعت هوی کھوايَ إلا أنها
أردافه فهو العدو الأزرق
ويُغِيرني التبان عند عناقه
وقال صاحبنا الكمال ابن الشعار الموصلي صاحب كتاب ((عقود الجمان))٣:
أنشدني ابن صابر لنفسه هذه الأبيات ، لكنه روى البيت الثاني منها على صورة
أخرى فقال :
حملت هوى كهواي فهي بوصله تطفوٌ ويبكيني الغرامُ فأغرقُ
وهذا من المعاني النادرة ، فإن العرب إذا وصفت العدو بشدة العداوة
قالت: هو عدوّ أزرق ، وقد جاء هذا في كلامهم وأشعارهم كثيراً ، واستعمله
الحريري في المقامة الرابعة عشرة فقال: ((فمذ اغبرّ العيشُ الأخضر، وازور
المحبوب الأصفر ، اسودّ يومي الأبيض ، وابيض فَوْدي الأسود ، حتى
رأى لي العدو الأزرق، فحبذا الموت الأحمر)). ورأيت في بعض الرسائل ،
ولا أتحقق الآن صاحبها: ((قد أوردنا ظبا الحديد الأخضر ، في ماء الوريد
١ المختار : تباناً، وأثبتنا ما جاء في المسودة .
٢ المختار : السباحة .
٣ ابن الشعار ١٠ : ١٤٦ .
٤ كتبها في المسودة ((تقفو)).
• كذا في المسودة، وهي الثالثة عشرة في المطبوعة ، انظر المقامات ص : ١٢٥
٣٨

الأحمر ، من عدو اللّه الأرزق ، من بني الأصفر))، وهو باب متسع فلا
حاجة إلى الإطالة في ذكر شواهده .
وأنشدني عنه أيضاً في جماعة من الصوفية أضافهم فأكلوا جميع ما قدمه
لهم فکتب إلی شیخھم یذکر حاله معهم١ :
أبان عن فضلٍ وعلياء
مولاي يا شيخَ الرباط الذي
باتوا ضيوفي وأودّائي٢
إليك أشكو جَوْرَ صوفية
وبتُّ تشكو الجوعَ أحشائي
أتيتهم بالزاد مستأثراً
مشوا على الخبز ومن عادة الزهاد أن يمشوا على الماء
لهمْ بخبزٍ وبحلواء
وهم إلى الآن ضيوفي فجدْ
أو لا فخذهم واكفنيهمْ فما يحسنُ في مثلهمُ رائي
وأنشدني عنه في الصوفية أيضاً ٣ :
مشايخ العصر لشرب العصيرْ
قد لبس الصوف لترك الصفا
شرّ طويل تحت ذيل قصير
الرقصُ والشاهد من شأنهم
وأنشدني عنه أيضاً ، وهو من المعاني المستطرفة :
وسباله مستهتراً بزواله
قالوا نراه يسلّ شعرَ عذاره
فأجبتهم لا زلتُ عبدَ وصاله
فتسلَ عنه وخذْ حبيباً غيره
أن لا يفارقني بنتْفٍ سباله
هل يحسنُ السلوان عن حِبّ يرى
وأنشدني له غير ابن عَدْلان وقال : لما كبر ابن صابر وضعفت
حركته صار إذا مشى يتوكأ على عصا ، فقال في ذلك :
١ من هذه القطعة بيتان في البدر السافر .
٢ روايته في البدر السافر :
أشكو إلى عدلك صوفية
قد أضرموا بالنار أحشائي
٣ ابن الشعار ١٠ : ١٥٠
٣٩

ألقيتُ عن يديّ العصا زمنَ الشبيبة للنزول
وحملتها لما دعا داعي المشيب إلى الرحيل
وكان ببغداد شخص يقال له ابن بِشْران ، وكان كثير الأراجيف .
فمنع من ذلك ، فقعد على الطريق ينجم ، فقال فيه ابن صابر :
من خيفة السلطان صار منجما
إن ابن بشران ولستُ ألومه !
طُبِيعَ المشومُ على الفضولِ فلم يطقْ في الأرضِ إرجافاً فأرجفَ في السما
قلت٢: وأنشدني الأديبُ شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن
سالم المعروف بابن التّعْفتري لنفسه في بعض ليالي شهر رمضان سنة ثمان
وثلاثين وستمائة بالقاهرة المحروسة ، وهو من شعراء العصر المجيدين :
عاجلتَ مني اللّمّةَ السوداء
باشیبُ کیفوما انقضی زمنُ الصبا
لا تعجلنّ فوالذي جعل الدجى
من ليلِ طُرّنيَ البهيم
ضياء
ما سَرّ قلبي كونُها بيضا
لو أنها يومَ الحسابِ صحيفتي
فقلت له : قد أغرت على بيت نجم الدين ابن صابر ، حتى إنك قد
أخذت معظم لفظه وجميع معناه والوزن والروي، وهو قوله :
لو أن لحيةَ من يشيبُ صحيفةٌ لمعاده ما اختارها بيضاء
فحلف أنه لم يسمع هذا البيت إلا بعد عمله للأبيات المذكورة ، والله
أعلم بذلك . وهذا البيت لابن صابر من جملة أبيات وهي :
يكسو الوجوه مهابةً وضياء
قالوا بياضُ الشيبِ نورٌ ساطعٌ
فوددت أن لا أفقد الظلماء
حتى سَرَّتْ وَخَطَاته في مَفْرِفِي
بخضابها فصبغتها سوداء
وعدلتُ أستبقي الشبابَ تعللا
لمعاده ما اختارها بيضاء
لو أن لحيةَ من يشيبُ صحيفةٌ
١ المختار وهامش المسودة : على علاته
٢ انظر الغيث ٢ : ١٠٤ .