Indexed OCR Text

Pages 381-400

فضحكت ، فقال لي : مم ضحكك ١ ! فقلت : خيراً ، أبقى اللّه أمير المؤمنين،
قال : لتخبرنّي، وألحّ عليَّ، فأخبرته بالقصة من أوّلها إلى آخرها ، فعجب من
ذلك وقال : لعمري إن العلم لينفع دنيا ودينً ، وترحم على أبي حنيفة وقال :
كان ينظر بعين عقله مالا يراه بعين رأسه .
وحكى عليّ بن المحسّن التنوخي عن أبيه عن جده قال : كان سبب اتصال
أبي يوسف بالرشید أنه کان قدم بغداد بعد موت أبي حنيفة رحمه الله تعالی فحنث
بعض القواد في يمين ، فطلب فقيهاً يستفتيه ، فجيء بأبي يوسفَ ، فأفتاه أنّه
لم يحنث ، فوهب له دنانير وأخذ له داراً بالقرب منه . ودخل القائد يوماً على
الرشيد فوجده مغموماً ، فسألهُ عن سبب غمه فقال : شيء من أمر الدين قد
حزني فاطلب فقيهاً كي أستفتيه ، فجاءه بأبي يوسف . قال أبو يوسف : فلما
دخلت إلى ممر بين الدور رأيت فتى حسناً عليه أثر الملك ، وهو في حجرة
محبوس ، فأومأ إليّ بأصبعه مستغيثاً فلم أفهم منه إرادته، وأُدخلت إلى الرشيد ،
فلما مثلت بين يديه سلمت ووقفت فقال لي : ما اسمك ؟ فقلت : يعقوب أصلح
اللّه أمير المؤمنين، قال: ما تقول في إمام شاهد رجلاً يزني هل يحده ؟ قلت :
لا ، فحين . قلتها سجد الرشيد، فوقع لي أنّه قد رأى بعض أهله على ذلك وأن
الذي أشار إليّ بالاستغاثة هو الزاني . ثم قال الرشيد : من أين قلت هذا ؟ قلت :
لأن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: ((ادرأُوا الحدود بالشبهات)) وهذه شبهة
يسقط الحدّ معها ، قال: وأيّ شبهة مع المعاينة ؟ قلت : ليس توجب المعاينة
لذلك أكثر من العلم بما جرى ، والحدود لا تكون بالعلم ، وليس لأحد أخذ
حقّه بعلمه، فسجد مرّة أخرى، وأمر لي بمال جزيل وأن ألزم الدار، فما خرجت
حتى جاءتني هدية الفتى وهدية أمه وجماعته ، وصار ذلك أصلاً للنعمة ، ولزمت
الدار ، فكان هذا الخادم يستفتيني وهذا يشاورني ، ولم يزل حالي يقوى عند
الرشيد حتى قلدني القضاء .
قلت : وهذا يخالف ما نقلته قبل هذا من أنّه ولي القضاء لثلاثة من الخلفاء ،
والله أعلم بالصواب .
١ تاريخ بغداد : مم ضحكت .
٣٨١

وقال طلحة بن محمد بن جعفر : أبو يوسف مشهور الأمر ظاهر الفضل ،
وهو صاحب أبي حنيفة ، وأفقه أهل عصره ، ولم يتقدمه أحد في زمانه ، وكان
النهاية في العلم والحكم والرياسة والقدر ، وأوّل من وضع الكتب في أصول
الفقه على مذهب أبي حنيفة ، وأملى المسائل ونشرها ، وبثّ علم أبي حنيفة في
أقطار الأرض .
وقال عمار بن أبي مالك : ما كان في أصحاب أبي حنيفة مثل أبي يوسف ،
لولا أبو يوسف ما ذكر أبو حنيفة ولا محمد بن أبي ليلى ، ولكنه هو نشر
قولهما وبثّ علمهما .
وقال محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ١ : مرض أبو يوسف في زمن أبي
حنيفة مرضاً خيف عليه منه ، فعاده أبو حنيفة ونحن معه ، فلما خرج من عنده
وضع يده على عتبة بابه وقال : إن يمت هذا الفتى فإنّه أعلم من عليها ، وأومأ
إلى الأرض
وقال أبو يوسف ؛ سألني الأعمش عن مسألة ، فأجبته فيها فقال لي :
من أين لك هذا ؟ فقلت : من حديثك ٢ الذي حدّثتناه أنت ، ثم ذكرت له
الحديث ، فقال لي : يا يعقوب ، إنّ لأحفظ هذا الحديث قبل أن يجتمع أبواك
وما عرفت تأويله حتى الآن .
وقال هلال بن يحيى : كان أبو يوسف يحفظ التفسير والمغازي وأيام العرب ،
وكان أقل علومه الفقه ، ولم يكن في أصحاب أبي حنيفة مثل أبي يوسف ٣ .
وذكر أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني في كتاب ((الجليس والأنيس ))
عن الشافعي رضي الله عنه أنّه قال : مضى أبو يوسف القاضي ليسمع المغازي
من محمد بن إسحاق أو من غيره ، وأخلّ بمجلس أبي حنيفة أياماً ، فلما أتاه
قال له أبو حنيفة ؛ يا أبا يوسف ، من كان صاحب راية جالوت ؟ فقال له
أبو يوسف : إنك إمام وإن لم تمسك عن هذا سألتك واللّه على رؤوس الملا أيما
١ تاريخ بغداد ١٤ : ٢٤٦
٢ تاريخ بغداد : لحديثك .
٣ ولم يكن ... يوسف: لم ترد هذه الجملة ضمن ما قاله هلال بن يحيى في تاريخ الخطيب .
٣٨٢

كان أولاً وقعة بدر أو أحد ؟ فإنّك لا تدري أيهما كان قبل الآخر ، فأمسك عنه .
وذكر في الكتاب المذكور أيضاً عن عليّ بن الجعد أن القاضي أبا يوسف
كتب يوماً كتاباً ، وعن يمينه إنسان يلاحظ ما يكتبه ، ففطن له أبو يوسف ،
فلما فرغ من الكتابة التفت إليه وقال له : هل وقفت على شيء من خطإ ؟ فقال :
لا والله ولا حرف واحد، فقال له أبو يوسف : جزيت خيراً حيث كفيتنا مؤونة
قراءته ، ثم أنشد :
كأنّهُ مِنْ سوء تأديبهِ أسْلم في كُتّاب سوء الأدبْ
وقال حماد بن أبي حنيفة ١ : رأيت أبا حنيفة يوماً وعن يمينه أبو يوسف وعن
يساره زُفَر، وهما يتجادلان في مسألة ، فلا يقول أبو يوسف قولاً إلا أفسده
زفر ، ولا يقول زفر قولاً إلا أفسده أبو يوسف ، إلى وقت الظهر ، فلما أذن
المؤذن رفع أبو حنيفة يده فضرب بها فخذ زُفَر ، وقال : لا تطمع في رياسة
ببلدة فيها أبو يوسف ، وقضى لأبي يوسف على زفر ، ولم يكن بعد أبي يوسف
في أصحاب أبي حنيفة مثل زفر .
وقال طاهر بن أحمد الزبيري ٢ : كان يجلس إلى أبي يوسف رجل فيطيل
الصمت ، فقال له أبو يوسف : ألا تتكلم ، فقال : بلى ، متى يفطر الصائم ؟
فقال : إذا غابت الشمس ، فقال : فإن لم تغب إلى نصف الليل ، فضحك أبو
يوسف وقال : أصبت في صمتك وأخطأت أنا في استدعاء نطقك ، ثم تمثل :
عجبتُ لإزراء الغبيّ بنفسه. وصمتِ الذي قد كان بالقول أعلما
وفي الصمت سترٌ للغبي وإنّما صحيفة لبّ المرء أن يتكلما
ومن كلام أبي يوسف ٣ : صحبة من لا يخشى العار عار يوم القيامة . وكان
يقول : رؤوس النعم ثلاثة : فأولها نعمة الإسلام التي لا تتم نعمة إلا بها ،
١ تاريخ بغداد : ٢٤٧ .
٢ المصدر السابقُّ: ٢٤٨ .
٣ متابع للنقل عن المصدر السابق .
٣٨٣

والثانية : نعمة العافية التي لا تطيب الحياة إلا بها، والثالثة نعمة الغنى التي لا يتم
العيش إلا بها .
وقال علي بن الجعد : سمعت أبا يوسف يقول : العلم شيء لا يعطيك بعضه
حتى تعطيه كلك ، وأنت إذا أعطيته كلك من إعطائه البعض كنت على غَرّر .
وكان أبو يوسف ١ راكباً وغلامه يعدو وراءه، فقال له رجل : أتستحل أن
تُعَدَّيَ غلامك وراءك ؟ لم لا تركبه ؟ فقال له : أيجوز عندك أن أسلم غلامي
مكارياً ؟ قال : نعم ، قال أبو يوسف : فيعدو معي كما كان يعدو لو كان
مكارياً .
وقال يحيى بن عبد الصمد٢ : خوصم أمير المؤمنين الهادي إلى القاضي أبي
يوسف في بستانه ٣، وكان الحكم في الظاهر للهادي وفي الباطن خلاف ذلك ،
فقال الهادي للقاضي أبي يوسف : ما صنعت في الأمر الذي نتنازع إليك فيه ؟
فقال : خصم أمير المؤمنين يسألني أن أحلّفَ أمير المؤمنين أن شهوده شهدوا
على حق ، فقال له الهادي : وترى ذلك ؟ قال : فقد كان ابن أبي ليلى يراه ،
فقال : اردد البستان عليه ؛ وإنّما احتال عليه أبو يوسف لعلمه أن الهادي لا
حلف ؛ .
وقال بشر بن الوليد الكندي ، قال لي القاضي أبو يوسف ° : بينا أنا البارحة
قد أويت إلى فراشي فإذا داق يدق الباب دقاً شديداً ، فأخذت علي إزاري
وخرجت ، فإذا هرثمة بن أعين ، فسلمت عليه ، فقال : أجب أمير المؤمنين ،
فقلت : يا أبا حاتم ، لي بك حرمة ، وهذا وقت كما ترى ، ولست آمن أن
يكون أمير المؤمنين قد دعاني لأمر من الأمور ، فإن أمكنك أن تدفع بذلك إلى غد
فلعله أن يحدث له رأي ، فقال : ما لي إلى ذلك سبيل، قلت : كيف كان السبب ؟
١ تاريخ بغداد : ٢٤٩ .
٢ المصدر نفسه .
٣ ر والمختار : بستان .
٤ علق ابن المؤلف هنا بقوله: ((قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به ؛ وهذا يقوي.
نقل من روى أنه تولى القضاء لثلاثة من الخلفاء منهم الهادي، كما تقدم ذكره، والله أعلم)).
• تاريخ بغداد : ٢٥٠ .
٣٨٤

قال : خرج إلي مسرور الخادم فأمرني أن آتي بك أمير المؤمنين، فقلت: تأذن لي أن
أصب عليَّ ماء وأتحنط ؟فإن كان أمر من الأمور كنت قد أحكمت شأني وإنرزق١
الله العافية فلن يضرني، فأذن لي ، فدخلت فلبست ثياباً جدداً ، وتطيبت
بما أمكن من الطيب ، ثم خرجنا فمضينا حتى أتينا دار أمير المؤمنين هارون الرشيد
فإذا مسرور واقف ، فقال له هرثمة : قد جئت به ، فقلت لمسرور: يا أبا هاشم
خدمتي وحرمتي وميلي ، وهذا وقت ضيق ، فتدري لم طلبني أمير المؤمنين ؟ قال :
لا ، فقلت : فمن عنده ؟ قال : عيسى بن جعفر ، قلت : ومن ؟ قال : ما
عندهما ثالث ، ثم قال لي : مر ، فإذا صرت في الصحن فإنّه في الرواق ، وهو
ذاك جالس فحرِّك رجلك بالأرض ، فإنّه سيسألك فقل : أنا . قال أبو يوسف :
فجئت ففعلت ذلك فقال : من هذا ، فقلت : يعقوب ، فقال : ادخل ، فدخلت
فإذا هو جالس وعن يمينه عيسى بن جعفر ، فسلمت فرد السلام علي وقال :
أظننا روّعناك؟ فقلت: إي والله وكذلك مَنْ خلفي، فقال: اجلس ، فجلست
حتى سكن رَوْعي ، ثم التفتَ إليّ وقال : يا يعقوب ، تدري لم دعوتك ؟ قلت :
لا ، قال : دعوتك لأشهدك على هذا ان عنده جارية سألته أن يهبها لي فامتنع ،
وسألته أن يبيعها فأبى ، والله لئن لم يفعل لأقتلنه ، قال أبو يوسف : فالتفتُّ
إلى عيسى فقلت له : وما بلغ اللّه بجارية تمنعها أمير المؤمنين وتنزل نفسك هذه
المنزلة ؟ قال فقال لي : عجلت علي في القول قبل أن تعرف ما عندي، قلت : وما
في هذا من الجواب ؟ قال : إن عليّ يميناً بالطلاق والعتاق وصدقة ما أملك أن
لا أبيع هذه الجارية ولا أهبها ، فالتفت إليّ الرشيد فقال : هل له في ذلك من
مخرج ٢؟ قلت نعم ، قال : وما هو ؟ قلت : يهب لك نصفها ويبيعك نصفها،
فيكون لم يهب ولم يبع ، فقال عيسى : ويجوز ذلك ؟ قلت : نعم ، قال : فأشهدك
أنّي قد وهبت له نصفها وبعته نصفها الباقي بمائة ألف دينار ، فقال له الرشيد :
قبلت الهبة واشتريت نصفها بمائة ألف دينار، ثم طلب منه الجارية ٣، فأتى بالجارية
وبالمال ، فقال : خذها يا أمير المؤمنين بارك الله لك فيها ، فقال الرشيد: يا يعقوب
١٠ ر : وإن يكن رزق .
٢ المختار : فرج .
٣ فقال له الرشيد ... الجارية ، سقط من المسودة .
٢٥ - ٦
٣٨٥

بقيت واحدة ، فقلت : وما هي ؟ فقال : هي مملوكة ولا بد أن تستبرأ ، ووالله
لئن لم أبت معها ليلتي هذه إنّ أظن أن نفسي ستخرج ، فقلت : يا أمير المؤمنين
تعتقها وتتزوجها ، فإن الحرة لا تستبرأ ، قال : فإنّي قد أعتقتها فمن يزوجنيها ؟
فقلت : أنا ، فدعا بمسرور وحسين ، فخطبت وحمدت اللّه تعالى ثم زوَّجته
إياها على عشرين ألف دينار ، ودعا بالمال فدفعه إليها ، ثم قال لي : يا يعقوب
انصرف ، ورفع رأسه إلى مسرور فقال : يا مسرور، فقال : لبيك ، فقال :
احمل إلى يعقوب مائتي ألف درهم وعشرين تختاً ثياباً ، فحمل ذلك معي .
قال بشر بن الوليد : فالتفت إليّ أبو يوسف وقال : هل رأيت بأساً فيما فعلت ؟
فقلت : لا ، فقال : خذ حقك منها ، قلت : وما حقي ؟ فقال : العشر ، قال
بشر : فشكرته ودعوت له وذهبت لأقوم ، فإذا بعجوز قد دخلت فقالت :
يا أبا يوسف إن بنتك تقرئك السلام وتقول لك : والله ما وصل إلي في ليلي
هذه من أمير المؤمنين إلا المهر الذي قد عرفته ، وقد حملت إليك النصف منه
وخلفت الباقي لما أحتاج إليه ، فقال : رديه فوالله لا قبلتها ؛ أخرجتها من الرق
وزوّجتها أمير المؤمنين وترضى لي بهذا ! قال بشر : فلم نزل نطلب إليه أنا
وعمومتي حتى قبلها ، وأمر لي منها بألف دينار .
وقال أبو عبد الله اليوسفي ١: إن أم جعفر زبيدة ابنة جعفر زوجة الرشيد
كتبت إلى أبي يوسف : ما ترى في كذا ، وأحب الأشياء إليَّ أن يكون الحق
فيه كذا ، فأفتاها بما أحبت ، فبعثت إليه بحق فضة فيه حقاق فضة مُطْبقات ،
في كل واحد لون من الطيب ، وفي جام دراهم وسطها جام فيه دنانير ، فقال له
جليس له، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أُهْدِيَتْ له هدية فجلساؤه
شركاؤه فيها ، فقال أبو يوسف : ذاك حين كانت الهدايا اللبن والتمر .
وقال يحيى بن معين ٢: كنت عند أبي يوسف القاضي وعنده جماعة من
أصحاب الحديث وغيرهم ، فوافته هدية أم جعفر احتوت على تخوت دبيقي
وَمُصْمَتٍ وَشَرْب وطيب وتماثيل ند وغير ذلك ، فذاكرني رجل بحديث
١ تاريخ بغداد : ٢٥٢ .
٢ المصدر نفسه .
٣٨٦

رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أتته هدية وعنده قوم جلوس فهم شركاؤه
فيها ، فسمعه أبو يوسف فقال : أبي تعرّض ؟ ذاك إنّما قاله النبي صلى الله عليه
وسلّم والهدايا يومئذ الأقط والتمر والزبيب ، ولم تكن الهدايا ما ترون ، يا غلام
أشِلْ إلى الخزاين .
ونقلت من كتاب اسمه (( اللفيف)) ولم يذكر فيه من هو مصنفه قال :
كان عبد الرحمن بن مسهر أخو علي بن مسهر قاضياً على المبارك - قلت : وهي
بضم الميم وبعدها باء موحدة وبعد الألف راء مفتوحة وبعدها كاف، وهي بليدة
بين بغداد وواسط على شاطىء دجلة - قال : فبلغ القاضي خروج الرشيد إلى
البصرة ومعه أبو يوسف القاضي في الحرّاقة ، فقال عبد الرحمن القاضي لأهل
المبارك : أثنوا عليّ عند أمير المؤمنين وعند القاضي أبي يوسف ، فأبوا عليه
ذلك ، فلبس ثيابه وقلنسوة طويلة وطيلساناً أسود ، وجاء إلى الشريعة ، فلما
أقبلت الحراقة رفع صوته وقال : يا أمير المؤمنين نعم القاضي قاضينا، قاضي
صدق ، ثم مضى إلى شريعة أُخرى فقال مثل مقالته الأولى ، فالتفت هارون
إلى أبي يوسف وقال: يا يعقوب هذا شرُّ قاض في الأرض ، قاض في موضع
لا يثني عليه إلا رجل واحد ! فقال له أبو يوسف : وأعجب من هذا يا أمير
المؤمنين هو القاضي يثني على نفسه ، قال : فضحك هارون وقال : هذا
أظرف الناس ، هذا لا يعزل أبداً ، وكان الرشيد إذا ذكره يقول : هذا لا يعزل
أبداً . وقيل لأبي يوسف : أتولي مثل هذا القضاء ؟ فقال : إنّه أقام ببابي مدة
وشكا إليّ الحاجة فوليته .
وقال أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب، صاحب كتاب ((الفصيح)):
أخبرني بعضُ أصحابنا قال ؛ قال الرشيد لأبي يوسف : بلغني أنك تقول : إن
هؤلاء الذين يشهدون عندك وتقبل أقوالهم متصنّعة ، فقال : نعم يا أمير المؤمنين ،
قال : وكيف ذاك؟ قال : لأن من صح ستره وخلصت أمانته لم يعرفنا ولم نعرفه ،
ومن ظهر أمره وانكشف خبره لم يأتنا ولم نقبله ، وبقيت هذه الطبقة وهم هؤلاء
المتصنعة الذين أظهروا الستر وأبطنوا غيره ، فتبسم الرشيد وقال : صدقت .
وقال محمد بن سماعة : سمعت أبا يوسف في اليوم الذي مات فيه يقول :
٣٨٧

اللّهم إنك تعلم أنّي لم أجُرْ في حكم حكمت فيه بين اثنين من عبادك تعمداً ،
ولقد اجتهدت في الحكم بما وافق كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم ، وكل
ما أشكل عليّ جعلت أبا حنيفة بيني وبينك ، وكان عندي والله ممن يعرف
أمرك ولا يخرج عن الحق وهو يعلمه .
قلت : وهذا الكلام مأخوذ من قول أبي محمد عبد الله بن الحسن بن الحسن
ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وقد رؤيَ يمسح على خفيه ، فقيل له :
تمسح ؟ قال : نعم ، قد مسح عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ومن جعل عمر
بينه وبين الله فقد استوثق، ذكر هذا ابن قتيبة في كتاب ((المعارف)) في ترجمة
علي رضي الله عنه ١ .
وأخبار أبي يوسف كثيرة ، وأكثر الناس من العلماء على تفضيله وتعظيمه .
وقد نقل الخطيب البغدادي في تاريخه الكبير ألفاظاً عن عبد الله بن المبارك
ووكيع بن الجراح ويزيد بن هارون ومحمد بن إسماعيل البخاري وأبي الحسن
الدار قطني وغيرهم ، ينبو السمع عنها ، فتركت ذكرها ، والله أعلم بحاله .
وكانت ولادة القاضي أبي يوسف سنة ثلاث عشرة ومائة . وتوفي يوم
الخميس أوّل وقت الظهر لخمس خلون من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين
ومائة ببغداد . وقيل إنّه توفي سنة اثنتين وسبعين ومائة ، والأوّل أصح . وولي
القضاء سنة ستّ وستين ومائة ، ومات وهو على القضاء ، رحمه اللّه تعالى.
(348) وأما ولده يوسف ٢، فإنّه كان قد نظر في الرأي وفقُه وسمع
الحديث من يونس بن أبي إسحاق السبيعي والسري بن يحيى وغيرهما . وولي
القضاء بالجانب الغربي من بغداد في حياة أبيه ، وصلى بالناس الجمعة في مدينة
المنصور بأمر هارون الرشيد ، ولم يزل على القضاء إلى أن مات في رجب سنة
اثنتين وتسعين ومائة بغداد .
وذكر الخطيب البغدادي أن أبا يوسف القاضي لمّا مات ولَى الرّشيد مكانه
١ قلت وهذا الكلام ... عنه: سقط من رس وهو ثابت في المسودة والمختار ونسختي ق ع .
٢ انظر ترجمة يوسف في تاريخ بغداد ١٤ : ٢٩٦ .
٣٨٨

أبا البختري وهب بن وهب القرشي؛ قلت : وقد تقدم ذكره في حرف الواو ١ .
وكان أبو يعقوب الخريمي الشاعر المشهور صديقاً لأبي يوسف ولابنه يوسف،
فلما توفي أبو يوسف سمع الخريمي رجلاً يقول : اليوم مات الفقه ، فأنشد
الخريمي ٢ :
أن مات يعقوبُ ولا يدري
یا ناعيّ الفقه إلى أهله
حُوِّلَ من صدر إلى صدر
لم يمتٍ الفقهُ ولكنه
فزال من طيبٍ إلى طهرٍ
ألقاه يعقوبُ إلى يوسفٍ
حلّ وحلَّ الفقه في قبر
فإذا ما ثوى
فهو مقیم
رحمهما الله تعالى .
وخنيس : بضم الخاء المعجمة ، تصغير أخنس ، وهو الذي تأخر أنفه
عن وجهه مع ارتفاع قليل في الأرنبة ، فالرجل أخنس والمرأة خنساء ، وهذا
التصغير يسمى تصغير ترخيم ، وحقيقته أن تحذف منه الحروف الزوائد ، ويصغر
الباقي ، كما قالوا : أزهر وزهير ، وأسود وسويد ، وأحمد وحميد ، وغير
ذلك .
وحبتة : بفتح الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة وبعدها تاء مثناة من
فوقها ثم هاء ساكنة ، وكشفت عن معنى هذا الاسم في عدة مواضع من كتب
اللغة وغيرها فلم أجده .
وبحير : بفتح الباء الموحدة وكسر الحاء المهملة وقيل هو بضم الباء وبالجيم
المفتوحة ، والأول أصح ؛ والباقي معروف لا حاجة إلى ضبطه .
(349) وسعد بن حبتة من جملة من استصغر يوم أحد هو والبراء بن
عازب وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهم، فردهم النبي صلى الله عليه وسلم،
ورآه النبي صلى الله عليه وسلّم يوم الخندق وهو يقاتل قتالاً شديداً مع حداثة
١ انظر هذا الجزء ص : ٣٧ .
٢ تاريخ بغداد ١٤ : ٢٩٧ .
٣٨٩

سنه ، فدعاه وقال له : من أنت ؟ فقال : سعد بن حبتة ، فقال : أسعد اللّه
جدك ، ومسح على رأسه ، رضي الله عنه .
وخُنَيْس هو صاحب جِهارسُوجْ خُنَّيْس بالكوفة ، وهو لفظ عجمي
تفسيره بالعربي أربع طرق ، لأن هذا المكان رحبة مربعة تفترق إلى أربع جهات ،
والله تعالى أعلم .
٨٢٥
يعقوب الحضرمي
أبو محمد يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحَضْرَمي
بالولاء ، البصري المقرىء المشهور ؛ وهو أحد القراء العشرة ، وهو المقرىء
الثامن ، وله في القراءات رواية مشهورة منقولة عنه ، وهو من أهل بيت العلم
بالقراءات والعربية وكلام العرب والرواية الكثيرة للحروف والفقه ، وكان من
أقر! القراء ، وأُخذ عنه عامة حروف القرآن مسنداً وغير مسند من قراة الحَرَميين
والعراقيين وأهل الشام وغيرهم ، وأخذ هو القراءة عَرْضاً عن سلام بن سليمان
الطويل ومهدي بن ميمون وأبي الأشهب العطاردي وغيرهم . وروى عن حمزة
حروفاً ، وسمع الحروف من أبي الحسن الكسائي ، وسمع من جده زيد بن عبد
الله وشعبة. وأمّا إسناده في القراءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فإنّه
قرأ على سلام المذكور ، وقرأ سلام على عاصم بن أبي النجود ، وقرأ عاصم على
أبي عبد الرحمن السلمي ، وقرأ أبو عبد الرحمن على عليّ بن أبي طالب رضي
الله عنه، وقرأ عليّ على رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وروى القراءة عن
٨٢٥ - ترجمته في غاية النهاية ٢: ٣٨٦ وطبقات الزبيدي: ٥١ ومعجم الأدباء ٢٠: ٥٢ والنجوم
الزاهرة ٢ : ١٧٩ وبغية الوعاة : ٤١٨ ونور القبس: ١٧٨ وطبقات ابن سعد ٧ : ٣٠٤
وعبر الذهبي ١ : ٣٤٨ والشذرات ٢: ١٤ وتهذيب التهذيب ١١: ٣٨٢.
٣٩٠

يعقوب المذكور عرضاً جماعة : منهم رَوح بن عبد المؤمن ومحمد بن المتوكل
وأبو حاتم السجستاني وغيرهم ، وسمع منه الزعفراني ، واقتدى به في اختياره
عامة البصريين بعد أبي عمرو بن العلاء ، فهم أو أكثرهم على مذهبه ، وكان
طاهر بن عبد المنعم بن غلبون إمام الجامع بالبصرة لا يقرأ إلا بقراءة يعقوب .
وقال أبو الحسين ابن المنادي : قرأ يعقوب على أبي عمرو ، وغلط في
ذلك ، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم : سئل أحمد بن حنبل رضي الله عنه عن
يعقوب الحضرمي فقال : صدوق ؛ وسئل أبو حاتم الرازي عنه فقال : صدوق .
وقال أبو حاتم السجستاني : كان يعقوب الحضرمي أعلم من أدركنا ورأينا
بالحروف والاختلاف في القرآن الكريم وتعليله ومذاهبه ومذاهب النحو في
القرآن الكريم .
وله كتاب سماه (( الجامع)) جمع فيه عامة اختلاف وجوه القراءات ، ونسب
كل حرف إلى مَن قرأ به . وبالجملة فإنّه كان إمام أهل البصرة في عصره في
القراءات ، وكان يأخذ أصحابه بعدد آي القرآن العزيز ، فإذا أخطأ أحدهم في
العدد أقامه .
وتوفي يعقوب المذكور في ذي الحجة ، وقيل في جمادى الأولى ، سنة
خمس ومائتين ، وهو الأصح . وعاش هو وأبوه إسحاق وجدّه زيد ، كل
واحد منهم ثمانياً وثمانين سنة رحمهم الله أجمعين .
(350) وأمّا جدّ أبيه عبد اللّه بن أبي إسحاق الحضرمي ١ فإنّه كان من
الأئمة الأعلام المشار إليه في علومهم .
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى : أوّل من وضع العربية أبو الأسود الدؤلي
ثم ميمون الأقرن ثم عنبسة الفيل ثم عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي. وقد جاء
في رواية أخرى أن عنبسة قبل ميمون ، والله أعلم بالصواب . وكان في زمان
عبد الله بن أبي إسحاق عيسى بن عمر الثقفي وأبو عمرو بن العلاء ، ومات
عبد اللّه قبلهما.
١ ترجمة عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي في انباه الرواة ٢: ١٠٤ وفي الحاشية ذكر لعدد وافر
من مصادر ترجمته .
٣٩١

وذكر أبو عبيد اللّه المرزباني في كتاب (( المقتبس في أخبار النحويين)) أن
المبرد قال : أجمعت العلماء باللغة أن أول من وضع العربية أبو الأسود الدؤلي
وأنّه لقن ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم أخذ النحو عن أبي
الأسود عنبسةُ بن مَعْدان المهري١ ، وأخذه عنه ميمون الأقرن ، وأخذه عنه
عبد الله الحضرمي ، وأخذه عنه عيسى بن عمر ، وأخذه عنه الخليل بن أحمد ،
وأخذه عنه سيبويه ، وأخذه عنه الأخفش .
وكان بلال بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قد جمع
بين عبد الله وأبي عمرو بن العلاء ، وبلال يومئذ متولي البصرة ، قال أبو عمرو :
فغلبني ابن أبي إسحاق بالهمز ، فنظرت فيه بعد ذلك وبالغت فيه .
وكان عبد الله كثيراً ما يأخذ على الفرزدق الغلط في شعره ، فقال الفرزدق :
واللّهِ لأهجونهُ ببيت يسير بين أهل الأدَبِ وَيَتمثلونَ به ، فعمل :
فلو كان عبدُ اللّهِ مَولى هجوتهُ ولكنَّ عبدَ اللّه مَوْلى مواليا ٢
وإنّما قال الفرزدق ذلك لأن عبد الله مولى الحضرميين ، وهم حلفاء بني
عبد شمس بن عبد مناف ، والحليف عند العرب مولى ، ولهم على ذلك شواهد ،
ولولا خوف الإطالة لذكرت طرفاً من ذلك ، لكن ليس هذا موضع ذكره .
١ في نور القبس : ٢٣ أنه ادعى إلى مهرة بن حيدان؛ وفي المختار : المهرمي .
٢ المختار : المواليا .
٣٩٢

٨٢٦
أبو عوانة الحافظ
أبو عوانةَ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد النيسابوري ثم الإسفرايني ،
الحافظ ، صاحب المسند الصحيح المخرَّج على كتاب مسلم بن الحجاج ؛ كان
أبو عَوانة أحد الحفاظ الجوّالين والمحدثين المكثرين ، طاف الشام ومصر والبصرة
والكوفة وواسط والحجاز والجزيرة واليمن وأصبهان والري وفارس .
قال الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) : : سمع
أبو عوانة بدمشق يزيد بن محمد بن عبد الصمد وإسماعيل بن محمد بن قيراط
وشعيب بن شعيب بن إسحاق وغيرهم ؛ وبمصر يونس بن عبد الأعلى وابن
أخي ابن وهب والمزني والربيع، ومحمداً وسعداً ابي عبد الحكم ، وبالعراق
سعدان بن نصر والحسن الزعفراني وعمر بن شبة وغيرهم ؛ وبخراسان محمد
ابن يحيى الذهلي ومسلم بن الحجاج ومحمد بن رجاء السندي وغيرهم ؛ وبالجزيرة
عليّ بن حرب وغيره . روى عنه أبو بكر الإسماعيلي وأحمد بن علي الرازي
وأبو علي الحسين بن علي وأبو أحمد ابن علي وسليمان الطبراني ومحمد بن يعقوب
ابن إسماعيل الحُفّاظ وأبو الوليد الفقيه وابنه أبو مصعب محمد بن أبي عوانة .
وحج خمس مرات . وقال : كنت بالمصيصة ، فكتب إليّ أخي محمد بن
إسحاق ، فكان في كتابه :
شفينا النفسَ من مَضَضِ العتابِ
فإن نحنُ التقينا قبلَ مَوَتٍ
فكم من عاتبٍ تحت الترابِ
وإن سبقتْ بنا أيدي المناياً
وقال أبو عبد الله الحاكم : أبو عوانة من علماء الحديث وأثباتهم ، ومن
٨٢٦ - ترجمته في تذكرة الحفاظ: ٧٧٩ ومرآة الجنان ٢: ٢٦٩ وطبقات السبكي ٢ : ٣٢١
وعبر الذهبي ٢: ١٦٥ والشذرات ٢ : ٢٧٤.
٣٩٣

الرحّالة في أقطار الأرض لطلب الحديث . توفي سنة ست عشرة وثلثمائة .
وقال حمزه بن يوسف السهمي : روى بجرجان سنة اثنتين وتسعين ومائتين .
قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر : حدثني الشيخ الصالح الأصيل أبو عبد الله
محمد بن محمد بن عمر ابن الصفار الإسفراييني قال : قبر أبي عوانة بإسفرايين١
مزار العالم ، ومتبرَّك الخلق ، وبجنب قبره قبر الراوية عنه أبي نعيم عبد الملك
ابن الحسن الأزهري الإسفرايني في مشهد واحد داخل المدينة ، على يسار الداخل
من باب نيسابور من إسفرايين ١، وقريب من مشهده مشهد الإمام الأستاذ أبي
إسحاق الإسفرايني على يمين الداخل من باب نيسابور ، ويجنب قبره قبر الأستاذ أبي
منصور البغدادي الإمام الفقيه المتكلم صاحبه ، الصاحب بالجنب حياً وميتاً ،
المتظاهرين لنصرة الدين بالحجج والبراهين . سمعت جدي الإمام عمر ابن الصفار،
رحمه اللّه تعالى ، ونظر إلى القبور حول قبر الإمام الأستاذ أبي إسحاق ، وأشار
إلى المشهد وخارج المشهد وقال : قد قيل هاهنا من الأئمة والفقهاء على مذهب
الإمام الشافعي ، رضي اللّه عنه، أربعون إماماً، كل واحد منهم لو
تصرف في المذهب وأفتى برأيه واجتهاده - يعني على مذهب الشافعي - لكان
حقيقاً بذلك ، والعوام يتقربون إلى مشهد الأستاذ أبي إسحاق أكثر مما يتقربون
إلى أبي عوانة ، وهم لا يعرفون قدر هذا الإمام الكبير المحدث أبي عوانة لبعد
العهد بوفاته ، وقرب العهد بوفاة الأستاذ أبي إسحاق ، وأبو عَوانة هو الذي
أظهر لهم مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه بإسفرايين١ بعد ما رجع عن مصر
وأخذ العلم عن أبي إبراهيم المزني رحمه الله تعالى ؛ وكان جدي إذا وصل إلى
مشهد الأستاذ رأيته لا يدخله احتراماً ، بل كان يقبل عتبة المشهد وهي مرتفعة
بدرجات ، ويقف ساعة على هيئة التعظيم والتوقير ثم يعبر عنه كالمودع لعظيم
عظيمِ الهيبة ، وإذا وصل إلى مشهد أبي عوانة كان أشد تعظيماً له وإجلالاً
وتوقيراً ويقف أكثر من ذلك ، رحمهم الله تعالى أجمعين .
وعَوَانة : بفتح العين المهملة وبعد الألف نون .
وقد تقدم الكلام على النيسابوري والإسفراي فلا حاجة إلى الإعادة .
١ أثبت الياءين في هذا الموضع في المسودة .
٣٩٤

٨٢٧
ابن السكيت
أبو يوسف يعقوب بن إسحاق ، المعروف بابن السكيت ، صاحب كتاب
((إصلاح المنطق)) وغيره؛ ذكره الحافظ ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) فقال:
حكى عن أبي عمرو إسحاق بن مِرَار الشيباني ومحمد بن مُهنًا ومحمد بن صُبْح١
ابن السماك الواعظ ؛ حكى عنه أحمد بن فرح المقرىء ومحمد بن عجلان
الأخباري وأبو عكرمة الضبي وأبو سعيد السكري وميمون بن هارون الكاتب
وغيرهم . وكان يؤدب أولاد المتوكل . وقال ، قال محمد ابن السماك : مَن
عرف الناس داراهم ومن جهلهم ماراهم ورأس المداراة ترك المماراة . وروى
ابن السكيت أيضاً عن الأصمعي وأبي عبيدة والفرّاء وجماعة غيرهم .
وكتبه جيدة صحيحة منها: ((إصلاح المنطق)) وكتاب ((الألفاظ)) وكتاب
في ((معاني الشعر)) وكتاب ((القلب والإبدال)) ولم يكن له نفاذ في علم النحو ،
وكان يميل في رأيه واعتقاده إلى مذهب من يرى تقديم علي بن أبي طالب رضي
الله عنه .
قال أحمد بن عبيد٢ : شاورني ابن السكيت في منادمة المتوكل فنهيته ،
فحمل قولي على الحسد ، وأجاب إلى ما دُعي إليه من المنادمة ، فبينا هو مع
المتوكل يوماً جاء المعتز والمؤيد ، فقال المتوكل : يا يعقوب أيما أحب إليك ،
٨٢٧ - ترجمته في تاريخ بغداد ١٤ : ٢٧٣ والفهرست : ٧٢ ونزهة الألبا : ١٢٢ ومراتب
النحويين : ٩٥ وطبقات الزبيدي: ٢٢١ وبغية الوعاة: ٤١٨ ونور القبس: ٣١٩ وقد
نشرت عنه دراسة لمحيي الدين توفيق إبراهيم ( بغداد : ١٩٦٩).
١ قد أثبتناه في ترجمته ((محمد بن صبيح)) اعتماداً على النسخ والمصادر المختلفة، وهو هنا بخط
المؤلف ((صبح)) إلا أن صورة الياء مرسومة دون إعجام ؛ ولذلك اضطربت فيه النسخ بين
صبح وصبيح .
٢ انظر الزبيدي : ٢٢١ .
٣٩٥

ابناي هذان أم الحسن والحسين ؟ فغض ابن السكيت من ابنيه وذكر من الحسن
والحسين رضي الله عنهما ما هما أهله، فأمر الأتراك فداسوا بطنه ، فحمل إلى
داره ، فمات بعد غد ذلك اليوم ، وكان ذلك في سنة أربع وأربعين ومائتين .
وقال عبد الله بن عبد العزيز، وكان نهى يعقوب عن اتصاله بالمتوكل:
إذا ماسطا أربى على كل ضيغم
نهيتك يا يعقوب عن قرب شادن
١
فذق واحسُ ما استحسيته لا أقول إذ عثرتَ : لَعاً ، بل : لليدين وللفم
وحكي أن الفراء سأل السكيت عن نسبه فقال : خُوزِيّ أصلحك الله من
دَوْرَق - قلت : بفتح الدال المهملة وبعد الواو الساكنة راء ثم قاف ، وهي
بليدة من أعمال خُوْزَستان ، قال : من كور الأهواز- قلت : والأهواز من
خوزستان أيضاً - قال : فبقي الفراء أربعين يوماً في بيته لا يظهر لأحد من
أصحابه ، فسئل عن ذلك ، فقال : سبحان الله ، أستحي أن أرى السكيت ،
لأنني سألته عن نسبه فصدقني ، وفيه بعضُ القبح .
قال أبو الحسن الطوسي : كنا في مجلس أبي الحسن علي اللحياني ، وكان
عازماً على أن يملي نوادره ضعف ما أملى، فقال يوماً: تقول العرب ((مُثْقَل
استعان بذقنه )) فقام إليه ابن السكيت وهو حدث فقال : يا أبا الحسن إنّما هو
((مثقل استعان بدفّيه)) يريدون الجمل إذا نهض بحمله استعان بجنبيه ، فقطع
الإملاء . فلما كان المجلس الثاني أملى فقال: تقول العرب (( وهو جاري
مكاشري )) فقام له ابن السكيت فقال : أعزك الله وما معنى مكاشري ؟ إنّما هو
((هو مكاسري، كسرُ بيتي إلى كِسْرٍ بيته))، قال: فقطع اللحياني الإملاء
فما أملى بعد ذلك شيئاً .
وقال أبو العباس المبرد : ما رأيت للبغداديين كتاباً أحسن من كتاب ابن
السكيت في المنطق .
وقال أحمد بن محمد بن أبي شَدّاد : شكوت إلى ابن السكيت ضائقة فقال :
هل قلت شيئاً ؟ قلت : لا ، قال : فأقول أنا ، ثم أنشدني :
١ بهامش المسودة: خ: أم قشعم ؛ وكذلك كتب في س وفي طبقات الزبيدي.
٣٩٦

٠
نفسي ترومُ أموراً لستُ مدركَها ما دمتُ أحذر ما يأتي به القدرُ
ليس ارتحالك في كسب الغنى سفراً لكن مُقَامُكَ في ضرّ هو السفر
وقال ابن السكيت : كتب رجل إلى صديق له : قد عرضت لي قبلَكَ
حاجة ، فإن نجحت فالفاني منها حظي والباقي حظك ، وإن تعذرت فالخير
مظنون بك ، والعذر مُقَدّم لك ١ ، والسلام .
ونقل من خطه ما مثاله : عرض سَلْمانُ بن ربيعة الباهلي الخيل ، فمرّ
عمرو بن معدي كرب الزبيدي على فرس له ، فقال سلمان : هذا الفرس
هجين ، فقال عمرو : بل هو عتيق ، فقال سلمان : هو هجين ، فقال عمرو :
هو عتيق ، فأمر سلمان فعُطّش ، ثم دعا بطست فيه ماء ، ودعا بخيل عتاق
فشربت ، وجاء فرس عمرو فثنى يده وشرب ، وهذا صنيع الهجين ، فقال له
سلمان : أترى ١ ؟ فقال عمرو : أجل ، الهجين يعرف الهجين ، فبلغ ذلك عمر
ابن الخطاب رضي الله عنه ، فكتب إلى عمرو : قد بلغني ما قلتَ لأميرك ،
وبلغني أن لك سيفاً تسميه الصمصامة ، وعندي سيف أسميه مصمماً ، وايم
اللّه لئن وضعتُه على هامتك لا أُقلع حتى أبلغَ به رَهابتك ، فإن سرك أن تعلم
أحق ما أقول فعد ، والسلام .
الرهابة : على وزن السحابة ، عَظْم في الصدر مشرف على البطن مثل
اللسان ، والله أعلم .
وقال أبو عثمان المازني ٢ : اجتمعت بابن السكيت عند محمد بن عبد الملك
الزيات الوزير ، فقال محمد بن عبد الملك : سل أبا يوسف عن مسألة ، فكرهت
ذلك وجعلت أتبأطا وأدافع مخافة أن أوحشه لأنّه كان لي صديقاً ، فألح علي
محمد بن عبد الملك وقال : لم لا تسأله ؟ فاجتهدت في اختيار مسألة سهلة لأقارب
يعقوب ، فقلت له: ما وزن نكتل من الفعل من قول اللّه تعالى: ﴿فَأرْسِلْ
....
١ المختار : ممهد لك .
٢ المختار : أما ترى .
٣ طبقات الزبيدي : ٢٢٢ .
٣٩٧

مَعَنا أخانا نَكْتل﴾ (يوسف: ٦٣) فقال لي : نفعل ، قلت : ينبغي أن يكون
ماضيه كتل ، فقال : لا ، ليس هذا وزنه إنّما هو نفتعل ، فقلت له : نفتعل
كم حرف هو ؟ قال : خمسة أحرف ، قلت : فنكتل كم حرفاً هو ؟ قال :
أربعة أحرف ، فقلت : أيكون أربعة أحرف بوزن خمسة أحرف ؟ فانقطع
وخجل وسكت ، فقال محمد بن عبد الملك : فإنّما تأخذ كل شهر ألفي درهم
على أنك لا تحسن وَزْنَ نكتل ؟! قال: فلما خرجنا قال لي يعقوب: يا أبا عثمان
هل تدري ما صنعت ؟ فقلت له : والله لقد قاربتك جَهْدي ، وما لي في هذا
ذنب .
قلت: وذكر أبو الحسن ابن سيده هذه الحكاية في أوّل خطبة كتابه ((المحكم
في اللغة)) لكنه قال : إن ذلك كان بين يدي المتوكل ، والله أعلم .
وقال غير ابن عساكر : كان يعقوب بن السكيت يؤدّب مع أبيه بمدينة
السلام في درب القنطرة صبيانَ العامة ، حتى احتاج إلى الكسب ، فجعل يتعلم
النحو . وحكى عن أبيه أنّه كان قد حج فطاف بالبيت وسعى وسأل الله تعالى
أن يعلم ابنه النحو فتعلم النحو واللغة ، وجعل يختلف إلى قوم من أهل القنطرة
فأجروا له كل دفعة عشرة دراهم وأكثر حتى اختلف إلى بشر وهارون اني
هارون ، أخوين كانا يكتبان لمحمد بن عبد الله بن طاهر الخزاعي١، فما زال
يختلف إليهما وإلى أولادهما دهراً ، فاحتاج ابن طاهر إلى رجل يعلم أولاده ،
وجعل ولده في حجر إبراهيم بن إسحاق المصعبي ، فرتب يعقوب وجعل له
رزقاً خمسمائة درهم ، ثم جعلها ألف درهم .
وقال أبو العباس ثعلب : كان ابن السكيت يتصرف في أنواع العلوم ،
وكان أبوه رجلاً صالحاً ، وكان من أصحاب أبي الحسن الكسائي حسن المعرفة
بالعربية . وكان سبب ٢ قعود يعقوب للناس وقصدهم إياه أنّه عمل شعر أبي النجم
العجلي وجرده فقلت : ادفعه لي لأنسخه فقال : يا أبا العباس ، حلفت بالطلاق
١ من عادة المؤلف أن يحيل على التراجم، وقد وردت ترجمة محمد بن عبدالله بن طاهر في النسخة
مج (انظر ج ٥: ٩٢) ولم يشر إليها ، أتراها من الزيادات الموضوعة عليه ؟
٢٠ قارن بما عند الزبيدي : ٢٢٣
٣٩٨

أنّه لا يخرج من يدي ، ولكنه بين يديك فانسخه ، واحضر يوم الخميس ، فلما
وصلت إليه عُرِفَ بي ، فحضر بحضوري ١ قوم، ثم انتشر ذلك فحضر الناس.
وقال ثعلب أيضاً : أجمع أصحابنا أنّه لم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة
من ابن السكيت ، وكان المتوكل قد ألزمه تأديب ولده المعتز بالله ، فلما جلس
عنده قال له : بأي شيء يحب الأمير أن نبدأ - يريد من العلوم - فقال المعتز :
بالانصراف ، قال يعقوب : فأقوم ، قال المعتز : فأنا أخف نُهُوضاً منك ،
وقام فاستعجل فعثر بسراويله فسقط، والتفت إلى يعقوب خجلاً وقد احمرّ
وجهُه ، فأنشد يعقوب :
وليس يصابُ المرءُ من عثرة الرجلِ
يصابُ الفتى من عثرةٍ بلسانه
وعثرته بالرجل تَبْرأ في ٢مَهْلِ
فعثرته في القول تُذْهبُ رأسه
فلما كان من الغد دخل يعقوب على المتوكل فأخبره بما جرى ، فأمر له
بخمسين ألف درهم وقال : قد بلغني البيتان .
وكان يعقوب يقول : أنا أعلم من أبي بالنحو ، وأبي أعلم مني بالشعر واللغة .
وقال الحسين بن عبد المجيب الموصلي : سمعت ابن السكيت يقول في مجلس
أبي بكر بن أبي شيبة :
ظاهرَ الحبِّ ليس بالتقصير
ومن الناس من يحبُّك حبّاً
فإذا ما سألتَهُ عُشْرَ فلسٍ ألحقَ الحبَّ باللطيف الخبير
وكان لابن السكيت شعر وهو مما تثقُ النفسُ به ، فمن ذلك قوله :
وضاق لما به الصدرُ الرحيبُ
إذا اشتملتْ على اليأسِ القلوبُ
وأرستْ في أماكنها الخطوب
وأُوطنَتِ المكارهُ واستقرت
ولا أغنى بحيلته الأريب
ولم ترَ لانكشافٍ الضرّ وجهاً
١ ر : لحضوري .
٢ ق : تبرا على .
٣٩٩

أتاك على قنوط منك غَوْثٌ يمنّ به اللطيف المستجيب
فموصولٌ بها فَرَجٌ قريب
وكلّ الحادثاتِ إذا تناهتْ
وكان العلماء يقولون: ((إصلاح المنطق)) كتاب بلا خطبة، و((أدب
الكاتب )) تأليف ابن قتيبة خطبة بلا كتاب، لأنّه طول الخطبة وأودعها فوائد.
وقال بعض العلماء : ما عبر على جسر بغداد كتاب في اللغة مثل ((إصلاح
المنطق)) ، ولا شك أنّه من الكتب النافعة الممتعة الجامعة لكثير من اللغة ، ولا
نعرف في حجمه مثله في بابه ، وقد عني به جماعة ، فاختصره الوزير أبو القاسم
الحسين بن علي المعروف بابن المغربي - المقدم ذكره١ - وهذبه الخطيب أبو
زكريّا التبريزي، وتكلم على الأبيات المودعة فيه ابن السيرافي ، وهو كتاب مفيد .
ولابن السكيت من التصانيف أيضاً كتاب ((الزبرج)) وكتاب ((الألفاظ))
وكتاب ((الأمثال)) وكتاب ((المقصور والممدود)) وكتاب (المذكر والمؤنث))
وكتاب ((الأجناس)) وهو كبير، وكتاب ((الفرق)) وكتاب ((السرج واللجام))
وكتاب ((فَعلَ وأفعل)) وكتاب ((الحشرات)) وكتاب ((الأصوات )) وكتاب
((الأضداد)) وكتاب ((الشجر والنبات)) (وكتاب ((الوحوش)) وكتاب (( الإبل))
وكتاب ((النوادر)) وكتاب ((معاني الشعر الكبير)) وكتاب (( معاني الشعر الصغير))
وكتاب ((سرقات الشعراء٢ وما اتفقوا عليه)) وغير ذلك من الكتب ، ومع
شهرته لا حاجة إلى الإطالة في ذكر فضله .
وقد روي في قتله غير ما ذكرته أولاً ، فقيل إن المتوكل كان كثير التحامل
على علي بن أبي طالب وابيه الحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين - وقد
تقدم في ترجمة أبي الحسن علي بن محمد المعروف بابن بسام أبيات تدل على هذا
أيضا٣ً - وكان ابن السكيت من المغالين في محبتهم والتوالي لهم ، فلما قال له
المتوكل تلك المقالة قال ابن السكيت : واللّه إن قَنْبر خادم علي رضي الله عنه خير
١ انظر = ٢ : ١٧٢ .
٢ في ق والمسودة: سرقات الشعر .
٣ انظر ج ٣ : ٣٦٥.
٤٠٠